87 ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ المبحثِّالثالثِّ فيِّعلومِّالسندِّمنِّحيثِّالانقطاعِّ المطلبِّالأول:ِّالمنقطع.ِّ المطلبِّالثاني:ِّالمرسل.ِّ المطلبِّالثالث:ِّالمرسلِّالخفي.ِّ ِّ ِّ
عدد الصفحات ٩٧88 المبحثِّالثالث:ِّعلومِّالسندِّمنِّحيثِّالانقطاعِّ المطلبِّالأول:ِّالمنقطعِّ عرّفه الإمام ابن عبد البر بقوله: "كل ما لا يتصل، سواء كان يعزى إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- أو إلى غيره"(1). قال النووي: "الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء، والخطيب، وابن عبد البر، وغيرهم من المحدثين: أن المنقطع ما لم يتصل على أي وجه كان انقطاعه"(2). وقد استقر المتأخرون من الحفاظ على إفراد "المنقطع"، وتميزه عن غيره من المصطلحات الحديثية، فعرّفوه بأنه "هو الحديث الذي سقط من رواته راوٍ واحد قبل الصحابي في موضع واحد، أو مواضع متعدة، بحيث لا يزيد السقط في كل واحد ، وألا يكون الساقط أول السند"(3). صناعته في المنقطع يقوم صنيعه في المنقطع على ردّه لأنه ضعيف ولا يقبله إلا أن يأتي من طريق آخر موصولاً، وهذا الصنيع ظهر من خلال المواضع القليلة التي أشار فيها إلى انقطاع الحديث. من ذلك ما جاء في كتاب الزكاة – باب: ما تجب فيه الزكاة- فقال في حديثه عن نصاب البقر. "وقد روى النسائي(4)، عن مسروق، عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن أمره أن يأخذ من كلا ثلاثين من البقر تيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كال حالم ديناراً أو عدله معافر(5)، غير أنه منقطع لم يلق مسروق معاذاً. وقد خرجه الترمذي(6) عن أ ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه. ورواه مالك عن طاووس، عن معاذ من فعله موقوفاً. وطاووس لم يدرك معاذ وأحسن ما في الباب ما خرجه الدار قطني(7) عن الشعبي عن أنس قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: ((وَفي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِن البَقَرِ مُسِنَّةٌ وفي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ أوْ تَبِيعَةٌ )) قال هذا يروى مرسلاً عن الشعبي وهو الصواب)) (8). (1 )ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد، مصدر سابق، ج 1، ص21. (2) النووي، التقريب، مصدر سابق، ص 7. (3 )د. نور الدين عتر، منهج النقد، مصدر سابق، ص ص367 – 368. (4 )النسائي، السنن، مصدر سابق، كتاب الزكاة البقر، ح 2450، ج5، ص26. (5 )معافر: برود في اليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة في اليمن. ابنمنظور، لسان العرب، مصدر سابق، حرف الراء فصل العين ج 4، ص 590. (6 )الترمذي، الجامع، مصدر سابق، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر، ح 621، ج3، ص19. (7) لم أقف عليه عند الدار قطني في السنن، وقد أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب كيف فرض صدقة البقر حــ 7297، ج9، ص 167، ط الكتب العلمية، الطبعة الأولى،1414ه-1995م (8 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 31ن ص11.
عدد الصفحات ٩٨89 المطلبِّالثاني:ِّالمرسلِّ والمرسل هو: ما رواه التابعي عن النبي – صلى الله عليه وسلم-. وهذا المشهور من تعريف جمهور المحدثين له. وهو ما استقر عليه عمل المتأخرين(1). وهناك مرسل الصحابي وهو: الخبر الذي أرسله الصحابي الصغير عن النبي– صلى الله عليه وسلم- كابن عباس، وابن الزبير، وغيرهما من الصحابة، فمن لم يحفظ عن النبي – صلى الله عليه وسل م- إلا اليسير وكذا الصحابي الكبير فيما ثبت عنه أنه ل م يسمعه إلا بواسطة فحكمه الوصل المقتضي للاحتجاج به لأن غالب رواية الصغار منهم عن الصحابي(2). وكان صنيعه فيه متمثلاً فيما يلي أولاً: بين – رحمه الله تعالى – مذاهب العلماء في المرسل. ثانياً: بين مذهبه وهو قبول مرسل ال صحابة، وكبار التابعين ومتقدموهم، أما من بعدهم فيقبل بشرط أن يكون مشهور المذهب في الجرح والتعديل وأن يكون لا يحدث إلا عن الثقات وهو مذهب جمهور المحدثين. ثالثاً: بين موقفه من تعارض الوصل مع الإرسال وأنه يقبل الوصل إذا كان من ثقة. رابعاً: بين موقفه من سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه وأنه