135 قال: "وأما حديث سويد بن غفلة الذي قال فيه: إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربع فذكر الدار قطني(1) أنه لم يرفعه عن الشعبي إلا قتادة. قال: وهو مدلس. وقد رواه جماعة من الأئمة الحافظ موقوفاً على عمر قوله"(2). قال النووي: "هذا الحديث مما استدركه الدار قطني على مسلم وقال: لم يرفعه عن الشعبي إلا قتادة وهو مدلس ورواه شعبة عن أبي السًّفَر عن الشعبي من قول عمر موقوفاً. ورواه بيان وداود ابن أبي هند عن الشعبي عن سويد عن عمر موقوفاً عليه، وكذا قال شعبة عن الحكم عن خيثمة عن سويد. وقاله ابن عبد الأعلى عن سويد وأبي حصين عن إبراهيم عن سويد هذا كلام الدار قطني. وهذه الزيادة في هذه الرواية انفرد به مسلم لم يذكرها البخاري وقد قدمنا أن الثقة إذا انفرد برفع ما وقفه الأكثرون كان الحكم لروايته وحكم بأنه مرفوع على الصحيح الذي عليه ا لفقهاء والأصوليون محققو المحدثين وهذا من ذاك والله أعلم"(3). ثانياً: ردّ الانتقاد عن الحديث من ذلك ما جاء في كتاب الطهارة – باب: خصال الفطرة والتوقيت فيها – حديث أنس بن مالك، قال: ((وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشَّارِبِ، وتَقْلِيمَ الأَظَافِرِ... )) قال: "وهذا الحديث يرويه جعفر بن سليمان. قال العقيلي في حدثه نظر، وقال أبو عمر فيه: ليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه. قال القرطبي: "وفي قوليهما نظر"(4). وفي حديث حطّان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، قال: عند قوله: ((وإذَا قَرَأ فَأَنْصِتْوا ))." حجة لمالك ومن قال بقوله: إن المأموم لا يقرأ مع الإمام إذا جهر. قال الدار قطني(5): هذه اللفظة لم يتابع سليمان لتيمي فيها عن قتادة. وخالفه الحفاظ. قال وإجماعهم على مخالفتهم يدل على وهمه. قال الشيخ رحمه الله تعالى – أي القرطبي -: وقد أشار مسلم في كتابه إلى تصحيح هذه الزيادة، وهي ثابتة في الأصل في رواية الجلودي، عن إبراهيم بن سفيان. وقد تقدم في أول كتابنا قول إبراهيم بن سفيان لمسلم لم لم تخرج في كتابك ((وإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا )) أليست صحيحة؟ فقال: ليس كل الصحيح خرجت هذا، وإنما خرجت ما أجمعوا عليه، فهذا تصريح بصحتها إلا أنها ليست عنده مما أجمعوا على صحته"(6). قال النووي: ...." وأعلم أن هذه الزيادة وهي قوله((فإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا )) اختلف الحفاظ في صحته فروى البَيْهَقِيّ في السنن الكبيرة عن أبي داود السَّجِسْتَانِيُّ أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة، وكذلك رواه عن يحيى بن معين وأبي حاتم الرَّازِي والدارقطني والحا فظ أبي علي النَّيْسَابُورِي شيخ الحاكم أبي عبد لله. (1) الدار قطني، التنبيه، مصدر سابق، ص 262. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5، ص396. (3) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج14، ص ص42 – 34. (4) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص515. (5) الدار قطني، التتبع، مصدر سابق، ص170. (6) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص39.
عدد الصفحات ١٤٥136 قال البيهقي: قال أبو علي الحافظ: هذه اللفظة غير محفوظة، قد خالف سليما التَّيْمِيُّ فيه جميع أصُحَاب قَتادَةَ، واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم لا سيما ولم يرويها مسندة في صحيحه، والله أعلم"(1). وفي حديث عبد الله بن عمرو((أَنَّ رسولَ اللهِ –صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم – قال: مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو في سبيلِ اللهِ فَيُصِيْبُونَ الغَنِيمَةَ... )). قال: "وظاهر هذا الحديث – أعني حديث عبد الله بن عمرو: أن له مجموع الأمرين – وقد اجتمع لأهل بدر سهمهم، ولما صح عند هؤلاء التعارض، فمنهم من رد هذا الحديث. وضعفه، وقال: في إسناده حميد بن هانئ، وليس بمشهور ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته. قلت – أي القرطبي – وهذا ليس بشيء، فلا يلتفت إليه لأن البخاري قد ذكر حميد بن هانئ هذا فقال: سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، وعمر بن مالك، وسمع منه حيوة بن شريح، وابن وهب"(2). قال: النووي: "وأما قولهم أبو هاني– حميد بن هاني- مجهول، فلغط فاحش، بل هو ثقة مشهور روى عنه الليث بن سعد، وحيوة، ابن وهب، وخلائق من الأئمة، يكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه"(3). وفي حديث((زَجَر رسولُ الله – صلّى الله عليه وسلّم – عَنْ ثَمَنِ الكلْبِ والسَنَّور)) قال: "فمنهم من علله بأنه ل يثبت، ولا يمكن انضباطه، وهذا ليس بشيء وهذه مناكره للحسن فإنها تنضبط في البيوت آماداً طويلة، وتسلمه ممكن حال ة البيع، فقد كملت شروط البيع..."(4). قال النووي: "وأما ما ذكره الخطابي وأبو عمر بن عبد البر من أن الحديث في النهي عنه ضعيف فليس كما قالا. بل لحديث صحيح رواه مسلم وغيره، وقول ابن عبد البر أنه لم يروه عن أبي الزبير، غير حماد بن سلمة غلط منه أيضاً؛ لأن مسلماً قد رواه في صحيحه، كما يروى من رواية معقل بن عبيد الله عن أبي الزبير، فهذا ثقتان روياه عن أبي الزبير وهو ثقة والله أعلم"(5). وفي حديث((الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيْر)) قال: "وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث انقطاع في أصل مسلم، وهو من المواضع المنقطعة الأربعة عشر، لكن لا يضر ذلك إن صح لأنه قد رواه من طرق أخر متصلةٍ"(6). قال النووي: قوله عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ثلاثة من ولد سعد، كلهم يحدثه عن أبيه: ((أَنًّ النبيَّ –صلى الله عليه وسلم – دَخَلَ على سَعُدٍ يَعُودُه بِمَكَةَ )). وفي الراوية الأخرى عن حميد، عن ثلاثة من ولد سعد، قالوا: ((مَرِ ضَ سَعْدٌ بِمَكَةَ فأتاهُ رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – يَعُوْدُهُ )) فهذه الروية مرسلة، والأولى متصلة؛ لأن أولاد سعد تابعيون وإنما ذكر مسلم هذه الروايات المختلفة في وصله وإرساله ليبين اختلاف الرواة في ذلك، قال القاضي: (1) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج4، ص105. (2) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص ص748 – 749. (3) النووي، المنهاج، مصدرسابق، ج 13، ص46. (4) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص447. (5) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج 10، ص198. (6) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص550.
