المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المختصر في المذاهب الفكرية المعاصرة ‫

عيسى بن عبدالله السعدي

صفحة ٥ من ٦

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 65 في الكون ، وكالتدبر في حكم التشريع ؛ لمعرفة مقاصده ، وعلل أحكامه ، التي يمكن معها الاجتهاد لمعرفة أحكام النوازل . وهذه هي العقلانية الراشدة التي تعطي العقل مكانه اللائق به فلا تغالي في تقدير قيمته ولاهي تبخسه قدره ، وتحده بمعطيات التجربة ! فأين هي من العقلانية التجريدية الغابرة والعقلانية التجريبية التي يمارسها الغرب في القرن التاسع عشر والعشرين . 4- من أعظم أخطاء العقلانية إهمال الوحي وهو المصدر اليقيني المعصوم للمعرفة ، وبخاصة فيما يتعلق بالغيب ؛ فالعقل إنما يعرف هذه الأمور معرفة إجمالية ؛ ولهذا تخبط الفلاسفة فيما بينهم في قضية الألوهية بالذات وتعارضت أقوالهم مما حول الفلسفة إلى أداة تشتيت وإضلال لا أداة هداية وإرشاد !! 5- ومن أعظم أخطائها إسقاط قضية الإيمان بكاملها أو إهمالها ؛ بحجة أنها غير معقولة أو غير محسوسة ! وهذا يفسر لنا يفسر لنا سر دعم اليهود للمذهب العقلاني ؛ كما أقر بذلك سارتر في كتابه ( تأملات في المشكلة اليهودية ) . مع أن العقل لا يملك دليلا واحدا على إنكار وجود الله تعالى ، كما أقر بذلك أصحاب الفلسفة الوضعية ، بل إن العقل من أعظم أدلة الإيمان وإن جهل ذلك أوتجاهله بعض من تصدى لإلحاد العقلانيين من الفلاسفة والمفكرين ؛ ككانت ، وجان جاك روسو !! 6- ينبغي أن يفهم أن العقلانية الأوربية كانت ردة فعل حادة للحجر الكنسي على العقول في العصر الوسيط ، ومن هنا يتضح الخطأ الفادح لأولئك الخاطئين أو المخطئين الذين يريدون استنساخ التجربة الأوربية لتطبيقها في المجتمعات الإسلامية ؛ فإن الإسلام يختلف عن الدين الكنسي تماما ؛ فهو يحظ على العلم ،

عدد الصفحات ٦٦

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 66 ويعلي شأنه وشأن أهله ، وفي ظله ولد المنهج العلمي التجريبي الذي أخذته أوربا عن المسلمين ! يقول بريفولت في كتاب ( بناء الإنسانية ) : ( أساليب البحث في دأب وأناة ، وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها ، والمناهج التفصيلية للعلم ، والملاحظة الدقيقة المستمرة ، والبحث التجريبي ، كل ذلك كان غريبا تماما عن المزاج اليوناني . أما ما ندعوه العلم فقد ظهر في أوربا نتيجة لروح من البحث جديدة ، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة ، من طرق التجربة والملاحظة والمقاييس ، ولتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان .. وهذه الروح ، وتلك المناهج العلمية أدخلها العرب إلى العالم الأوربي ) . نقلا عن الكتاب المقرر صفحة ( 515 . )ويقول: ( على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون وأهم ما تكون في نشأة تلك الطاقة التي تكون ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة وفي المصدر القوي لازدهاره أي في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي ) . المرجع السابق (516 ) . 