صحيح. أولاً: مذاهب العلماء في المرسل ففي كتاب البيوع – باب: النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض- قال: "فرع: ألحق مالك – رحمه الله تعالى- بيع الطعام قبل قبضه بسائر عقود المعاوضات كلها فمن حصل له طعام بوجه معاوضة؛ كأخذه في صلح من دم، أو مهر فلا يجوز له بيعه قبل قبضه. واستثنى من ذلك الشركة، والتولية، والإقالة، وقد روى عنه من عه في الشركة، ووافقه الشافعي، وأبو حنيفة في الإقالة الخاصة". قلت – أي القرطبي -: والذي أوجب استثناء هذه الأربعة العقود عند مالك أنها عقود المقصود بها: المعروف والرفق، لا المشاركة والمكا يسة، فأشبهت القرض، وأولى من هذا مرسلان صحيحان مشهوران. أحدهما: قال سعيد المسيب في حديث ذكره – كأنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم- لا بأس بالتولية، والإقالة، والشرك في الطعام قبل أن يستوفى، ذكره أبو دواد(3). وقال هذا قول أهل المدينة. وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريح، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن النبي – صلى الله عليه وسلم - حديثاً مستفاضاً بالمدينة: قال: ((من ابتاع طعاماً فلا يبعه حت ى يقبضه، ويستوفيه إلا أن يشرك فيه أو يوليه أو يقيله)) (4). (1) ابن الصلاح، علوم الحديث، ص56. السخاوي، فتح المغيث، ج1، ص253. (2 )د. عتر، منهج النقد في علوم الحديث، ص 373. (3 )أبو دواد، المراسيل، مصدر سابق، ص 198. (4 )عبد الرزاق بن همام الصنعاني ( 211ه– 791م) المصنف، تحقيق حسب الرهن الأعظمي، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي – بيروت 1392ه– 1972م، كتاب البيوع باب: التولية والإقالة
عدد الصفحات ٩٩90 قلت– أي القرطبي -: وينبغي لل شافعي وأبي حذيفة أن يعملا به ذين المرسلين، أما الشافعي: فقد نص على أنه يعمل بمراسيل سعيد وأما أبو حنيفة فإنه يعمل بالمراسيل مطلقاً، كمالك"(1). ثانياً: مرسل الصحابي وكبار التابعين ومنبعدهم بيّن رحمه الله تعالى مذهبه في مرسل الصحابي ومرسل كبار التابعين في حديثه عن معنى قول ابن سيرسن: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد" في مقدمة الصحيح: فقال: "وقوله: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد" يعني بذلك: من أدرك من الصحابة وكبراء التابعين أما الصحابة فلا فرق بين إسنادهم وإرسالهم. إذ الكل عدول على مذهب أهل الحق، كما أوضحناه في الأصول، وكذلك كل من خالف في القبول مراسيل غير الصحابة وافق على قبول مراسيل الصحابة، وأما كبراء التابعين ومتقدموهم فالظاهر من حالهم أنهم يحدثون عن الصحابة إذا أرسلوا، فتقبل مراسيلهم ولا ينبغي أن يختلف فيها، لأن المسكوت عنه صحابي، وهم عدول، وهؤلاء التابعون هم: كعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن سريين وغيرهم ممن هو في طبقتهم. وأما من تأخر عنهم ممن حدث عن متأخري الصحابة وعن التابعين، فذلك محل خلاف. والصواب قبول المراسيل إذا كان المرسل مشهور المذهب في الجرح والتعديل وكان لا يحدث إلا عن العدول، كما أوضحناه في الأصول"(2). ثالثاً: تعارض الإرسال مع الوصل وجدت القرطبي – رحمه الله تعالى- عند تعارض الثقات في وصل الحديث وإرساله يحكم على الحديث بالاضطراب. وقد جاء ذلك في كتاب الصلاة – نباب: فيمن لم يدر كم صلى؟- حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ((إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ ...)). فقال عند قول النبي – صلى الله عليه وسلم- ((ثم ليسجد سجدتين قبل أن سلم))" احتج بظاهره الشافعي لأصل مذهبه على أن سجود السهو كله قبل السلام، وقال الداودي: اختلف قول مالك في الذي لا يدري كم ثلاثاً أم أربعاً؟ فقال: يسجد قبل السلام وقال: بعد السلام، والصحيح من مذهبه في هذه الصورة: السجود بعد السلام وقد اعتل أصحابنا لهذا الحديث بأوجه: أنه يعارضه حديث ذي اليدين حيث زاد النبي – صلى الله عليه وسلم- ((ثم سجد بعد السلام)) وهو حديث لا علة له، وحديث أبي سعيد أرسله مالك عن عطاء، وأسنده غيره فكان هذا اضطراباً فيه، والتسليم على ذلك أرجح"(3). (1 ).القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص ص 378 – 379. (2 )المصدر ذاته، ج1، ص122. (3) المصدر ذاته، ج 2، ص181.
