المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 49 (ستال) ، ثم تراجع التطبيق الشيوعي في عهد ( خرتشوف ) الذي اضطر إلى تمليك الفلاحين جزءاً من الإنتاج لمَّا رأى تزايد تراجع المحاصيل الزراعية . وهذا يدلُّنا على أصالة المِلْكية الفردية وأنه لا يمكن إلغاؤها . أما إحلال المِلْكية الجماعية محلَّها فقد تكشَّف عن أسطورة ضخمة ؛ فالدول الشيوعية تملك كل شيء ، وهي كابوس على المواطن لا نائبة عنه . 2- إلغاءالطبقات ؛ فالشيوعيون يرون أنَّ المِلْكية الفردية منذ أن ظهرت انقسم المجتمع إلى مالكين وكادحين ، وأصبحت الطبقة المالكة هي التي تستبدُّ وتظلم الطبقة الكادحة ، ولا سبيل إلى إزالة الظلم إلاَّ بإزالة الطبقات والإبقاء على الطبقة الكادحة ، والطريق المؤدِّي إلى ذلك هو الثورة الحمراء ، وحينئذٍ تنشأ دكتاتورية ( البروليتاريا ) ؛ وهم العُمَّال . وقد اختلف التطبيق عن هذا المبدأ اختلافاً واسعاً ، وظهرت في المجتمع الشيوعي طبقةً جديدةً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ؛ وهي طبقة الحزب الشيوعي الحاكم الذي يملك الامتيازات الطبقية الكاملة ، في حين أن الطبقة الكادحة هي مجرَّد أصفار مهدرة الحقوق ، ولهذا قال المؤلِّف عنها : ( الدكتاتورية الواقعة على البروليتاريا لا دكتاتورية البروليتاريا ) أ- هـ . 3- كفالة الدولة لجميع المواطنين ؛ من مبادىء الشيوعية كفالة كل فرد من أفراد المجتمع في المطعم والملبس والمسكن ، وهذه الكفـالة في مقـابل تكليـف القـادر على العمل . وهذا هو الشيء الوحيد الذي برزت به الشيوعية في الواقع ، ولكنها كفالة على الحدِّ الأدنى ، وأيضاً هي في مقابل العمل ، وكذلك يُصاحبها استذلال الدولة الشيوعية للشعب استذلالاً لا يخفى على من له اطِّلاع على أحوال الناس في المجتمع الشيوعي .
عدد الصفحات ٥٠المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 51 4- المساواة في الأجور ؛ فالشيوعية من مبادئها المساواة بين أفراد الشعب في الأجر والمأكل والمشرب والملبس والمسكن ؛ لأنَّ هذه صورة الشيوعية الأولى بزعمهم . وقد طبَّقت الشيوعية هذا المبدأ بصرامة في أول عهدها بين العمَّال ، ولكنَّه بطبيعة الحال لم ينسحب إلى جميع العاملين ؛ فأجر الطبيب ليس كأجر المُ مرِّض ، وأجر المهندس ليس كأجر العامل ، وقد ذكر المؤلِّف أنها برزت في المجتمع الشيوعي طبقة تتقاضى أجوراً عاليةً ، وهي طبقة الفنَّانين ؛ لأنهم يُنفِّسون عن الشعب ضغط الشيوعية الهائل ! 5- إلغاء الدِّين ؛ فالشيوعيون يرون أنَّ إلغاء الدِّين ضرورة ؛ لأنَّه ناشيءٌ من الوضع المادي في العهد الزراعي وقد تغيَّر هذا الوضع ، ولأنَّ الدِّين يُصادم المبدأ الشيوعي الذي يعتبر المادة أصل الفكر . وقد اشتدَّ الشيوعيون في تطبيق هذا المبدأ ولم يكتفوا بتحريم الحديث في الدِّين ، بل وضعوا في المناهج الدراسية درْساً للإ لحاد مكان درس الدِّين ، وكذلك اشتدَّ الشيوعيون في مح اربة المتديِّنين حتى هجَّروا وأ بادوا شعوباً إسلامية كـاملة ، وقد قتل ستالين وحده ثلاثة ملايين ونصف من المسلمين !! 6- من كُلٍّ بحسب طاقته ، ولكلٍّ حسب حاجته ؛ وهذا قائمٌ على أساس أن الناس في التطبيق الشيوعي سيرتفعون بمشاعرهم إلى درجة مثالية تجعل الإنسان يعمل بأقصى طاقته ، ويكتفي بمقدار حاجته فقط . وهذا خيالٌ لا يمكن تحقيقه . 7- إلغاء الصراع ؛ وذلك بإلغاء الباعث عليه وهي المِلْكية الفردية ، وحينئذٍ تسود الشيوعية في العالَم ويعُمُّ السلام . وهذا الفكر الطوباوي يُغني تصوُّره عن الردِّ عليه . 8- إلغاء الحكومة ؛ فالشيوعيون يعتبرون وجود الحكومة الشيوعية وجوداً مؤقتاً ؛ لأنهم لا زالوا في مرحلة التطبيق الاشتراكي ، ولأنَّ أعداء الشيوعية كثيرون ولا بُدَّ من حكومة تُ دافع عنهم ، فإذا وصلنا إلى الشيوعية الكاملة ولم يبق للشيوعية عدو فحينئذٍ تزول الحاجة إلى الحكومة ويُصبح الشعب يحكم نفسه بنفسه .