عدد الصفحات ٦٧

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 67 ظاهرة الإلحاد رأينا أن العقلانية أدت بكثير من أهلها إلى الإلحاد ، وكذلك الشيوعية ؛ فقد اعتبرته من صميم المادية الجدلية ؛ ولهذا كانت تفرض الإلحاد فرضا في مناهج التعليم ووسائل الإعلام ، في حين أن الغرب وإن كان لايفرضه على الناس بتلك الصورة إلا أنه يشجعه بكل وسائل التشجيع ؛ وهذا يفسر سبب انتشار الإلحاد في العصر الحديث بشكل غير مسبوق في التاري !! ولهذا أفرده المؤلف بمبحث خاص آخر الكتاب ؛ بين فيه أسباب هذه الظاهرة ، وناقش الملاحدة من وجوه كثيرة نقتبس منها النقاط التالية :- 1- فطرية الإيمان بوجود الله تعالى ؛ فمعرفة الرب وعبادته أعظم حقيقة في فطرة كل إنسان ؛ وكل من سلمت فطرته من الاجتيال والتغيير فإنه سيذعن لا محالة لما في فطرته من الإيمان ؛ قال تعالى : ﮋ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮊ الروم: ٠٠ ، وقال  ( :مامن مولود إلا يولد على الفطرة ؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ، رواه البخاري ؛ وأكبر دليل على هذه الفطرة حال الإنسان عند الضرورة ؛ فإنه يتجه إلى الله وحده لايلتفت يمنة ولايسرة ؛ قال تعالى : ﮋ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﮊ النمل: ٢٢ ، وقال : ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﮊ العنكبوت: ٦٢ . 2- دلالة الكون على وجود الله وكماله ؛ فالكونبضخامته الهائلة ، ودقته المذهلة، وتناسقه وتوازنه ، يسترعي الانتباه ، ويروع الحس ، حتى يهتدي العقل إلى الخالق ؛ إذ هذا الخلق العجيب يستحيل أن يكون بلا خالق ؛ فالأثر لابد له من مؤثر ، والمفعول لابد له من فاعل ؛ قال تعالى : ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ

عدد الصفحات ٦٨

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 68 ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﮊ البقرة: ١٢١ ، وقال : ﮋ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮊ الأعراف: ١٦ ؛ يقول المؤلف : ( التناسق في بنية الكون ، وخاصة التوازن الكائن في تلك المجموعة الشمسية التي منها أرضنا بحيث لو اختل عنصر واحد منها لما أ مكنت الحياة ؛ فلو اقتربت الأ رض من الشمس احترقت الكائنات الحية ، ولو ابتعدت هلكت من الصقيع ، ولو اقترب القمر من الأرض لارتفع المد حتى يغرق الارض ، ولو زاد الاكسجين لاشتعلت الكائنات ، ولو قل لم تجد كفايتها للحياة ، كيف يحدث ذلك كله من غير خالق مدبر حكيم ؟! ) الكتاب المقرر ص ( 612 . ) ومن أوجه دلالة الكون على الخالق وكماله دلالة التنوع ؛ إذ لو كان الخلق من فعل الطبيعة كما يزعمون لتشابه الخلق عند تشابهت الظروف ؛ قال تعالى : ﮋ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﮊ الرعد: ١ . 3- دلالة الإنسان على وجود الخالق وكماله ؛ فالإنسان أشد المخلوقات إعجازا خلقه ، وخصائصه ، وتعدد صوره وأشكاله ، حتى لايكاد أن يتماثل إثنان ويصل الاختلاف بين بصمات الاصابع الى حد تصبح معه من وسائل التعرف ؛ لأنها لاتتكرر في فردين من البشر ، وهذا كله برهان على الخالق ؛ إذ يستحيل أن يكون هذا الخلق المحكم بلا خالق ؛ قال تعالى : ﮋ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﮊ الطور: ٦٠ ، وقال : ﮋ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮊ الذاريات: ٠٢ – ١٢ . ولاتنحصر دلالة الإنسان على خالقه فيما ذكر ، بل إنه يدل على خالقه من جهات أخرى ؛ كالشعور الدائم بالعجز ؛ فمهما أوتي الإنسان من السيطرة على