عدد الصفحات ١٠٠91 أما إذا كان المسند غير ثقة (ضعيف) والمرسل ثقة فهو يقدم المرسل وجاء ذلك في كتاب النذور والإيمان – باب: اليمين على نية المستحلف- فقال في حكم جواز فصل الاستثناء بالسكوت اليسير. فالجمهور أن الاستثناء لا ينفع وكان الحسن وطاوس وجماعة من التابعين يقولون به. قال: "...وقد احتج المخالف- الحسن ومن معه- أيضاً بما رواه أبو داود(1) عن عكرمة– مولى ابن عباس: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، قال: ((وَاللَِّّ لأََغْزُوَنَّ قُرَيْ شًا، وَاللَِّّ لأََغْزُوَنَّ قُ رَيْشًا)) ثم قال: ((إن شاء الله)). وفي رواية ثم سكت قم قال: ((إن شاء الله)) وهذا مرسل. وقد أسند حديث عبد الواحد بن صفوان وليس حديثه بشيء على ما قاله أهل الحديث. والمرسل هو الصحيح(2). رابعاً: القول في سماع الحسن من سمرة– رضي الله عنه- ورجح رحمه الله تعالى أن يكون سماع الحسن من سمرة – رضي الله عنه- صحيحاً وقد جاء ذلك في كتاب الجمعة – باب: فضل الغسل وتأكيده- فبعد أن ذكر المذاهب في حكم الغسل، أخذ يسوق الأدلة على قول الإمام مالك – رحمه الله تعالى- على أنه سنة، وهو مذهب عامة أئمة الفتوى. قال: "ودلّهم على ذلك أمور:... وربعها: ما يقطع مادة النزع ويحسم كل إشكال: حديث الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ((مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِها وَنِعْمَتْ، وَمَن اغتسلَ فالغُسْل أفضَل )) (3) . وهذا نص في موضع الخلاف، غيرأن سماع الحسن من سمرة مختلف فيه، وقد صح عنه أنه سمع منه حديث العقيقة، فيحمل حديثه عنه على السماع إلى أن يدل على غير ذلك. والله تعالى أعلم"(4). المطلبِّالثالث:ِّالمرسلِّالخفيِّ رجح الإمام السخاوي تعريف ابن حجر له، فقال: "بل هو على المعتمد في تعيفه، حسبما أشار إليه شيخنا. ويعني ابن حجر العسقلاني: الانقطاع في أي موضع كان من السند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا، وكذا لو التقيا ولم يقع بينهما سماع، فهو انقطاع مخصوص، يندرج في تعريف من لم يتقيد في المرسل بسقط خاص..." (5). صناعته في المرسل الخفي لم يصرح – رحمه الله تعالى- بوقوع المرسل الخفي، ولكنه نبعه إلى أنه منقطع وذلك في كتاب الزكاة – باب: ما تجب فيه الزكاة- فقال في حديثخ عن نصاب البقر. قال: "قلت... وأما نصاب البقر فلم يقع في الصحيحين شيء من ذلك. وقد روي في ذلك النسائي(6) عن مسروق، عن معاذ بنجبل قال: لما بعثه رسول الله – صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن... غير أنه منقطع لم يلق مسروق معاذاً. وقد خرجه (1) أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب الإيمان والنذور، باب: الاستثناء في اليمين بعد السكوت، ح 3285، ج2، ص250. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص640 . (3 )الترمذي، الجامع، مصدر سابق، كتاب الجمعة، باب وضوء يوم الجمعة، ح 496، ج2، ص369. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 2، ص479. (5 )السخاوي، فتح المغيث، مصدر سابق، ج3، ص ص85-86. (6 )النسائي، السنن، مصدر سابق، كتاب الزكاة، باب: زكاة البقر، ح 2450، ج5، ص26.
عدد الصفحات ١٠١92 الترمذي(1) عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه. رواه مالك(2) عن طاووس عن معاذ من فعله موقوفاً. وطاووس لم يدرك معاذ(3). ومسروق هو ابن الأجدع الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، روى عن عدد من الصحابة، ليس منهم معاذ، ثقة مخضرم فقيه عابد – ت (63هــ (4) . ومعاذ هو: ابن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المشهور من أعيان الصحابة ت سنة 18هــ(5) فهنا صحت المعاصرة بينهما ولكنهما لم يثبت بينهما لقاء وكذا الحال مع أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود مع أبيه. ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ (1 )الترمذي، الجامع، مصدرسابق، كتاب الزكاة، باب: ما جاء في زكاة البقر، ح 621، ج3، ص91. (2 )مالك الموطأ، مصدر سابق، كتاب الزكاة، باب ما جاء في صدقة البقر، ح 12، ج1، ص259. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص11. (4 )أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت852هـــ- 1432م) تقريب التهذي ب تحقيقي محمد عوامة، الطبعة الرابعة، دار الرشيد – سوريا- 1418هــ - 1997م، ص528. (5 )المصدر ذاته، ص353
عدد الصفحات ١٠٢93 ِّ المبحثِّالرابعِّ فيِّاختلافِّرواياتِّالديث.ِّ المطلبِّالأول:ِّزيادةِّالثقاتِّوتفردهم.ِّ المطلبِّالثاني:ِّالشاذِّوالمحفوظ.ِّ المطلبِّالثالث:ِّالمنكرِّوالمعروف.ِّ المطلبِّالرابع:ِّالمضطرب.ِّ المطلبِّالخامس:ِّالمدرج.ِّ المطلبِّالسادس:ِّالمصحف.ِّ ِّ
عدد الصفحات ١٠٣94 المبحثِّالرابع:ِّفيِّاختلافِّرواياتِّالديثِّ المطلبِّالأول:ِّزيادةِّالثقاتِّوتفردهمِّ الزيادة في الحديث: قال ابن الصلاح: "وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقع مخالفاً منافياً لما رواه سائر الثقات، فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ. الثاني: أن لا تكون فيه منافاة ومخالفة أصلاً لما رواه غيره، كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلاً. فهذا مقبول. الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين، مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث"(1). وتقوم صناعة القرطبي فيه على: أولاً: قبول الزيادة التي فيها بيان معنى الحديث، وإطلاق لفظ زيادة حسنة عليها. ثانياً: ردّ الزيادة إذا لم تكن من طريق صحيحة. ثالثاً: بيان الاضطراب في الزيادة وردّها. رابعاً: قبول زيادة الثقة وتفرده. أولاً: لفظ زيادة حسنة عنده: وقد استخدم القرطبي – رحمه الله تعالى- هذا المصطلح في مواطن منها: في كتاب الإيمان – باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين- حديث معاذ بن جبل قال: "وقوله في حديث معاذ ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ ...)) هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم من جميع رواته فيما علمته. وقد زاد البخاري(2) فيه و((صِدْقَاً مِنْ قَلْبَهُ )) وهي زيادة حسنة؛ تنص على صحة ما تضمنته الترجمة المتقدمة..."(3). قلت: يظهر من صنيعه أنه يعني بالحسنة التي لا تعارض الحديث بل تكمل معناه وتظهره من غير إشكال، والله أعلم. ويدل على ذلك أيضاً: ما جاء في كتاب الإيمان – باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان- فقال: ((وقوله: حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ))" هكذا مشهور هذا الحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر، وقد روى النسائي (4) هذا الحديث من حديث أبي هريرة، وأبي ذر، وزاد فيه زيادة حسنة، فقالا: ((كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء (1 )ابن الصلاح، علوم الحديث، مصدر سابق، ص86. (2 )البخاري، الصحيح، مصدر سابق، كتاب الإيمان، باب من خص قوم دون قوم، ح 128، ص50. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج1، ص208. (4 )النسائي، السنن، مصدر سابق، كتاب الإيمان وشرائعه، باب: صفة الإيمان والإسلام، ح 4991، ج81، ص101.
