71 فأكل قوم الخبز والل حم حتى شبعوا وانصرف وا، ثم انه لما جاء الحيس استدعى الناس وجرى ما ذكر، وهذا كله والمتحدثون في بيته جلوس لم يبرحوا إلى أن خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ودار على بيوت أزواجه على ما تقدم. وليس في تقدير هذا تناقض ولا بعد. وإذا أمكن هذا حملناه عليه. وكان أولى من تطريق الوهم للثقات الأثبات من غير ضرورة تدعو إليه ولا أمر بيّن يدل عليه، والله تعالى أعلم"(1). والجمع مهم لأنه إعمال الحديثيين ونص على ذلك في كتاب النكاح -باب: خطبة الرجل على خطبة أخيه قال: "… وهذه الأحاديث التي جاء فيها النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه ، ظاهرها العموم، لكن قد خصصها أصحابنا بحديث فاطمة بنت قيس الذي يأتي ذكره في الطلاق. وذلك أنها لما انقضت عدتها أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إن أبا جهم بن صفوان ومعاوية خطباني، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما سيأتي ذكره. وهذا ما يدل على جواز الخطبة على الخطبة. لكن جمع أئمتنا* بين الحديثين بأن حملوا النهي على ما إذا تقاربا وتراكنا. وحملوا حديث الجواز على ما قبل ذلك. وهي طريقة حسنة فإن فيها أعمال كل من الحديثين ومراعاة للمعنى "(2). وهو يسعى إلى الجمع ما أمكن ففي كتاب الحج، باب: ما جاء في الصيد. حديث الصعب بن جثامة -رضي الله عنه- الذي صاد حماراً قال: " واختلفوا في حمار الصعب: هل أهداه للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيًّا أم ميتًا؟ وقد بوَّب البخاري على هذا الحديث ما يدل: على أنه فهم من الحديث أنه كان حيًّا، وعلى هذا الفهم يستدل به: على أن المحرم يرسل ما بيده من صيد؛ لأنه لم يسوغ لنفسه مُلكه لأجل الإحرام، وفيه أبواب من أحكام الهبات لا تخفى على متأمل. قلت: والروايات الأخر تدل على أنه كان ميتًا، وأنه أتاه بعضو منه. ويصح الجمع بين هذه الروايات المختلفة؛ إما على القول: بأنه ميت، فإنه جاء بالحمار ميتً ا فوضعه بقرب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قطع منه ذلك العضو، فأتاه به، فصدق اللفظان. أو يكون أطلق اسم الحمار، وهو يريد بعضه، وهذا سائغ، وهو من باب التوسع والتجوز. وأما إن تنزلنا على أن الحمار كان حيًّا، فيكون قد أتاه به، فلما رده عليه، وأقره بيده ذكا ه، ثم أت اه منه بالعضو المذكور، ولعل الصعب ظن أنه إنما رده عليه لمعنى يخص الحمار بجملته، فلما جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد كحكم الصيد، لا يحل للمحرم قبوله، ولا تملُّكه. وإنما احتجنا إلى هذه التكلفات لنرفع الاضطراب اللازم من تلك * بعض أئمتنا أي المالكية وحرمه الجمهور، انظر: ابن رشد، بداية المجتهد، ج2 ص4، والشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 ص129،128. (1) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج4، ص151-152. (2) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج4، ص107-108.
عدد الصفحات ٨١72 الروايات المختلفة على طريقتنا في روم الجمع بين الروايات المختلفة، فإنه الأحسن إذا أمكن، والله أعلم ".(1) ومع اهتمامه بالجمع قدر الإمكان راعىأن يكون ذلك فيما ينفع ويترك ما لا ينفع كما بين ذلك في حديث بيع بعير جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- في كتاب البيوع فقال: " (وقوله: وَزَادَنِي قِيرَاطًا) وفي أخرى: (درهما أو درهمين) وهذا اضطراب وقد تكلف القاضي أبو الفضل الجمع بين هذه الروايات المختلفة التي في الثمن، وفي الزيادة تكلف مبني على تقدير امر لم يصح نقله، ولا استقام ضبطه، مع أنه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، ولا يفيد حكمه. والحاصل أنه باعه البعير بثمن معلوم لهما، وزاده عند القضاء زيادة محققة ولا يضرنا جهلنا بمقدار ذلك" (2). 1- طرق الجمع فيما يعود إلى المتن: أ- تكرار الحديث: ففي كتاب الحج، باب ما جاء في دخول النبي -صلى الله عليه وسلم- الكعبة- حديث ابن عمر –رضي الله عنهما – أن رسول الله دخل الكعبة عام الفتح…. قال: " وقوله وجعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، هكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك عن نافع عن ابن عمر. ورواه يحيى بن يحيى الأندلسي وغيره في الموطأ عن مالك عن نافع ابن عمر قال: ((جَ عَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاَثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ )) (3). وفي مسلم من حديث ابن شهاب عنسالم عن أبيه: ((أنًّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ )). وظاهر هذا الاختلاف اض طراب. ويمكن أن يقال ا نه -صلى الله عليه وسلم - تكررت صلاته في تلك المواضع، وإن كانت القضية واحدة فانه -صلى الله عليه وسلم- مكث في الكعبة طويلاً …"(4). ب- الجمع بأن يكون الحديثان واقعتين مختلفتين كل راو حسب ما شاهد. ففي كتاب الصوم، باب: في قوله تعالى (ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮﱠ)(3) قال (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق ج 3 ص ص279-280. (2) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج4، ص504. (3) مالك الموطأ، كتاب الحج، باب الصلاة في البيت وقصر الصلاة وتعجيل الخطبة بعرفة جـ 193 ج1، ص398. (4) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج3، ص430. (3) سورة البقرة، آية 187.
