7 المبحثِّالأول:ِّعصرِّالمامِّالقرطبيِّ -رحمهِّاللهِّتعالى-ِّ مما لا شك فيه أن للبيئة تأثيراً كبيراً وأهمية بالغة في نشأة وتكوين أفرادها. وقد أجمل هذه الأهمية وذلك التأثير. الدكتور نجم - حفظه الله تعالى - فقال: " إن مما لا شك فيه أن للبيئة الإنسانية أثراً بالغاً في نشأته وتكوينه، فهو يتأثر بأحوالها ومعطياتها سلباً أو إيجاباً، على تفاوت بين الأفراد من حيث عمق هذا التأثير أو ضعفه، لكنَّ المرء - على أيّة حال - لابد أن يتطبع بشكل من الأشكال بهذه الأحوال، ولابد أن تلق بظلالها عليه، وذلك لما طبع عليه الإنسان من المدنية وحب الخلطة، فإنه لا يمكن أن يحيا معزولاً عما يحيط به من ظروف وأحداث"(1). ولذلك سأعطي صورة مقتضبة عن بيئة الإمام القرطبي من ثلاثة جوانب: السياسية، الاجتماعية والعلمية لبيان الأحداث التي أثرت في حياته، وعملت على صقل شخصيته وإخراجها بالصورة التي وصل إليها. المطلبِّالأول:ِّالالةِّالسياسيةِّ عاش الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في ظل الدولة العباسية إبان فترة انحطاطها وتفككها فقد ولد سنة (578هـ) أي حوالي نهاية القرن السادس الهجريوتوفي في نفس العام الذي سقطت فيه دولة الخلافة العباسية في بغداد أي سنة (656هـ فقد عاش في فترة ضعف الدولة العباسية التي تكالبت عليها الحروب الصليبية، والحملات التتارية، وبربرية المغول التي داهمتها من كل صوب مع الانقسامات الداخلية في الدولة التي غذّ تها العصبية، فأوجدت دولاً انفصلت عن دولة الخلافة مثل الأموية في الأندلس، والفاطمية في مصر وأجزاء من أفريقيا (2). ولم يكن الحال في المغرب العربي بأفضل من ذلك (3). وسأذكر بعض الحروب مع سنواتها التي كانت سجالاً بين المسلمين والمغول والتتار والبربر. ففي سنة (583هـ) وقعت حطين التي كانت إشارة لفتح بيت المقدس (4) كما قال ابن كثير. وفي عام (591هـ"كانت وقعة الزلاقة ببلاد الأندلس شمال قرطبة بمرج الحديد وكانت وقعة عظيمة نصر فيها الله الإسلام وخذل عبدة السلطان" (5) . (1) نجم عبد الرحمن خلف، الصناعة الحديثية، مرجع سابق ص 25. (2) محمود محمد شاكر، التاريخ الإسلامي، الطبعة السابعة، المكتب الإسلامي، 1411ه– 1991م) ج6 ص359 بتصرف (3) محمد الخضري، تاريخ الأمم الإس مية، المكتبة التجارية الكبرى، بدون رقم طبعة، القاهرة - مصر، (-1969م)، ج2 ص400. (4) ابن كثير، البداية والنهاية، مصدر سابق، ج 12 ص342. (5) ابن كثير، البداية والنهاية، مصدر سابق ج 13 ص14.
عدد الصفحات ١٧8 وفي سنة 617هـ) عمّ البلاء وعظم العزاء بجنكيزخان المسمى بتموجين -لعنه الله تعالى- ومن معه من التت ار قبحهم الله أجمعين، واشتد فسادهم من أقصى بلاد الصين إلى أن وصلوا بلاد العراق وما حولها، كذا قال ابن كثير (1). وقال ابن الأثير"ولقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر قبحهم الله … ومنها خروج الفرنج لعنهم الله ومنها أن الذي سَلِمَ من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم مسلول والفتنة قائمة… فإنا لله وإنا إليه راجعون"(2). وفي سنة 625هـ"كانت حروب كثيرة بين المسلمين والتتر؛ يكسرون هؤلاء مرة وهؤلاء مرة، حتى كسرهم المسلمون كسرة عظيمة، وقتلوا منهم خلقاً وأمماً لا يحصون" (3). وفي سنة (650هـ"وصل التتار إلى الجزيرة... فقتلوا، وسبوا، ونهبوا، وضربوا؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون" (4) . وفي سنة (656هـ"أخذ التتار بغداد، وقتلوا أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني عباس منها " (5). وكما كانت هذهالحروب الخارجية، كذلك كان للانقسامات الداخلية تأثير كبير؛ ترتب عليه استشراء الفوضى والفساد حتى كان سقوط دولة بني عباس (6) . فهذا مما حدا ب الإمام القرطبي وغيره من العلماء -رحمهم الله جميعاً - تعليم الناس وتربيتهم. (1) المصدر ذاته، ج13 ص102. (2) على ابن أبي الكرم ابن الأثير، ( 630ه–1210م) الكامل في التاريخ، بدون رقم طبعة، دار صادر بيروت، ( 1399ه–1979م)، ج12 ص ص360-361. (3) ابن كثير، البداية والنهاية، مصدر سابق، ج 13 ص142. (4) المصدر ذاته، ج13 ص206. (5) المصدر ذاته، ج13 ص226. (6) الخضري، تاريخ الأمم، مرجع سابق، ج 2 ص480.