عدد الصفحات ١٤٦137 وهذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابة أن يذكرها في مواطنها، فظن ظانون أنه يأتي بها مفردة، وأنه توفي قبل ذكره والصواب أنه ذكرها، في تضاعيف كتابه كما أوضحناه في أول هذ الشرح، ولا يقدح هذا الخلاف في صحة هذه الرواية، ولا في صحة أصل الحديث لأن أصل لحديث ثابت من طرق من غير جهة حميد عن أولاد سعد، وثبت وصلهم عنهم في بعض الطرق التي ذكرها مسلم، وقد قدمنا في أول هذا الشرح: أن الحديث إذا روي متصلاً مرسلاً فالصحيح الذي عليه المحققون أنه محكوم باتصاله؛ لأنه زيادة ثقة، وقد عرض الدارقطني بتضعيف هذه الرواية، وقد سبق الجواب عن اعتراضه الآن وفي مواضع نحو هذ، والله أعلم"(1). وفي حديث((مَنْ حَلَفَ عَلى يَمِيْنٍ فَرَأَىَ خَيَراً مِنْها فلْيُكَفِّر... )) قال: "وذكر مسلم في بعض طرق حديث أبي موسى الأشعري المُردّقة، حدثنا شبيان بن فروخ حدثنا الصعق بن حزن – بكسر العين من ا لصعق، حدثنا مطر الوراق، حدثنا زهدم الجرمي وهذا سند فيه نظر، وذلك أن الدارقطني(2) استدركه على مسلم، فقال: ابن الصعق ومطر ليس بالقويين ولم سمع مطر من زهدم. قلت – أي القرطبي -: وهذا لا عتب على مسلم فيه ولا نقص يلحق كتابه بسبب ذلك؛ لأنه قد أخرج الحديث من طرق كثيرة صحيحة، ثم أردف السند بعد تلك الطرق الصحيحة المتصلة ولذلك قال فيه: قال زهدم: دخلت على أبي موسى وهو يأكل لحم دجاج، وساق الحديث بنحو حديثهم وزاد فيه، قال: إني والله ما نسيت. فذكره مردفاً لأجل هذه اللفظة الزائدة، ثم هذا على ما شرطه في أول كتابه حيث قسم الأسانيد إلى ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات، فهذا السند من الطبقة الأخيرة التي هي دون من قبلها، وما فيها مغمز بوجه ما. وهذا يدل على أنه ادخل الثلاث طبقات في كتابه خلافاً لمن زعم: أنه لم يدخل فيه من الطبقة الثالثة أحداً "(3). قال النووي: "قال الدار قطني: الصعق ومطر ليسا قويين، ولم يسمعه مطر من زهدم، وإنما رواه عن القاسم عنه، فاستدركه على مسلم. وهذا الاستدلال فاسد؛ لأن مسلماً لم يذكره متأصلاً وإنما ذكره متابعة للطرق الصحيحة السابقة، وقد سبق أن المتابعات يحتمل فيها الضعف؛ لأن الاعتماد على م قبلها، وقد سبق ذكر مسلم لهذه المسألة في أول خطبة كتابه، وأنه يذكر بعض الأحاديث الضعيفة متابعة للصحيحة. وأما قوله إنهما ليسا قويين فقد خالفه الأكثرون، فقال يحيى بن معين وأبو زرعة: هو ثقة في الصعق، وقال أبو حاتم: ما به بأس. وقال هؤلاء الثلاثة مطر الوراق: هو صالح وإنما ضعفوا روايته عن عطاء خاصة"(4). (1) النووي، المنهج، مصدر سابق، ج11، ص69. (2) الدار قطني، التتبع، مصدر سابق، ج ص95 (3) القرطبي، ا فهم، مصدر ساق، ج 4، ص630. (4) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج11، ص95.