عدد الصفحات ٨٢73 " حديث عدي هذا يقتضي أنّ قوله تعالى (ﱭ ﱮ) نزل متصلاً بقوله تعالى (ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ) وان عَديّ بن حاتم حمل الخيط على حقيقته وفهم من قوله تعالى (ﱭ ﱮﱠ) من أجل الفجر. ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود، وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد، فإن فيه أن الله لم ينزل (ﱭ ﱮ) إلا منفصلاً عن قوله ( ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ). ولما وقع لهم الأشكال حينئذٍ أنزل الله تعالى (ﱭ ﱮ) مرافقا لذلك الإشكال، وكان الحديثين واقعتان في وقتين، ويصح الجمع بأن يكون حديث عدي متأخراً عن حديث سهل، وأن عديا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردة، ففهمها على ما قررناه فبين له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن الخيط الأبيض كناية عن بياض الفجر، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل. و أن معنى ذلك أن يفصل أحدهما عن الآخر. وعلى هذا فيكون (ﱭ ﱮ) متعلقاً في (يتبين) وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقاً بمحذوف. وهكذا هو معنى جوابه في حديث سهل. ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة. وذكر بعض الرواة (ﱭ ﱮ) متصلاً بما قبله، كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل متفرقاً كما بينه حديث سهل، والله تعالى أعلم "(1). ج- حمل المطلق على المقيد قال في كتاب العتق، باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد. مسألة هل يسري عتق البعض على الشريك؟" …. وعلى هذا فيكون حكم المعتق بعضه حكم الأحرار مطلقاً من يوم العتق. ولو أعتق الشريك لم ينفذ عتقه. ولو مات العبد قبل التقويم، ودفع القيمة مات حراً. ويتمسك هؤلاء بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قال فيه ((مَن أَعتَقَ شِقصًا لَهُ فِي عَبدٍ فِي عَبدٍ فَخَلاَصُهُ فِي مَالِهِ إِن كَانَ لَهُ مَالٌ )). وأظهر من هذا ما رواه النسائي(2) من حديث ابن عمر وجابر: أن رسول-صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ فِيهِ شُرَكَ اءُ، وَلَهُ وَفَاءٌ، فَهُوَ حُرٌّ، وَيَ ضْمَنُ نَصِيبَ شُرَكَائِهِ بِقِيمَةٍ; لِمَا أَسَاءَ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ )). قلت: - القرطبي- وهذا التمسك ليس بصحيح لما يقتضيه النظر الأصولي. وذلك أن هذه الأحاديث وان تعددت رواتها، وكثرت ألفاظها فمقصودها كلها واحد. وهو بيان كل من اعتق شركاً في عبد. فهي قضية واحدة غير أن من ألفاظ الرواة ما هو مقيد ومنها ما هو مطلق فيحمل مطلقها على مقيدها، وقد اتفق الأصوليون على ذلك فيما اتحدت القضية. وهذا من النوع المتفق عليه ".(3) * (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3 ص ص147-148. (2) النسائي، السنن الكبرى، كتاب العتق باب: العبد يكون بين ا ثنين فيعتق أحدهما نصيبه حـ4938-4961ج3 ص ص180-185.
عدد الصفحات ٨٣74 ء- بناء العام على الخاص وفي كتاب البيوع- باب: - البيع الحاضر. في أثناء حديثه عن حديث المصرّاة ( (لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ ..)) قال: واختلف في الأخذ بحديث المصرات… ولهذا الخلاف سببان: أحدهما: أن هذا الحديث يعارضه قوله -صلى الله عليه وسلم -: ( (الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ ))….(1) والجواب عن السبب الأول: انه لا معارضة بينهما، لأنا لا نسلمأن اللبن خراج سلّمناه. لكنه اذا نشأ عن ضمان المشتري بين المصراة نشأ عن ضمان البائع فإن كان موجوداً في الفرع حالة التبايع سلمناه. لكن حديث المصراة خاص، حديث الخراج بالضمان عام، ولا معارضة بينهما لأن الجمع بينهما ممكن بأن يبنى العام على الخاص. وهو الصحيح على ما بيناه في أصول الفقه".(2) طرق الجمع فيما يعود إلى الراوي. أ- الجمع بأن يكون البعض أجمل والآخر فصل ففي كتاب الصوم، باب: كراهية سرد الصوم، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما…. قال: " حديث عبد الله بن عمرو اشتهر وكثر رواته فكثر اختلافه حتى ظن من لا بصيرة عنده انه مضطرب، وليس كذلك فانه إذا تتبع اختلافه وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته وتناسب مساقه إذ ليس فيه اختلاف تناقض، ولا تهاتر بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره وفصل بعض ما أجمله غيره. وسنشير إلى بعضه إن شاء الله تعالى… "(3). ب- كل حسب ما رأى وشاهد. ففي كتاب الإيمان، باب: تغيير المنكر من الإيمان، حديث أبو سعيد عن النبي : " من رأى منكم منكراً … " الذي قاله رجل لمروان بن عبد الحكم في خطبته التي قدم فيها الخطبة على الصلاة يوم العيد، فقال: " وقوله: فقام اليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة فقال: أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه. مقتضى هذا السياق أن المنكر على مروان رجل غير أبي سعيد وان أبا سعيد مصوب الإبكار، مستدل على صحته. وفي الرواية الأخرى: أن أبا سعيد هو المنكر على مروان والمستدل. فرأى بعض الرواة إنكار الرجل، ورأى بعضهم إنكار أبي سعيد. (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4،ص ص312 -313. * وقد ذكر ذلك الآمدي في الأحكام،3 /6-7، وقال الدومي، في نزهة الخاطر شرح روضة الناظر، ورد عن أبي ح نيفة أنه لا يقول بذلك ونقل الإجماع عن الغزالي وابن عقيل وا ستدل على ذلك من كتب الحنفية 0نزهة الخاطر ج 2 ص ص192 _193. (1) الترمذي، الجامع، كتاب البيوع، باب فيمن يشتري العبد ويستغله جـ 1285 ج3ص582. (2) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج4، ص370-371. (3) المصدر ذاته،ج3، ص224.
