المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الصناعة الحديثية في كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب الإمام مسلم للامام القرطبي

محمد عودة الحوري

صفحة ٥ من ١٢

55 أي آمنوا بالله ووحدوه ثمَّ استقاموا على ذلكوعلى طاعته إلى أن تعرفوا عليها، كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: " استَقَامُوا واللهِ على طاعتِهِ، ولم يَرُ وغُوا رَوَغَانَ الثعالب ". وملخصه اعتدلوا على طاعة الله تعالى عقداً وقولاً وفعلاً وداموا على ذلك" (1) . ومن ذلك أيضاً ما جاء في كتاب البيوع - باب: ما جاء في ذكر كراء الأراضي - حديث زيد بن ثابت ((كُنَّا نُخَابِرُ عَلَ ى عَهدِ رَسُولِ اللَِّّ صَلَّى اللهُ عَلَ يهِ وَسَلَّمَ )). قال: " وفي هذا الحديث حجة للجم هور وأئمة الفتوى: مالك والشافعي وأبي حنيفة وهو مذهب ابن عباس وابن عمر ورافع بن خديج على منع كراء الأرض بجزءٍ مما يخرج منها على من أجاز ذلك. وهم الليث بن سعد وأبن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن حيّ والأوزاعي. وهو مذهب علي وعمار وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص ووجه الاستدلال بذلك: أن هذه كانت مزارعاتهم، فلما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك نهى عنها، وبين ما يجوز فعله في الأرض وهو أن يزرعها بنفسه أو يزرعها غيره أو يكريها بشيء معلوم مضمون كما قد بيناه ولأن ذلك هي المخابرة المنهي عنها كما تقدم، ولما فيه من الجهالة والغرر والخطر، بل قد جاءت نصوص في كتاب أبي داود بتحريم ذلك فمنها ما روي عن زيد بن ثابت قــال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُخَابَرَةِ. قُلْتُ: وَمَا الْمُخَابَرَةُ؟ قَالَ: أَنْ تَأْخُذَ الأَْرْضَ بِنِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ )) (4) .وهذا نص من تفسير الصحابي وهو أعلم بالحال وأقعد بالمقال"(5). (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1 ص ص221-222. (4) أبو داود، السنن، كتاب البيوع باب في المخابرة ح 3407 ج2 ص283 . (5) القرطبي، المفهم، مصدر سابق ج1 ص409.وقد بسط القول في هذه المسألة وعرض لأقوال العلماء فيها وأدلتهم ومناقشتها ابنا قداما المغني والشرح الكب ير، انظر: محمد بن قدامة، المغني على مختصر الخرقي، ج 5 ص ص581 –588.

عدد الصفحات ٦٥

56 المبحثِّالرابع:ِّشرحهِّالأحاديثِّبالمعقولِّ لم يقتصر الإمام القرطبي- رحمه الله تعالى- في شرحه للأحاديث على النقل فقط بل إن الجانب الأكبر هو شرحه لها بالعقل؛ فان العمليات الفكرية التي- كان يقوم بها عند عرضه الأدلة ومناقشتها والرد عليها، وكذا في رده على أهل الضلالات والبدع ضلالاتهم وبدعهم. وفي بيانه معاني الكلمات وغريبها -دالةٌ على عقل متفتح وفكر متطور يشهد لصاحبه بالسبق والتقدم. ولا عجب فقد شهد له العلماء -كما قدمنا- (1) برسوخ القدم في أكثر من فنّ منه علم الكلام وتوجيه المعاني والحديث والفقه والعربية. وقد ظهر ذلك جلياً في كتابه المفهم ومن المواطن التي تشهد بذلك: ما جاء في كتاب الصلاة - باب: القراءة في الظهر والعصر -، حديث ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَ اتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ..)) قال رحمه الله تعالى: "حديث أبي قتادة حجة لمالك على صحة مذهبه واشتراط قراءة الفاتحة في كل ركعة، وعلى قراءة السورتين مع الفاتحة في الركعتين الأوليين وما بقي من الصلاة لا يقرأ فيه إلا بالفاتحة خاصة. وقد تمسك الشافعي في أنه يقرأ فيما بقي بسورة مع الفاتحة. بحديث أبي سعيد الاتي بعد هذا، ووجه التمسك قوله:" (إنه قرأ في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر نصف ذلك). والفاتحة إنما هي سبع آيات لا خمس عشرة. فكان يزيد سورة. وهذا لا حجة فيه فإنه تقدير وتخمين من أبي سعيد. ولعله صلى الله عليه وسلم كان يمد في قراءة الفاتحة حتى يقدر بذلك، وهذا الاحتمال غير مدفوع. وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه (كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها) (2). وهذا يشهد بصحة هذا التأويل،وحديث أبي قتادة فهو نص وهو أولى. وما ورد في كتاب مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر فيه التقصير أومن التقصير فيما استقرت فيه الإطالة كقراءته في الفجر بالمعوذتين، كما رواه النسائي (3) وكقراءة الأعراف والمرسلات في المغرب (4). فمتروك إما على التطويل فبإنكاره على معاذ وبأمره الأئمة، ولعل ذلك منه صلى الله عليه وسلم حيث لم يكن خلفه من يشق عليه القيام وعلم ذلك، أو كان منه ذلك متقدماً حتى خفف وأمر الأئمة بالتخفيف. كما قال جابر بن سمرة. وكان صلاته بعد تخفيفاً. ويحتمل أن يكون فعل ذلك في أوقات ليُبين جواز ذلك أو يكون ذلك بحسب اختلاف الأوقات من السعة والضيق … وعن ابن أبي أوفى: ((أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم في الركعة الأولى حتى لا يسمع وقوع قدم))، يعني: حتى يتكامل الناس ويجتمعوا وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد: أنه كان يطول الركعة الأولى من الظهر بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثمَّ يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو فيها - والله أعلم- لتوالي دخول الناس. ولا حجة للشافعي في هذا (1 )انظر مكانته العلمية في الفصل الأول المبحث الثاني عشر من هذه الرسالة. (2) مسلم، الصحيح، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ح 733 ج1 ص426. (3) السنن الصغرىـ أحمد بن شعيب بن علي النسائي 303هـ-388م). سنن النسائي (المحتبى) تحقق به الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الرابعة، دار البشائر الإسلامية - بيروت 1414هـ-1994م. كتاب الافتتاح، باب القراءة في الصبح بالمعوذتين، ح 952 ج2 ص158. (4) البخاري، الصحيح، كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته ، ح4428 ص838.