عدد الصفحات ١٨9 المطلبِّالثاني:ِّالالةالاجتماعيةِّ إن الحالة الاجتماعية لمجتمع ما لابد أن تتأثر بالظروف السياسية لذلك المجتمع، فإذا رأينا أن الوضع السياسي كان في فترة حرجة تمتاز بالانقسامات الداخلية والفتن، ومواجهة الدولة المغولية والبربرية والحملات الصليبية من جهة أخرى، فكذلك الوضع الاجتماعي كان سيئاً يسوده الأزمات الاقتصادية ال تي أدت إلى أمور تكاد لا تصدق في بعض الأحيان من أكل الكلاب وغيرها. فمثلاً في سنة (597هـ) يقول ابن كثير فيما يسرده من أخبار تلك السنة:" اشتد الغلاء بأرض مصر فهلك خلق كثير حتى أن السلطان كفن من ماله في مدة شهر نحواً من مئتي ألف وعشرين ألف ميت. وأكلت الكلاب والميتات … وأكل من الأطفال والصغار خلق كثير يشوي الصغير والداه ويأكلانه"(1). وكذلك في سنة ( 621هـ) قال "كان فيها غلاء شديد بالعراق والشام بسبب الأمطار وانتشار الجراد، ثم أعقب ذلك فناء كثير بالعراق والشام؛ فمات خلق كثير من البلدان؛ فإنّ ا لله وإنّ ا إليه راجعون" (2). وفي سنة ( 624هـ"وقع فيها غلاء شديد ببلاد الجزيرة ؛ حتى أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام إلا خروف واحد" (3). هذه بعض الأحوال العامة التي أحاطت ذلك العصر مع ما تسببه الحروب من دمار، خاصة ذاك الدمار الذي أحدثه التتار عند دخولهم بغداد. وقد كان لهذه المؤثرات الاجتماعية أثرها السيئ على الناس، وعلى ظروف معيشتهم من جانب، وعلى نفوسهم من جانب آخر، وذلك في دفعهم إلى الالتجاء إلى الله عز وجل بالتضرع والخشية، بعدما قست القلوب، وطال عليها الأمر ليصرف الله عنهم المكروه، ويدفع عنهم البلاء (4). تصديقاً لقوله تعالى ﭐﱡﭐ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢ ﱠ (5). ِّ ِّ ِّ ِّ (1) ابن كثير، البداية والنهاية، مصدر سابق، ج 13 ص26، قلت: وإن كان أكل الأطفال يستغرب، وهو من قبيل المبالغة إلا أنه يصور شدة الجوع، وهذا الذي يهمنا من هذا النقل. (2) المصدر ذاته، ج13 ص106. (3) المصدر ذاته، ج13 ص117. (4) همام عبد الرحيم سعيد، العلل الحديث، الطبعة الأولى، دار العدوي، عمان، بدون تاريخ نشر ص 218.