عدد الصفحات ١٤٧138 في حديث ابن عمر– رضي الله عنهما – ((أَرَاَيْتُكمُ لَيْلَتَكُم هذه...)) قال: "هذا الحديث رواه مسلم من طريقين ذكر الأول منهما متصلاً، قم أردف عليه سنداً أخر فيه انقطاع، ولا يعتب عليه في ذلك إذ قد وفى بشرط كتابه في الطريق الأول، ثم زاد بعد ذلك السند المنقطع"(1). وفي حديث((تَقُومُ السَّاعَةُ أَكَثَرُ النَّاسِ )) قال: "هذا الحديث رواه مسلم من طريقين: أحدهما لا تعقب فيه عليه، والأخر فيه تعقب وهو الذي قال فيه: حدثني حرملة بن يحيى الجيبي، حدثنا عبد الله بن وهيب، حدثني أبو شريح أن عبد الكريم بن الحارث حدثه أن المستورد القرشي قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقومل ذلك قال الدار قطني(2): عبد الكريم لم يدرك المستورد. والحديث مرسل قلت – أي القرطبي-: هذا الإسناد ذكره مسلم مردفاً على الإسناد السليم الذي لا تعقب فيه، وكأن مسلماً تحقق ما قله ال دارقطني. ولذلك أردفه على الإسناد الأول الذي هو عمدته وعلى شرطه. وهذا وغيره مما تقدم مثله، يدل على أن القسم الثالث الذي ذكره مسلم في أول كتابه أدخله في مسنده، والله أعلم"(3). قال النووي: "لا استدراك على مسلم في هذا؛ لأنه ذكر الحديث محذوفه في الطريق الأول من رواية علي بن رباح، عن أبيه، عن المستورد متصلاً. وإنما ذكر الثاني متابعة، وقد سبق أنه يحتمل في المتابعات ما لا يحتمل في الأصول. وقد سبق أيضاً أن مذهب الشافعي والمحققين أن الحديث المرسل إذا روي من جهة متصلاً احتج به وكان صحيحاً، وتبينا برواية الاتصال صحة رواية الإرسال، ويكونان صحيحين بحيث لو عارضهما صحيح جاء من طريق واحد وتعذر الجمع قدمناهما عليه"(4). ثالثاً: التسليم للانتقاد: كان القرطبي– رحمه الله – يسلم أحياناً للانتقاد كما في حديث أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((مَنْ صَامَ رَ مضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهَ سِتَّاً مِنُ شَوالَ كَانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ )). قال: "قلت وحديث أبي أيوب المتقدم وإن كان قد خرجه مسلم ليس بصحيح، وهو من جملة الأحاديث الضعيفة الواقعة في كتابه؛ وذلك لأن في إسناده سعد بن سعيد بن قيس، قال فيه النسائي(5): ليس بالقوى، وغيره يضعفه كما ذكره الترمذي،(6) وقد انفرد عن عمر بن ثابت قال أبو عمر بن عبد البر: أظن أن لشيخ عمر بن ثابت لم يكن عند مالك ممن يعتمد عليه. (7). وفي حديث أبي أنس((إِنًّ عِثمانَ تَوضَأَ بالمقَاعِدِ فَقَال: أَلا أُريكُم وَضُوءَ رسولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم- ثُم تَوضَأَ ثَلاثاَ ثلاثاَ )) (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج6، ص489. (2) الدار قطني، التتبع، مصدر سابق، ص213. (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 7، ص ص235 – 236. (4) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج18، ص9. (5) المزي: تهذيب الكمال، مصدر سابق، ج 10، ص264. (6) الترمذي، الجامع، كتاب الصوم، باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال حــ 758، ج3، ص132 قال: وقد تكلم أهل لحديث سعد بن سعيد من قبل حفظه. وقال عن الحديث حسن صحيح. (7)القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج ص
عدد الصفحات ١٤٨139 قال((وقوله عن أبي أنس)) هو مالك بن أبي عامر الأصبحي، قال أحمد بن حنبل: وهم وكيع في قوله عن أبي أنس، وإنما هو أبو النضر، عن بسر بعد سعيد، عن عثمان. وقال الدار قطني: هذا مما وهم فيه وكيع عن الثوري، وخالفه بقية أصحاب الثوري الحفظ، فرووه عن الثوري، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان"(1). قال: النووي: "هذا الإسناد من جملة، ما استدركه الدارقطني وغيره، قال أبو علي الغساني الجياني: مذكور أن وكيع بن الجراح وهم في إسناد هذا الحديث في قوله عن أبي أنس، وإنما يرويه أبو النضر، عن بسر عن سعيد، عن عثمان بن عفان. روينا هذا عن أحمد بن حنبل وغيره. قال: وهكذا قال الدار قطني: هذ مما وهم فيه وكيع عن الثوري وخالفه بقية أصحاب الثوري الحفاظ منهم الأشجعي عبد الله، وعبد الله بن الوليد، ويزيد بن أبي حكيم، والفريابي ومعاوية بن هشام، وأبو حذيفة، وغيرهم. ورووه عن الثوري، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، أن عثمان، وهو الصواب هذ آخر كلام أبي علي"(2). وفي حديث ابن عباس((اَشْتَكَتَ امرأَةَ شَكوى فَقالَت: إِنْ شَفانِي اللهُ لأَخُرْجَنَّ... )) قال: ((وقلوه عن ابن عباس: أن امرأة اشتكت شكوى)) جميع رواة مسلم رووا هذا الحديث من طريق الليث، عن نافع، عن إبراهيم، عن ميمونة، ولم يذكر ابن عباس. وكذلك البخاري عن الليث ولم يذكر فيه ابن عباس. وقال بعضهم: صوابه: إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس أنه قال: أن امرأة اشتكت، (وعن ابن عباس خطأ)، والصواب (ابن) بدل (عن) والله أعلم"(3). قال النووي بعد أن سابق الكلام عل هذه الحديث، وأنه مما أنكر على مسلم بسبب إسناده "ويحتمل صحة لروايتين جميعاً كما فعله مسلم، وليس هذا الاختلاف المذكور نافعاً من ذلك ومع هذا فالمتن صحيح بلا خلاف، والله أعلم"(4). وفي حديث: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكَاَ لهُ ف ي عَبُدِ قال: وقوله ((وإَلاَّ فَقَدُ عَتِقَ مِنْهُ مَا عَتِقَ...)) "ذكره مالك عن نافع على أنه من قول النبي – صلى الله عليه وسلم – وجزم بذلك وهو الظاهر من مساق الحديث. فروايته أولى من رواية أيوب عن نافع؛ حيث اضطرب في ذلك، فقال مرّة: قال ن افع: وإلا فقد عتق منه ما عتق ومرّة قال: فلا أدري أشيء قاله نافع، أم هو من الحديث، لأن مالكاً جازم غير شاك؟! وقد تابعه على ذلك جماعة من الحفاظ عن نافع كجرير بن حازم وعبيد الله وغيرهما"(5). قال النووي: "قال القاضي عياض: في ذكر الاستسعاء هنا خلاف بين الرواة قال: الدارقطني: (6) روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة وهما أثبت فلم يذكرها فيه الاستسعاء ووافقهما همام ففصل الاستسعاء عن الحديث فجعله من رأي قتادة. (1) المصدر ذاته، ج ص (2) النووي، المنهاج، ج ص (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص506. (4) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج9، ص142. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص ص313-314. (6) الدارقطني، التتبع، مصدر سابق، ص 149.