عدد الصفحات ٦٦

57 الحديث على تطويلالإمام لأجل الداخل لأن ما ذكره ليس تعليلاً لتطويل الأولى وإنما هي حكمته ولا يعلل بالحكمة لخفائها أو لعدم انضباطها. وأيضاً لم يكن يدخل في الصلاة مريداً تقصير تلك الركعة، ثم يطولها لأجل الداخل وإنما كان يدخل فيها ليفعل الصلاة على هيئتها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع، فامتنع الإلحاق"(1). وجاء في كتاب الصوم - باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد-، حديث كريب955 ] ((وَاستُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ، وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيتُ الهِلاَلَ لَيلَةَ الجُمُعَةِ، …)) وقال: " وقول ابن عباس: فَلاَ نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكمِلَ ثَلاَثِينَ، أَ و نَرَاهُ ، ثم قال في آخره : هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَِّّ -صَلَّى اللَُّّ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كلمة تصريح برفع ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- وبأمره به فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز أو قارب ذلك فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره، وإذا ثبت ذلك عند الإمام الأعظم ما لم يحمل الناس على ذلك فلا تجوز في مخالفته، إذ المسألة اجتهادية مختلف فيها، ولا يبقى مع حكم الإمام اجتهاد، ولا تحل مخالفته. ألا ترى أن معاوية أمير المؤمنين قد صام بالرؤية وصام الناس بها بالشام، ثم لم يلتفت ابن عباس إلى ذلك. بل بقى على حكم رؤيته هو. ووجه هذا يعرف من علم الهيئة والتعديل. وذلك أنه يتبين فيها: أن ارتفاعات الأقاليم مختلفة فتختلف مطالع الأهلة ومغاربها، فيطلع الهلال ويغرب على قوم قبل طلوعه وغروبه على آخرين " (2). وفي كتاب الإيمان - باب: الغرة والتحجيل من الإسباغ -، حديث ((أَنْتُمْ أَصْحَابِي. وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ … )). قال: "وقوله ((وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا )) هذا يدل على جواز تمني لقاء الفضلاء وهذه الأخوة هي أخوة الإيمان اليقيني، والحب الصحيح للرسول صلى الله عليه وسلم وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث: أنه عليه الصلاة والسلام قال ((إخواني اللذين يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي ، ويصدقون برسالتي ولم يلقوني، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ )). وقد أخذ أبو عمر ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- من هذا الحديث ومن قوله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ وَرَاءَكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ صَبْرٌ فِيهِنَّ كَقَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْ عَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ )) (1) أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- ورآه ولو مرّه من عمره أفضل من كل من يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل. وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره لأمور: أولها: مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وثانيها: فضيلة السبق للإسلام. (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4 ص ص71-74. (2) المصدر ذاته ج3 ص ص142-143. (1) أبو داود، السنن، كتاب الملاحم، باب خبر اين صائد ج4341 ج2 ص526.

عدد الصفحات ٦٧

58 وثالثها: خصوصية الذب عن حضرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ورابعها: فضيلة الهجرة والنصرة. وخامسها: ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وسادسها: تبليغها لمن بعدهم. وسابعها: السبق في النفقة في أول الإسلام. وثامنها: أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أكمل حظ، وثوابهم فيه أجزل ثواب، لأنهم سنّوا سُنن الخير، وافتتحوا أبو ابه وقد قال -صلى الله عليه وسلم- ((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْ رُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ )) (2) ولا شك في أنهم الذين سنوا جميع السنن وسابقوا إلى المكارم، ولو عددت مكارمهم وفسرت خواصهم، وحصرت لملأت أسفاراً، ولكلت الأعين بمطالعته حيارى"(3). ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ (2) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب: الحث على الصدقة ج 1017 ج2 ص583. (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج1 ص ص501-503.