عدد الصفحات ٨٤75 وقيل هما واقعتان في وقتين وفيه بعد(1). ج- أن يذكر أحد الرواة ما سكت عنه الآخر. ففي كتاب الزكاة، باب: يجب الرضا بما قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في القوم الذين سيأتون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. قال: وقوله ((لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ )) وفي الأخرى ((قَ تْ لَ ثَ مُ وْ دٍ )) ووجه الجمع: أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخر الآخر. ومعنى هذا: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقتلهم قتلاً عاماً. بحيث لا يبقي منهم أحداً في وقت واحد. لا يؤخر قتل بعضهم عن بعض، ولا يقتل أحداً منهم، كما فعل الله بعاد، حيث أهلكهم بالريح العقيم، وبثمود حيث أهلكهم بالصيحة "(2). ء- كل حسب ما تيسر له من العبارة وفي ك تاب ا للباس، باب: كراهية الستر فيه تماثيل. قال: "حديث عائشة كثرت رواياته واختلفت ألفاظه حتى يتوهم: أنه مضطرب وليس كذلك لأنه ليس فيه تناقض. وإنما كانت القضية مشتملة على كل ما نقل من الكلمات والأقوال المختلفة لكن نقل بعض الرواة ما سكت عنه غيرهم، وعبّر كل منهم بما تيسر له من العبارة عن تلك القضية. ويجوز أن يصدر مثل ذلك الاختلاف من راو واحد في أوقات مختلفة ولا يعد تناقضاً فإنه إذا جمعت تلك الروايات كلها انتظمت وكملت الحكاية على تلك القضية، وعلى هذا النحو وقع ذكر اختلاف كلمات القصص المستمدة من القرآن فانه تعالى يذكرها في موضع وجيزة، وفي آخر مطوّلة ويأتي بالكلمات المختلفة الألفاظ مع اتفاقها على المعنى، فلا يذكر مثل هذا في الأحاديث"(3.) ثانياً: الترجيح بين الأحاديث ونجده رحمه الله تعالى إذا لم يستطع أن يجمع بين الأحاديث صار إلى الترجيح، ويمكن بيان صناعته بالترجيح على النحو الآتي: بين كيف يصار إلى الترجيح وقد يرجح بأكثر من وجه ومن أساليبه الترجيح التي استعملها: - أولاً: الترجيح بظاهر الكتاب. - ثانياً: ترجيح رواية الأحفظ. - ثالثاً: ترجيح العموم على المفهوم. - رابعاً: ترجيح الرواية الأكمل. - خامساً: تقديم النص على الاجتهاد. - سادساً: ترجيح ما في الصحيحين أو أحدهما على غيرهما. (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1 ص232. (2 )القرطبي، الفهم، مصدر سابق، ج 3 ص113. (3 )القرطبي، المفهم، ج 3،425.
عدد الصفحات ٨٥76 - سابعاً: ترجيح الرواية المفصلة على غيرها ولا يعني هذا أنه يقبل الترجيح بل يناقش بعض العلماء أحياناً ، ويرد على بعض أوجه الترجيح التي ينقلها عن العلماء أحياناً أخرى. كيف يصار إلى الترجيح؟ ويظهر ذلك في المثال الآتي: كتاب الأدب، باب: النهي عن أن يقول سيد عبدي. حديث ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي ،…)) قال: "وقوله: ((ولاَ يَقُل أَحَدُكُمْ ، رَ بِّ ي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلاَيَ ))، هذا اللفظ متفق عليه عند أكثر الرواة، وفي الأم - أي الصحيح- من رواية أبي سعيد الأشج وأبي معاوية عن الأعمش مرفوعاً: ((وَلاَ يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ مَوْلاَيَ )). وانفرد أبو معاوية، فزاد ( (وإِنَّ اللهَ مَوْلاَكُمُ )) وقد رواه عن الأعمش جرير ولم يذكر ذلك، وقد روي من طرق متعددة مشهورة وليس ذلك مذكوراً فيها، بل اللفظ الأول. فظهر بهذا، أن اللفظ الأول أرجح، وإنما صرنا للترجيح للتعارض بين الحديثين فإن الأول يقتضي إباحة قول العبد: مولاي، والثاني منعه من ذلك، والجمع متعذر ، والعلم بالتاريخ مفقود فلم يبق إلا الترجيح، كما ذكرناه والله أعلم "(1). الترجيح بأكثر منوجه: - من ذلك ما جاء في كتاب العتق، باب فيمن اعتق شركاً له في عبد، قال في معارضة حديث ابن عمرو لحديث أبي هريرة رضي الله عنهما- في مسألة حكم استسعاء العبد المعتق بعضه، قال: " وقد رد علماؤنا ذكر الاستسعاء المذكور في الباب بوجهين. الأول: التأويل…والوجه الثاني: الترجيح وهو من أوجه: - الأول: أن سند حديثنا اقرب سنداً من حديثهم، فتطرق احتمال الغلط إليه ابعد. الثاني: أن حديثهم قد رواه شعبة، وهشام، وهمام، موقوفاً على قتادة من قوله وفتياه، وحديثنا متفق على رفعه فكان أولى. والثالث: أن حديثنا معمول به عند أهل المدينة وجمهور العلماء وحديثهم إنما عمل به أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق، فكيف تخفى سنة على أهل المدينة وتظهر بالعراق "(1). أولاً: الترجيح بالموافقة للكتاب ففي كتاب الطلاق، باب في قوله تعالى (ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ…)(2). حديث((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً ….)) وقوله (ﱡﭐ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﱠ)(3). (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ص ص 553،554. (1) المصدر ذاته ج4 ص315. (2) سورة التحريم آية رقم 1) (3) سورة التحريم آية رقم 3 )