عدد الصفحات ١٩10 المطلبالثالث:ِّالالةِّالعلميةِّ شهدت هذه الحقبة الزمنية حركة علمية نشطة إلى حد ما إذا ما قورنت مع ظروف الدولة السياسية والاجتماعية، فإنها الحقبة الأخيرة التي تعد أضعف المراحل التي مرت بالدولة العباسية آنذاك، والتي انتهت بهدم دار الخلافة كما بيّ نا سابقاً. وهذا يؤكد ما قاله الدكتور العمري: " بأن تيار الحضارة بكل مجالاتها الروحية والفكرية والمادية لا يعرف التوقف، سواءً وضعت السلطة أمامه الحواجز أم رفعتها، رغم أنه لا يمكن إهمال تأثير وضع أو رفع الحواجز"(1.) ويؤكد ما قاله الدكتور نجم ": فإن نشاط العلماء لا يتوقف على تشجيع السلطة أو عدمه لذلك فإن الحركة العلمية مضت قدماً من غير توقف"(2 .) مع التأكيد على أهمية تشجيع السلاطينودعمهم للحركة العلمية؛ فإنه إن حصل ذلك كان الأمر أفضل بكثير. ولاحظت في هذه الحقبة الزمنية بناء المدا رس فقد بنيت حوالي خمس عشرة مدرسة تخص مذهباً واحداً، أو تعرض جميع المذاهب - وهي تعادل الجامعات في هذا الوقت- وحضور بعض السلاطين وحاشيتهم لحلقات العلم ؛ لسماع كلام العلماء ، والاستفادة منه ، ومرافقة بعض السلاطين لبعض العلماء، وإجراء المناظرات العلمية. ففي عام (604هـ"درّ س بمشهد أبي حنيفة ضياء الدين أحمد بن مسعود الحنفي، وحضر عنده الأعيان والأكابر … ودرّ س الشيخ الخير البغدادي بمدرسة أم الخليفة، وحضر عنده الأكابر من سائر المذاهب" (3.) وفي عام ( 602هـ "قتل فيها شهاب الدين محمد بن سالم الغوري ، وكان برفقة الفخر الرازي" (4.) وفي عام (606هـ"كانت مناظرة في وجوب الزكاة في مال اليتيم والمجنون … وكانت المناظرة بحضرة نائب الوزير" (5). وفي عام (619هـ"كمل بناء المدرسة في الجامع الأموي، وذكر الدرس فيها القاضي جمال الدين المصري، وحضر عنده السلطان المعظم فجلس في الصدر وعن شماله القاضي وعن يمينه صدر الدين الحصري شيخ الحنفية، وكان في المجلس الشيخ تقي الدين ابن الصلاح إمام السلطان، والشيخ سيف الدين الآمدي …" (6). وفي عام (631هـ"كمل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد، ولم يبن مدرسة قبلها مثلها، وقفت على المذاهب الأربعة من كل طائفة اثنان وستون، وأربعة معيدين، ومدرس لكل مذهب، وشيخ حديث وقارئان…ولما كان يوم الخميس خامس رجب حضرت الدروس بها، وحضر (1) أكرم ضياء العمري، موارد الخطيب في تاريخ بغداد، الطبعة الأولى دار القلم، بيروت، 1395هـ-1975م)، ص18. (2) نجم عبد الرحمن، الصناعة الحديثية، مرجع سابق، ص 30. (3) ابن كثير، البداية والنهاية، مصد ر سابق، ج13 ص49 . (4) المصدر ذاته، ج13 ص43. (5) المصدر ذاته، ج13 ص52. (6) المصدر ذاته،ج13 ص ص97-98.
عدد الصفحات ٢٠11 الخليفة المستنصر بالله بنفسه الكريمة وأهل دولته من الأمراء والوزراء والقضاة والفقهاء … ووقفت خزائن كتب لم يسمع بمثلها في كثرتها وحسن نسخها وجودة الكتب الموقوفة بها... (1)". وفي عام (654هـ"كملت المدرسة الناصرية الجوانية داخل باب الفراديس، وحضر فيها الدرس واقفها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غياث الدين … وحضر عنده الأمراء والدولة والعلماء وجمهور أهل الحل والعقد بدمشق…" (2). فمثل هذه المدارس برزت مجموعة في هذا العصر في مختلف المجالات، من محدثين وفقهاء وأدباء، ساهموا بوضع جملة من المصنفات العلمية القيمة التي أشهرت مؤلفيها، ونقشت أسماءهم في ذاكرة الحضارة الإسلامية، وكان من أهمهم: (ابن بشكوال، ت 578هـو(أبو موسى المدني، ت 581هـو(الحازمي، ت 584هـ و(ابن الجوزي، ت 579هـو(عبد الغني المقدسي، ت 600هـو(ابن الأثير صاحب النهاية، ت 606هـو(الفخر الرازي، ت 606هـو(أبو البقاء العكبري، ت 616هـ) و(ابن عساكر، ت 620هـو(ابن تيمية، ت 622هـو(ابن الأثير، صاحب أسد الغابة، ت630هـو(ابن الصلاح، ت643هـو(ابن الحاجب، ت 643هـو(المنذري، ت656هـو(القرطبي صاحب المفهم، ت 656هـ ولم أتعرض لترجمتهم مكتفياً ، بشهرتهم عند أصحاب التخصص. (1)ابن كثير، البداية والنهاية، مصدر سابق، ج 13 ص (2) المصدر ذاته، ج13 ص212 فما بعد