عدد الصفحات ٦٨

59 ِّ الفصلِّالرابعِّ علومِّالديثِّفيِّالكتابِّ ِّ المبحثِّالأول:ِّفيِّعلومِّالمتنِّمنِّحيثِّدرايتهِّ المبحثِّالثاني:ِّفيِّعلومِّالمتنِّمنِّحيثِّقائلهِّوعددِّرواتهِّ المبحثِّالثالث:ِّفيِّعلومِّالسندِّ المبحثِّالرابع:ِّفيِّاختلافِّرواياتِّالديثِّ المبحثِّالخامس:ِّفيِّعلومِّالرواةِّوماِّيتعلقِّبهمِّ المبحثِّالسادس:ِّالتصحيحِّوالتضعيفِّعندهِّ المبحثِّالسابع:ِّقواعدِّحديثيةِّ المبحثِّالثامن:ِّموقفهِّمنِّالأحاديثِّالمنتقدةِّوصناعتهِّفيهاِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ

عدد الصفحات ٦٩

60 ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ المبحثِّالأول:ِّعلومِّالمتنِّمنِّحيثِّدرايتهِّ المطلبِّالأول:ِّغريبِّالديثِّ المطلبِّالثاني:ِّناسخِّالديثِّومنسوخه.ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ

عدد الصفحات ٧٠

61 المطلبِّالأول:ِّغريبِّالديثِّ غريب الحديث: هو ما وقع في متن الحديث من لفظ غامض، بعيد عن الفهم، لقلة استعماله ولا يظهر إلا بالتفتيش في كتب اللغة. قال ابن الصلاح: " هو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها " (1) . وأصول هذا التعريف ترجع إلى معنى الغرابة في القول والناس، فالغريب من الناس إنما هو البعيد عن وطنه، المنقطع عن أهله، والغريب من الكلام: إنما هو الغامض البعيد عن الفهم (2) . ومن المصنفات في هذا الفن: غريب الحديث لأبي عبيد، وآخر لابن قتيبة، وأبي عبيدة، والخطابي. وأهمها الفائق للزمخشري؛ ويمتاز بما يورده من نكات بلاغية، والنهاية لابن الأثير وهو أوسعها. عنايته بغريب الحديث. اعتنى رحمه الله تعالى عنايةً فائقةً ببيان ما وقع في الأحاديث من كلمات غريبة، واعتمد على من سبقه من كتب غريب الحديث، خاصة كتب ابن قتيبة، والخطابي والهروي وأبي عبيدة… الخ. وقد ظهرت هذه العناية جليّة في جميع أحاديث الكتاب، حيث يقتضي المقام تعريف غريب كلمة وبيانه، نجده لا يألو جهداً في بيان معناها. وفي بعض الأحيان كان يصرح انه يشرح غريب الحديث. فيقول غريب حديث كذا… ويلحظ عليه انه لم يكن دائماً يصرح بالمصدر الذي أتى بالمعنى منه، بل يكتفي بقوله قال غيره… أوعن بعضهم ". وسأكتفي هنا بذكر ثلاثة مواطن من الكتاب خشية الإطالة: ففي كتاب الجهاد والسير، باب: للإمام أن يخص القاتل بالسلب: حديث سلمة بن الأكوع، قال: " غريب حديث سلمة بن الأكوع: (قول سلمة: فينا نحن نتضحى): يعني نتغذى في وقت الضحاء- بالمد- قاله الخطابي وغيره. والطلق: الحبل: وهو بفتح اللام. والحقيب*: بفتح القاف، والحقيبة هو ما يجعله الراكب خلفه. والضعفة: بفتح العين، جمع ضعيف. والأوجه والأصح، ضعفه، أي حال ضعيفة، وهزال…. الخ " (1) . (1) عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح 643هـ1225م)، علوم الحديث، تحقيق د. عتر، الطبعة الثالثة، دار الفكر، دمشق،(1404هـ- 1984م) ص272، ومحمد بن عبد الرحمن السخاوي 902هـ-1496م) فتح المغيث شرح الغية الحديث. الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية -بيروت(1403هـ-1983م) ج3ص45. وعبد الرحمن بنابي بكر السيوطي 911هـ-1505م تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، الطبعة الثانية، دار الكتب ا لعلمية، بيروت (1399هـ-1959م) ج2ص184. (2) سليمان بن أحمد الخطا388هـ-998م)، غريب الحديث، تحقيق الغرباوي من مطبوعات جامعة ام القرى - السعودية-(1402هـ- 1983م).ج1ص70.، محمد بن عبد الله قتيبة276هـ-889م) غريب الحديث، تحقيق د. عبد الله الجبوري بغداد، 1997، ج1ص27. (*) كل شيء في مؤخرة رحل. لسان العرب، باب الباء، فصل الحاء، 1/325 .