عدد الصفحات ١٤٩140 قال: وعلى هذا أخرجه البخاري وهو الصواب. قال الدارقطني وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول ما أحسن ما رواه همام وضبطه، ففصل قول قتادة عن الحديث. قال القاضي: وقال الأصيلي وابن القصار وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها؛ لأنه ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر وقال ابن عبد البر الذين لم يذكروها – السعاية – ثبت ممن ذكرها. قال غيره: وقد اختلف فيها عن سعيد بن أبي عروبة. عن قتادة، ذكرها تارة وتارة لم يذكرها فدل على أنه ليست عندي من متن الحديث كما قال غيره. هذا آخر كلام القاضي، والله أعلم"(1). وفي حديث خطبنا رسول– صلى الله عليه وسلم – يوم النحر فقال ((أَيُّ يَوْمٍ هذا)) قال: "وقول ه ((ثُمَّ اَنْكَفَا إِلى كَبَشَيْن أَمْلَ حَيْن...))، قال الدار قطني (2): قوله قم انكفأ إلى كبشين... وهم من ابن عون فيما قيل، وإنما رواه ابن سيرين عن أنس. قلت – أي القرطبي -: إنما نسب هذا الوهم لابن عون، لأن هذا الحديث قد رواه عن ابن سيرين أيوب السختياني وقرة بن خالد وانتهى حديثهما في خطبة النبي – صلى الله عليه وسلم- في حجة يوم النحر عند قوله ((أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ )) في رواية أيوب. وزاد قرة إلى هذا: قالوا: نعم. قال ((اللهُمَّ اَشهد)) وبعد قوله ((أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ )) زاد ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي بكرة. ((ثُمُّ اَنكَفَاَ إِلى كَبْشَيْنِ أَمَلَحيْ نِ فَذَبَحَهُمَا... )) وهذا الكلام إنما كان من النبي – صلى الله عليه وسلم – في خطبة عيد الأضحى على ما رواه أيوب وهشام عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، على ما ذكره مسلم في الضحايا ... فكان ابن عون اختلط عليه الحديثان فساقهما مساقاً واحداً. وأن ذلك كان في خطبة عرفة وهو وهم لا شك فيه"(3). قال النووي: "قال القاضي: قوله ثم انكفا أخر الحديث وهم من ابن عون فيما قيل، وإنما رواه ابن سيرين عن أنس فأد رجه بن ابن عون هنا في هذا الحديث، فرواه عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال القاضي: وقد روى البخاري هذا الحديث عن ابن عون، فلم يذكر فيه هذا الكلام فلعله تركه عمداً. وقد رواه أيوب، عن قرة، عن ابن سيرين، في كتاب مسلم في هذا الباب ولم يذكروا فيه هذه الزيادة قال القاضي: والأشبه أن هذه الزيادة إنما هي في حديث أخر في خطبة عبد الأضحى فوهم فيها الرواي فذكرها مضمومة إلى خطبة الحجة، أو هما حديثان ضم أحدهما إلى الأخر وقد ذكر مسلم هذا بعد هذا في كتاب الضحايا من حديث أيوب وهشام، عن ابن سيرين، عن أنس ((أن النبي – صلى الله عليه وسلم- صلى ثم خطب، فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد)) ثم قال في آخر الحديث: ((فَاَنكَفَاَ رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم - إلى كَبْشَيْن أمْلَحَيْن فَذَبَحهُما، فَقَامَ النَّاسُ إلى غُنَيْمةٍ فَتَوَزَّعُوها )) فهذا هو الصحيح وهو دافع للإشكال"(4). (1) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج 10، ص115. (2 )الدارقطني، التتبع، مصدر سابق، ص 220. (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5، ص ص50 – 51. (4) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج11، ص ص142 – 143.
عدد الصفحات ١٥٠141 وفي حديث((لاَ يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُم قَائِمَا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسِقِ يءُ )) قال: "قال الإمام أبو عبد الله – أي المازري-: لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائماً ناسياً ليس عليه أن يستقيء. قال بعض الشيوخ: والأظهر أن هذا موقوفاً على أبي هريرة"(1). قال النووي: "وأما قول القاضي عياض: لا خلاف بين أهل .... فأشار بذلك إلى تضعيف الحديث فلا يلتفت إلى إشارته"(2). وحديث أبي سفيان يوم الفتح ((عِنْدي أَحْسَنُ العربِ وأَجُمَلُهُ أَمُّ حَبيْبَة بنْتُ أبي سفيانٍ أَزِوِّجُكَهَا ...)). قال: "فقد ظهر أنه لا خلاف بين أهل النقل أن تزويج النبي – صلى الله عليه وسلم- متقدم على إسلام أبيها أبي سفيان، وعلى يوم الفتح، ولما ثبت هذا تعين أن يكون طلب أبي سفيان تزويج أم حبيبة للنبي – صلى الله عليه وسلم- بعد إسلامه خطأ ووهماً، وقد بحث النقاد عمن وقع منه ذلك الوهم فوجدوه قد وقع من عكرمة بن عمار، قال أبو الفرج الجوزي: اتهموا به عكرمة بن عمار، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ولذلك لم يخرج عنه البخاري، وإنما أخرج عنه مسلم؛ لأنه قال فيه يحيى بن معين، هو ثقة. وقال أبو محمد علي بن أحمد الحافظ: هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار، قال بعضهم: ومما يحقق الوهم في هذا الحديث قول أبي سفيان للنبي – صلى الله عليه وسلم – أمر أبا سفيان على أحد إلى أن توفى، فكيف يخلف النبي – صلى الله عليه وسلم- الوعد هذا مما لا يجوز عليه"(3). قال النووي بعد ذكر الاعتراض على هذا الحديث من ابن حزم وغيره. "وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح – رحمه الله تعالى – هذا على ابن حزم وبالغ في الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته، فإنه كان هجوم على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم، قال: ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع، ويحيى بن معين، وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة، قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة؛ لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطييباً لقلبه، لأنه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أنه تزوج بنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن اسلام الأب في مثل هذا تجديد العقد، وقد خفي أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه وطالت صحبته ها كلام أبي عمرو – رحمه الله تعالى- وليس في الحديث أنَّ النبي – صلى الله عليه وسلم- جَدَّدَ العَقْدَ، ولا قال لأبي سفيان أنه يحتاج إلى تجديده فلعله – صلى الله عليه وسلم- أراد بقوله نعم، أن مقصوده يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد. والله أعلم"(4). ِّ (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5، ص286. (2) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج13، ص 164. (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج6، ص456 – 457. (4) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج16، ص53.
