33 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - التفريق بين من يتوالى منه حدوث الخطأ، وبين من يقع فيه على فترات متباعدة. - التفريق بين المجاهر بالخطأ، والمستتر به. - مراعاة من دينه رقيق، ويحتــاج إلى تأليف قلب فلا يغلظ عليه. - اعتبار حال المخطئ من جهة المكانة والسلطان. وهذه الاعتبارات التي مضى ذكرها لا تتعارض مع العدل المشار إليه آنفاً. - الإنكار على المخطئ الصغير بما يتناسب مع سنه:13 أن الحسن بنروى البخاري -رحمه الله- عن أبي هريرة ﷺعلي أخذ تمرة من تمر الصدقــة، فجعلها في فيه، فقال النبي .(((«بالفارسية وروى الطراني -رحمه الله- عن زينب بنت أبي سلمة، أنها ، وهو يغتسل، قالت: فأخذ حفنة ﷺدخلت على رســول الله .(2(«من ماء، فضرب بها وجهي، وقال وبهذا يتبــين أن صغر الصغير لا يمنع من تصويب خطئه، بل ذلك من إحسان تربيته، وهذا مما ينطبع في ذاكرته، ويكون (.778)، ومسلم396 البخاري ((( )، وقال الهيثمي: إســناده حســن: المجمع 28(/24 المعجــم الكبــ (2( .(269/((
عدد الصفحات ٣٣34 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس فالحديث الأول فيه تعليــم الطفل الورع،ذخيرة لمســتقبله، والثاني فيه تعليمه الأدب في الاســتئذان، وعدم الاطلاع على العورات. ومن الشــواهد الرائعة في هذا أيضــاً قصة الغلام الصغير عمر بن أبي سلمة، فقد روى البخاري عنه قال: كنت غلاماً في ، وكانت يدي تطيش في الصّحفةِ، فقال ﷺحجر رســول الله « :ﷺلي رســول الله .(((، فما زالت تلك طعمتي بعديليك لذلك الغلام ﷺنلحظ في هذه القصة أن توجيهات النبي الــذي أخطأ في تجوال يده في الطعــام كانت قصيرة ومختصرة وواضحة؛ يسهل حفظها وفهمها، ولقد أثرت في نفس الغلام فما زالت تلك طعمتي بعد.طيلة عمره، فقال: - الحذر عند الإنكار على النساء الأجنبيات: 14 حتى لا يفهم الإنكار فهماً خاطئــاً، وحتى تؤمن الفتنة، فلا يتســاهل في كلام الشــاب مع الفتاة الشــابة بحجة بيان الخطأ أو الإنــكار والتعليــم، وكم جرّ هذا مــن مصائب، وينبغي أن يتاح في هذا المجال دور كبير لأهل الحســبة، ومن يقوم معهم بالإنكار من كبار الســن، وعلى الآمر الناهي أن يعمــل بما غلب على ظنه في جــدوى الإنكار؛ فإن غلب على (.3767)، ومسلم4957 رواه البخاري (((
عدد الصفحات ٣٤35 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ظنــه النفع تكلم، وإلا أحجم عن الكلام مع ســفيهات رب رمينه ببهتان، وهنَّ مصرات على الباطل. ويبقى حال المجتمع، ومكانة الآمر الناهي لها دور أساسي في نجاح عملية الإنــكار أو التبليغ، وإقامة الحجة، وفيما يلي قصة: لقيَ امرأةً عن مولى أبي رهمٍ واسمه عبيد أنَّ أبا هريرةَ ، فقالَ: يا أمةَ الجبّارِ أينَ تريدينَ؟ قالتْ: متطيّبةً تريدُ المســجدَ المســجدَ، قالَ: ولهُ تطيّبتِ؟ قالتْ: نعمْ، قالَ: فإنيّ ســمعتُ « يقولُﷺرســولَ اللهِ .(((المسجدِ لمْ تقبلْ لها صلاةٌ حتّى تغتسلَ ، وريحها امرأةوفي صحيح ابن خزيمة: مرت بأبي هريرة تعصــف، فقال لها: إلى أين تريدين يا أمــة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: تطيبت؟ قالت: نعم: قال: فارجعي، فاغتسلي، « يقولﷺفإني سمعت رسول الله .(2(، وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسلخرجت إلى المسجد - عــدم الانشــغال بتصحيح آثار الخطــأ، وترك 15 معالجة أصل الخطأ وسببه )، وصححــه الألبــاني في صحيــح ابن ماجه 4002 رواه ابــن ماجــه((( (.367/2( )، وقال الألباني في تعليقه: حديث حســن،682 صحيــح ابن خزيمة(2( )، وصححه أحمد شاكر246/2وهو في المسند
عدد الصفحات ٣٥36 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - عدم تضخيم الخطأ، والمبالغة في تصويره16 - تــرك التكلف والاعتســاف في إثبــات الخطأ،17 وتجنــب الإصرار عــلى انتزاع الاعــتراف من المخطئ بخطئه. - إعطاء الوقت الكافي لتصويب الخطأ.18 خصوصاً لمن درج عليــه، واعتاده زماناً طويلاً من عمره، هذا مع المتابعة، والاستمرار في التنبيه والتصحيح. - تجنب إشــعار المخطئ بأنه خصــم، ومراعاة أن 19 كسب الأشخاص أهم من كسب المواقف وبعد هذه المقدمــة آن الأوان للشروع في عرض بعض ما يسلكه من الوسائل والأساليب في التعامل مع ﷺكان النبي أخطاء الناس، كما جاء في السنة الصحيحة.
عدد الصفحات ٣٦37 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - المسارعة إلى تصحيح الخطأ، وعدم إهماله: 1 وقد كان النبي ﷺ يبادر إلى ذلك، لا ســيما وأنه لا يجوز حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأنه مكلّف بأن يبين للناس الحق، ويدلهم على الخير، ويحذرهم من الشر، ومســارعته ﷺ إلى تصحيح أخطاء الناس واضحة في مناسبات كثيرة؛ كقصة المسيء صلاته، وقصة المخزومية، وابن اللتبية، وقصة أسامة، والثلاثة الذين أرادوا التشديد والتبتل، وغيرها، وستأتي هذه القصص في ثنايا هذا البحث إن شاء الله. وعدم المبادرة إلى تصحيــح الأخطاء قد يفوّت المصلحة، ويضيّع الفائدة، وربما تذهب الفرصة، وتضيع المناسبة، ويرد الحدث، ويضعف التأثير. - معالجة الخطأ ببيان الحكم:2 مرَّ بهِ وهوَ كاشفٌ عنْ فخذهِ، أنَّ النّبيَّ ﷺ عن جرهدٍ .(((»« :ﷺفقالَ النّبيُّ )، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه 2796 ســنن الترمذي ((( (.2796الألباني في صحيح الترمذي