عدد الصفحات ٧١

62 وفي كتاب الإيمان باب في قوله تعالى (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) (2). قال: " وقوله يقولون إنما حمله على ذلك الجزع بالجيم والزاي صحيح الرواية، لا يعرف في كتاب مسلم غيرها، و هو بمعنى الخوف من الموت، وفي كتاب أبي عبيد: الخرع: بالخاء المعجمة والراء المهملة-. وقال: يعني الضعف والخور. وكذلك قال ثعلب: وفسره به. قال شمر: يقال: جزع الرجل إذا ضعف، وكل رخو ضعيف…. وفي الصحاح الخرع: بالتحريك - الرخاوة في الشيء، وقد خرع الرجل - بالكسر- أي ضعف، فهو خرع " (1). وفي كتاب الصلاة، باب من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس قال: " ومن باب شرح ما تضمنه حديث أبي قتادة وعمران بن الحصين من الغريب. قوله: "لا يَ طوِي أَحَدٌ عَلَى أَ حَدٍ " أي لا يعطف عليه ولا ينتظره، واصله من لي العنق. وقوله: "حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ": أي انتصف وبهرة كل شيء: وسطه، وقيل: ذهب عامته، وبقي نحو من ثلثه. قال أبو سعيد الضرير: ابهرار الليل: طلوع نجومه إذا تتامت. وقال غيره: ابهار* الليل: طال. الباهر الممتلئ نوراً، وقد صحفه بعض الشارحين تصحيفاً قبيحاً، فقال: انهار الليل: بالنون- وقال- ومنه قوله تعالى: (فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) (2). وقوله(وتَهَوَّرَ اللَّيْل ) قال الهروي: معناه: ذهب أكثره وانهدم كما يتهور البناء، فقال: تهو ر الليل وتوهر…"(3). المطلبِّالثاني:ِّناسخِّالديثِّومنسوخهِّ النسخ: " وهو رفع الشارع حكماً منه متقدماً بحكم منه متأخر "(4)، وهي رحمة أراد أن يرحم بها خلقه " بالتخفيف والتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمة، وأثابهم على الانتهاء إلى ما ثبت عليهم جنته، والنجاة من عذابه، فعمتـــهم رحمته فيما أثبت ونسخ، فله الحمد على نعمه " (5). (1) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج3، ص545-546. (2) سورة القصص آي ة 56. (1) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج1، ص194. (*) إبهار: إذا انتصف، وقيل إذا ذهب عامته، وقيل إذا تراكبت ظلمته، وقيل إذا طال. لسان العرب، باب الراء، فصل الباء. 4/810 (2) سورة التوبة آية 109. (3) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج2، ص314. (4) يحي بن شروق النووي(676هـ-1278م). تقريب الإرشاد مختصر علوم الحديث لابن صلاح، مكتبة الحلبوني، دمشق ص 32. (5) محمد بن إدريس الشافعي 204هـ-815م)، الرسالة، تحقيق محمد أحمد شاكر، دار التراث بالقاهرة، الطبعة الثانية، 1399هـ-1979م ص106.

عدد الصفحات ٧٢

63 وأهم الكتب فيه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للإمام أبي بكر محمد بن موسى الحازمي. وهو فن مهم، وصعب، وصورته أن يتضاد الخبران، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، وعن طريق البحث والنظر تبين أن أحدهما ناسخ، والآخر منسوخ، ويعرف ذلك بتصريح رســول الله - صلى الله عليه وسلم-، أو بقول الصحابي أو بعلم التاريخ والسير، أو بدلالة الإجماع(1). عنايته بالناسخ والمنسوخ تميزت صناعته رحمه الله تعالى في هذا المجال بالسعة، ولعل ذلك عائد إلى كونه فقيهاً محدثاً، وقد بين بعضاً من جوانب هذا الموضوع. أولاً: متى يصار إلى النسخ. ثانياً: أقسام النسخ. ثالثاً: جواز نسخ السنة بالقرآن. رابعاً: خبر الواحد لا ينسخ قرآناً. خامساً: الفعل لا ينسخ القول. سادساً: قول الصحابي لا ينسخ سنة. سابعاً: نسخ التعيين. ثامناً: الأخبار لا يدخلها النسخ. تاسعاً: شرعنا لا ينسخ ونسخ بعض أحكام ما قبله من الشرائع. أولاً: متى يصار إلى النسخ لم يكن رحمه الله تعالى يذهب إلى النسخ بمجرد ظهور التعارض بين الآيات والأحاديث، أو بين الآيات، أوبين الأحاديث، وإنما يلجأ إلى النسخ إذا ثبت بقرينة قاطعة. وإذا لم يثبت النسخ بقرينة قاطعة فانه لا يصير إلى النسخ إلا إذا تحقق التعارض وعلم التاريخ ولم يمكن الجمع. وبالأمثلة يتضح ذلك جلياً عنده. ففي كتاب الحدود صار إلى النسخ لورود دليل قاطع عليه و هو الإجماع من الصحابة وعدم مخالفة من بعدهم لهم، فقال في باب حد البكر والثيب إذا زنيا: عن عبد الله بن عباس عن عمر –رضي الله عنهم وهو جالس على منبر رسول الله  قال… " وقول عمر رضي الله عنه: ((كَانَ مِمَّا أُنزِلَ الله عَلَيهِ آيَةُ الرَّجمِ، قَرَأنَاهَا، وَوَ عَينَاهَا، وَعَقَلنَاهَا)): وهذا نصّ من عمر - رضي الله عنه: على أن هذا كان قرآناً يتلى وفي آخره ما يدل على انه نسخ من كونها في القرآن، وبقي حكمها معمولاً به، وهو الرجم. وقال عمر ذلك بمحضر من الصحابة- رضي الله عنهم- وفي معدن الوحي، وشاعت هذه الخطبة في المسلمين، وتناقلها الركبان ولم يسمع في الصحابة ولا فيمن بعدهم من أنكر شيئاً مما (1) السخاوي- فتح المغيث، مصدر سابق، ج3 ص68،ابن الصلاح، علوم الحديث، مصدر سابق، صص276-278. إسماعيل بن كث (774هـ-1355م) الباعث الحثيث شرح مختصر علوم الحديث، تحقيق محمد أحمد شاكر، دار الكتب العلمية بيروت 1403هـ-1983م صص164-165. عبد الرحيم بن الحسين العراقي 806هـ-1387م) التقييدوالإيضاح شرح مقدمة ا بن الصلاح، تحقيق عبد الرحمن عثمان مطبعة العاصمة، 1970-ص278.