عدد الصفحات ٥١المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 51 وهذه كلها خي ـالات لا تقبل التطبيق ، ولا تَمُتُّ للواقع بصلة ؛ ولهذا فالاسم المطابق لمذهبهم هو الشيوعية الطوباوية لا الشيوعية العلمية كما يـزعمون !!
عدد الصفحات ٥٢المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 52 العقلانيـــة تمهيد ذكر المؤلف ما خلاصته أن العقلانية سارت في طورين :- أحدهما : عصر سيادة العقل التجريدي ؛ حيث أغلقت كل منافذ المعرفة عدا منفذ واحد ؛ هو العقل ، وتركت العقل وحده هو المحكم في كل شيء ! والثاني : عصر سيادة العقل التجريبي ؛ حيث أصبحت ا لتجربة الحسية المعملية هي المعيار الذي تقاس به حقيقة كل شيء ويرد إليه صدق كل شيء ! فأغلقت كل منافذ العقل إلا منفذ التجربة والحس !! وهذا كلام سديد ، مطابق للعقلانية التي سادت أوربا في عصر النهضة ، ثم انتقلت إلى العالم الإسلامي ؛ لعوامل عديدة ، أهمها الغزو الفكري . ونظرا لخطورة المذهب العقلي، وخفاء بعض مسالكه فسأفصله قليلا ؛ اعتمادا على الكتاب المقرر ، ومراجع أخرى ، أهمها اثنان : - 1- قصة الفلسفة ، لويل ديورانت. 2- تارِي الفلسفة الحديثة ، ليوسف كرم . العقلانية التجريدية يمكن أن نعرف هذا النوع من العقلانية بقول المؤلف ص ( 511 ( : )العقلانية بمع: التفسير العقلاني لكل شيء في الوجود ، أو تمرير كل شيء في الوجود من قناة العقل ؛ لإثباته أو نفيه ، أو تحديد خصائصه ) ، أو بأنها : ( تمجيد العقل وإعلاء كلمته فوق كل كلمة ؛ حتى يكون له الحكم الأخير فيما يوجد وما لا يوجد ، وفيما يصدق وما يكذب ) . انظر : تاري الفلسفة الحديثة ص ( 414 . ) والعقلانية بهذا المعنى مرادفة أو مقاربة لمعنى الفلسفة ؛ جاء في الموسوعة العربية الميسرة
عدد الصفحات ٥٣المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 53 ص( 1311 )ما نصه( الفلسفة عبارة عن دراسة المبادئ الأولى للوجود والفكر دراسة موضوعية ، تنشد الحق ، وتهتدي بمنطق العقل ) . وأكثر هؤلاء العقلانيين شهرة فلاسفة الإغريق ؛ كسقراط وأفلاطون وأرسطو . وهم الذين سار في ركابهم الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم . وقد ساد الفكر الإغريقي أوربا حتى عصر سيادة الدين الكنسي ؛ وهو كما ذكرنا في التمهيد حافل بالخرافات التي لا يقبلها العقل ؛ كالتثليث والفداء والعشاء الرباني ! ؛ ولهذا فرضت الكنيسة حجرا على تفكير العقل في مسلمات الكنيسة ، واستعانت من جهة أخرى ببعض الفلاسفة ؛ لصياغة العقيدة الكنسية بصورة يقبلها العقل ، فظهر علم اللاهوت ؛ وهو يشبه علم الكلام الذي عرفه المسلمون عن طريق المعتزلة 1 انظر: المعجم الفلسفي 2 /272 1 وفي ظل الإرهاب الكنسي انكمش نشاط العقل الأور زهاء عشرة قرون ؛ وهي التي يسمونها القرون الوسطى المظلمة . ولما أظل أوربا عصر النهضة ، كان العقل في تشوق لحرية الفكر ، وظل شوقه يتنامى مع تداعي سلطان الكنيسة حتى استطاع أن يتحرر تماما من قبضة الكنيسة ، ولكن كما اتسمت القرون الوسطى بالتطرف في الحجر على العقل فقد اتسمت فترة النهضة بالتطرف في تمجيد العقل ، وإعماله في مجاله وغير مجاله ! وبلغ التطرف ذروته فيما عرف بعصر التنوير حتى أصبح التفكير الحر كثيرا ما يعني الإلحاد ، وحتى عرف عصر التنوير بعصر العقل واللاإيمان ! وبدا آنذاك أن العقل يسعى جاهدا لمحو الدين من الوجود ؛ يقول برنتن : (المذهب العقلي يتجه نحو إزالة الله ، وما فوق الطبيعة من الكون !! ) . نقلا عن الكتاب المـقرر ص ( 517 . )تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا !! وقد سلك العقلانيون لبلوغ هذا الهدف طرقا متعددة ؛ كاعتبار المعرفة العقلية أرقى المعارف ، أو المعرفة الوحيدة الموثوقة ؛ والطعن في المعرفة الدينية ، واعتبارها مناقضة للعقل ! ، وكالسخرية الشديدة بالدين وأهله ، واعتباره مجرد أوهام وخزعبلات ! كما هو ظاهر على أصحاب الأنسكلوبيديا ؛ كفولتير ، ولامتري ، وديدروا ، وأشياعهم . وقد بلغ