عدد الصفحات ٢١12 المبحثِّالثانيِّ اسمهِّونسبهِّولقبهِّوكنيتهِّ هو أبو العباس، أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر *. المالكي. الفقيه الأنصاري (1). الأندلسي(1). * مصادر ترجمته 1- إبراهيم بن علي بن فرحون اليعمري 799هـ–1379م)، الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، بدون رقم طبعة، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، بدون تاريخ نشر، ص ص( 68-70.) 2- محمد بن أحمد بن عثمان الذه748 هـ-1348م)، تذكرة الحفاظ، بدون رقم طبعة، دار إحياء التراث الع ربي، بيروت- لبنان (1390هـ– 1970م)، ص1438 . 3- محمد بن أد بن عثمان الذهبي (748هـ– 1348م)، العبر في خبر من غبر، بدون رقم طبعة، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، (1415هـ- 1985م)، ج3 ص278. 4- خليل بن أيبك الصفدي764هـ1344م)، الوافي بالوفيات، الطبعة الثانية، باعتناء هلموت ريتر، دار النشر فرانزشتاينز: قيسبان، (1831هـ-1961م) ج3 ص ص267-265. 5- عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي768هـ-1348)، مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، (1417هـ-1997م)، ج4 ص106. 6- إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي 774هـ1354م)، البداية والنهاية، تحقيق أحمد عبد الوهاب فتيح، بدون رقم طبعة، دار الحديث، القاهرة، ( 1414هـ- 1996م)، ج13 ص241. 7- يوسف بن تغري بردي الأتابكي 874هـ-1454م)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الطبعة الأولى، دار ا لكتب العلمية، بيروت-لبنان، (1413هـ- 2997م)، ج7 ص64. 8- عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ( 911هـ1491م)، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، بدون رقم طبعة، مكتبة -البابي الحلبي-. القاهرة، بدون تاريخ طباعة، ج 1 ص457. 9- عبد الحي بن عماد الحنبلي1089هـ– 1669م)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، بدون رقم طبعة يطلب من المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت -لبنان، بدون تاريخ طباعة،ج 5 ص ص273-274. 10- أحمد بن محمد المقري التلمسا 1406ه–1981م )، نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين الخطيب، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان،(1415هـ- 1995م)، ج2 ص 615. 11- محمد بن محمد مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، (1349هـ–1929م) ص194. (1) الأنصاري: بفتح الألف وسكون النون وفتح الصاد المهملة وفي آخرها ال راء هذه النسبة إلى الأنصار. وهم جماعة من أهل المدينة م ن الصحابة… ومنهم كثرة وشهرة على اختلاف بطونهم وأفخاذها ومن أولادهم إلى الساعة جماعة ينسبون إليهم. عبد ال كريم بن محمد بن منصور السمعاني ( 562هـ- 1142م)، الأنساب، الطبعة الثانية، الناشر محمد أمين دمج، بيروت-لبنان، (1400هـ- 1980م). ج1 ص367 .
عدد الصفحات ٢٢13 ثمالقرطبي (2). المعروف بابنالمزيّن (3). الملقب بضياءالدين (4.) (1 )الأندلسي: بفتح الألف وفتح الدال المهملة وضم اللام وفي آخرها السين المهملة المخففة هذه النسبة إلى أندلس. المصدر ذاته ج 1 ص 364 والأندلس يقال بضم الدال وفتحها وضم الدال ليس إلاّ: هي كلمة أعجمية لم تستعملها العرب في القديم وإنما عرفتها العرب بالإسلام. والأندلس جزيرة كبيرة فيها عامر وغامر وطولها نحو الشهر في نيف وعشرين مرحلة تغلب عليها المياه الجارية والشجر والثمر والرخص والس عة والأحوال. ياقوت بن عبد الله الحموي ( 626هـ– 1228م)،معجم البلدان، بدون رقم طبعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان (1399هـ-1979م) ج1 ص262. (2) القرطبي: بضم القاف وسكون الراء وضم الطاء المهملة في آخرها الباء الموحدة هذه النسبة إلى قرطبة: السمعاني. ا نساب، مصدر سابق، ج1 ص98 وقرطبة: بضم أوله وسكون ثانيه و ضم الطاء المهملة والباء الموحدة كلمة أعجمية روحية فيما أحسب ولها في العربية مجال … وهي مدينة عظيمة بالأندلس وشط بلادها كانت سريراً لملكها وقصبتها وبها كانت ملوك بني أمية. وهي معدن الفضلاء ومنبع النبلاء. وبينها وبين البحر خمسة أيام. ياقوت الحموي، معجم البلدان، مصدر سابق ج4 ص324 . (3 )المزين: بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الياء المكسورة تحتها نقطتان وفي آخرها نون يقال هذا لمن يحلق الشعر علي بن أبي الكرم ابن الأثير الجزري ( 630هـ– 1210م)، اللبابتهذيب الأنساب، بدون رقم طبعة، دار صادر، بيروت -لبنان، (1400هـ- 1980م) ج3 ص205. (4 )ابن فرحون، الديباج المذهب، مصدر سابق ص 69.