عدد الصفحات ٨٦77 يعنيأن النبي صلى الله عليه وسلم اعلم حفصة بالخبر الذي أفشته، فقالت مستفهمة عمن اعلمه بذلك (من أنبأك هذا) … ثم قال تعالى (ﭐ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆﲇ)(4). يخاطب عائشة وحفصة وهذا يدل على أن الصحيح من الروايات رواية من روى أن هذه القصة إنما جرت لعائشة وحفصة لأجل العسل الذي شربه عند زينب أو لأجل مارية، وانهما هما اللتان تظاهرتا عليه، كما جاء نصاً من حديث ابن عباس عن عمر على ما يأتي. وهو رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريح، عن عطاء عن عبيد بن عمر، عن عائشة. وأما رواية أبي أسامة التي ذكر فيها أن المتظاهرات عليه عائشة وسودة وصفية فليست بصحيحة، لأنها مخالفة للتلاوة، فإنها جاءت بلفظ خطاب الاثنين، ولوكان كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث، قال أبو محمد الأصيلي حديث الحجاج أصح طرقه، وهو أولى بظاهر الكتاب"(1). ثانياً: ترجيح ظاهر القرآن علىظاهر الحديث كتاب: الحج، باب: الحج عن المعضوب -وهو الشيخ الذي لا يثبت على راحلته- والصبي، حديث المرأة الخثعميّ ة. قال: " (وقولها: أَدْرَكَتْ أَبِي ) وفي الرواية الأخرى (عَلَ يه فَرِيضَةَ اللهِ فِي الْحَجِّ ) ظاهر في أنّ من لم يستطع الحج بنفسه انه يخاطب به ….. إن هذا الظاهر مخالف لقوله تعالى (ﱡﭐ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ ﲮ ﱠ)(2) …فلما عارض ظاهر الحديث ظاهر القرآن رجــح مالك رحمه الله ظاهر القرآن. وهو مرجح بلا شك من أوجه منها: أنه مقطوع بتواتره، ومنها أن هذا القول إنما هو قول المرأة على ما ظنت" (3). ثالثاً: الترجيحبالأحفظ. فجاء في كتاب الحدود، باب لا تغريب على المرأة، حديث ((إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عِ نْدَ هَذَا، فَزَنَى بِامْ رَأَتِهِ ….)) فقال في الشهادة على الإقرار بالزنى. …فالجواب: أن هذا اللفظ الذي قال فيه ((فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ )). هو من رواية الليث عن الزهري. وقد روى هذا الحديث عن الزهري مالك. وقال فيه فَاعْ تَرَ فَتْ فَرَجَمَهَا (4). ولم يذكرفَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ )). وعند التعارض فحديث مالك أولى لما يعلم من حال مالك وحفظه، وضبطه، وخصوصاً في حديث الزهري. فإنه أعرف الناس به"(5). (4) سورة التحريم آية رقم ( 4) (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4 ص ص251-252. (2) سورة آل عمران آية 97 . (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3 ص442 . (4) مالك، الموطأ، كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنى ج 2 ص822.
عدد الصفحات ٨٧78 رابعاً: ترجيح العموم على المفهوم. قال في كتاب البيوع، باب: من أدرك ماله عند مفلس. حديث ((إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا ،..)) وقوله في حديث الزهري الذي خرجه أبو داود(1) ((وَإِنْ كَانَ قَدْ قَضَى مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُ رَمَاءِ فِيهَا )) … وهو يدل على هذا الشرط بدليل المف هوم، وحديث أبي هريرة الذي في الأصل يدل على إلغاء ذلك الشرط بدليل العموم. والتمسك به راجح على التمسك بالمفهوم كما ذكرناه في الأصول"(2). خامساً: الترجيح بالرواية الأكمل ففي كتاب الزكاة، باب: يجب الرضا بما قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. حديث القوم الذين يمرقون من الدين، قال: " وفي الأم -أي الصحيح-: قال عليّ - وذكر الخوارج -: فيهم رجل مخدج اليد، أو مودن اليد، أو مثدن اليد، على لفظ الشك لجميع الرواة، وقال بعضهم: مثدون. وكذا هو عند العذري، والطبري، والباجي. فأما: مخدج اليد: فناقصها. ومثدن اليد ومثدونها: صغيرها ومجتمعها، بمنزلة ثندوة الرجل. وكان أصله مثند، فقدمت الدال على النون، كما قالوا: جبذ وجذب. وقيل معناه: كثير اللحم. قال ابن دريد: ثدن الرجل ثدنًا، إذا كثر لحمه وثقل. وعلى هذا فلا يكون في الحرف قلب. فأما مودن، فقال أبو مروان بن سراج: يهمز ولا يهمز. قال ابن دريد: رجل مودن، ناقص الخَلق. وودن ومودن، وكله بالدال المهملة. والذي يجمع شتات هذه الأحاديث في صفة يد هذا المخدج، ويبين صفتها ما جاء في حديث زيد بن وهب الذي قال فيه: (وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَ لَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَ اتٌ بِيضٌ )، وهذه الرواية: هي أحسن الروايات وأكملها وأبينها " (3). سادساً: تقديم النص على الاجتهاد ففي كتاب الصوم، باب: ما جاء في القبلة للصائم- وحديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما في ذلك قال: وقولهما: ((وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ )) … وهذا يدل على أن مذهبها- أي عائشة رضي الله عنها- منع القبلة مطلقاً في حق غير النبي –صلى الله عليه وسلم- وأنها فهمت خصوصيته بجواز ذلك، وهو خلاف ما في حديث أم سلمة فانه صلى الله عليه وسلم يسوي بينه وبين غيره في إباحة ذلك والأخذ بحديث أم سلمة أولى لأنه مبين للقاعدة ونص في الواقعة وقول عائشة اجتهاد منها "(1). سابعاً: تقديم ما في الصحيحين ففي كتاب الإمارة والبيعة، باب: ما جاء في هدايا الأمراء- (5) القرطبي، المفهم، مصدر سابق ج 5 ص106. (1) أبوداود، السنن، كتاب البيوع، با ب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده جـ 3520 ج2، ص309. (2) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4 ص ص434-435. (3) المصدر ذاته، ج3، ص115-116. (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3 ص164.