عدد الصفحات ٦٩

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 69 بعض جوانب الوجود فقدرتهمحدودة ، وعمره محدود ، ومتعته في عمره المحدود محدودة ، ويظل الشعور بالعجز يلازمه كلما شعر بالقدرة على شيء حتى يصل به شعوره إلى الخالق الذي لايعجزه شيء في السموات ولافي الأرض ؛ قال تعـالى : ﮋ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮊ فاطر: ٦١ . 4- أن التقدم العلمي كان أوائل عصر النهضة من أكبر أسباب الإلحاد ؛ فقد فتن كثيرون بالكشوف العلمية ، حتى قال جوليان هكسلي وغيره : إن الخضوع لله كان بسبب عجز الإنسان وجهله ، والآن وقد تعلم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يتخلص من هذا الوهم ! وقد لقي هذا الإلحاد قبولا آنذاك بسبب النفور الحاد من الدين الكنسي ، والترويج لهذا الحنث العظيم من قبل اليهود ! لكن تبين للعلماء بعد أن خطا العلم خطوات إلى الأمام أن الحياة في غاية من التعقيد بحيث يصعب على عقولنا الحبيسة إدراكها ، وأن العلم كلما تقدم كلما كشف عن جهل الإنسان ، وأن العلم ذاته في تقلب مستمر ، بحيث أن ماكان يعتقد حقيقة أصبح مجرد فرض !! بل إن العلماء الذين تربوا في الإلحاد العلمي ألجأهم العلم ذاته إلى الإيمان بوجود الله ! كمانرى نماذج من ذلك في كتاب العلم يدعو إلى الإيمان ، وكتاب الله يتجلى في عصر العلم ! وقد ذكر المــؤلف مقتطفات يسيرة منها ص ( 639- 642 )؛ والأمر اليومأكبر مما ذكره المؤلف بكثير ؛ فقد أصبح إذعان العلماء لبراهين الإيمان ظاهرة عالمية ؛ تعنى بها مراكز متخصصة ، وكتب مفردة ؛ من أهم ــها كتب ا لإعجاز العلمي في القرآن والسنة ؛ قال تع ــالى : ﮋ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﮊ فصلت: ٠٦ . 

عدد الصفحات ٧٠

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 71 القوميــــة و الوطنيـــة تمهيـد: الوطنية معناها أن يشعر أبناء الوطن الواحد بالولاء له أيا كانت أصولهم وأجناسهم ؛ أي أن الولاء للأرض بصرف النظر عن الدين أو القوم أو اللغة أو الجنس . والقومية معناها أن أبناء الأصل الواحد واللغة الواحدة ينبغي أن يكون ولاؤهم واحدا وإن تفرقت أوطانهم . نشأة القومية يمكن أن نجمل أهم ماذكره المؤلف في النقاط التالية :- 1- كانت أوربا وحدة سياسية في ظل الإمبراطورية الرومانية ، وحين بدأ هذا التجمع يتخلخل دخل الإمبراطور قسطنطين في النصرانية ، وفرضها على أوربا فأنشأت لونا من التجمع الشعوري ، وتأثيرا ملموسا في وحدة الإمبراطورية ، وإن كان لم يصل أويقترب من التجمع الفريد الذي أحدثه الإسلام ؛ لأن العقيدة النصرانية كانت محرفة ليس لها تأثير العقيدة الصحيحة ، وكان الخلاف بين النصارى في أصل العقيدة ، ولغة الكتاب المقدس لايعرفها إلا المثقفون ورجال الدين دون عامة شعوب الإمبراطورية . 2- استمرت وحدة أوربا فترة القرون الوسطى ، إلى أن تخلخلت نتيجة حماقات الكنيسة ، وظهور حركة الإصلاح الديني ، التي دعمها الملوك الراغبين في الانفصال عن الإمبراطورية ، واليهود الناقمين على اضطهاد النصارى إلى أن تصدعت وحدة الإمبراطورية وانقسمت أوربا إلى إمارات مختلفة ، وكان هذا الانفصال بداية ظهور القوميات في أوربا ؛ يقول الندوي : ( قضت حركة مارتن لوثر التي تدعى حركة