عدد الصفحات ٢٣14 المبحثِّالثالثِّ مولدهِّونشأتهِّوموطنهِّ موطنه رحمه الله تعالى الذي ولد فيه هو قرطبة من بلاد الأندلس، أما البلاد التي استوطنها وقضى فيها حياته حتى وفاته فكانت الإسكندرية (1()2.) ولادته اتفق أصحاب التراجم على أن ولادته كانت في قرطبة، سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة من الهجرة (578 هـ(3 .) نشأته لم تذكر لنا الكتب التي ترجمت له رحمه الله تعالى شيئاً عن دقائق نشأته. فكل ما ذكرته أنه رحل به والده وهو صغير (4)، مما يدل على عنايته به وأنه كان يسير على طريقة ذلك العصر من الاعتناء بالأبناء، وتنشئتهم تنشئةً علمية من إرسالهم للكُتّاب لحفظ القرآن الكريم، ثم الحديث الشريف، ثم بقية العلوم… ثمّ رحل به ليتلقى العلم من غير علماء بلده. وهكذا أثمرت عناية الوالد الحريص مكانة عظيمة وعلومًا جمة حصلها الإمام رحمه الله تعالى، وآثاراً عطرة لازال طلاب العلم يتفيؤون ظلالها فلو لم يكن له إلا المفهم لكان كافياً، ولكان دليلاً مبرزاً على رفعته ورسوخ قدمه في العلم، فمن طالع كتاب المفهم يرى منزلة هذا العالم الجليل؛ فالكلمات تبقى عاجزة عن إيفاء العلماء حقهم، ومن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، والله تعالى أعلم. (1 )ابن فرحون، الديباج المذهب، مصدر سابق ص 68 (2) الإسكندرية وهي الإسكندرية التي ببلاد مصر، وقد أسهب في تعريفها صاحب معجم البلدان ح تى قال: إن أخبارها لواستقصيت أتت في مجلد. ياقوت الحموي، معجم البلدان، مصدر سابق، ج1 ص182 فما بعدها (3) المصدر ذاته ص86، التلمساني، نفح الطبيب، مصدر سابق ج2 ص615 السيوطي، حسن المحاضرة، مصدر سابق ج 1 ص457 (4) التلمساني، نفح الطيب، مصدر سابق ج2 ص615
عدد الصفحات ٢٤15 المبحثِّالرابعِّ رحلاتهِّ الرحلة في طلب العلم هي سنة العلماء المسلمين منذ القرون الثلاثة الخيرة، فكان العالم بعد أن يحصل علم أهل بلده يخرج في سبيل تحصيله من الأمصار الأخرى. وللرحلة في طلب العلم أهمية كبرى؛ حتى إن بعض العلماء أفردها بالتصنيف كما فعل الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه الرحلة في طلب الحديث (1). ولم يخرج إمامنا -رحمه الله تعالى- عن نهج السلف الصالح قبله في طلب العلم، فهو بعد أن حصل علوم بلاده، وفيها تلقى عن مشايخ منهم كما قال: " الشيخ الفقيه القاضي المحدث الثقة الثبت أبو الحسن علي… قراءة عليه وهو يمسك أصله نحو المرتين في مدة آخرها شعبان سنة سبع وستمائة. والشيخ الفقيه القاضي … قراءة عليه وسماعاً لكثير منه وإجازة لسائره ، وذلك بقرطبة بمدة آخرها ما تقدم "(2). وقد قلتإنه رحل والده به وهو صغير من قرطبة، فهذا يدل على أنه عاد إلى قرطبة مرة ثانية ثم رحل بعد ذلك إلى بلاد المغرب العربي إلى تلمسان (3)، وبها تلقى عن عدد من العلماء منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي، أبو محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله وغيرهم، وإلى فاس حيث التقى بأبي القاسم عبد الرحمن ابن عيسى ابن الملجوم الأزدي. وانتقل رحمه الله تعا لى إلى المدينة ومكة فسمع كثيراً بها وأنتقل إلى القدس ومصر، وبمصر سمع من عدد من العلماء منهم: أبو إبراهيم عوض بن محمود تقي الدين، أبو الحسين مرتضى بن العفيف المقدسي، وأبو الفضل بن الحباب. وفي مصر استقر به المقام في الإسكندرية فتبوأ به مكاناً لنشر العلم حتى توفي. فكوّن له هذا التطواف ملكة علمية كبيرة. وقد أبان ابن خلدون -رحمه الله تعالى- عن أهمية الرحلة ومكانتها وأثرها على المتعلم فقال: " … فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيد تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنهم، ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصيل، وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات، ويصحح معارفه ويميزها عن سواها… فالرحلة لابد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال"(1 .) (1) أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي 463هـ-1344م الرحلة في طلب ا ديث، تحقيق نور الدين عتر، الطبعة الأولى سلسلة روائع تراثنا الإسلامي 1395هـ-1975م (2) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1 ص103. (3) تلمسان: بكسرتين وسكون الجيم وسين مهملة وبعضهم يقول تنسمان، بالنون عوض اللام مدينتان بالمغرب متجاورتان مسورتان … وبها الخيل الراشد ية لها فضل مع سائر الخيل… ياقوت الحموي، معجم البلدان، مصدر سابق، ج2 ص44. (1) عبد الرحمن بن خلدون 808هـ–1388م) تاريخ العبر ودي وان المبتدأ والخبر، تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي، الطبعة الثالثة، دار نهضة مصر- القاهرة، بدون تاريخ نشر، ج 3 ص1255.