عدد الصفحات ٥٤المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 54 الشطط ببعضهم إلى اعتبار الرب مجرد وهم نشأ عن جهل الإنسان وخوفه ؛ كما هو صريح كلام هولباخ ! واعتبر ديدروا التخلص من الإيمان ضرورة لتحقق حرية البشر ؛ فقـال : ( الإيمان بالله يرتبط بالخضوع والإذعان للأتوقراطية {الحكم الفردي }؛ فهذان يرتفعان ويسقطان معا، ولن يتحرر البشر أبدا قبل أن يشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر كاهن ) . قصة الفلسفة ص ( 272 . )وقد اتسع نطاق الإلحاد في عصر التنوير حتى أصبح موضة صالونات باريس؛ يقول ويل ديورانت ( جعل هلفيوس وهولباخ من الإلحاد في صالونات باريس طرازا بلغ من العصرية حدا دفع برجال الأكلـــيروس {أصحاب الرتب الدينية }إلى تبنيه والمناداة به ! وانطلق لامتر يطوف به في ألمانيا محاطا بحماية ملك بروسيا ورعايته ! ) . قصة الفلسفة ص (299 . ) وقد حاول بعض العقلانيين تخفيف حدة الهجوم على الدين ، أو الالتواء على أهله لبلوغ الهدف المنشود ؛ فدعا إلى إعادة قراءة الكتاب المقدس بطريقة رمزية لا حرفية ؛ ليبدو متفقا مع العقل ! وهي الفكرة التي نادى بها سبينوزا ، بحجة أن الرسل كانوا يستخدمون الأمثال في الإخبار عن الواقع ! وقد رددها بعده بمدة جورج سانتيانا في كتابه ( حياة العقل ) ؛ لأن التفسير الحرفي للدين يجعل العقيدة الدينية أشد الأمور منافاة للعقل ! وهي تشبه ماردده الفارابي وابن سينا من قبل ؛ فزعموا أن ما جاء به الأنبياء من أخبار عن الله وعن اليوم الآخر وعن الملائكة لا تطابق الواقع ونفس الأمر وإنما هي مجرد تخييل لاستصلاح الجمهور . انظر : درء التعارض لابن تيمية 1 /8 – 12 .وتشبه طريقة القرامــــطة في اعتبار الشرائع مجرد رموز لأمور تخالف الظاهر ؛ قال تعالى : ﮋ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﮊ البقرة: ١١١ ومما يجدر ذكره هنا أن الدعوة لقراءة الكتب السماوية قراءة رمزية لا تقل خطورة عن الهجوم العقلاني الصريح على الدين ؛ لأنها تعني عزل الكتب السماوية عن توجيه الحياة ، وفتح الباب على مصراعيه لكل متفلسف ؛ ليفسر الدين على هواه ؛ فيصبح الدين كالفلسفة أداة تشتيت لا هداية ؛ إذا يستحيل أن يجمع الفلاسفة رأي
عدد الصفحات ٥٥المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 55 موحد في تفسير كتاب سماوي. وعلى كل فقد كانت الموجة العقلانية عاتية حتى بدا لكثير من المتسرعين أن العقل قد انتصر على الإيمان ! إلا أن هذه الموجة بدأت تتكسر أمام النقد الفكري المجرد قبل غيره ، ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى تيارين رئيسين كان لهما أثر فكري وواقعي واضح في الحد من غلواء العقلانيين ؛ وهما : - 1- المذهب الطبيعي ؛ وأبرز من يمثله جان جاك روسو ؛ فقد رأى أولوية الشعور على العقل ، وأن للقلب أسبابه التي لا يستطيع العقل أن يفهمها أبدا ؛ ولهذا رأى أن الغريزة هي الأجدر بالثقة من العقل ! وقد حملت آراؤه بذور الثورة على تتويج العقل ؛ فبعد أن كان وحده تقريبا يكافح ضد مادية عصر التنوير وإلحاده