عدد الصفحات ١٠٤95 الغريب فلا يدري أهو هو حتى يسأل، فطلبنا للرسول– صلى الله عليه وسلم- أن نجعل له مجلساً يعرفهً الغريب إذا أتاه...)) وذكر نحو حديث مسلم"(1). وقال في كتاب النبوات– باب: في شدة حياء رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في حديثه من حديث عبد الله بن عمرو ((لَ مْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشً )) وقال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا )). "وقد جاء هذا الحديث في غير كتاب مسلم بزيادة حسنة فقال: ((خَيارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَ يُؤْلَفُونَ )) (2). فهذه الخلق وهؤلاء المتخلقون(3). ثانياً: رد الزيادة المعارضة إذا لم تثبت بطرق صحيحه: قال في كتاب الصلاة - باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس- حديث أبي قتادة، وقوله: ((فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها)) "قال قوم: ظاهره إعادة القضية مرتين عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، وقد وافق هذا الظاهر ما رواه أبو داود(4) نصاً من حديث عمران بن حصين، وذكر القصة، وقال في آخرها: ((فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحاً فليقض معها مثلها)). قال الخطابي: لا أعلم أحداً قال هذا وجوباً، ويشبه أن يكون الأمر به استحباباً ليحرز فضيلة الوقت في القضاء. قلت- أي القرطبي -: وهذا كله يعارضه ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة(5) من حديث الحسن عن عمران بن حصين في هذه القصة: ((أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمّا صَلّى بِهْم المَقْضِيْةَ قَالوا: أَلاَ نَقْضِيهَا لِوَقْ تِهَا مِنَ الغَدِ ؟ فَقَالَ: لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الرَبَا وَيَأَخُذُهُ مُنْكُم )) والصحيح ترك العمل بذلك الظاهر لهذه المعارضة، ولما حكى الخطابي، ولأن الطرق الصحاح المشهورة ليس فيها من تلك الزيادة شيء إلا ما ذكر في حديث أبي قتادة وهو محتمل كما ذكرناه"(6). ثالثاً: بيان الزيادة المضطربة وجاء ذلك في كتاب الطهارة – باب: إذا ولغ الكلب في إناء أريق الماء – فقال في حديث: ((وَلُوغِ الكَلْب فِي الإِنَاءِ وَبَيَانِ طَهُورِهِ )). وقوله ((أولاهن بالتراب)). هذه الزيادة ليست من رواية مالك، ولذلك لم يقل بها، وقد قال بها جماعة من العلماء، وقد رواه أبو داود(7) وقال((السابعة بالتراب)) وفي حديث عبدالله بن مغفل وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عقروه الثامنة بالتراب)). وبهذه الثامنة قال أحمد، فهذه الزيادة مضطربة. ولذلك لم يأخذ بها مالك ولا أحد من أصحابه"(8). (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص138. (2 )الهيثمي، مجمع الزوائد، مصدر سابق، ج8، ص21. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 6، ص117. (4 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب الصلاة، باب من نام عن صلاة أ و نسيها، ح 438، ج1، ص ص173 – 174. (5 )عبد الله بن محمد بن أبي شيبة235هــ- 816م)، المصنف، الطبعة الأولى، عالم الكتاب،408هــ- 1989م، كتاب الصلاة، باب الرجل ينسى الصلاة، ج 2، ص64. (6 )القرط ، المفهم، مصدر سابق، ج2، ص316. (7 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب الطهارة، باب، ح 71، ج ص (8 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص540.