عدد الصفحات ٣٧38 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - رد المخطئــين إلى الــشرع، وتذكيرهــم بالمبــدأ3 خالفوهالذي في غمرة الخطأ وملابســات الحادث يغيب المبدأ الشرعي عن الأذهان، ويضيع في المعمعة، فيكون في إعادة إعلان المبدأ، والجهــر بالقاعدة الشرعية ردّ لمن أخطــأ، وإيقاظ من الغفلة التي حصلــت، وإذا تأملنا الحادثة الخطــيرة التي وقعت بين المهاجرين والأنصار بســبب نار الفتنة التي أوقدها المنافقون قال: غزونا معَ لوجدنا مثالاً نبوياً على ذلك، فعــن جابر ، وقدْ ثابَ معهُ ناسٌ مــنْ المهاجرينَ ، حتّى كثروا، ﷺالنّبــيِّ وكانَ مــنْ المهاجرينَ رجلٌ لعّابٌ، فكســعَ أنصاريّاً، فغضبَ الأنصاريُّ غضباً شــديداً، حتّى تداعوا، وقالَ الأنصاريُّ: يا ، ﷺللأنصــارِ، وقالَ المهاجريُّ: يا للمهاجرينَ، فخرجَ النّبيُّ ، «، ثمَّ قالَ «فقالَ : ﷺفأخرَ بكســعةِ المهاجريِّ الأنصاريَّ، قــالَ: فقالَ النّبيُّ . (((« - تصحيح التصور الذي حصل الخطأ نتيجة لاختلاله 4 ففي صحيح البخــاري، عن حميّدِ بــن أبي حميد الطويل؛ يقول: جاءَ ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أنه ســمع أنس بن مالك ، فلماّ أخروا ﷺ يســألونَ عنْ عبادةِ النّبــيِّ ﷺأزواجِ النّبيِّ (.2584)، ومسلم35(8 رواه البخاري (((
عدد الصفحات ٣٨39 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ؟ قدْ غفرَ لهُ ﷺ، فقالوا: وأينَ نحنُ منْ النّبيِّ (((كأنهّمْ تقالّوها ، قالَ أحدهمْ: أمّا أنا فإنيّ أصليّ (2( ، وما تأخّرَ ما تقــدّمَ منْ ذنبهِ اللّيلَ أبداً، وقالَ آخرُ: أنا أصومُ الدّهرَ، ولا أفطرُ، وقالَ آخرُ: ، إليهمْﷺأنا أعتزلُ النّساءَ، فلا أتزوّجُ أبداً، فجاءَ رسولُ اللهِ ِ إنيّ لأخشــاكمْ للهِ، « فقالَ وأتقاكمْ لهُ، لكنّي أصومُ، وأفطرُ، وأصــليّ، وأرقدُ، وأتزوّجُ .(3(النّساءَ، فمنْ رغبَ عنْ سنّتي فليسَ منّي ﷺ أنَّ نفراً منْ أصحابِ النّبيِّ ورواه مسلم: عن أنس ، فقالَ بعضهمْ: لا عنْ عملهِ في السرِّّ ﷺســألوا أزواجَ النّبيِّ أتزوّجُ النّســاءَ، وقالَ بعضهمْ: لا آكلُ اللّحمَ، وقالَ بعضهمْ: «لا أنامُ على فراشٍ، فحمدَ اللهَ، وأثنى عليهِ، فقالَ قالوا:كذا وكذا، لكنّي أصليّ، وأنامُ، وأصومُ، وأفطرُ، وأتزوّجُ .(4(النّساءَ؛ فمنْ رغبَ عنْ سنّتي فليسَ منّي ونلاحظ هنا ما يلي: أتاهم؛ فوعظهم في أنفســهم فيما بينه وبينهم، ﷺ- أن النبي ولمــا أراد أن يعلم الناس عمومــاً أبهمهم، ولم يفضحهم، أي رأى كل منهم أنها قليلة. ((( أي أنهــم ظنوا بأن من لم يعلم مغفرة ذنوبه يحتاج إلى المبالغة في العبادة أكثر (2( من النبي ﷺ؛ رجاء أن تحصل له المغفرة (.4675 البخاري (3( .((04( صحيح مسلم (4(