عدد الصفحات ٧١

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 71 إصلاح الدين على وحدة أوربا الثقافية والدينية ، وانقسمت هذه القارة إلى إمارات شعبية مختلفة ، وأصبحت منازعاتها ومنافساتها خطرا على العالم ) ، وقال : ( الدين السماوي مهما تحرف وتغير لا يفرق بين الأجناس والألوان والأوطان ؛ فجمعت النصرانية الأمم الأوربية تحت لواء الدين ، ولما قام لوثر بحركة الإصلاح الديني ، وانهزمت الكنيسة في عاقبة الأمر استقلت الأمم ، وأصبحت لاتربطها رابطة ، ولم تزل النصرانية تضمحل في أوربا وتقوى العصبية القومية والوطنية ؛ لأن الدين والقومية ككفتي ميزان ؛ كلما رجحت واحدة طاشت الأخرى ) . مختصرا عن الكتاب المقرر ص ( 559 ،564 . ) آثار القومية كان لظهور القوميات في أوربا آثار مدمرة على أوربا والعالم ؛ فقد سعت كل قومية للتوسع الإقليمي على حساب القوميات الأخرى ، فنشب الصراع بين القوميات الناشئة ، وغذى وحشية الصراع وحدته فلسفة البقاء للأصلح ، والثورة الصناعية التي عمقت التنافس بين القوميات ، وقد ذكر المؤلف نماذج من صراع القوميات في أوربا وخارجها ؛ فمن ذلك :- 1- الحروب الإيطالية ؛ وهي حروب متقطعة نشبت بين فرنسا وأسبانيا ، واستطالت لخمسة وستين عاما ، وكان هدفها التوسع الإقليمي ب الاستيلاء على ممتلكات جديدة في شبه الجزيرة الإيطالية ؛ ثم التفوق القومي في القارة الأوربية . 2- حروب نابليون الشهيرة التي اجتاحت أوربا منذ أن ظهرت فيها حمى القومية! 3- الحرب العالمية الأو( 1914- 1918 )؛ التي راح ضحيتها عشرة ملاي من الشباب غير المصابين ، واستخدمت فيها أبشع وسائل الإجرام دون تحرج ؛ لأن الغاية تبرر الوسيلة ، والمصلحة القومية فوق كل اعتبار ! وكان هدف هذه الحرب

عدد الصفحات ٧٢

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 72 القضاء على القومية الألمانية وإسقاط الخلافة العثمانية! 4- الحرب العالمية الثانية( 1939- 1945 )؛وكانت نتيجة القهر العنيف الذي وقع على القومية الألمانية من القومية البريطانية والقومية الفرنسية ! وقد قتل في هذه الحرب أربعون مليونا من الشباب ، غير المدن التي دمرت ، والمدنيين الذين قتلوا في الغــارات الجوية ، وغير قنبلتي هيروشيما ونجازاكي اللتين قضتا على الوجود الحي كله في مساحة واسعة من الأرض !! 5- الحرب الباردة ؛ فبعد الحرب العالمية الثانية برز المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي ، واستمر النزاع الحاد بينهما ، والخصام على توزيع مناطق النفوذ في العالم إلى أن سقط الاتحاد السوفيتي قبل أكثر من عشرين عاما ! وهو في حقيقته صراع بين القوميتين الروسية والأمريكية وإن ظهر بعنوان مختلف كما يقول المؤلف . القومية والاستعمار كان الاستعمار الأوربي في منشئة دفعة صليبية بحته ؛ فلما سقطت الأندلس في يد المسيحيين قامت محاكم التفتيش بجهد ضخم للقضاء على بقايا الإسلام في الأندلس ، ثم إن البابا شجع النصارى على متابعة المسلمين خارج الأندلس ، ولكن وجود الدولة العثمانية في الشرق لم يكن يتيح للصليبين الاتجاه نحو بيت المقدس من الشرق فحاولت الدوران حول العالم الإسلامي من الغرب ؛ فقام فاسكو دي جاما برحلته الشهيرة التي كشف فيها طريق رأس الرجاء الصالح ، وحين وصل إلى جزر الهند الشرقية قال : الآن طوقنا عنق الإسلام ، ولم يبق إلا جذب الحبل ليموت !! ثم تتابعت الرحلات العلمية التي مهدت للاستعمار الصليبي ! ولما برزت القوميات في أوربا ظلت متلبسة بالروح الصليبية تجاه المسلمين ؛ فأصبحت تتنافس على استعمار العالم الإسلامي ومحاولة تنصير أهله ؛ عن طريق حملات التبشير التي كانت تصاحب الاستعمار الصليبي دائما ! وحين