عدد الصفحات ٧٣

64 قاله عمر، ولا راجعه في حياته ولا بعد موته. فكان ذلك إجماعا على صحة هذا النوع من النسخ وهو نسخ التلاوة مع بقاء الحكم… "(1). وفي كتاب الجهاد والسير: باب غزوة حنين، حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- في مشهد رسول الله  حنين وقد شهدها معه…، قال القرطبي في حكم قبول هدايا المشركين: " وقبولـه صلى الله عليه وسلم هدية فرو ة- ابن نفاثة الجذامي- يعارضه قوله – صلى الله عليــه وسلم- " إنّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ "(2) .…قال: ولا حجة لمن احتج بنسخ أحد الحديثين للآخر إذ لم يأت في ذلك بيان… " (3) . ثانياً: أقسام النسخ وقد ذكر رحمه الله تعالى أقسام النسخ في أثناء حديثه على باب كراهية الحرص على المال والعمر فذكر عند كلامه على حديث أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- ((وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ …)) قال: " وهذا ضرب من النسخ، فان النسخ على ما نقله علماؤنا على ثلاثة أضرب*: أحدها: نسخ الحكم وبقاء التلاوة. والثاني: عكسه: وهو نسخ التلاوة وبقاء الحكم. والثالث: هو نسخ الحكم والتلاوة. وهو كرفع هاتين السورتين اللتين ذكرهما أبو موسى فإنهما رفع حكمهما وتلاوتهما. وهذا النوع من النسخ هو الذي ذكر الله تعالى حيث قال: (مَا نَنسَخ مِن آيَةٍ أَو نُنسِهَا) (1)، على قراءة من قرأ بضم النون وكسر السين وكذلك قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَُّّ )(2) وهاتان السورتان مما قد شاء الله تعالى أن ينسيه بعد أن أنزله وهذا لأن الله تعالى فعال لما يريد، قادر على ما يشاء، إذ كل ذلك ممكن. ولا يتوهم متوهم من هذا وشبهه انه قد ضاع منه شيء فإن ذلك باطل بدليل قوله تعالى: (إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (3) وبأن إجماع الصحابة ومن بعدهم انعقد على أن القرآن الذي تعبدنا بتلا وته وبأحكامه هو ما ثبت بين دفتي المصحف من غير زيادة ولا نقصان، كما قررناه في أصول الفقه" (4). (1) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج5، ص85. (2) الترمذي، الجامع، أبواب السير، باب ما جاء في الغلول، ج1577ج4 ص138، والزبد هو الرفد والعطاء كما قال ابن منظور في لسان العرب حرف الدال فصل الراء ج 3، ص193. (3) القرطبي، المفهم، مصدر سابق ج 3، ص614-615. (*) وهذه تقسيمات الأصوليين، أنظر: ابن قدامة، روضة الناظر، ص69. (1) سورة البقرة آية رقم 106. (2) سورة الأعلى الآيت 7،6. (3) سورة الحجر آية 9. (4) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 3، ص92-93.

عدد الصفحات ٧٤

65 وقد أكد هذا التقسيم في كتاب الحدود باب حد البكر والثيب إذا زنيا فقال عند قول-عمر رضي الله عنه- " كَانَ مِمَّا أُنزِلَ الله عَلَيهِ آيَةُ الرَّجمِ، قَ رَأنَاهَا، وَوَعَينَاهَا، وَعَقَلنَاهَا ". هذا نص من عمر- رضي الله عنه: على أن هذا كان قرآناً يتلى. وفي آخره ما يدل: على انه نسخ من كونها في القرآن، وبقي حكمها معمولاً به، وهو الرجم. وقال ذلك عمر بمحضر الصحابة - رضي الله عنهم - وفي معدن الوحي، وشاعت هذه الخطبة في المسلمين، وتناقلها الركبان ولم يسمع في الصحابة ولا فيمن بعدهم من انكر شيئاً مما قاله عمر، ولا راجعه في حياته ولا بعد موته، فكان ذلك إجماعا على صحة هذا النوع من النسخ وهو نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ولا يلتفت لخلاف من تأخر زمانه وقل علمه في ذلك. وقد بينا في الأصول أن النسخ على ثلاثة أضرب: نسخ التلاوة ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم " (5). ثالثاً: جواز نسخ السنة بالقرآن* بين -رحمه الله تعالى - جواز نسخ السنة بالقرآن في باب تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة، فقال: " وأحاديث تحويل القبلة من الشام من بيت المقدس- فيها مسائل أصولية: المسألة الأولى: نسخ السنة بالقرآن. أجازه الجمهور ومنعه الشافعي. وهذه الأحاديث حجة عليه، وكذلك قوله تعالى: " فَلا تَرجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ " (1). ونسخ لما قرره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العهد والصل ح على رد كل من اسلم من الرجال والنساء من أهل مكة وغير ذلك " (3). رابعاً: خبر الواحد لا ينسخ القرآن وقال رحمه الله تعالى في نفس الباب السابق: " المسألة الثانية: رفع القاطع بخبر الواحد. وذلك أن استقبال بيت المقدس كان مقطوعاً به من الشريعة عندهم، ثم إن أهل قباء لما أتاهم الآتي فأخبرهم أن القبلة قد تحولت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله، واستداروا نحو الكعبة، فتركوا التواتر بخبر الواحد وهو مظنون. وقد اختلف العلماء في جوازه عقلاً ووقوعه، قال أبو حامد الغزالي، والمختار: جواز ذلك عقلاً لو تعبدنا الشرع به. ووقوعه في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدليل قصة قباء، وبدليل انه كان عليه الصلاة والسلام ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعاً. لكن ذلك ممنوع بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدليل الإجماع من الصحابة: على أن القرآن المتواتر المعلوم لا يرتفع بخبر الواحد. فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف، وبسط ذلك " في الأصول "(4). (5) المصدر ذاته: ج5، ص85. (*) وعلى ذلك إجماع الأصوليين، ابن قدامة، روضة الناظر، ص 77. (1) سورة الممتحنة آية 10. (3) القرط - المفهم، مصدر سابق ج1، ص125. (4) المصدر ذاته ج1، ص125.