عدد الصفحات ٣٩40 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ، وهذا رفقاً بهم، وســتراً«وإنما قــال عليهم مع تحصيل المصلحة في الإخبار العام. - في الحديث تتبّع أحوال الأكابر؛ للتأسي بأفعالهم، والســير عــلى منوالهــم، وأن التنقيب عن ذلك من كــمال العقل، والسعي في تربية النفس. - وفيه أن الأمور المفيدة والمشروعة إذا تعذرت معرفتها من جهة الرجال جاز استكشافها من جهة النساء. - وأنــه لا بأس بحديث المرء عن عمله إذا أمن الرياء، وكان في الإخبار منفعة للآخرين. - وفيه أن الأخذ بالتشديد في العبادة يؤدي إلى إملال النفس القاطع لها عن أصل العبادة، وخير الأمور أوساطها. - أن الأخطــاء عموماً تنشــأ مــن خلل في التصــورات، فإذا صلح التصــور قلّت الأخطاء كثــيراً، وواضح من الحديث أن الســبب الذي دفع أولئك الصحابــة إلى تلك الصور من التبتل والرهبانية والتشديد؛ هو ظنهم أن لابد من الزيادة على عبادة النبي ﷺ؛ رجاء النجاة، حيث إنه أخر من ربه بالمغفرة بخلافهم، فصحّح لهم النبي ﷺ تصورهم المجانب للصواب، وأخرهم بأنه مع كونه مغفوراً له، فإنه أخشى الناس، وأتقاهم لله، وأمرهم بأن يلزموا سنته، وطريقته في العبادة. وقريب مــن هذا ما حصل لأحــد الصحابة، وهو كهمس الذي روى قصته فقال: أســلمت، فأتيت النبي ﷺالهلالي
عدد الصفحات ٤٠4( الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ، وقــد ضمرت، ونحلفأخرتــه بإســلامي، فمكثت حولا جســمي ، قلت: أنا كهمس الهلالي، قال: «تعرفني؟ قــال ، ولا ً، قلت: ما أفطــرت بعدك نهارا« «نمت ليلاً، فقال « قلت: زدني، قالالصبر، ومن كل شــهر يوماً ، قلت: زدني، أجد قوة، قال: الصبر، ومن كل شــهر يوم .(((« ومن الخلل في التصورات مــا يكون متعلقاً بموازين تقويم الأشــخاص، والنظرة إليهم، وقــد كان النبي ﷺ حريصاً على تصحيح ذلك وبيانه؛ ففي صحيح البخاري، عن سهل بن سعد «الســاعدي، أنه قال: مرَّ رجلٌ على رســولِ اللهِ ﷺ، فقالَ ، قالوا: حريٌّ إنْ خطبَ أنْ ينكحَ، وإنْ شفعَ أنْ تقولونَ في هذا؟ يشفّعَ، وإنْ قالَ أنْ يستمعَ، قالَ: ثمَّ سكتَ، فمرَّ رجلٌ منْ فقراءِ قالوا: حريٌّ إنْ خطبَ «المســلمينَ، فقالَ ْ لا يشفّعَ، وإنْ قالَ أنْ لا يستمعَ، فقالَ أنْ لا ينكحَ، وإنْ شفعَ أن .(2(»الأرضِ مثلَ هذا « :ﷺِ رسولُ الله )، وهو في السلســلة الصحيحة برقم 239/7 رواه البخاري في التاريخ ((( (.2623( )، قال ابن حجر: قالَ الكرمــانيُّ: إنْ كانَ الأوّلُ كافراً 6447 البخــاري (2( ِ ﷺ بالوحيِ. فتح فوجههُ ظاهــرٌ، وإلاّ فيكونُ ذلكَ معلوماً لرســولِ الله ). 32/9(