فقد اتسع نطاق التيار الرومانتيكي ، وحمل معه إحياء قويا للشعور الديني ! إلا أنهم عالجوا الغلو في الفكر بغلو في الغريزة ؛ فالقلب وإن كان له إحساسه الخاص المختلف عن إدراك العقل إلا أن ذلك لا يعني إهدار قيمة العقل ، والتعويل على الغريزة في كل شيء ؛ كما فعل الرومانتيكيون ؛ يقول ويل ديورانت : ( الاعتراض الرومانتيكي على التفكير ابتداء من روسو فشتوبريان حتى بيرغسون ونيتشه وجيمس قد قام بمهمته ، ونحن سنوافق على خلع آلهة العقل من عرشها ، وذلك إذا لم يطلبوا من أن نشعل مجددا الشموع أمام أيقونة الحدس ) . قصة الفلسفة ص ( 515 . ) 2- الفلسفة النقدية ؛ وهي فلسفة كانت ، الفيلسوف الألماني الشهير ، فقد رأى في كتابه ( نقد العقل المجرد ) أن العقل النظري لا يصح أن يكون معيارا لإثبات كل شيء أو نفيه كما يزعم هؤلاء العقلانيون ؛ لأ ن خبرة العقل محدودة بظاهرات الحس ، وليس بمقدورنا تطبيقها على العالم اللا ظاهري ؛ ولهذا لا
عدد الصفحات ٥٦المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 56 يصح أن يكون أساسا لإثبات الإيمان كما فعل علماء اللاهوت ، كما لا يصح أن يكون أساسا لنفيه ؛ كما فعل الإرتيابيون من العقلانيين ! وغاية العقل النظري في رأيه أن يترك لنا ح رية الاعتقاد ب وجود إله عادل دون أن يلزم بذلك؛ ولهذا فإن الإيمان إنما يمكن إرساؤه على العقل العملي ؛ أي الحس الأخلاقي ؛ فهو الذي يلزمنا بالإيمان؛ فشعورنا بأن هذا الأمر أو ذاك خطأ ، والإرادة التي تدفعنا لاتباع الشعور الأخلاقي حتى لو كان لا يلائمنا دليل قاطع على أن قلوبنا مفطورة على الإيمان بأن هذه الحياة إنما هي مقدمة لحياة خالدة ، وبعث جديد يثاب فيه المحسن ويعاقب فيه المسيء ، وإذا كان الشعور الأخلاقي دليل صحة الاعتقاد بالجزاء الخالد فإنه دليل صحة الاعتقاد بالإله العادل ؛ لأن مسلمة الخلود تقودنا للإيمان بعلة لهذا المعلول ! وهكذا نرى أن كانت بنى الإيمان على الشعور لا العقل ؛ ولهذا رأى أن الرومانتيكيين كانوا على صواب حينما قالوا : إن شعور القلب فوق منطق الرأس ، وأن للقلب أسبابه التي لا يستطيع الرأس أن يفهمها أبدا ! ولاشك أن كانت قد أجاد في نقد العقلانيين حتى قيل : إن كانت دمر العقل النظري ، وقيل : بعد قرن من صراع دار بين مثالية كانت وبين مادية عصر التنوير باستطاعتنا القول بأن كانت يبدو على أنه المنتصر ! قصة الفلسفة ص ( 336 ،458 . )ونحن نسلم بصحة دلالة الشعور والفطرة على الإيمان، ولكن لا يمكن التسليم بأن العقل لا يدل على الإيمان ؛ بل هو من أعظم أدلة الإيمان ؛ كما سلم بذلك أساطين الفلاسفة ؛ ومن أحسن طرقهم في ذلك استدلال ابن رشد على وجود الله بدليل الاختراع ودليل العناية في كتابه المشهور ( الكشف عن مناهج الأدلة ) . وعلى كل فقد مهد نقد كانت للعقل النظري وتمجيده ل لعقل العملي الطريق
عدد الصفحات ٥٧المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 57 لمذاهب فلسفية عديدة ؛ كمذهب الإرادة لشوبنهاور ، والمذهب الحدسي لبيرغسون، والمذهب الذرائعي لوليم جيمس ؛ وهو أكثرها شهرة وأبعدها أثرا . المذهب الذرائعي بلغ تقديم العمل على النظر ذروته في المذهب الذرائعي أو العملي ( البراجماتزم )؛ وأبرز أركانه وليم جيمس ( ت 1911 م) ، وأشهر كتبه ( في الذرائعية ) . والمذهب الذرائعي اتجاه فلسفي مؤداه تحويل النظر إلى البحث في غاية الفكرة ونتائجها عوضا عن البحث في الأوليات والمبادئ . ومن مبدأ تقديم العمل ، والاهتمام بنتائج الأفكار وآثارها ، واعتبارها مقي اس قيمة