عدد الصفحات ٧٣

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 73 قامت الثورة الصناعية اتسم الاستعمار بالصبغة الاقتصادية لأنه كان بحثا عن الموارد الرخيصة من جهة والأسواق المضمونه من جهة لتوزيع فائض الا نتاج ، وشمل الاستعمار كل أرض مستضعفة إسلامية أو غير إسلامية ؛ فإن كانت الأرض المستعمرة غير إسلامية اكتفى الاستعمار بنهب الخيرات وتوزيع فائض الإنتاج ! وإن كانت إسلامية فالعناية الأولى موجهة لمحو الإسلام عن طريق التبشير ووسائل الغزو الفكري المختلفة ، ثم يأتي بعد ذلك نهب الخيرات وتوزيع فائض الانتاج ! وهكذا ارتبطت القوميات في أوربا بالاستعمار بكل سفالاته وبكل بشاعاته ! أ.ه ملخصا لكلام المؤلف ص ( 567- 573 . ) تصدير القومية والوطنية اتضح للصليبيين أثناء الحروب الصليبية وبعدها أن الغزو العسكري لايمكن أن يفلح وحده في القضاء على المسلمين إلا إذا صاحب ذلك غزو فكري يقتلع العقيدة من نفوسهم ؛ كما أصى بذلك لويس التاسع الذى اهتدى وهو في أسر المسلمين لسر قوتهم ! وقد التزم الصليبيون بهذه الوصية ؛ فمهدوا للاستعمار بالغزو الفكري الذي كان من وسائله دعوى القومية والوطنية ! وبالفعل بثت بذور الوطني ة في العالم الإسلامي ثم القومية ، وكان الهدف من ذلك تحقيق عدة أمور ؛ منها : - 1- تحويل الجهاد ضد الاستعمار الصليبي إلى حركات وطنيةلا تنظر إلى المستعمر على أنه صليبي يستهدف محو الإسلام ، وإنما مجرد مستعمر يمكن التفاهم معه ! 2- تيسير عملية التغريب ؛ فالجهاد يوصد الباب بين المجاهد وعدوه ؛ فلا يأخذ شيئا من عقائده ولا أنماط سلوكه ، وفي الحركة الوطنية يكون الحاجز رقيقا ؛ يسمح بالتغريب ، والأخذ عن المستعمر ، والتأثر بفكره وسلوكه ! وهو ماتم بالفعل ! ولكن للأسف لم يأخذ المستغربون من العدو جلده وانضباطه في عمله ، وإنما أخذوا انحطاطه

عدد الصفحات ٧٤

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 74 وفساد أخلاقه ؛ يقول المؤلف: ( لم يتعلم المستغربون من الغربيين قط قدرتهم الفائقة على التنظيم ، ولا جلدهم الشديد على العمل ، ولا التزامهم الشديد بالانضباط في كل شيء ، وإنما تعلموا اللهو والعبث والمجون والرطانة بلغة الأعاجم ، وتعلموا أسوأ من ذلك كله التباهي بالانسلاخ من الدين والعرض والاخلاق الدينية ) . الكتاب المقرر ص ( 581 . ) 3- القضاء على الخلافة الإسلامية ؛ فبعد مؤتمر بال الشه ذهب هرتزل إلى السلطان عبد الحميد ليعرض عليه كل المغريات في مقابل منح اليهود وطنا قوميا لهم في فلسطين ، ولكن السلطان رفض ذلك كله ؛ فدبر الي هود لخلع السلطان وإسقاط الخلافة، وكانت الوسيلة لذلك هي القومية ! فنظم يهود الدونما حزب الاتحاد والترقي الذي نادى بالقومية الطورانية ؛ وهي قومية الأتراك في جاهليتهم ، ونادوا بضرورة تتريك الدولة ؛ ليشعر العرب بالظلم في ظل الحكم التركي ؛ وتتأجج فيهم روح القومية العربية ، حتى إذا أشعلت نارها كانوا من أنصارها ، وكان أول من أشعل نار القومية العربية هم نصارى لبنان وسوريا ثم انضم إليهم المستغفلون من المسلمين ، وكان السلطان عبدالحميد يحارب الجماعات التي تنادي بالقومية الطورانية أو العربية ، إلا أن أحوال الخلافة كانت أضعف من أن تصمد للكيد ؛ فمضى في سبيله حتى بلغ غايته ، وسقطت الخلافة ، وقسمت تركتها على المستعمرين ، ثم قامت دولة يهود في فلسطين برعاية الصليبيين ! 4- إيجاد بديل للراية الإسلامية التي تجمع المسلمين من كل مكان ضد اليهود والنصارى ، وكان البديل هو القومية العربية ، التي حرص الصليبييون على أن تكون هي آصرة التجمع عوضا عن الإسلام !!