عدد الصفحات ١٥١142 ِّ الفصلِّالخامسِّ قيمةِّالكتابِّالعلميةِّ المبحثِّالأولِّ شهادةِّالمؤرخينِّوأصحابِّالتراجمِّلهِّ المبحثِّالثانيِّ تأثيرهِّفيمنِّجاءِّبعدهِّمنِّشراحِّالديثِّ المبحثِّالثالثِّ تحقيقِّالقيمةِّالعلميةِّبمقدارِّماِّيتركِّ العالمِّمنِّثروةِّعلميةِّ المبحثِّالرابعِّ اهتمامِّطلبةِّالعلمِّبالدراسةِّالتحليليةِّ للمؤلفِّومصنفاتهِّ ِّ
عدد الصفحات ١٥٢143 تمهيدِّ " تقاس القيمة العلمية لأي مصنف من المصنفات العلمية بما يلي: أولاً: شهادة المؤرخين وأصحاب التراجم لصاحب المؤلف بالتقدم في فنه الذي سطع نجمه فيه وتألق، وإدراج ترجمة حياته في سجلات الخالدين من العلماء الذين يشكلون معالم في مختلف جوانب المعرفة. ثانياً: الثروة العلمية التي يقدمها المؤلف أو المصنف من خلال مؤلفاته ومصنفاته المختلفة والتي تؤدي دورها ووظيفتها في بناء صرح علم المعرفة، وتقدم إسهامات فريدة في بناء سلم الحضارة الإسلامية بخاصة والإنسانية على وجه العموم. ثالثاً: مدى التفاعل والتأثير الذي يحدثه المؤلف أو صاحب المصنف في نفوس طلبة العلم والعلماء وذلك عبر قنوات المادة العلمية والفكرية التي تضمنها مؤلفه والتي تعيش الحياة وتتحد مع الواقع، فتكون بلسماً للقضايا ومستجدات الحياة واستجابة لمتطلبات ومقتضيات الأمور. وبالتالي يغدو ذلك المصنف أو المؤلف مصدراً معتمداً يرجع إليه في مسائل العلم وقضايا المعرفة. رابعاً: اهتمام الباحثين وطلبة العلم، بالدراس ة التحليلية للمؤلف ومصنفاته للتعرف على جوانب شخصيته العلمية، وأسلوبه ومنهجه واتجاهاته ومواهبه وأخلاقه ليكون قدوة وأسوة يتأسى ويقتدى بها، وقاعدة راسخة يمكن النهو ض على أساسها في مجال العلم والثقافة والفكر" (1). ولدى البحث والتدقيق عن هذه المقاييس عند الإمام القرطبي رحمه الله تعالى أجدها حقيقة واقعة متجسدة فيه وفي مصنفه المفهم. (1) مصطفى إبراهيم المشني، ابن العربي المالكي الإشبيلي وتفسيره أحكام القرآن دراسة تحليلية. الطبعة الأولى. دار الجيل، بيروت - لبنان. دار عّمار، عمان- الأردن، (1411هـ- 1991م). ص387 .
عدد الصفحات ١٥٣144 المبحثِّالأول:ِّشهادةِّالمؤرخوأصحابِّالتراجمِّلهِّ لخص الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى- صحيح مسلم ثم شرحه وسماه "المفهم" وجاء هذا الشرح حافلاً مليئاً بالفوائد العلمية؛ لذا نجد أن العلماء أثنوا عليه. فقال ابن فرحون: " أحسن وأجاد"(1). وقال الصفدي: " أتي فيه بأشياء مفيدة"(2). ووصفه ابن كثير بأن فيه أشياء حسنة: محررة ومفيدة (3). وأما التلمساني فقال: " وهو من أجل الكتب، ويكفيه شرفاً اعتماد النووي رحمه الله تعالى عليه في كثير من المواضع وفيه أشياء حسنة مفيدة"(4) (5). فمن خلال هذه الشهادات التي سطرها أصحابها-رحمهم الله جميعاً - لهذا الكتاب نجد أنه حقاً استحق أن يكون علماً دالاً على صاحبه؛ وأبيّ ن في المبحث الثاني من هذا الفصل -وهو اعتماد شرّاح الحديث عليه - قيمته بشكل أوضح إن شاء الله تعالى. (1) ابن فرحون، ال ديباج المذهب، مصدر سابق، ص68. (2) الصفدي، الوافي بالوفيات، مصدر سابق، ج3 ص278. (3) ابن كثير، البداية والنهاية، مصدر سابق، ج 13 ص241. (4) التلمساني، نفح الطيب، مصدر سابق، ج2 ص651. (5) وممن ذكره كذلك من العلماء الذهبي، العبر، مصدر سابق، ج3 ص278. الذهبي، تذكرة الحفاظ، مصدر سابق، ص 1438 اليافعي، مرآة الجنان، مصدر سابق، ج4 ص106. السيوطي، حسن المحاضرة، مصدر سابق، ج 1 ص457. مخلوف، شجرة النور، مصدر سابق، ص 194.