كل فكرة ، ودليل صدقها كانت آراء الذرائعيين في أمهات المسـائل على النحو التالي : - 1- خلق العالم ؛ فالاتجاه الروحي يؤمن بأن الله خلق العالم ، والاتجاه المادي يرى أن العالم تكون بفعل الطبيعة ! والذرائعيون يرون أنه لا فرق بين الاتجاهين بالنظر للماضي ، ولا فائدة في البحث في خلاف لا يمكن حسمه ؛ لتعادل حجج الطرفين بزعمهم ! وبالنظر إلى المستقبل ؛ فالاتجاه الروحي هو الأصح والأنفع ؛ لأنه يكفل لنا حياة أخرى تستمر فيها منافعنا ! وآخر هذا القول كما هو واضح ينقض أوله ؛ إذ من ضرورة الإيمان بصحة الاتجاه الروحي في المستقبل التسليم بصحته في الماضي ؛ وأن المعاد يستلزم المبدأ كما أن المبدأ يستلزم المعاد ؛ ولهذا ربط الله بينهما في آيات كثيرة من كتابه ؛ قال تعالى ﮋ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﮊ الأنبياء: ١٠١ ﮋ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﮊ الروم:11 ﮋﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮊ يس: ٧٩ 2- التوحيد ؛ فالإيمان بإله واحد ؛ بكل شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير غير مقبول في نظر وليم جيمس ؛ لأنه يحبط فاعلية الإنسان حتى يكون كالدمية
عدد الصفحات ٥٨المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 58 مع القدر! في حين أن الإيمان بتعدد الآلهة يعني وجود تيارات متقاطعة يمكن معها أن يكون لإراداتنا وقوانا أثر في تشكيل العالم وتقرير مصيره !! فالبراغماتية مذهب كثري يعارض الأحدية بشكل مطلق ، ولوليم جيمس كتاب بعنوان ( كون متكثر ) ؛ زعم فيه أن العالم الأحدي بالنسبة لنا عالم ميت ؛ لأننا لا نستطيع فعل أي شيء في عالم مكتمل ، وإنما ننفذ جبرا ليس بمقدورنا تغييره في حين أننا مع التعدد نعيش عالم الفرصة لا عالم القدر ! وهذا القول ظاهر البطلان ؛ إذ مع التعدد يستحيل صلاح العالم فضلا عن أن يكون محلا للتنافس بين الناس ؛ قال تعالى : ﮋ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮊ الأنبياء: ٢٢ والأحدية لا تنافي الاختيار ؛ وأكبر دليل على ذلك أتباع الملل السماوية ؛ فكلهم على التوحيد الذي ملأهم فاعلية حتى غيروا مجرى التاري ، وهدموا أعتى الإمبراطوريات ، وأقاموا أرقى الحضا رات ، وتركوا أروع الثقافات ! 3- الصفات الإلهية ؛ فالبراغماتية ترى أنه يجب أن نغفل النظر عن ا لصفات النظرية؛ لأنها عديمة النفع ومن ثم عديمة المعنى ، ونقتصر على الصفات الخلقية ؛ لفائدتها بالنسبة لنا ؛ كالقداسة والعدالة والعلم ؛ فإنها تبعث فينا الخوف ، وكالقدرة والخيرية ؛ فإنها تبعث فينا الرجاء ! والظاهر من كلامه أنه يريد بالصفات النظرية تلك الصفات التي يذكرها علماء اللاهوت والكلام ؛ كالتجريد والبساطة وما أشبهها وإلا فالصفات الثابتة في الكتب المنزلة على الأنبياء كلها تعود بالنفع إلى العباد ، وكل ما ذكره الله منها فإنما هو لحكمة تعود على الرب والعبد ؛ وهو لم يلتفت إلا إلى ما يعود إلى العبد من منفعة ، وأهمل الجانب الأعظم من حكمتها ؛ وهو ما يعود إلى الرب ؛ فإن الله يحب أن يمدح ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى . كما أن إهمال البحث في الأوليات والمبادئ والترك يز على العمل ينافي الفطرة ؛ فإن للإنسان قوة نظرية كما له قوة عملية ؛ فهو حارث همام ، ولابد من