عدد الصفحات ٨٨79 حديث(اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً مِنَ الأَْسْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ ، قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي، …)) فقال في حديثه عن حكم قبول الهدايا للأمراء: " ليس لأحد أن يتمسك في استباحة هدايا الأمراء بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقبل الهدية، ولا بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح لمعاذ الهدية حين وجهه إلى اليمن، أما الجواب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فمن وجهين:-… الثاني: أنّ ه -صلى الله عليه وسلم- معصوم عن تخريج الجور والميل الذي يخاف منه على غيره بسبب الهدية، وأما عن حديث معاذ(2) فلأنه لم يجئ في الصحيح، ولو صح لكان ذلك مخصوصاً بمعاذ لما علم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من حاله، وتحققه من فضله، ونزاهته، مما لا يشاركه فيه غيره، ولم يبح ذلك لغيره بدليل هذه الأحاديث الصحاح "(3). وفيكتاب اللباس: باب: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب. قال: " … وهذا وجه حسن غير انه تكدر بما رواه أبو داود(4) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -. ( (أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم، فَقَالَ لِي: أَتَيْتُكَ الْ بَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ …)) وذكر الحديث. وهذا يدل دلالة واضحة أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة مرقومة، وعند هذا يتحقق التعارض. والمخلص منه الترجيح، ولا شك في ترجيح حديث مسلم "(5) . ثامناً: تقديم الرواية المفصلة على غيرها ففي كتاب الطلاق: باب: فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها. حديث فاطمة بنت قيس-رضي الله عنها- قال: " وقوله ((وطلقها البتة)) هذا هو الصحيح انه طلقها عند جميع الحفاظ، وسيأتي في حديث الجساسة لفظ يوهم: انه مات عنها، وله تأويل يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. ويعني بالبتة آخر التطليقات الثلاث كما جاء مفسراً في الرواية الأخرى، لأنه أوقع عليها لفظ البتة. وإنما سمي آخر الثلاث البتة؛ لأنها طلقة تبت العصمة، ولا تبقي منها شيئاً، ولما كملت بهذه الطلقة الثلاث عبر عنها بعض الرواة بالثلاث. والرواية المفصلة قاضية على غيرها وهي الصحيحة "(1). واستخدامه لهذه الوسائل في الترجيح لا يعني التسليم بل نجده يرد على بعض أوجه الترجيح: (2) محمد بن عبد الله بن العربي ت543هـ-1148م، عارضه الأحوذي شرح جامع الترم ذي، بدون رقم طبعة، دار العلم للجميع، سوريا، بدون تاريخ نشر، ج 6ص82. (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4 ص ص32-33. (4).أبو داود، السنن، كتاب اللباس باب في الصور جـ 4158 ج2 ص472. (5) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5 ص ص424-425. (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج4 ص ص266-267.
عدد الصفحات ٨٩80 ففيكتاب الجهاد والسير باب: الإمام مخير في الأسارى، حديث أسرى بدر، قال: " وعند هذا يشكل ما جاء في آخر هذا الحديث من عتب الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بقوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَْرْضِ )(2) وبقوله -صلى الله عليه وسلم- ((لَ قَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ )) ووجه هذا الإشكال: أن الاجتهاد الذي صدر من أبي بكر ووافقه عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إما أن يكون الله قد سوغه لهم أولاً. فإن كان الأول: فكيف يعاتبون، ويتوعدون على ما سوغ لهم، وان لم يكن مسوغاً فكيف اقدموا عليه. لا سيما النبي- صلى الله عليه وسلم- الذي قد برأ الله نطقه عن الهوى واجتهاده عن الخطأ؟ ولما أشكل هذا اختلفت أجوبة العلماء عنه، فقيل فيه أقوال: أحدها: انهم اقدموا عليه لأنه أمر مصلحي دنيوي، والأمور المصلحية الإقدام عليها مسوغ ولا يعد في العتب عن ترك المصلحة الراجحة وان كانت دنيوية وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا الاجتهاد منهم إنما كان في أمر شرعي حكمي لأنه يقتضي سفك دماءٍ واستباحة أموال وإرقاق أحرار، وهذه لا تستباح إلا بالشرع. وثانيهما: أن العتب الشرعي لا يتوجه على ترك مصلحة دنيوية لا يتعلق بها مقصود شرعي، كما لم يتوجه على النبي- صلى الله عليه وسلم- عتب في قضية إبار النخل وان كان عدل فيه عن المصلحة الدنيوية الراجحة وهذا من نوع الأول. الثاني: إنما عوقبوا لأن قضية بدر عظيمة الموقع، والتصرف في صناديد قريش وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك ذلك كله عظيم الموقع. فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه. وهذا أيضاً فاسد لأنه يلزم منه أن يكونوا أقدموا على ما لا يجوز لهم شرعا، ووافقهم على ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكل ذلك عليهم محال بما قدمناه من وجوب عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم- عن الخطأ في الشريعة ومن ظهور الأدلة المرجحة بما قدمناه. الثالث: أن ذلك إنما توجه على من أراد بفعله عرض الدنيا، ولم يرد الدين ولا الدار الآخرة. بدليل قوله تعالى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَُّّ يُرِيدُ الآْخِرَةَ )(1). ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ولا من نحا نحوهما ممن يريد عرض الدنيا فالوعيد والتوبيخ متوجهان إلى غيرهم ممن أراد ذلك. وهذا أحسنها، والله أعلم"(2). (2) سورة الأنفال آية 67. (1) سورة الأنفال، الآية رقم 67. (2) القرطبي، المفهم، مصدر سابق ج 3 ص ص579-580.