عدد الصفحات ١٠٥96 - قلت-: الذي يهمنا في هذا الحديث أنه رد هذه الزيادة لحكمه عليها بالاضطراب وصار إلى الترجيح مع أنه لا داعي له مع إمكان الجمع كما قال الحافظ في هذا الحديث: "وقد اعتذر بعضهم عن العمل به بالإجماع على خلافه وفيه نظر لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكرماني عنه ونقل عن الشافعي أنه قال: هو حديث لم أقف على صحته. ولكن هذا لا يثبت العذر لمن وقف على صحته وجنح بعضهم إلى الترجيح لحديث أبي هريرة على حديث ابن المغفل، والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع والأخذ بحديث ابن م غفل يستلزم الأخذ أبي هريرة دون العكس والزيادة من الثقة مقبولة ولو سلكنا الترجيح في هذا الباب لم نقل بالتقريب أصلاً لأن رواية مالك بدونه أولى من رواية من أثبته. ومع ذلك فقلنا به أخذاً بزيادة الثقة"(1). - قلت-: ما قاله الحافظ ابن حجر أولى كما نص على ذلك القرطبي رحمه اله كما بينا ذلك في حديثنا عن صناعته في مختلف الحديث في أساليب الترجيح عنده حيث رجح رواية مسلم على رواية أبي داود(2) وهنا ساواها معها. ويظهر أن صنيعه رحمه الله تعالى كان لخدمة مذهبه و تعالى أعلم. رابعاً: قبول زيادة الثقة وتفرده إذا جاءت الزيادة من ثقة حافظ وعمل بها الجهابذة يقبلها وقد ظهر ذلك في كتاب العتق – باب: إنما الولاء لمن أعتق حديث عائشة رضي الله عنها: "وقولها: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((شْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ ))، وهذه اللفظة التي هي: ((وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَ لاَءَ )) لفظة انفرد بها هشام. والرواة كلهم لا يذكرونها وهي مشكلة. ووجه إشكالها: أنه أمرها باشتراط ما لا يجوز ولا يصح ولا يلزم لمن لا يعلم ذلك ليتم البيع، وذلك حمل على مالا يجوز وغش وغرر لمن لا يعلم ذلك وكل ذلك محال على النبي صلى الله عليه وسلم، ولما وقع هذا الأشكال العظيم تحزب العلماء في التخلص منه أحزاباً فمنهم من أنكر هذه الرواية عن هشام من حيث انفرد بها عن الحافظ. وهو يحيى بن أكثم. والجمهور على القول بصحة الحديث لأن هشاماً ثقة، حافظ، إمام. ثم قد روى هذا الحديث الأئمة منه، وقبلوه، كمالك وغيره مع تحرزهم ونقدهم وعلمهم بما يقبل وبما يرد وخصوصاً أمير المؤمنين بالحديث مالك بن أنس"(3). وفي كتاب النذور والإيمان– باب: فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة- حديث عقبه بن عامر، نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية: قال: "وزيادة الهدي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم مع عقبة بن عامر ابن عباس(4) ورواهما عنهما الثقات ف سبيل إلى ردها وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها. وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم"(5). (1 )ابن حجر، الفتح، مصدر سابق، ج1، ص368. (2 )المبحث السابق من الرسالة (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص ص324 – 253. (4 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب العنق، باب من رأى عليه كفارة، ح 3296، ج2، ص253. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص ص617-618.
عدد الصفحات ١٠٦97 تفرد الثقة مقبول. جاء في كتاب النكاح – باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر – حديث الثيب أحق بنفسها، والبكر تستأ ذن قال: "وهذه الأحاديث مشهورة صحيحة فمن تحقيق النظر فيها الأحاديث في اشتراط الولي.... ولا يلتفت إلى شيء مما ذكر فيها، من أن حديث عائشة تفرد به سليمان بن موسى فإنه ثقة إمام. وهو الأشدق ولم يكن في أصحاب مكحول أحفظ منه قال البزار: هو أحفظ من مكحول. قال: هو أجل من أبن جريج"(1). في كتاب الأضاحي– باب: ما يختار في الأضحية – حديث عيوب الضحايا التي رواها البراء رضي الله عنه قال: "قال القاضي – يعني عياض – ولم يخرج البخاري ولا مسلم حديث عيوب الضحايات لأنه مما تفرد به عبيد بن فيروز عن البراء ولا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد أدخله مالك في الموطأ لما صحبه عنده العمل من المسلمين ولا تفاقهم على قبوله. - قلت – يعني القاضي – حديث البراء الذي خرّجه مالك (2) عن عمرو بن الحارث المصري عن عبيد بن فيروز عن البراء بن عازب: ((أَنَّ رَسُولَ اللَِّّ (ﷺ) سُئِلَ مَاذَا يُتَّقَي مِنَ الضَّحَ ايَا ...)) وهذا الحديث صحيح وانفراد الثقة لا يضره وإنما لم يخرجه البخاري ولا مسلم لأنه ليس على ما شرطاه في كتابيهما وقد خرجه النسائي(3) والترمذي(4). قال حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز"(5). ِّ المطلبِّالثاني:ِّالشاذِّوالمحفوظ الشاذ قال ابن الصلاح بعد شرح أقوال المحدثين في تعريف الشاذ..." نخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في روايه من الثقة الضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد أو الشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم"(6). ومن ذلك ما جاء في كتاب الحدود – باب: يحفر للمرجوم حفرة إلى صدره- حديث الغامدية. قال: "وقد ذهب أبو حنيفة: إلا أنه إن ثبت الزنى بالإقرار حضر الإمام وبدأ قبل الناس بالرجم وإن كان بالشهادة حضر الشهود، وبدؤوا بالرجم قبل الناس. قلت: - أي القرطبي- وأحاديث هذا الباب ترد ما قاله أبو حنيفة غير أنه وقع في كتاب أبي داود(1) من حديث الغامدية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حصاة مثل الحمصة فرماها به وهي رواية شاذة مخالفه للمشهور من حديث الغامدية"(2) (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص117. (2 )مالك، الموطأ، مصدر سابق، كتاب الضحايا، باب ما ينهى عنه من الضحايا، حــ 201، ج2، ص482. (3 )النسائي، السنن، مصدر سابق، كتاب الضحايا، ب المقابلة حــ 4372، ج7، ص216. (4 )الترمذي، الجامع، مصدر سابق، كتاب الأضاحيب، باب ما لا يجوز من الأضاحي، حــ 1501، ج4، ص85. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5، ص366. (6 )ابن الصلاح،علوم الحديث، مصدر سابق، ص 79.