عدد الصفحات ٥٩المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 59 إرضاء النزعتين ؛ فكما أخطأ الفلاسفة التجريديون في إهمال العمل أخطأ هؤلاء في إهمال النظر ؛ ولهذا نرى في كتاب الله تعالى عناية فائقة بتكميل قوة النظر بالعلم النافع وقوة الإرادة بالعمل الصالح ؛ قال تعالى ﮋ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﮊ البينة: ٧ ﮋ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮊ النحل: ٩٧. 4- فلسفة الحق ؛ فالحق في نظرهم ليس حقيقة ثابتة لا تتبدل ؛ وإنما هو أمر نسبي تابع للحاجة والمنفعة ؛ فالحق إذن ما طابق المنفعة لا ما طابق الواقع ؛ ولهذا قالوا : إن الإيمان كان ذات مرة صحيحا ؛ لأنه كان آنذاك نافعا ! وقالوا : إن أي فكرة إذا اعتقدناها كان الواقع أفضل فعلينا الإيمان بتلك الفكرة ما لم تتعارض مع منافع حيوية أوسع ! ولا أرى كبير فرق بين هذه الفلسفة وتلك الفلسفة التي نبذها الفلاسفة قبل غيرهم ؛ وهي فلسفة السوفسطائية الذين قالوا : إن الحقائق تابعة للعقائد ! ؛ ولهذا كان من الطبيعي أن تكون آخر كلمات وليـم جيمس : ( ليس هناك من بت ، فما الذي بت فيه كي نبت فيما يتعلق به ! وليس هناك من طوالع لنستطلعها ، ولا من نصيحة لنسديها ! وداعا ) . قصـة الفلسفة ص ( 573 . ) العقلانية التجريبية المذهب العقلي التجريبي أضيق من المذهب التجريدي بكثير ؛ فإذا كان التجريديون قد جعلوا للعقل القول الفصل في الحكم على كل شيء فقد رأى التجريبيون أن العقل لا يمكنه الح صول على المعرفة اليقينية إلا عن طريق الملاحظة والفرض والتجربة ؛ وبما أن التجربة محدودة فالعقل لا يعرف إلا جملة القوانين المكتسبة بالتجربة لا جملة قوانين الوجود . وقد اعتبروا العلم التجريبي هو المجال الحقيقي للعقل ؛ ولهذا أهملوا كل فكر تجريدي أو ميتافيزيقي ! ؛ يقول المؤلف : ( أصبحت
عدد الصفحات ٦٠المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 61 التجربة الحسية المعملية هي المعيار الذي تقاس به حقيقة كل شيء ، ويرد إليه صدق كل شيء ؛ فما أمكن إثباته عن طريق التجربة المعملية فهو الموجود على الحقيقة ، وهو الموثوق بصدقه ، وما لا يمكن إثباته عن هذا الطريق فهو إما شيء لا وجود له ، وإما شيء ساقط من الحساب ، ودخلت في هذا القبيل قضية الألوهية بكاملها ؛ بكل ما حولها من وحي ورسل وكتب وبعث ونشور وحساب وجزاء ، أو باختصار قضية الإيمان ) . الكتاب المقرر ص ( 528 . ) وقد وضع البذور الأولى لهذا الاتجاه العقلي الجديد فرنسيس بيكون ( 1561- 1626م) ؛ بسبب تأكيده على ضرورة الملاحظة والتجريب ، والاهتمام بالممارسة العملية ، ونتائج الأفكار ؛ عوضا عن البحث النظري التجريدي ، والجدل الكلامي ! ورأى أن العلم بحاجة إلى ثورة في مناهج البحث ؛ لأن المناهج السابقة كانت عديمة الفائدة ؛ ولهذا ظلت الفلسفة عاقرا طيلة ألفي عام ؛ فلم تقطع إلا شوطا قصيرا من التقدم ! ورأى أن أفدح أخطاء الإغريق إنفاق الكثير والكثير على الجهد النظري والقليل القليل على المشاهدة والتجربة ! وقد آن الأوان لتحويل مسار العلم للمشاهدة والعمل عوضا عن النظر والجدل ؛ ولهذا وضع الأرغانون الجديد عوضا عن أرغانون أرسطو ، وهو أفضــل كتبه ؛ حتى قيل : إنه الذي أشاع الحياة في المنطق! كما قيل عن بيكون : إنه قرع الجرس فلبت جميع العقول النداء ! وقيل عن أفكاره: إنها حركت الأذهان التي حركت العالم ! قصة الفلسفة ص (147 ،168 ،169 ،182 . ) وقد سار في ركابهالفلاسفة التجريبيون ؛ كجون لوك صاحب فكرة علم النفس التجريبي الخاضع للمشاهدة ، والمتحرر بزعمهم من اللاهوت والميتافيزيقيا !! ويبدو أن هذا الإغفال لما وراء الطبيعة الذي ورثه الفلاسفة التجريبيون عن بيكون هو سبب اتهامه بالإلحاد أكثر من مرة ، وسبب اعتباره رمزا لحرية الفكر عند الملاحدة؛ حتى إن أصحاب الأنسكلوبيديا أهدوها لروحه ! ولاشك أن منحى فكره دنيوي