عدد الصفحات ١٥٤145 المبحثِّالثاني:ِّتأثيرهِّفيمنِّجاءِّبعدهِّمنِّشراحِّالديثِّ وها هنا لا أود أن أستقصي جميع من تأثر به، ولا جميع الوجوه التي تأث روا بها ؛ بل سأكتفي بذكر بعض أولئك مع بعض الأمثلة بما يحقق المراد. وبعد النظر في كتب شروح الحديث اخترت ثلاثة لتكون هي مجال الدراسة والمقارنة وبيان مدى هذا التأثير وهذه الكتب هي: 1- شرح النووي المسمى المنهاج وقد اخترته لقول التلمساني السابق أنه يكفيه شرفاً اعتماد النووي عليه ولقربه زماناً من القرطبي ولاتحاد موضوع الكتاب وهو شرح مسلم. 2- إكمال إكمال المعلم للأُبي. وهو أيضا من شروح مسلم المتداولة والمعتمدة في المغرب الإسلامي الأن بين طلبة العلم ولأن تأثر صاحبه بالقرطبي ظاهر جداً ولأنهما مالكيان. 3- فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر. ووقع اختياري عليه لأنه أشهر كتب شروح الحديث على الإطلاق ، وهو من أهمها بل أكثرها أهمية. وعندما نقف على مدى تأثيره فيهم ونقلهم عنه واعتمادهم عليه في كثير من المسائل يظهر لنا جلياً أهمية هذا الكتاب وقيمته العلمية الحقيقية. المطلبِّالأول:ِّتأثيرهِّفيِّالمامِّالنوويِّ إن الحديث عن تأثير الإمام القرطبي فيمن جاء بعده من شرّاح الحديث جديرٌ أن يبتدأ بتأثيره في الإمام النووي كيف لا وهو أقرب زماناً إلى القرطبي، فوفاة القرطبي 656هـ ووفاة النووي 676هـ-رحمهما الله- فيلحظ القرب الزمني بينهما. وكذلك لا تفاقهما على الكتاب المشروح، ألا وهو صحيح مسلم ، وإن كان القرطبي اختصره ثمّ شرحه. إلا أنه حافظ على أصل المادة وبين اختلاف الروايات وما فيها من زيادة خلال شرحه. وسأنطلق في بيان اعتماد النووي رحمه الله تعالى عليه من قول التلمساني: " ويكفيه شرفاً اعتماد النووي عليه في كثير من المواضع"(1). وعندما تصفحت المنهاج للنووي لم أجده يشير إلى القرطبي مباشرة كما فعل الأُ بي وابن حجر رحمهم الله جميعاً. لذا قمت بعقد مقارنة بين الشرحين في بعض المواطن على سبيل المثال لا الحصر لأخلص بعد ذلك إلى نتيجة. وقد حصرت هذه المقارنة في جانبين: • مقارنة الأبواب الفقهية، واخترت لذلك كتاب الجنائز ولذلك لقصره. • مقارنة بعض المواطن في الشرحين فاخترت ثلاثة مواطن من كتاب الجنائز وموطن من كتاب الطهارة وآخر من كتاب الصلاة. (1) التلمساني، نفح الطيب، مصدر سابق، ج2 ص651.
عدد الصفحات ١٥٥146 مقارنة ابواب الفقهية في كتاب الجنائز الأبواب عند الإمام القرطبي الأبواب عند الإمام النووي 1. تلقين الموتى وما يقال عند المصيبة وعند حضور المرضى والموتى. 1 .تلقين الموتى لا إله إ 2 .ما يقال عند المصيبة 3 .ما يقال عند المريض والميت 2. في إغماض الميت والدعاء له 4 .في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر 5.في شخوص بصر الميت يتبع نفسه. 3. ما جاء في البكاء على الميت وعنده 6 .في البكاء على الميت 4. في عيادة المريض والصبر عند الصدمة الأولى. 7 .في عيادة المريض 8 .في الصبر عند الصدمة الأولى 5. ما جاء في أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه 9 .الميت يعذبببكاء أهله عليه. 6. التشديد في النياحة وما جاء في اتباع الجنائز. 10 .التشديد في النياحة 11 .نهي النساء عن اتباع الجنائز 7. الأمر بغسل الميت وكيفيته 12 .غسل الميت 8. في تكفين الميت وتسجيته والأمر بتحسين الكفن 13 .كفن الميت 14 .تسجية الميت 15.تحسين كفن الميت 9. الإسراع بالج نازة وفضل الصلاة عليها واتباعها. 16.الإسراع بالجنازة 17 .فضل الصلاة على الجنائز واتباعها 10. الاستشفاع للميت وأن الثناء عليه شهادة له وأنه مستريح ومستراح منه. 18.من صلّى عليه ماية شفعوا له 19.من صلّى عليه أربعونشفعوا له. 20.فيمن يثنى عليه خيراً أوشراً في الموتى. 21 .ما جاء في مستريح ومستراح منه 11. الأمر بالصلاة على الميت وكيفية الصلاة عليه وكم التكبيرات. 22 .في التكبير على الجنازة 12. الدعاء للميت وأين يقوم الإمام من المرأة 23. الدعاء للميت في الصلاة 24 .أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه 13. ما جاء في الصلاة على القبر 25. في الصلاة على القبر 14. الأمر بالقيام للجنازة ونسخه 26.القيام للجنازة 27. نسخ القيام للجنازة 15. ركوب المتبع للجنازة إذا انصرف منها 28. ركوب المصلي على الجنازة إذاانصرف. 16. في كيفية القبور وكراهية تجصيصها والبنا ء عليها وهل يجعل في القبر شيء. 29. في اللحد ونصب اللبن على الميت 30. جعل القطيفة في القبر 31. الأمر في تسوية القبر 32. النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه 17. النهي عن الجلوس على القبور والصلاة 33. النهي عن الجلوس على القبر والصلاة