عدد الصفحات ٧٥

66 وفي كتاب النبوات، باب قول النبي- صلى الله عليه وسلم- " لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَْنْبِيَاءِ " قال: " واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال، فمنهم من قال: إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، ويتضمن هذا الكلام: أن الحديث معارض لقوله تعالى (تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ ) (1) ولما في معنى ذلك من الأحاديث وان القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه وحتى يعرف التاريخ وكل ذلك غير صحيح على ما يأتي فليس هذا القول بصحيح…"(2) وفي كتاب الحدود، باب: حد البكر والثيب إذا زنيا، قال: " قوله صلى الله عليه وسلم: " خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَد جَعَلَ اللَُّّ لَهُنَّ سَبِيلاً " أي افهموا عني تفسير السبيل المذكور في قوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَ و يَجْعَلَ اللَُّّ لَهُنَّ سَبِيلاً )(3). واعملوا به……. غير أن ذلك الحكم كان محدوداً إلى غاية، وهو أن يبين الله لهن سبيلاً آخر غير الحبس، فلما بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم فبلغه لأصحابه، فقال لهم: ((خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ )) فارتفع حكم الحبس في البيوت لانتهاء غايته. وهذا نحو قوله تعالى… (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ )(4). فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته، لا لنسخه، وبهذا يعلم بطلان قولمن قال: إن الحبس في البيوت في حق البكر منسوخ بالجلد المذكور في النور، وفي ح ق الثيب بالرجم المجمع عليه، وهذا ليس بصحيح لما ذكرناه أولاً، ولان الجمع بين الحبس والجلد والرجم ممكن فلا تعارض، و هو شرط النسخ مع علم المتأخر من المتقدم كما قدمناه في باب النسخ في الأصول… "(5). خامساً: الفعل لا ينسخ القول في كتاب الجهاد في باب التأمير على الجيوش والسرايا: ذكر أثناء كلامه عن غزوة بني المصطلق والدعوة إلى الإسلام قبل القتال: "…. ومنهم من ذهب إلى أنها واجبة مطلقاً، متمسكا بظاهر وصية النبي- صلى الله عليه وسلم- بذلك أمراءه، ولم تصلح عنده قضية بني المصطلق لأن تكون ناسخة لذلك؛ لأن تلك الوصايا تقعيد قاعدة عامة، وقضية بني المصطلق قضية في عين. ولان الوصية قول، وقضية بني المصطلق فعل والفعل لا ينسخ القول على ما يعرف في الأصول " (1). (1) سورة البقرة آية 253. (2) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج6، صث228-229. (3) سورة النساء آية 15. (4) سورة البقرة آية 187. (5) القرط - المفهم، المصدر السابق، ج5، ص81. (1) القرط - المفهم، مصدر سابق ج3، ص518.

عدد الصفحات ٧٦

67 سادساً: السنة لا تنسخ بعمل الصحابي ففي كتاب البيوع باب: المساقاة على جزء من التمر والزرع عند حديث قسمة بن خيبر من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- قد أعطى خيبر بشطر ما تخرج… فقال بعيد أن بين فعل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-" وعند هذا يظهر: أن الأولى قول الكوفيين الذي هو التخيير لأنه جمع بين الأمرين. وهو الذي فهمه عمر- رضي الله عنه- قطعاً، ولذلك قال عمر- رضي الله عنه- فيما رواه عنه مالك:(2) " لَوْلاَ أَنْ يُتْرَكَ آخِرُ النَّاسِ لاَ شَيْءَ لَهُمْ: مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْكُفَّارِ إِلاَّ قَسَمْتُهَا بَيْنَهُمْ سُهْمَانًا ; كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ سُهْمَانًا " فلم يخبر بنسخ فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا بتخصيصه بهم… وأما من لم يسلك هذه الطريقة فيلزمه أما نسخ فعل النبـــــي- صلى الله عليه وسلم- بفعل عمر رضي الله عنه- وهو باطل قطعاً، وأما نسبة عمر ومن كان معه من الصحابة إلى الخطأ، حيث فعلوا ما لا يجوز. وهو باطل قطعاً "(3). سابعاً: نسخ التعيين وهو أن ينسخ الشارع أمراً عينه، كنسخ تحديد ليلة القدر، أو تحديد الصلاة الوسطى وقد ذكره رحمه الله تعالى في أثناء حديثه على الصلاة الوسطى وما هي… وأقوال العلماء في ذلك فقال: "…. وعلى الجملة، فهذا النحو هو الذي يمكن أن يكون باعثاً لكل من المختلفين على تعيين ما عينه من الصلوات بحسب ما غلب على ظنه من أرجحية ما عين، والذي يظهر لي بعد أن ثبت نسخ التعيين أن القول قول من قال: إن الله أخفاها في جملة الصلوات ليحافظ على الكل كما فعل في ليلة القدر وساعة الجمعة والله تعالى أعلم " (1). ثامناً: الأخبار لا يدخلها النسخ فقال -رحمه الله تعالى في كتاب التفسير، باب من سورة النساء، في حديث سعيد بن جبير " سألت ابن عباس: المن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال: لا. فتلوت عليه هذه الآية التي في الفرقان: (ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱠ)(2) قال: هذه آيةمكية نسختها آية مدنية: (ﱡﭐ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﱠ)(3). (2) البخاري، الصحيح، كتاب المزاولة، باب أوقاف أصحاب الن -صلى الله عليه وسلم- ج2334، ص439. (3) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج4، ص419-420. (1) القرطبي - المفهم، مصدر سابق ج2، ص256. (2) سورة الفرقان آية 68. (3) سورة النساء آية 93 . (4) القرط - المفهم، مصدر سابق ج7، ص336.