عدد الصفحات ٦١المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 61 عقلاني إلا أن الظاهر أنه لم يكن كهؤلاء الملاحدة ؛ فقد كان يرفض الإلحاد ؛ لأن العقل يرغمه على الإيمان ؛ وفي ذلك يقول : ( القليل من الفلسفة ينزع بالإنسان إلى الإلحاد ، لكن العمق في الفلسفة يدفع بعقل الإنسان إلى الدين ؛ وذلك لأن عقل الإنسان إذا نظر إلى العلل الثانية المتناثرة شتاتا فقد يهجع أحيانا فيها ولا يذهب إلى أبعد منها ، لكنه عندما يشاهد سلسلة هذه العلل متحدة مترابطة الحلقات فعندئذ سيرغم العقل على الطيران إلى العناية الإلهية والرب المعبود ! ) . قصة الفلسفة ص (156 . ) الفلسفة الوضعية تمثل الفلسفة الوضعية ذروة المنهج العقلي التجر يبي الذي وضع بذوره فرنسيس بيكون؛ والفلسفة الوضعية تعني أن العلم اليقيني ما اعتمد على المشاهدة والفرض والتجربة ، وكل مسألة لا يمكن معالجتها بهذا الطريق فهي خارجة عن دائرة العلم اليقيني ! ولهذا كان البحث في الماهيات والعلل والغايات مثار جدل وظنون لا تنتهي ؛ لأن العقل لا يدرك سوى الظواهر ا لحسية ومالها من قوانين ؛ وهي العلاقات المطردة بين الأشياء . وقد أراد صاحب المذهب الوضـعي أوجست كونت ( 1798- 1857 م) إعادة تنظيم المجتمع ، ووضع حد لفوضى الأفكار التي كانت آنذاك بتوحيد العقول بالعلم الوضعي كما وحدها الدين إبان العصر الوسيط ؛ لأن العلم الوضعي يمثل قمة النضج الإنساني ؛ فتاري العقل بزعم كومت مر بحالات ثلاث : - 1- الحالة اللاهوتية ؛ وكان دأب العقل في هذه الحالة البحث عن كنه الكائنات وأصلها ومصيرها ، ومحاولة إرجاعها لمبدأ مشترك ، وتدرج العقل في هذه المرحلة من الإيمان بتعدد الآلهة إلى الإيمان بإله واحد !!
عدد الصفحات ٦٢المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 62 2- الحالة الميتافيزيقية ؛ وفيها ظل العقل على دأبه في محاولة معرفة المبادئ والماهيات والغايات إلا أنه آمن في هذه المرحلة بقوى الطبيعة عوضا عن الآلهة ! وتدرج من الإيمان بقوى متعددة ؛ كالقوة الكيميائية والقوة الحيوية إلى الإيمان بقوة واحدة هي الطبيعة ! 3- الحالة الواقعية ؛ وهنا يقصر العقل همه على ملاحظة الظواهر ، واستكشاف قوانينها ، ويهمل كل فكر تجريدي أو ميتافيزيقي ! ؛ ولهذا فإن الحالة الواقعية لا تنتهي إلى وحدة مطلقة ؛ كالله في الحالة اللاهوتية ، وكالطبيعة في الحالة الميتافيزيقية ! ولكن إذا كان العقل عاج زا في هذه المرحلة عن الوصول إلى وحدة موضوعية ؛ لتباين الظواهر الحسية ، واستحالة رد قوانينها إلى قانون واحد فإنه يمكنه الوصول إلى وحدة منهجية في جميع العلوم ؛ وهو المنهج القائم على الملاحظة والفرض و التجربة ؛ وبهذا تتحقق الوحدة بين عقول الأفراد ، وتصبح الفل سفة الوضعية هي الأساس العقلي للاجتماع وتحل محل الفلسفة اللاهوتية والميتافيزيقية دون أن تتكلف محاربتهما ، بل تتركهما يسقطان من تلقاء ذاتهما !! وهذه الحالات التي مر بها العقل في نظر كومت تخالف منطقه الوضعي قبل غيره ؛ إذ لا دليل على هذه الحالات التي تخيلها إ لا ظواهر جزئية لوحظت على بعض القبائل المنعزلة في إفريقيا واستراليا ثم بنى عليها هؤلاء وغيرهم القول بتطور العقيدة حتى يحل العلم الوضعي في النهاية محل الدين ! وهي دراسات تفتقر إلى البرهان العلمي ؛ وماضي البشرية يكذبها كما يكذبها واقعهم ؛ فالبشر إنما تدرجوا م ن التوحيد إلى الشرك كما أطبقت على ذلك الرسالات السماوية وشهد بذلك تاري