عدد الصفحات ٧٥

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 75 نقد القومية والوطنية ذكر المؤلف في نقد القومية والوطنية عدة أمور نقتبس منها مايلي :- 1- القومية والوطنية في حد ذاتها نزعة غير إنسانية لايتوقع أن ينشأ عنها إلا الشر ؛ فهي تجعل المصالح القومية والوطنية هي الاصل المعترف به على حساب القيم والمبادى وكل المعاني الانسانية وتحد أفق الإنسان بقومه أو وطنه ؛ وبدلا من أن تكون قيمه معان رفيعه تليق بالإنسان إذ قيمه مصالح مادية يتعارك عليها الحيوان ! 2- أنها تقيم تجمع البشر على الأمور التي لاخيار فيها للإنسان وتنبذ كل الأمور التي يكون فيها الخيار للإنسان ؛ كالإيمان والقيم التي تنشأ عنه ؛ كالحب في الله والبغض في الله ؛ أي الحب لمن هو جدير بالحب ، ولو كان من غير قومك أو وطنك ، والبغض لمن هو جدير بالبغض ولو كان من قومك أو وطنك ؛ قال تعالى : ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ المجادلة: ٢٢ . 3- أن القومية والوطنية تعارض الإسلام الذي ينكر أن تكون صلة التجم ع بين البشر شيئا غير الإسلام ؛ لا الدم ولا اللغة ولا الأرض ولا المصالح الأرضية ؛ قال تعالى : ﮋ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮊ التوبة: ١٢ ؛ فجعل الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والمال والتجارة والأرض وهي مقومات القومية في كفة وفي الكفة الأخرى حب الله ورسوله ، والجهاد في سبيله ؛ والمفاصلة الكاملة بين هذه وتلك ! وليس معنى ذلك أن الإسلام يحرم تلك الروابط ، وإنما يجيزها كلها حين تقع تحت

عدد الصفحات ٧٦

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 76 رابطة العقيدة ؛ قال تعا: ﮋ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﮊ الأنفال: ٦٩ ، أي حين يكونون كلهم مؤمنين ، فإن اختلفت العقيدة فلا ولاء حتى مع أقرب الأقربين ؛ قال تعالى: ﮋ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﮊ هود: ٦١ – ٢١ ؛ فأين هذا من القومية والوطنية التي تقول في صراحة : إن المشرك الذي يشاركك في قوميتك أو وطنك أقرب إليك من المسلم الذي ينتمي إلى وطن أوقومية أخرى !! وأين هي من المجتع الإسلامي في المدينة الذي كان بلال الحبشي ، وصهيب الرومي ، وسلمان الفارسي ، في القمة من ذلك المجتمع ، مع السادة من قريش ، وكان عمر يقول ( أبوبكر سيدنا وأعتق سيدنا ) ؛ أي بلال ، مع أنه من ذؤابة قريش ؛ وهي قمة لا تصل إليها البشرية إلا حين تكون الآصرة هي الإيمان لا الأقوام ولا الأوطان ! دعوى الإنسانية تظهر بين الحين والآخر دعوى الإنسانية ، أو الأخوة الإنسانية ، وتلقى قبولا عند كثير من الناس ، وبخاصة عند اشتداد حمى القوميات والعصبيات ! ؛ وهي تعني عدم التفريق بين الناس على أساس الدين أو العرق أو الوطن ! وقد نبه المؤلف إلى أمور هامة تتعلق بهذه الدعوى البراقة ؛ منها :- 1- أن المؤسسات العالمية التي تروج لدعوى الإنسانية لا تلتزمضمونها في القضايا التي تخص المسلمين ؛ فالمسلمون في الحبشة والفلبين والهند وفلسطين وأفغانستان وغيرها يتعرضون لأبشع أنواع الظلم ، ثم لايرتفع صوت في هذه المؤسسات يستنكر العدوان على المسلمين !! وإنما يشهر سلاح الانسانية في وجه المسلمين فقط حين يطالبون بحقهم المشروع !