عدد الصفحات ٩٠81 ِّ المبحثِّالثانيِّ فيِّعلومِّالمتنِّ منِّحيثِّقائلهِّوعددِّرواته.ِّ المطلبِّالأول:ِّمنِّحيثِّقائله:ِّالمرفوعِّوالموقوفِّ المطلبِّالثاني:ِّعلومِّالمتن:ِّمنِّحيثِّعددِّرواتهِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ
عدد الصفحات ٩١82 المبحثِّالثاني:ِّعلومِّالمتنِّمنِّحيثِّقائلهِّوعددِّرواتهِّ المطلبِّالأول:ِّمنِّحيثِّقائله:ِّالمرفوعِّوالموقوفِّ المرفوع: هو ما أضيف إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – خاصة من قول، أو فعل، أو تقرير أو صفة خُلقية، أو خلقية، سواء أكان متصل الإسناد، أم متقطعة (1). والموقوف هو: ما أضيف إلى الصحابي من قول، أو فعل، أو تقرير، فوقف عليه ولم يتجاور به إلى النبي – صلى الله عليه وسلم - (2). وتمثل صنيع القرطبي في هذا الجانب فيما يلي أولاً: بيان المرفوع حكماً والموقوف لفظاً. ثانياً: ترجيح الوقف على الرفع. رابعاً: تساوي الرفع والوقف عنده. خامساً: بيان واقف الحديث. أولاً: بيان المرفوع حكماً والموقوف لفظاً: قال رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة – باب: الأمر بزكاة الفطر – حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- ((كنَّا نُخرِجُ إذ كان فينا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم زكاةَ الفِطرِ عَن كلِّ صغيرٍ وكبيرٍ ...)) وقوله ((كنَّا نُخرِجُ زكاةَ الفِطرِ إذ كان فينا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) مثل هذا ملحق بالمسند المرفوع عند المحققين من الأصوليين، لأن مثل هذا لا يأمر به غير النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا يخفى مثله عنه، ولا يذكره الصحابي في معرض الاحتجاج إلا وهو مرفوع إلا النبي – صلى الله عليه وسلم...) (3). ومن ذلك أيضاً ما جاء في كتاب النكاح– باب: المقام عند البكر والثيب- فقال عند قول أنس – رضي الله عنه -: ((مِنَ السُّنَةِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ البِكْرِ سَبْعَا )). "ظاهره الرفع عند جمهور الأصوليين، لأنه إنما يعني به سبنة النبي – صلى الله عليه وسلم* وقد دل على الرفع هنا قول خالد: ((لَوْ شِئْتُ قًلْتً رَفَعَهُ )) (4). وكذلك ما جاء في كتاب الصوم– باب: نسخ الفدية – وقول عائشة – رضي الله عنها-: ((كان يكونُ عليَّ الصَّومُ مِن رَمَضانَ ...))، قال: "وقول عائشة – رضي الله عنها-: فيه حجة: على أن قضاء رمضان ليس على الفور... وحديث عائشة هذا وإن لم تصرح برفعه إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإنه يعلم أنه لا يخفى مثله عنه. ولا أن أزواجه ينفرد بآرائهن في مثل هذا الأمر المهم الضروري، فالظاهر أن ذلك من إذن النبي – صلى الله عليه وسلم-. وتسويغه لهن ذلك"(5). (1) ابن الصلاح، علوم الحديث، مصدر سابق، ص45. السيوطي، تدريب الراوي، مصدر سابق، ج 1، ص183، محمد جمال الدين القاسمي، قواعد التحديث من فنون مصطلح التحديث، تحقيق محمد البيطار، الطبعة الثانية، دار النفائس، بيروت، 1993، ص123. (2) ابن الصلاح، علوم الحديث، ص46، السيوطي، تدريب الرواي، ج 1، ص184. (3) القرطبي، المفهم، ج 3، ص23. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص204. (5 )المصدر ذاته، ج3، ص25.