عدد الصفحات ٦٣المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 63 الأمم عبر القرون ، والعلم الوضعي لم يسقط الدين كما زعموا ؛ بل إن صحيحه من أكبر أدلة الإيمان ؛ ولهذا عاد كثير من الناس إلى الدين بعد أن تكسرت موجة الإلحاد أمام براهين الإيمان ، والعالم اليوم يشهد عودة للدين تدل على بطلان خيال التدرج من الحالة اللاهوتية إلى الحالة الواقعية التي يسقط فيها الدين من تلقاء ذاته ؛ وكل عاقل يعلم أن العقل البشري مهما أوتي من علم يستحيل أن يصل إلى معرفة الأطوار التي سار فيها العقل البشري عبر التاري ، وأن مرد ذلك إلى الله وحده ؛ كما قال تعالى : ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﮊ الكهف: 1. والفلسفة الوضعية وإن كان موقفها من الدين بهذا السوء إلا أنها تختلف عن المذهب المادي الذي ينكر عالم الغيب كله ؛ فترى أن عالم الغيب يستحيل التدليل على نفيه كما يستحيل التدليل على إثباته ! وقد اعتنق الفلسفة الوضعية كثير من المفكرين ؛ كجون ستيوارت مل ، وفريدريك هريسون ، وبرتراند رسل ، وغيرهم . نقد العقلانية نبه المؤلف إلى أن أصحاب المذهب العقلاني وقعوا في أخطاء كثيرة ؛ منها : - 1- تضخيم دور العقل ، وإهمال بقية مصادر المعرفة ؛ كالوحي والفطرة ؛ ولهذا أقحم العقلانيون التجريديون العقل في غير ميدانه ؛ كمحاولة تصور الذات الإلهية ، ووضع منهج كلي للحياة البشرية ؛ وقد تخبطوا في ذلك من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، حتى تحولت قضية الألوهية لقض ية ذهنية لا تمس الوجدان ، ولا تؤثر في السلوك العملي ! وتحول منهج الحياة إلى أحلام طوباوية بعيدة عن واقع الحياة !ّ
عدد الصفحات ٦٤المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 64 2- المبالغة في العلم التجريبي ؛ واعتباره الطريق الوحيد لليقين ! وهم بهذا يختلفون عن المسلمين الذي أنشئوا العلم التجريبي ؛ فقد أدركوا بداهة أنه ليس كل شيء يدخل المعمل للتجربة ، إنما الذي يصلح لذلك هو المادة والجسم ، ومن ثم لم يجعلوا المرجع الذي يرجعون إليه في إثبات وجود الله وصفاته هو التجربة الحسية إلا من جانب واحد هو رؤية آثار قدرة الله في الكون ، والاستدلال منها على وجود الرب وكماله ! وهذا هو المنهج الحق الذي فاء إليه أخيرا كثير من العلماء التجريبيين في العصر الحديث ؛ كما نراه في كتــاب ( الله يتجلى في عصر العلم ) . 3- يختلف موقف الإسلام من العقل عن هؤلاء وأولئك اختلافا كبيرا ؛ فالتجريديون أغلقوا كل منافذ المعرفة إلا العقل ، ولكنهم تركوه طليقا يسرح حيث يشاء ، والتجريبيون أغلقوا كل منافذ العقل إلا التجربة والحس !! أما الإسلام فإنه يقدر العقل ولكنه لا يبالغ في تقدير قيمته كما تفعل العقلانية التجريدية ؛ بحيث يجعله المحكم في كل شيء ، والمرجع الأخير لكل شيء ؛ فهناك أمور لا يستطيع العقل أن يصل إليها فهذه تلقن له عن طريق الوحي ، ويكون دور العقل أن يتيقنها عن طريق النظر في أدلة صدق النبي ، وهي مجال واسع للنظر العقلي ؛ فإذا آمن وجب عليه التسليم بما جاء به المصدر الحق الذي آمن بصدقه ؛ ولهذا فإن الإسلام لا يترك العقل يسرح حيث يشاء ؛ وإنما يمنعه من مجالات بعينها ، كالتفكير في كنه الذات الإلهية ، أو سر الله في القدر ؛ لأنها أمور فوق طاقة العقل ! ويمنحه مجالا واسعا للعمل في ميادين كثيرة ؛ كتدبر آيات الله في الكون ؛ للتعرف على قدرة الله وكماله ، أو لمعرفة سنن الله
عدد الصفحات ٦٥