عدد الصفحات ١٠٧98 ومن ذلك ما جاء في كتاب النكاح– باب: استئمار الثيب واستئذان البكر – قال: "وقوله في الرواية الأخرى، ((وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا )) هذه الزيادة من رواية ابن أبي عمر، قال أبو داود وليست محفوظة(3). وعلى تقدير صحة هذه الزيادة فحملها على الاستحباب لا على الإيجاب بدليل الإجماع المنعقد على أن للأب انكاح ابنته الصغيرة... وقد روى أبي داود(4) من حديث أبي هريرة من طريق صحيحة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تُستأمَرُ اليتيمةُ في نَفسِها، فإنْ سَكتَ تْ فهو إذنُها، وإنْ أبَتْ فلا جَوازَ عليها ))، وفي رواية (( إنْ بكَتْ أو سكتَتْ ))، قال: وليس ذلك بمحفوظ"(5). وفي كتاب العتق– باب: كان في بريرة ثلاث سنين- قال في قوله صلى الله عليه وسلم ((اشتَريها وأعتِقيها فإنَّما الولاءُ لِمَن أعتَق قالت: عتَقتْ فخيَّرها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاختارت نفسَها)). "فقال في تخير الأمة إذا أعتقت في زوجها العبد. وقد شذ أبو حنيفة فأثبت لها الخيار... وقد يتمسكون في ذلك بزيادة في حديث بريرة غير ثابتة فيه ولا مشهورة، وهي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: ((ملكت نفسك فاختياري)). ولو سلمنا صحتها..." (6). وفي– باب: التشهد في الصلاة- حديث ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنَصْتُوا )) قال: "حجة لمالك ومن قالة بقوله إن المأموم لا يقرأ مع الإمام إذا ج هر قال الدار قطني: هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها قتادة وخالفه الحا فظ. قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد أشار مسلم في كتابه إلى تصحيح هذه الزيادة، وهي ثابتة في الأصل. في روايته الجلودي عن إبراهيم بن سفيان. وقد تقدم في أول كتابنا قول إبراهيم سفيان لمسلم: لم تخرج في كتابك وإذا قرأ فأنصتوا أليست صحيحة؟ فقال: ليس كل الصحيح خرجت هنا. وإنما خرجت ما أجمعوا عليه. فهذا تصريح بصحتها إلا إنها ليست عنده مما أجمعوا على صحته"(7). وفي كتاب الطق – باب: فيمن قال لها السكنة والنفقة – حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. قال: "وقوله: ((وَسَنُّةَ نَبِينَا )) قال الدار قطني وسنة نبينا غير محفوظة لم يذكرها جماعة من الثقات(8). (1 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب ا دود، باب المرأة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ح 4444، ج2، ص557. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5، ص ص98-99. (3 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب النكاح، باب الثيب، حــ 2099، ج1، ص638. (4 )أبو داود، السنن، مصدر سابق، كتاب النكاح، باب في الاستئمار ، حــ 93، ج1، ص638. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص118. (6 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق ، ج 4، ص335. (7 ) القرطبي، المفهم، مصدر سابق ، ج 4، ص335. (8) المصدر ذاته، ج4، ص274.
عدد الصفحات ١٠٨99 المحفوظ ويقابل الشاذ المحفوظ الذي يقبله المحدثون ويعملون به وقد نبه عليه القرطبي رحمه الله تعالى أحياناً . قال في كتاب الحج – باب: الحلاق والفقير- حديث ((رَحِمَ اللهُ المُحَلَقِينَ )). "واختلف القائلون بكونها نسكين في الموجب لأفضلية الحلاق على التقصير .... قال أبو عمر بن عبد البر: وكذلك يوم الحديبية هو المحفوظ. وقبل بل كان ذلك في حجة الوداع كما روته أم حصين من طريق قتادة وهو العام ثقة..." (1). وفي كتاب الطلاق– باب: فيمن قال أن المطلقة البائن لا نفقة لها حديث فاطمة بنت قيس ((أنَّ أبا عمرِو بنَ حفصٍ طلَّقَها البتَّةَ ...)) قال: "هكذا رواية أكثر الأئمة الحفاظ. مالك وغيره وقد قلبه شيبان وأبان بن العطار عن يحيى بن أبي كثير فقال: أن أبا حفص بن عمرو والمحفوظ الأول واسمه أحمد على ما ذكره الداودي عن النسائب. قال القاضي: والأشهر عبد الحميد وقيل اسمه كنسته. ولا يعرف في الصحابة من اسمه أحمد سواء"(2). وفي كتاب البر والصلة– باب: مثل المؤمنين- قال: "وقوله: ((مَثْلَ ا لمُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ ا لجَسَدِ ...)) هكذا صحيح الرواية في توادهم ومعناه واضح وفي رواية توادهم بغير في ويصح ذلك ويكون محفوظاً على أن بدل اشتمال من المؤمنين"(3). المطلبِّالثالث:ِّالمنكرِّوالمعروفِّ والنكارة تطلق على ما تفرد به رواية المستور أو الموصوف بسوء الحفظ، ونحو ذلك ممن لا حكم لحديثهم بالقبول بغير عضد يعضده بما لا متابع له ولا شاهد مخالفاً في روايته ما رواه الثقة فيكون منكراً أو ما رواه الثقات معروفاً (4).ِّ وقد تعرض الإمام القرطبي رحمه الله تعالى إلى المنكر في كتابه:ِّ قال في كتاب الحج – باب: فضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلمِّ حديث ((صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِي المساجد إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )) وذكر الخلاف المترتب على هذا الحديث: قال: "روي هذا الحديث عبد بن (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص404. قلت: والمحفوظ كما ذكره ابن حجر أ ن ذلك كان يوم حجة الوداع قال "في الأحاديث التي فيها تعين حجة الوداع أكثر عدداً وأصح سنداً ولهذا قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم الحصين هذه الأحاديث تدل على أن هذه الحادثة كانت في حجة الوداع وقال: وهو الصحيح المشهور وقبل في الحديبية....". وقد بسط الحافظ النقاش وابن عبد البر بشكل مفصل، ابن حجر، الفتح، مصدر سابق، ج3، ص ص 718 – 720. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص266. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 6، ص265. (4 )السخاوي، فتح المغيث، مصدر سابق، ج1، ص202. عجاج الخطيب، المختصر الوجيز في علوم الحديث، مرجع سابق، ص 156.