عدد الصفحات ٩٢83 ثانياً: ترجيح الرفع على الوقف من ذلك ما جاء في كتاب البيوع – باب: في وضع الجائحة- حديث أنس ((أَنّ رَسُولَ صَلّى اللهُ عَلَ يْه وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْ عِ الثمَّرَةِ حَتّى تَزْهِي. قَالُوا: ((وَمَا تَزْهِي؟ قَالَ: تَحْمَرُّ )). وحديث جابر بن عبد الله قال، قال: رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ((لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَلاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَ أْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ )). قال عن هذا الحديث: "دليل واضح على وجوب اسقاط ما أجيح (1) من الثمرة عن المشتري، ولا يلتفت إلى قول من قول: إن ذلك لم يثبت مرفوعاً وإنما ثبت من قول أنس. لأن ذلك ليس بصحيح، بل الصحيح: رفع ذلك من حديث جابر وأنس على ما ذكرناه في الأصل، واعتضد ذلك بأمره – صلى الله عليه وسلم- بوضع الجوائح"(2). ومن ذلك أيضاً: ما جاء فيك كتاب الحج– باب: الحج عن المغضوب وهو الشيخ الذي لا يثبت على راحلته – والصبي قال في مسألة هل الحج عن النفس شرط للحج على الغير. "وسبب الخلاف في هذه المسألة: ما قد أشرنا إليه من معارضة الظواهر بعضها بعضاً... وأما حديث ابن عباس فخرجه أبو داود(3). "قال فيه سمع رسول– صلى الله عليه وسلم- رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو نقريب لي. فقال: ((حَجَجُتَ عَنْ نَفْسِكَ )) قال: لا قال: ((حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثم حج عن شبرمة )). علله بعضهم بأنه قد روي مرفوعاً والذي أسنده ثقة"(4). ثالثاً: ترجيح الوقف على الرفع جاء ذلك في كتاب الزكاة – باب: الابتداء في الصدقة بالأهم فالأهم – حديث جابر قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ((ابْ دَ أْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدّقْ عَلَيْها ...)) قال: "ومما احتج به أصحابنا بأن المدير لا يباع، ولا يوهب، حديث ابن عمر وهو أنه – صلى الله عليه وسلم- قال: ((الْمُدَبَّرُ (5) لاَ يُبَاعُ ، وَلاَ يُوهَبُ ، وَهُوَ حُرٌّ مِنْ ثُلُثِ ))(6) وصحيحه موقوف على ابن عمر والذي استدل به مالك ما تقدم(7). رابعاً: تساوي الرفع والوقف كان رحمه الله تعالى إذا تحدث عن مسألة فقهية يهتم ببيان الصواب في الرفع والوقف، أما إذا كان الأمر ليس للترجيح أو الاستدلال بل لتفسير لفظ فالقول بالرفع والوقف سيان عنده. فجاء في كتاب النكاح – باب: النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه- (1) أجيج: أي هلك، محمد بن مكرم منظور 711ه) لسان العرب، الطبعة الأولى، دار صادر – بيروت لبنان – 1410ه– 1990م.ىحرف الحاء فصل الجيم، ج 2، ص432. (2) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4، ص423. (3) أبوداوود، السنن، مصدر سابق، الرجل يحجج عن غيره جــ 1811 ج1 ص563. (4) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص444. (5 )المدبر: من التدبير: وهو أن يتدبر الرجل أمره ويدبره أن ينظر في عواقبه. والمعنى المراد هو من التدبير: أن يعتق الرجل عبده عن دبر ، وهو أن يعتق بعد موته فيقول أنت حر بعد موتي فهو مدير، ابن منظور، لسان العرب، مصدر ساب ق، فصل الراء باب الدال ج 4، ص273. (6) أحمد بن الحسين بن عليالبيهقي (458ه– 1038م) السنن الكبرى بدون رقم الطبعة، دار الفكر بيروت – لبنان، بدون تاريخ نشر ج 10، ص314. (7) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص50.
عدد الصفحات ٩٣84 حديث أبي هريرة قال((نَ هَى رَسُولُ اللَِّّ صَلَّى اللَُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشِّغَارِ )). والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، وزوجني أختك وأزوجك أختي. قال: "وقد ج اء تفسير الشغار في حديث ابن عمر من قول نا فع. وجاء في حديث أبي هريرة من كلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في مساقه. وظاهر الرفع إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- ويحتمل أن يكون من تفسير أبي هريرة أو غيره من الرواة. أعني: في حديث أبي هريرة وكيفما كان فهو تفسير صحيح موافق لما حكاه أهل اللسان. فإن ك ان من قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فهو المقصود، وإن كان قول الصحابي فمقبول لأنهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال"(1)) خامساً: بيان واقف الحديث وأحياناً وجدته – رحمة الله تعالى- ينص على الرواي الذي نص بالوقف، من ذلك: ما جاء في كتاب العتق باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد – فقال في ترجيح مذهبه أن المعتق إذا كان موسراً لم يكلف العبد السعي في تخليص ما بقي منه. قال: "والوجه الثاني الترجيح وهو من أوجه:... الثاني: أن حديثهم قد رواه شعبة وهشام وهمام موقوفاً على قتادة من قولع وفتياه، وحديثاه متفق على رفعه. فكان أولى"(2). وفي كتاب الجهاد والسير– باب: النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو- قال في: حديث ابن عمر قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ((لاَ تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ )). "ظاهره أنه من قول النبي – صلى الله عليه وسلم- متصل بما تقدم من كلام النبي – صلى الله عليه وسلم-. وكذلك رواه جماعة من الحفاظ الثقات متصلة به ومن كلامه – صلى الله عليه وسلم-. وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي وابن وهب عن مالك. غير أن يحيى بن يحيى الأندلسي. ويحيى بن بكير روياها من قول مالك. وموقوفة عليه ويمكن حمل هذه الرواية على أن مالكاً عرض له شك في رفعها فوقفها عليه. والظاهر رواية الجماعة المتقدمة"(3). ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ (1 )القرطبي، المفهم، م صدر سابق، ج4، ص112. (2) المصدر ذاته، ج4، ص385. (3) المصدر ذاته، ج3، ص961.