عدد الصفحات ٢٥16 المبحثِّالخامسِّ شيوخهِّ لقد تلقى رحمه الله تعالى العلم عن كثير من الشيوخ، ولكني لم أجد منهم إلاّ عدداً قليلاً ذكرته كتب التراجم، أو ذكرهم هو في كتابه، وهؤلاء الشيوخ هم: • أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي، وصفه القرطبي: بالشيخ الفقيه القاضي المحدث الثقة الثبت قرأ عليه صحيح مسلم والشيخ يمسك أصله نحو مرتين بقرطبة في مدة أخرها شعبان سنة سبع وستمائة (1.) • أبومحمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله، وصفه بالشيخ الفقيه القاضي الأعدل العلم الأعلم. وروى عنه صحيح مسلم قراءةً عليه وسماعاً لكثيرٍ منه وإجازة لسائره في مدة أخرها ما تقدم وسمع منه بتلمسان ت 612هـ(2.) • أبوإبراهيم عوض ببن محمود تقي الدين. وصفه بالشيخ الفقيه الزاهد الفاضل قرأ عليه صحيح مسلم كله بمصر (3.) • أبوالحسين مرتضى ابن العفيف المقدسي. ووصفه الشي خ بالفقيه الزاهد التّ لاء للقرآن لقيه بقرافة مصر، وسمع عليه وقرأ عليه وأجاز له جميع رواياته (4.) • أبوالفضل بن الحباب، القاضي فخر القضاة، أجاز له (5.) • أبوذر مصعب بن محمد بن مسعود الخشني. ذكره في المفهم ت 604هـ(6.) • أبوالصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي. ذكره في المفهم (7.) • أبوالقاسم عبد الرحمن بن عيسى بن ملجوم الأزدي. التقى به بفاس (8.) • أبوعبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي. سمع منه بتلمسان ت 610هـ(9 .) وخلق كثير سواهم (10). (1) القرط بي، المفهم، مصدر سابق ج1 ص103 (2) المصدر ذاته ج1 ص103، ابن فرحون، الديباج المذهب، مصدر سابق ص 69. (3) المصدر ذاته ج1 ص104 (4) المصدر ذاته ج1 ص104 (5) المصدر ذاته ج1 ص104 (6) المصدر ذاته ج1 ص104، ابن العماد، شذرات الذهب، مصدر سابق، ج 7 ص27. (7) المصدر ذاته ج1 ص104 (8) ابن فرحون، الديباج المذهب، مصدر سابق ص 69 (9) المصدر ذاته ص68 (10) ومن لم يذكر لهم سنة وفاة فذلك لأني لم أقف عليها .
عدد الصفحات ٢٦17 ِّ ِّ المبحثِّالسادسآثارهِّ المطلبِّالأول:ِّتلاميذهِّ المطلبِّالثاني:ِّمؤلفاتهِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ
عدد الصفحات ٢٧18 المبحثِّالسادس:ِّآثارهِّ بعد أن امتلأ رحمه الله تعالى وأشبع بالعلم الشرعي، وكانت له تلك الحصيلة الكبيرة خاصةً في مجالي الفقه والحديث، آن للزرع أن يثمر ولشذا هذه العلوم أن يفوح آثاراً جلية، وبصمة ظاهرة تركها في بناء الحضارة الإسلامية دالةً شاهدةً على صاحبها. وهذه الآثار اتخذت مسارين. الأول تلاميذه الذين تخرجوا في مدرسته والمورد العذب كل الناس واردهُ، والآخر كان مصنفاته التي تركها. المطلبِّالأول:ِّتلاميذهِّ أما التلاميذ فهم الثمرة الأولى، فمن الطبيعي أن تتجه أنظار طلبة العلم نحو معين الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى - لما وصل إليه من مكانة رفيعة ومنزلة عالية في مختلف العلوم ؛ خاصة الفقه والحديث. وبعد أن استوطن الإسكندرية وجلس للتحديث فيها، أمّه الطالبون قاصدين أن ينهلوا من معين علمه، ليتخرجوا كباراً كما كان، وبالفعل خرّج الإمام أئمة كما ذكر التلمساني(1). وتلاميذه الذين أخذوا عنه كُثُر، وقد صرح ابن فرحون بتلمذة هؤلاء الثلاثة (2): • أبوعبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج القرطبي. المتوفى سنة 671هـ صاحب التفسير. • أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة 705هـ. قال رحمه