عدد الصفحات ١٥٦147 عليها عليه. 18. الصلاة على الميت في المسجد. 34. الصلاة على الجنازة في المسجد 19. زيارة القبور والتسليم عليها والدعاء والاستغفار للموتى. 35. ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها 20. من لا يصلي عليه 21. النهي عنتمني الموت لضر نزل به. 22. من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. 36. استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل، في زيارة قبر أمه. فمن خلال هذه المقارنة نجد أن عدد الأبواب في كتاب الجنائز عند القرطبي رحمه الله تعالى وصل إلى اثنين وعشرين باباً. وعند النووي رحمه الله تعالى وصل إلى ستةٌ وثلاثين باباً، تشابهت في معظمها في نفس العنوان. فتسعة عشر باباً عند القرطبي شابهها عند النووي خمسة وثلاثون باباً وثلاثة أبواب عند القرطبي لم توجد عند النووي وباب عند النووي لم يذكره القرطبي رحمهما الله. أما مقارنة الشروح لبعض المواطن: أولاً: من كتاب الجنائز أ) في باب: تلقين الموتى. قال القرطبي: " قوله صلى الله عليه وسلم ((لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ))، أي: قولوا لهم ذلك وذكروهم به عند الموت. سماهم صلى الله عليه وسلم موتى لأن الموت قد حضرهم وتلقين الموتى هذه الكلمة سنة مأثورة عمل بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله فيختم له بالسعادة وليدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ )) (1) ولينبه المحتضر على ما يدفع به الشيطان فإنه يتعرض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته، فإذا تلقنها المحتضر فقالها مرّة واحدة فلا تعاد عليه لئلا يضجر منها، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين والإلحاح عليه إذا هو تلقنها أوفهم عنه ذلك، وفي أمره صلى الله عليه وسلم بتلقين الموتى ما يدل على تعين الحضور عند المحتضر لتذكيره وإغماضه والقيام عليه وذلك من حقوقه المسلم على المسلمين، ولا خلاف في ذلك"(2). وقال النووي: " قوله صلى الله عليه وسلم ((لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ))، معناه من حضره الموت والمراد ذكروه لا إله إلاّ الله لتكون آخر كلامه كما في الحديث ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَ لَ الْجَنَّةَ )). والأمر بهذا التلقين أمر ندب واجمع العلماء على هذا التلقين وكرهو ا الإكثار عليه والموالاة لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق. وقالوا: إذا قاله مرّه لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد عليه التعريض ب ه ليكون أخر كلامه كذلك. (1) أبو داود، السنن،كتاب الجنائز، باب في التلقين، ح3116 ج2 ص207 . (2) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2 ص569.
عدد الصفحات ١٥٧148 ويتضمن الحديث الحضور عند المحتضر لتذكيره وتأنيسه وإغماض عينيه والقيام بحقوقه وهذا مجمع عليه " (1). بوفي باب ما جاء في اتباع الجنائز: قال القرطبي:" وقولها: ((نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا )). أي لم يحرم علينا ولم يشدد علينا وظاهر كلامها أنهن نهين عن ذلك نهى تنزيه وكراهة. وإلى منع ذلك صار جم هور العلماء لهذا النهي. ولقوله صلى الله عليه وسلم ((ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ )) (2) وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وكرهه مالك للشابة، في الأمر المستنكر. وأجازه إذا لم يكن ذلك. وأجازه علماء المدينة لقولها ((وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا )) (3). قال النووي وقوله عن أم عطية رضي الله عنها ((نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا)) ومعناه نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهى كراهة تنزيه لا نهى عزيمة تحريم، ومذهب أصحابنا أنه مكروه ليس بحرام لهذا الحديث. قال القاضي: " قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها وأجاز علماء المدينة وأجازه مالك وكرهه للشابة" (4). جوفي باب الإسراع بالجنازة قال القرطبي:" قوله صلى الله عليه وسلم: ((أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ )) أي: أسرعوا بحملها إلى قبرها في مشيكم يدل عليه قوله في آخره ((فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ، أَوْ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ )). وقيل يعني به الإسراع بتجهيزها بعد موتها لئلا تتغير، قال الشيخ رحمه الله تعالى أي القرطبي: الأول أظهر: ثم لا يبعد أن يكون كل واحد منهما مطلوباً إذ مقتضاه مطلق الإسراع فإنه لم يقيده والله أعلم. ثمّ على الأول فذلك الإسراع يكون في رفق ولطف فإنه إن لم يكن كذلك تعب المتبع ولعله يضعف عن إكمال الإتباع. وانخرمت حرمة الميت لكثرة تحريكه وربما يكون ذلك سبب خروج شيء منه فيتلطخ به فيكون ذلك نقيض المقصود الذي هو النظافة. ومقصود الحديث ألا يتبطأ في حمله بالمشي فيؤخر عن خير يقدم به عليه. أو يشكر من حمل الشكر إن كان من أهله، لأن المبطئ في مشيه يخاف عليه الز هو والتكبر وهذا قول الجمهور. وقد تضمن هذا الحديث الأمر بحمل الميت إلى قبره وهو واجب على الكفاية إن لم يكن له مال منه"(5). (1) النووي، المنهاج، ج6 ص192. (2) محمد بن يزيد بن ماجة 279هـ-959م)، كتاب الجنائز، السنن المشهور بسنن ابن ماجه بشرح السندي، الطبعة الأولى، دار المعرفة بيروت، 1416هـ-1996م، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز، ح 1578 ج1 ص ص502-503. (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2 ص ص591-592. (4) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج7 ص3. (5) النووي، المفهم، مصدر سابق، ج2 ص ص602- 603.