عدد الصفحات ٩٤85 المطلبِّالثاني:ِّعلومِّالمتن:ِّمنِّحيثِّعددِّرواتهِّ أولاً: المتواتر نادراً ما ينبه الإمام القرطبي إلى الأحاديث المتواترة، فمن ذلك ما جاء في كتاب الصلاة – باب: ما جاء في الآذان والإقامة- قال في حديثه عن مذهب الإمام مالك في الآذان: "ومذهب مالك –رحمه الله تعالى – تثنية الآذان كله، غير أنه يرجع. وهو نقل أهل المدينة المتواتر عن آذان بلال، وهو أخر آذانه..." (1). وفي كتاب الحج– باب: أنواع الإحرام الثلاثة- قال: "و قد استه ول بعض القاصرين هذا الخلاف الواقع في إحرامه – صلى الله عليه وسلم- وقدّره مطعناً في الشريعة زاعماً: أن العادة قاضية بتواتره، لا يختلف فيه، ولم يوجد ذلك إلأ بالأحاديث، فيقطع بكذبها، وهذا لا يلتفت إليه. وأما ما تقتضي العادة تواتره، تواتر وعلم، وهو أنه – صلى الله عليه وسلم- حج وأحرم من ذي الحليفة. وأنه تمادى في إحرامه إلى أن أكمل مناسك حجه، وصلى من إحرامه عند طواف الإفاضة. وهذا كله معلوم بالنقل المتواتر الذي اشترط فيه لأنه هو المحسوس لهم(2)." وقد أطلق المشهور على المتواتر: فقال في مقدمة تلخيص مسلم عند حديثه عن زيادة البزار ((لِيُضِلَّ بِهِ )) (3) في حديث((مَنْ كَذَبَ عَلَيَ... )) – وهو متواتر فقد رواه أكثر من مئة من الصحابة –" وليست معروفة عند نقلة الحديث مع شهرته"(4). قلت: ولعلهأراد الشهرة بمعنى الاشتهار والاستفاضة التي تقضي التواتر والله أعلم. ثانياً: المشتهر كان صنيعه من خلال الأمثلة القليلة التي ذكرها في كتابه يقوم على بيان الحديث المشتهر، وتقديمه على غيره. جاء في كتاب الجهاد والسير – باب: النهي عن قتل النساء والصبيان- قوله: "والصحيح أنها إذا قاتلت بالسلاح أو بالحجارة، فإنه يجوز قتلها لوجهين: أحدهما: قوله – صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه النسائي(5) من حديث عمر بن مرقع بن صفي بن رباح، عن أبيه عن حده رباح، أنه – صلى الله عليه وسلم- مرّ في غزاة بامرأة قتيل. فقال ((مَاَ كَاَنَتْ هَذِه تُقَاتِلَ )) فهذا تنبيه على المعنى الموجب للقتل، فيجب طرده إلا أن يمنع منه مانع. وثانيهما: قتل النبي – صلى الله عليه وسلم- لليهودية التي طرحت الرّحي على رجل من المسلمين فقتلته، وذلك بعدما أسرها النبي صلى الله عليه وسلم(6) وكلا الحديثين مشهورين(7). (1 )القرطبي، ا فهم، مصدر سابق، ج2، ص8. (2 )المصدر ذاته، ج3، ص318.. (3 )الهيثمي، مجمع الزوائد، مصدر سابق، ج1، ص144. (4 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1، ص115. (5 )النسائي، السنن، كتاب السير، باب قتل العسبف، ح 8625، ج5، ص186. (6 )أبو دواد، السنن، كتاب الجهاد، باب قتل ا لنساء، ح 2671، ج21، ص60. (7 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص528.
عدد الصفحات ٩٥86 وفي كتاب القسامة– باب: في كيفية القسامة وأحكامها- قال في ترجيح مذهب الجمهور فيما ردّوا به على قول من قال إن اليمين يبدأ من المدعى عليهم. "وقد أجاب الجمهو ر عن ذلك: بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث حويصة ومحيصة تبدئة المدَّعين بالإيمان، وهي رواية الأئمة الحفاظ بالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود (1)، والنسائي (2)، مراسي ل وغير معروفة عند المحدثين، وليست مما تعارض بها الطرق الصحاح"(3). وفي كتاب التفسير– باب: ومن سورة النساء- في حديثه عن زواجه – صلى الله عليه وسلم - بأكثر من أربعة من خصوصياته قال: "وقوله لغيلان – أي ابن أمية- (( أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ )) ( 4)- قد بين القدر المباح غاية البيان، وهو من الأحاديث المعروفة المشهورة عند كل أحد، بحيث لا يحتاج فيه إلى إقامة سند(5). (1 )أبو دواد، السنن، مصدر سابق، كتاب الديات، باب: القتل بالقسامة، ح 4520، ج2، ص ص584 – 585. (2 )النسائي، السنن، مصدر سابق، كتاب القسامة، باب: تبدئة أهل الدم في القسامة، ح 4713، ج8، ص ص8-9. (3 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 5، ص11. (4 )محمد بن حيان البس354ه– 943م)، المسد الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح ناقيلها، بترتيب علي بن بلبان الفارسي ( 739ه– 1319م) لتحقيق شعيب الارناؤوط. الطبعة الثانية مؤسسة الرسالة – بيروت 1414ه– 1993م ح4157، ج9، ص465. (5 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 7، ص328.
عدد الصفحات ٩٦