عدد الصفحات ٧٧

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 77 2- أن الماسونية العالمية تستغل شعار الإنسانية ، وتبثه بين الأممين دون اليهود ؛ ليواجهوا الحياة بلا دين ؛ فإذا أفعلوا اجتالتهم الشياطين ، وأمكن استحمارهم ؛ كما أوصى بذلك التلمود ( الأمميون هم الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختـار ) . وقد نبهنا الله لهذه النظرة الآثمة في قوله تعالى : ﮋ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﮊ آل عمران: ٦٩ . 3- أن المقصود الأعظمبدعوى الإنسانيــــة هم المسلمون بالذات ؛ لتحقيق هدفين : - أ- إزالة استعلاء المسلم بإيمانه حتى يتميع تمسكه بدينه ويمكن تغريبه ؛ يقول فون جرونيباوم : ( إن الحاجز الذي يحجز المسلم عن التغريب هو استعلاؤه بإيمانه ولابد من تحطيم ذلك الحاجز لكي تتم عملية التغريب ! ) . ب- إزالة روح الجهاد من قلب المسلم ؛ ليطمئن أعداؤه بأنه لن يسعى يوما من الدهر لاسترداد خيرات بلاده المنهوبة ، والتي هي أساس الحياة الناعمة التي يعيشها الغرب ؛ ولهذا لا يخشون شيئا خشية روح الجهاد ؛ يقول روبرت بين : ( إن النار التي أشعلها محمد ماتزال تشتعل بقوة ، وهناك ألف سبب للاعتقاد بأنها شعلة غير قابلة للانطفاء ) . ويقول أحد المبشرين : ( إن أوربا كانت تفزع من الرجل المريض ؛ لأن وراءه ثلاثمائة مليون من البشر مستعدون أن يقاتلوا بإشارة من يده ) . 4- أن الإسلام يحترم المعاني الإنسانية ، فلا يكره أحدا على الدخول في الإسلام ، ولايأذن بانتهاك حقوق الإنسان حيث كان إلا إذا وقف في وجه الدعوة الإسلامية ، وحال دون بلوغها لعبــــاد الله في أرض اللــــــــه ؛ قال تعالى : ﮋ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ

عدد الصفحات ٧٨

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 78 ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮊ الممتحنة: ١ - ٧ تم المقرر والحمد لله رب العالمين 

عدد الصفحات ٧٩

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 79 فهرس الموضوعات الموضوع رقم الصفحه المقدمة..........................................................1 الدين والكنيسه.................................................2 تحريف الدين النصرا...........................................4 طغيان الكنيسة ورجال الدين....................................5 فساد رجال الدين..............................................7 نظام الرهبنة وفضائح الأديرة ....................................8 صكوك الغفران ومحاكم التفتيش.................................9 مساندة الكنيسة لنظام الإقطاع.................................11 المعالم العامة للمذاهب المعاصرة.................................11 دور اليهود في إفساد أوروبا ....................................12 نظرية دارون..................................................13 نظرية ماركس................................................14 المذهب الحسي والوضعي................................ 15-16

عدد الصفحات ٨٠

المختصر في المذاهب الفكريِّة المعاصرة 81 الموضوع رقم الصفحه نظرية فرويد ...................................................18 نظرية دوركا.................................................21 العلمانية..................................................21-31 معنى العلمانية..................................................21 الدين الكنسي وطغيان رجاله....................................22 مجالات العلمانية................................................24 المدرسة الواقعية.................................................26 السريالية والوجودية .............................................27 الحداثة الأدبية..................................................27 البنيوية والتفكيكية..............................................28 العلمانية والإسلام..............................................29 الديمقراطية................................................31-41 معنى الديمقراطية................................................31 معالم الديمقراطية...............................................31 الليبرالية والديمقراطية...........................................32

عدد الصفحات ٨١