عدد الصفحات ١٥٨149 قال النووي:" قوله صلى الله عليهوسلم: ((أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ )) فيه الأمر بالإسراع للحكمة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أصحابنا وغيرهم: يستحب الإسراع بالمشي بها ما لم ينته إلى حد يخاف انفجارها ونحوه… وحمل الجنازة فرض كفاية. قال أصحابنا: ولا يجوز حملها على الهيئة المزرية ولا هيئة يخاف معها سقوطها. قالوا: ولا يحملها إلا الرجال وإن كانت الميتة امرأة لأنهم أقوى لذلك والنساء ضعيفات وربما انكشف من الحامل بعض بدنه وهذا الذي ذكرناه من استحباب المشي بها وأنه مراد الحديث هو الصواب الذي عليه جماهير العلماء. ونقل القاضي عياض عن بعضهم أن المراد الإسراع بتجهيزها إذا استحق موتها وهذا قول باطل مردود بقوله صلى الله عليه وسلم" ((فشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ )). وجاء عن بعض السلف كراهة الإسراع وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يخاف معه انفجارها أو خروج شيء منها" (1). دوجاء في كتاب الطهارة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة عند القرطبي. قوله: في التعريف بأم حبيبة بنت جحش. رضي الله عنها. قال: الدارقطني عن أبي إسحاق الحربي: الصحيح قول من قال: أم حبيب، بلا هاء، واسمها حبيبة. قال الدارقطني: قول أبي إسحاق صحيح. وقال غيره: وقد روي عن عمرة عن عائشة أن أم حبيبة … الحديث. وهي ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال فيه كثير من رواة الموطأ: زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن ابن عوف. قال أبو عمر بن عبد البر: هكذا رواه يحي وغيره، لم يختلفوا في ذلك عن مالك وهو وَهْمٌ من مالك، فإن زينب بنت جحش هي أم المؤمنين لم يتزوجها قط عبد الرحمن بن عوف، إنما تزوجها أولاً زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف هي أم حبيبة كما جاء في كتاب مسلم على ما ذكرناه. وقال أبو عمر: إن بنات جحش الثلاث: زينب وأم حبيبة وحمنة زوج طلحة بن عبيد الله كن يستحضن كلهن وقيل: إنه لم يستحض منهن إلا أم حبيبة. وذكر القاضي يونس بن مغيث (2) في كتابه: "الموعب في شرح الموطأ". مثل هذاوأن اسم كل واحدة منهن زينب. ولقبت إحداهن بحمنة وكنيت الأخرى بأم حبيبة فإذا صح هذا فقد برأ الله مالكاً عن الوهم"(3). قال النووي في تعريفها… قال القاضي - يعني عياض- اختلف أصحاب الموطأ في هذا عن مالك وأكثرهم يقولون زينب بنت جحش وكثير من الرواة يقولون عن ابنة جحش وهذا هو الصواب. (1) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج7 ص ص12-11. (2) يونس بن عبدالله بن محمد بن مغيث بن محمد بن عبد الله بن الصّفّار، القرطبي. ولد سنة ثمان وثلاثمائة وتوفى في سنة، تسع وعشرين وأربعمائة وكان بليغ الموعظة وافر العلم، … صنف كتباً منها: " محبة الله" و" المتهجدين" و" الموعب في شرح موطأ مالك". انظر ابن فرحون، الديباج المذهب، مصدر سابق، ج2 ص ص374-376، والذهبي، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، ج17 ص ص569-570. (3) القرطبي، المفهم مصدر سابق، ج 1 ص592.
عدد الصفحات ١٥٩150 وبيّن الوهم فيه قوله وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف وزينب هي أم المؤمنين لم يتزوجها عبد الرحمن بن عوف قط إنما تزوجها أولاً زيد بن حارثه ثم تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم. والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف هي أم حبيبة أختها وقد جاء مفسراً على الصواب في قوله ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قوله كانت تغتسل في بيت أختها زينب. قال أبو عمر بن عبد البر -رحمه الله تعالى- قيل أن بنات جحش الثلاث زينب وأم حبيبة وحمنة زوجة طلحة بن عبيد الله كن يستحضن كلهن وقيل إنه لم يستحض منهن إلاّ أم حبيبة وذكر القاضي يونس بن مغيث في كتابه الموعب في شرح الموطأ مثل هذا. وذكر أن كل واحدة منهن اسمها زينب ولقب إحداهن حمنة وكنيت الأخرى أم حبيبة وإذا كان هذا هكذا فقد سلم مالك من الخطأ في تسمية أم حبيبة زينب … وأما أم حبيبة فقد قال الدارقطني قال إبراهيم الحربي أنها أم حبيب بلا هاء واسمها حبيبة. قال الدارقطني قول الحربي صحيح وكان من أعلم الناس بهذا الشأن قال غيره وقد روى عن عمرة عن عائشة أن أم حبيب …" (1). هـوفي كتاب الصلاة، باب ما جاء في سجود القرآن. حديث سجوده صلى الله عليه وسلم فيوَالنَّجْمِ } …وفيه ((غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَ ذَ كَفًّا مِنْ حَصًى)) قال القرطبي:" هذا الشيخ هو أمية بن خلف قتل يوم بدر كافراً، وإنما سجد لما روي أنه سجد حينئذٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم. المسلمون والمشركون والجن والإنس قاله ابن عباس ورواه البزار" (2). حتى شاع أنّ أهل مكة قد أسلموا وقدم من كان هاجر لأرض الحبشة لذلك. وكان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود أنها كانت أول سورة نزلت فيها سجدة. وروى أصحاب الأخبار والمفسرون: أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم. ولا يصح هذا من طرق النقل ولا العقل، وأشهر طريق النقل فيه عن الكلبي وهو كذاب. وأما العقل فلا يصدق بذلك لأمور مستحيلة. قد عددها القاضي عياض في الشفا" (3) . وقال النووي:" هذا الشيخ هو أمية بن خلف وقد قتل يوم بدر كافراً ولم يكن أسلم قط. وأما قوله ((وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ )) فمعناه من كان حا ضراً قراءته بين المسلمين والمشركين والجن والإنس قاله ابن عباس رضي الله عنه ما وغيره. حتى شاع أن أهل مكة أسلموا. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى، وكان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود رضي الله عنه أنها أول سجدة نزلت. قال القاضي رضي الله عنه: أما ما يرويه الإخباريون. والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل لا يصح فيه شيء من جهة النقل ولا من جهة العقل لأن مدح اله غير الله تعالى كفر ولا يصح نسبة (1) النووي، المنهاج، مصدر سابق، ج4 ص ص23-24. (2) السيوطي، الدر المنثور، مصدر سابق، ج7 ص639. (3) القرطبي، مصدر سابق، ج 2 ص ص197-198، وانظر، عياض بن موسى (544-1125م) الشفا بتعريف حقوق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- تحقيق البجاوي بدون رقم طبعة، مكتبة زهران -القاهرة، 1977م حـ1 ص282 فما بعد
عدد الصفحات ١٦٠