عدد الصفحات ١٠٩100 حميد(1)وقال فيه((بمئة ألف صلاة)) وهذه زيادة مذكرة لم تشتهر عند الحفاظ، ولا خرجها أهل الصحيح. والمشهور المعلوم الحديث من غير هذه الزيادة، فلا يعول عليها، وينبغي أن يجرد النظر إلى الحديث المشهور، وإلى لفظه"(2).ِّ وفي مقدمة تلخيصصحيح الغمام مسلم – باب: وجود الأخذ عن الثقات-ِّ قال: "وقد روى أبي بكر البزار(3) هذا الحديث((مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًاً... )) من طريق عبد الله بن مسعود وزاد فيه ((لِيُضِلَّ بِهِ )). وقد اغتر بهذه الزيادة أناس ممن يقصد الخير ولا يعرفه؛ فظن أن الوعيد إنما يتناول من قصد الإضلال .... وهذه جهالة، لأنه هذه الزيادة تروى ع ن الأعمش ولا تصح عنه، وليست معروفة عند نقلة ذلك الحديث مع شهريته، وقد رواها أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن(4) البيع من طرق كثيرة وقال: غنها واهية، لا يصح منها شيء(5).ِّ المعروفِّ ويقابل المنكر المعروف كما سبق من تعريف المنكر ونبه الإمام القرطبي إلى ذلك في كتاب القسامة – باب: كيفية القسامة وأحكامها- حديث قتل اليهود لعبد الله بن سهل وطرحه فيعين أو بئر، قال فيمن يبدأ بالحلف في القسامة؟ أن رأي الجمهور أن المدعين هم الذي يبدأوون، وخالف البصريون والأوزاعي. فأجاب الجمهور بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث حويصة ومحيصة تبدئة المدعين بالإيمان وهي رواية الأئمة الحفاظ بالطرق المسندة المستفيضة..." (6).ِّ المطلبِّالرابع:ِّالمضطربِّ الاضطراب في الحديث هو: اختلاف الرواة في الحديث من وجه، أو وجوه متعادلة لا يترجح بعضها على بعض، ويكون تارة في الإسناد، وأخرى في المتن، أو فيهما معاً (7).ِّ قال ابن الصلاح: "هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على أخر مخالف له، وإنما نسميه مضطرباً. إذا تساوت الرويتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون روا تها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة فلا يطلق عليه وصف المضطرب ولا له حكمه"(8).ِّ (1 )قلت الحديث في المنتخب من مسند عبد بن حميد نصه "صلاة مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواء من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفض ل من صلاة في مسجدي هذا لأنه صلاة" انظر: عبد بن حميد (249هــ- 830م) المنتخب من مسند عبد بن حميد، تحقيق الشيخ صبحي السامرائي ومحمود الصعيدي، الطبعة الأولى عالم الكتب – بيروت 1408هــ1988م. مسند عبد الله بن الزبير، ص 185. (2 )الهيثمي، مجمع الزوائد، مصدر سابق، ج1، ص144. (3 )محمد بن محمد الحاكم النيسابوري، 405 هــ- 985م)، المستدرك عل ى الصحيحين، د .ط، دار المعرفة، بيروت، د. ت، ج 1، ص77، ج3، ص262،280،401. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5، ص ص10 – 11. (5 )ابن كثير، الباعث الحثيث، مصدر سابق، ص 86. (6 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج5، ص11 (7 )ابن كثير، الباعث الحثيث ص 89. (8 )ابن الصلاح، المقدمة (ص: 17)
عدد الصفحات ١١٠101 وقال العلائي في أهميته: "وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً ولا يقوم به إلا من منحه الله فهماً غامضاً واطلاعاً حاوياً وإدراكاً لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة"(1).ِّ وصنيع القرطبي– رحمه الله تعالى – فيه يقوم على:ِّ أولاً: بيان المضطرب لغة.ِّ ثانياً: بيان متة يلجأ للاضطراب ودفع الاضطراب عن بعض الأحاديث.ِّ ثالثاً: بيان مضطرب السندِّ رابعاً: بيان مضطرب المتنِّ وعلى كل حال فالحديث المضطرب عنده ضعيف كما هو الحال عند جميع المحدثين.ِّ ِّ أولاً: الاضطراب بمعناه اللغوي يتأكدِّ قد يستخدمك القرطبي – رحمه الله تعالى – الاضطراب بمعناه اللغوي دون المعنى الاصطلاحي – أي الاختلاف – دون التضاد وذلك مثل قوله في:ِّ كتاب الزكاة – باب: ليس فيما اتخذ للقنية صدقة –ِّ قال في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه ((بَعَثَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللََُّّ عليه وَسَلَّمَ عُمَرَ علَى الصَّدَقَةِ، فقِيلَ: مَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسولِ الله صَلَّى اللََُّّ عليه وَسَلَّمَ فَقالَ وَأَمَّا العَبَّاسُ فَهي عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا معهَا )). فقال عند قوله – صلى الله عليه وسلم- في حق العباس ((فهي علي ومثلها معها)): "فقد اضطربت ألفاظ الرواة فيه، فقيل ما ذكرناه. وفي البخاري: فهي عليه صدقة ومقلها معها، وفي غيرهما: فهي له ومثلها. فأما رواية مسلم فظاهرها: أنه تحملها عنه ومثلها. ويحتمل أنها كانت له عليه إذ كان قد قدمها له. وفيه بعد من حيث اللفظ وإن كان الدار القطني قد روى من حديث موسى بن طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِ نِا كُنَّا اَحْتَجْنَا فَتَعَجَّلْنَا مِنَ العَبَّاسِ صَدَقَةَ مَالِهِ سَنَتَيْنِ ))(2).