الله، أخذت عنه وأجاز لي مصنفاته. • أبو الحسن ب ن يحيى القرشي. وقد ذكره في معجم شيوخه وقال: اجتمعت به وأخذت عنه شيئاً . المطلبِّالثاني:ِّمؤلفاتهِّ أما المسار الثاني فهو مؤلفاته رحمه الله تعالى، فبعد أن تعب في التنقير عن العلوم، وتتبع مظانها أزمنةً، كان لا بد أن يسطرها تراثاً في بطون الكتب، وهكذا ترك لنا كنزاً وذخيرة؛ ولكنها للأسف لم تصل إلينا جميعها، بل إن بعضها لم أقف عليه إلا من خلال كتابه المفهم، وهي بين المجلدات الضخام والأجزاء الصغيرة. أما مؤلفاته المطبوعة فهي: • تلخيص صحيح مسلم(1). • المفهملما أشكل من تلخيص صحيح مسلم، وهو الكتاب محل الدراسة(1). (1) التلمساني، نفح الطيب، مصدر سابق، ج2 ص615. (2) ذكرهم صاحب الديباج، انظر ابن فرحون، الديباج، مصدرسابق ص 69. (1) احمد بن عمر بنإبراهيم القرطبي، المتوفى ( 656هـ ـ1258م)، تلخيص صحيح الإمام مسلم، تحقيق د. رفعت فوزي وأحمد محمود الخولي، الطبعة الأولى، دار السلام –مصر (1409هـ ـ1988م
عدد الصفحات ٢٨19 • كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع(2). أماالمخطوط فهو: مختصر البخاري وشرح غريبه، قال التليدي: " مختصر صحيح البخاري وشرح غريبه، أبو العباس أحمد بن عمر بن المزين القرطبي، المتوفى (656هـ) منه نسخ بـ(القرويين)) (441 ) ((وجار الله- السليمانية)) (346) و((دار الكتاب المصرية)) (1-85 السفر الثاني. وقال بروكلمان: " اختصار صحيح البخاري وشرح غريبه لجمال الدين أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي، المتوفى (656هـ-1258م)، القاهرة ثاني1:85، مكتبة القرويين بفاس، (441) (3). أما الكتب التي لم أقف عليها إلاّ منخلال القراءة في المفهم فهي: • الجامع لمقاصد علم الأصول، كتاب في أصول الفقه أكثر من الإحالة عليه في المفهم (4). • الإعلام بمعجزات النبي عليه الصلاةوالسلام (5). • كتاب شرحالتلقين (6). • الإعلام بما في دين النصارى من الفسادوالأوهام (7). • جزء حسن في حديث أن شارب الخمر لا تُقبل له صلاة أربعين يوماً (8). • جزء في حكم الطلاق ثلاثاً بلفظواحْد (9). • جزء حديثي في إظهار إدبار من أباح الوطء بالأدبار (10). • جزء حسن في كِراءالأرض (11). (1) احمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، المتو 656هـ ـ1258م)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب المسلم، تحقيق مجموعة من العلماء، الطبعة الأولى، دار ابن كثير -دار الكلم الطيب، دمشق-بيروت، (1417هـ-1996م (2) احمد بن عمر بن إبراهيم القرط ، المتوفى (656هـ ـ1258م)، كشف القناع عن حكم الوجد والسماع، تحقيق ودراسة قسم التحقيق بدار طنطا، الطبعة الأولى، دار الصحافة للتراث، طنطا-مصر، (1412هـ-1992م (3)محمد بن عبد الله التليدي، تراث المغاربة في الحديث النبوي الشريف وعلومه، الطبعة الأولى، دار البشائ ر الإسلامية، بيروت -لبنان، (1416هـ-1995م)، ص247.، كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ترجمة أ.د. محمود فهمي حجازي، بدون رقم طبعة، ا يئة المصرية العامة للكتاب، (1413هـ– 1993م)، ج3 ص185. (4) القرطبي، المفهم، مصدر سابق، ج 1ص109 . (5) المصدر ذاته، ج4ص570 . (6) المصدر ذاته، ج1ص496. (7) المصدر ذاته، ج7ص204. (8) المصدر ذاته، ج1ص257. (9) المصدر ذاته، ج4ص238، قال: " وقد أشبعنا القول في هذه اسألة في جزءٍ كتبناه في هذه المسألة سؤالاً وجواباً". (10) اصدر ذاته، ج4ص157. (11) المصدر ذاته، ج4 ص409.