عدد الصفحات ٧٧

68 قول (ابن عباس-رضي الله عنهما- هذه آية مكية نسختها آية مدنية) قول لا يليق بعلم ابن عباس ولا بفهمه؛ لأنه أن أراد به حقيقة النسخ كان غير صحيح، لان الآية خبر عن وقوع العذاب بمن فعل تلك الأمور المذكورة في الآية والنسخ لا يدخل الأخبار كما قررناه في الأصول…. " (4). وفيكتاب النبوات حديث أنس رضي الله عنه "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَِّّ صَلَّى اللَُّّ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ فَقَالَ رَ سُولُ اللَِّّ صَلَّى اللَُّّ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ذَاكَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلاَم " قال القرطبي " وقد عارض هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ))(5) وما علم من غير موضع من الكتاب والسنة، وأقوال السلف والأمة أنه أفضل ولد آدم. وقد انفصل عن هذا بوجهين: .... وثانيهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم بمنزلته عند الله تعالى، ثم انه اعلم بأنه اكرم وافضل فأخبر به كما أمر … وقد أورد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد… والوارد على الثاني: أن ذلك خبر عن أمر وجودي والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ والجواب عنهما أن يقال… سلمنا انه خبر عن أمر وجودي لكن لا يسلم أن كل أمر بوجوده لا يتبدل، بل: منها ما يتبدل ولا يلزم من تبديله تناقض ومحال ولا نسخ، كالأخبار عن الأمور الوضعية. وبيان ذلك أن معنى كون الإنسان مكرما مفضلاً إنما ذلك بحسب ما يلزم به، والفضل على غيره، ففي وقت يكرم بشيء لم يكرم به أحد، فيقال: غلبة في المنزلة الأولى مكرم مقرب، وفي الثانية مفضل بقيد. وفي الثالثة: مفضل مطلقاً. ولا يلزم من ذلك تناقض ولا نسخ ولا محال، وهذا واضح وحسن جداً فاغتبط عليه، وشد عليه يداً " (1). فهو قد سلَّم -رحمه الله تعالى- أن الأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ. تاسعاً: شرعنا لا ينسخ ونسخ بعض أحكام الشرائع السابقة وحكم الشرائع السابقة في ديننا منها ما هو حكم لنا مثل الصيام وثبت ذلك في شرعنا ومنها ما هو منسوخ في حقنا ومنها ما مسكوت عنه في شرعنا وفيه خلاف اعتبره الأحناف حجة وخالفهم غيرهم من الفقهاء.* وفي كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: في هو أن الدجال على الله تعالى وانه لا يدخل مكة والمدينة ومن يتبعه من اليهود. قال في حديثه عن نزول عيسى عليه السلام وقتله الرجال "… وليس في العقل ما يحيل ذلك ولا يرده فيجب الإيمان به والتصديق بكل ذلك ولا يبالي بمن خالف في ذلك من المبتدعة ولا حجة لهم في اعتمادهم فيما نفي في ذلك على التمسك بقوله تعالى: (ﱡﭐ ﳀ ﳁﱠ)(2). وبما ورد في السنة من انه لا نبي بعده، ولا رسول، ولا بإجماع المسلمين على ذلك و على أن شرعنا لا ينسخ. وهذا ثابت إلى يوم القيامة لانا نقول بموجب ذلك كله؛ لأن عيسى عليه السلام إنما ينزل لقتل الدجال ولا حياء شريعة محمد –صلى الله عليه وسلم- وليعمل بأحكامها، (5) مسلم، الصحيح، كتاب الفضائل ج 2278، ج4ص1423. (1) القرط - المفهم، مصدر سابق، ج6، ص181-182. * عبد الكريم زيدان، الوجيز أصول الفقه، ص ص 263،264. (2) سورة الاحزاب آية 40.