ِّ ومنع ذ لك مال ك والليث، وهو قول عائشة – رضي الله عنها - وابن سيرين، فقالوا: لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها كالصلاة..." (3).ِّ قلت: فلو كان الاضطراب هنا بمعناه الاصطلاحي لردهذا الحديث، ولم يفعل فكأنه عني بالاضطراب معناه اللغوي، والله أعلم(4).ِّ ثانياً: متى يلجأ إلى الحكم بالاضطرابِّ لما كان حكم الاضطراب نعت الروايتين بالضعف فنرى أنه لا يكتفي بإصداره أحكاماً بالاضطراب بمجرد المخالفة الظاهرة أو أنه يسلم لمن ادعى الاضطراب بل نجده لا يقول بالاضطراب إلا إذا تحقق التعارض ولا يمكن الجمع أو الترجيح فبين ذلك.ِّ (1 )محمد بن إسماعيل الصنعاني (182هــ)، توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، تحقيق محي الدين عبد الحميد، ط10، دار ضياء التراب، 1366هــ- 1947م، ص37. (2 )الدار قطني، السنن، كتاب الزكاة، باب تعجيل الصدقة، حـ 6، ج2، ص124 . (3 )القرطبي، ا فهم، مصدر سابق، ج3، ص17. (4 )- قلت-: ولم يتعرض لها النووي بشيء في المنهاج، ج7، ص50، وكذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ج 3، ص425، ذكر الروايات ووجها فدّل ذلك عندي أنه استخدم الاضطراب هنا بمعنى الاختلاف دون التضاد.
عدد الصفحات ١١١102 في كتاب الحج– باب: في الحلاق والتقصير: فقال وهو يعلق على حديث أنس – رضي الله عنه ((أنه النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا حَلَقَ بشِقِّ ه الأيمَنِ فأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ ))" وقوله: ((لَمَّا حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ الأَيْمَنَ أَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ )) ليس ناقضاً لما في الرواية الثانية: أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس وشعر الأيسر أعطاه أم سليم – وهي امرأة أبي طلحة وهي أم أنس – ويحصل من مجموع هذه الروايات أن النبي – صلى الله عليه وسلم- لما حلق الشق الأيمن الأيسر لأم سليم ليكون من أبي طلحة، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه على ما قررناه، والله أعلم وهذا أولى من أن نقدر تناقضاً واضطراباً والحمد الله"(1).ِّ وفي– باب: ما جاء أن المحرم من الاستطاعة-ِّ حديث ((لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ باللََِّّ وَالْيَومِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاَثِ لَيَالٍ )) فقال: "((وقَوْلَهُ مَسِيَرة َ ثَلاَثٍ - أَوْ – يَوْمَيْنِ – أَوْ – يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ )) لا يتوهم منه أنه اضطراب أو تناقض فإن الرواة لهذه الألفاظ هم الصحابة مختلفون روى بعض ما لم يرو بعض، وكل ذلك قاله النبي – صلى الله عليه وسلم- في أوقات مختلفة بحسب ما سئل عنه"(2).ِّ ومن ذلك أيضاً ما جاء في كتاب الرؤيا – باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً -ِّ فقال – وهو يتحدث عن اختلاف عند أجزاء النبوة التي جعلت رؤيا الرجل الصالح واحداً منها – "وإذا تقرر هذا فلا يضرنا الاضطراب الذي وقع في عدد تلك الأجزاء مع حصول المقصود من الخبر، غير أن علماءنا قد راموا إزالة ذلك الاضطراب، وتأولوا تأويلات فلنذكرها، وننبه على الأقرب منها، وهي أربع...ِّ قلت- أي القرطبي-: وقد ظهر لي وجه خامس وأنا أستخير الله في ذكره ... وعلى هذا فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب كمال نبي من الأنبياء كانت رؤياه جزءاً من نبوة ذلك النبي وكمالاتهم متفاضلة كما قررناه فنسبه أجزاء منامات الصادقين متفاوتة على ما فصلته، وبهذا الذي أظهر الله لذا يرتفع الاضطراب والله الموفق للصواب (3)" وهذا يدل على إضافاته العلمية، وحرصه رحمه الله تعالى، على إعمال الدليلين فيما يقتضي عملاً، أما غير ذلك – أي فيما لا يقتضي عملاً فيصير إلى الاضطراب.ِّ ففي تفسير سورة الأنعام في حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بيدي، فقال: ((خلق اللهُ التُّربةَ يَومَ السَّبتِ ، وخَلَقَ فيها الجِبالَ يومَ الأحدِ ...))، قال: "وقد روى هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة وفي بعضها أنه خلق الأرض يوم الاحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والشجر والأنهار والعمران يوم الأربعاء، والسموات والشمس والملائكة يوم الخميس وآدم يوم الجمعة فهذه أخبار أحاد مضطربة فيما لا يقتضي عملاً فلا يعتمد على ما تضمنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام والذي يعتمد في ذلك قوله تعالى(4).ِّ ﱡﭐ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗﲟ ﱠ(5).ِّ (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص 407. (2 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص451. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 6، ص ص14 – 18. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 7، ص343. (5 )سورة فصلت، آية رقم 9.
عدد الصفحات ١١٢