عدد الصفحات ٢٩20 ِّ ِّ المبحثِّالسابعِّ عقيدتهِّومذهبهِّفيِّالفروعِّ المطلبِّالأول:ِّعقيدتهِّ المطلبِّالثاني:ِّعقيدتهِّفيِّالصحابةِّ المطلبِّالثالث:ِّمذهبهِّفيِّالفروعِّ ِّ ِّ ِّ ِّ ِّ
عدد الصفحات ٣٠21 المبحثِّالسابع:ِّعقيدتهومذهبهِّفيِّالفروعِّ المطلبِّالأول:ِّعقيدتهِّ أما عقيدته رحمه الله تعالى فقد كان أشعرياً من أئمة المتكلمين، ومما يدل على ذلك: • ما جاء في الكتاب الإيمان، باب- معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً - قال: "ومعنى القدر عنه القائلين به اليوم، أن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم بقدرتهم ومشيئتهم على جهة الاستقلال وأنها ليست مقدورة لله تعالى ولا مخلوقه له وهو مذهب مبتدع باطل بالأدلة العقلية والسمعية المذكورة في كتب أئمتنا المتكلمين" (1). • وفي موضع آخر من نفس الباب قال: " والإيمان بالله تعالى هو التصديق بوجود الله تعالى وأنه لا يجوز عليه العدم وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة وأنه منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات وعن صفات الأجسام والمتحيزات وأنه واحد صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيها بما يشاء من التصرفات يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه ما يريد"(2). قلتوهذه التقسيمات هي تقسيمات علماء الأشاعرة (3) رحمهم الله تعالى كما لا يخفى. وأما ميله للتسليم فيظهر في كتاب الإيمان - باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة- قال: " والتحقيق أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم والتسليم الذي كان علية السلف أسلم. لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل حملها على ظواهرها مما يعارضها من ظواهر أُخر كما قرره أئمتنا في كتبهم وكما دل عليه صريح العقل"(4). المطلبِّالثاني:ِّعقيدتهالصحابة أما عقيدته في الصحابة فكان على مذهب أهل السنة، من حيث إنه يعدّ ما جرى بين الصحابة أمراً خاصاً اختبرهم به رب العزة سبحانه، لا نقحم أنفسنا في لججه، بل الأمر راجع لله وحده سبحانه هو أعلم بما جرت به المقادير. وقد أشار لذلك في مواطن منها: ما جاء في كتاب الفتن - باب الفرار من الفتن- قال فيما نقله وارتضاه: " ويتوجه في هذا الحديث الكلام في دماء الصحابة -رضي الله عنهم - وقتالهم للناس في ذلك غل و وإسراف (1 )القرطبي، المفهم، مصدر سابق ج 1 ص133. (2) المصدر ذاته ج1 ص144. (3 )انظر محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن الهمام،861هـ– 1457م)، المسايرة في العقائ د، وقاسم بن قطلوبغا (879هـ-1447م)، شرح المسايرة، ومحمد بن محمد بن أبي بكر بن شريف ( 906هـ1501م)، المسامرة بشرح المسايرة، مجموعة كتب طبعت في المكتبة الأزهرية، بدون رقم طبعة، بدون تاريخ نشر، يوزع في مصر بالجامع الأزهر بجوار اسكولاب بالموسكي، ص ص 58-69 . (4) القرطبي، المفهم، مصدر سابق ج 1 ص419.
عدد الصفحات ٣١22 واضطراب في المقالات واختلاف، والذ ي عليه جمعه أهل السنة والحق، حسن الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم، وطلب أحسن التأويل لفعلهم، وأنهم مجتهدون غير قاصدين للمعصية والمجاهرة بذلك، وطلب حب الدنيا بل كلٌ عمل على شاكلته، وحسب ما أداه إليه اجتهاده لكن منهم المخطئ، ومنهم المصيب وقد رفع الله تعالى الحرج عن المجتهد المخطئ في فروع الدين وضعّف الأجر للمصيب"(1). اطلبِّالثالث:ِّمذهبهِّفيِّالفروعِّ كان رحمه الله تعالى مالكياً متمكناً يعدّ من أعيان المذهب كما ذكر ذلك ابن فرحون رحمه الله تعالى (2) . وتظهر ممارسته للمذهب وتمرسه فيه وتمكنه منه وعلو شأنه وشأوه من خلال كتابه المفهم، حيث عرض المسائل الفقهية وناقشها مبيناً الأدلة ومناقشاً لتلك الأدلة أحياناً مع بيان كيفية الاستدلال بها، وكان كذلك متمرساً في علم أصول الفقه وله فيه مؤلف كما سيأتي الكلام على ذلك في الحديث عن آثاره في هذه الفصل. ولا ننسى أن نقول إنه على الرغم من كونه مالكياً إلا إنه كانت له شخصيته المستقلة، فنجده في بعض الأحيان يسجل آراءه الخاصة به التي سجلها شرّاح الحديث ممن جاء بعده كما سيأتي في الفصل الخامس من هذا البحث. (1) القرطبي، المفهم، مصدر سابق ج 7 ص212. (2) ابن فرحون، الديباج المذهب، مصدر سابق، ص 69
عدد الصفحات ٣٢