عدد الصفحات ٧٨

69 وليقيم العدل على مقتضاها وليقهر الكفار وليظهر للنصارى ضلالاتهم ويتبرأ من إفكهم فيقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويضع الجزية ويأتم بإمام هذه الأمة. كما تقدم في كتاب الإيمان. وشرعنا ينسخ بعض أحكام شرع من قبلنا فقال رحمه الله تعالى في كتاب الرقاق باب: ما يخاف من عقاب الله على المعاصي. في حديث أبي سعيد الخدري عن الرجل الذي طلب من أولاده أن يحرقوه بعد موته مخافة أن يعذبه الله تعالى قال: " ومعظم فوائد هذا الحديث أن المسرف على نفسه لا ييأس من رحمة الله تعالى ومغفرته، وفيه ما يدل على انه كان من شرائع من قبلنا أن للرجل أن يورث ماله من يشاء من الناس. فنسخ ذلك في شرعنا "(1). المطلبِّالثالث:ِّمختلفِّالديثِّ مختلف الحديث : "أن يأتي متنان متضادان في المعنى حسب الظاهر، ويكو ن كلاهما صالحاً للحجة" (1). وربما يطلق عليه المحدثون " مشكل الحديث(2). وصلته بالناسخ والمنسوخ قوية، وبينهما تداخل،إذ كل ناسخ ومنسوخ مختلف الحديث ولا عكس (3) . ومن أشهر المؤلفات فيه مختلف الحديث لابن قتيبة، قصر فيه باعه عن غيره ومشكل الحديث لابن فورك، وأجودها وأجمعها مشكل الآثار للإمام الطحاوي. عنايته بمختلف الحديث: - ومادة مختلف الحديث في الكتاب وافرة جداً ولن استقصي فيها لأنها تصلح وحدها أن تكون رسالة. بل سأكتفي هنا ببيان بعض الجوانب فيها محاولاً الاختصار قدر الإمكان. وتقوم صناعته فيه على: أولاً: ما يمكن الجمع بينهما، وقد سلك لذلك طرقاً أذكر بعضها. ثانياً: الترجيح بين الأحاديث. وسأذكر بعض الطرق علما أنني قد أشرتُ إلى بعضها في مواطن أخرى عند حديثي عن المرسل أ و الموقوف والمرفوع أ و المضطرب أ و الناسخ والمنسوخ…لذا لن أكرر ما أمكنني ذلك. أولاً: الجمع بين الأحاديث اهتم- رحمه الله تعالى- غاية الاهتمام أن يجمع بين الأحاديث، ومن خلال كلامه المتناثر في الكتاب استطعت أن أبين صناعته في الجمع على النحو الآتي: (1) القرطبي، المفهم، المصدر السابق ج 7، ص292. (1) النووي- التقريب، م صدر سابق ص 33، السخاوي- فتح المغيث: مصدر سابق، ج 3ص82. (2) د. نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث، الطبعة الثالثة، دار الفكر، دمشق،1401هـ1981م، ص337. (3) السخاوي- فتح المغيث، مصدر سابق ج3ص82.

عدد الصفحات ٧٩

70 أولاً: منهجه حيث بين أن الجمع أولى من الترجيح؛ لان في الجمع إعمالاً للحديثين، وقد كان يسعى للجمع ما أمكن وبين متى يصار للجمع وذلك أن يكون فيما يفيد ويترك ما لا يفيد. ثانيا: صناعته في الجمع وأساليبه وقد جاءت في جانبين: 1-ما يعود إلى المتن: أ- الجمع بتكرار الحديث. ب-أن يكون الحديثان واقعتين مختلفتين. ج-حمل المطلق على المقيد. ء - حمل العام على الخاص. 2- ما يعود إلى الراوي أ-أن يكون بعض الرواة اجمل والآخر فصّل. ب-أن ينقل بعض الرواة ما سكت عنه الآخر. ج- أن كل راو أخبر بما شاهد. ء- كل حسب ما تيسر له من العبارة. فالجمع عنده أولى من الترجيح: بين ذلك في كتاب العتق، باب فيمن اعتق شريكاً له في عبد. حديث " من اعتق شقصا* له في عبد… قال في مسألة: هل يسري عتق البعض على الشريك؟ قال: " وهذا التمسك ليس بصحيح لما يقتضيه النظر الأصولي. وذلك أن هذه الاحاديث وأن تعدد رواتها وكثرت ألفاظها- فمقصودها كلها واحد. وهو بيان حكم من اعتق شركا في عبد. فهي قضية واحدة، غير أن من ألفاظ الرواة ما هو مقيد ومنها ما هو مطلق فيحمل مطلقها على مقيدها. وقد اتفق الأصوليون على ذلك فيما اذا اتحدت القضية. وهذا من ذلك النوع المتفق عليه، ثم أن هذا من باب الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى. والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول "(1)(1). وهنا يظهر اثر ثقافته الأصولية في الت عامل مع الأحاديث وتوجيهها والاستنباط منها والجمع بينها. وهو كذلك أولى من تطريق الوهم للثقات الأثبات كما بين ذلك في كتاب النكاح، باب الهدية للعروس في حال خلوته. حديث قصة زواجه صلى الله عليه وسلم بصفية بنت الحارث رضي الله عنهما: قال تعليقاً على قول القاضي عياض إنه وقع في روايات مسلم لهذا الحديث وهم: " وأولى من هذا أن يقال: إن القضية واحدة وليس فيها وهم فانه يمكن أن يقال: اجتمع في تلك الوليمة الأمران. * الشقص: نصيب معلوم غير مفروز، ابن منظور، لسان العرب، باب الصاد، فصل الشين. 7/48. (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 4ص312. (1) وإلى هذا أشار ابن قدامة، انظر الروضة: ص347، والآمدي: انظر الأحكام، ص460 .

عدد الصفحات ٨٠