عدد الصفحات ٤١42 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ، فقالَ رجلٌ وفي روايــة ابن ماجة: مرَّ على رســولِ اللهِ ﷺ ، قالوا: رأيكَ في هذا « :النّبيُّ ﷺ ، هذا حريٌّ إنْ خطبَ أنْ يخطّبَ، نقولُ: هذا منْ أشرفِ النّاسِ وإنْ شفعَ أنْ يشفّعَ، وإنْ قالَ أنْ يسمعَ لقولهِ، فسكتَ النّبيُّ ﷺ، ، قالوا: « :ومرَّ رجلٌ آخرُ، فقالَ النّبيُّ ﷺ ، هذا حريٌّ إنْ : هذا منْ فقراءِ المسلمينَِ الله ِ يا رسولَ ِ الله نقولُ و خطبَ لمْ ينكحْ، وإنْ شفعَ لا يشفّعْ، وإنْ قالَ لا يسمعْ لقولهِ، .(((« :فقالَ النّبيُّ ﷺ - معالجة الخطأ بالموعظة، وتكرار التخويف: 5 ، أن رسول الله ﷺ بعثَعن جندب بن عبد الله البجلي بعثاً منْ المســلمينَ إلى قومٍ منْ المشركينَ، وإنهّمْ التقوا، فكانَ رجلٌ منْ المشركينَ إذا شــاءَ أنْ يقصدَ إلى رجلٍ منْ المسلمينَ قصدَ لــهُ، فقتلهُ، وإنَّ رجلاً منْ المســلمينَ قصدَ غفلتهُ، قالَ: وكنّا نحدّثُ أنّهُ أســامةُ بنُ زيدٍ، فلماّ رفعَ عليهِ السّيفَ قالَ: لا إلهَ إلاّ الله، فقتلهُ، فجاءَ البشــيرُ إلى النّبيِّ ﷺ، فسألهُ، فأخرهُ، حتّى أخرهُ خرَ الرّجلِ، كيفَ صنعَ، فدعاهُ، فســألهُ، فقالَ: ، قالَ: يا رسولَ الله أوجعَ في المسلمينَ، وقتلَ فلاناً « وفلاناً، وســمّى لهُ نفراً، وإنيّ حملتُ عليهِ، فلماّ رأى السّــيفَ )، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.4(20 سنن ابن ماجة (((
عدد الصفحات ٤٢43 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ،، قالَ: نعمْ « :قالَ: لا إلهَ إلاّ اللهُ، قالَ رســولُ اللهِ ﷺ ، «قالَ «ِ؛ اســتغفرْ لي، قالَ قالَ: يا رســولَ الله ، قالَ: فجعلَ لا يزيدهُ على أنْ إلاّ اللهُ إذا جــاءتْ يومَ القيامةِ؟ .(((«يقولَ ِ ﷺ قال: بعثنا رســولُ الله وفي رواية أســامة بن زيد ، فصبّحنــا الحرقاتِ منْ جهينــةَ، فأدركتُ رجلاً، في سريّةٍ فقــالَ: لا إلــهَ إلاّ اللهُ، فطعنتهُ، فوقعَ في نفــسي منْ ذلكَ، « :ِ ﷺ فذكرتهُ للنّبــيِّ ﷺ، فقالَ رســولُ الله ِ؛ إنّما قالها خوفاً منْ ، قالَ: قلتُ: يا رســولَ الله ، وقتلتهُ؟ اللهُ «السّــلاحِ ، قالَ .(2(، فما زالَ يكرّرها عليَّ حتّى تمنّيتُ أنيّ أسلمتُ يومئذٍ لا؟ ومما يدخل في مواجهة الخطأ بالموعظة: التذكير بقدرة الله، وهذا مثال: روى مسلم -رحمه الله- عن أبي مسعود البدري، قال: كنتُ «أضربُ غلاماً لي بالسّوطِ، فسمعتُ صوتاً منْ خلفي ، فلمْ أفهمْ الصّوتَ منْ الغضبِ، قالَ: فلماّ دنا منّي إذا مسعودٍ «ِ ﷺ، فإذا هوَ يقولُ هوَ رســولُ الله (.97 رواه مسلم ((( (.69 رواه مسلم (2(
عدد الصفحات ٤٣44 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس «، قالَ: فألقيتُ السّوطَ منْ يدي، فقالَ مسعودٍ ، قالَ: فقلتُ: لا أضربُ أنَّ اللهَ أقدرُ عليكَ منكَ على هذا الغلامِ مملوكاً بعدهُ أبداً. وفي رواية: فقلتُ يا رســولَ اللهِ هوَ حرٌّ لوجهِ .«اللهِ، فقالَ ِ لله أقدرُ « :ﷺوفي رواية لمسلم أيضاً؛ فقال رسول الله .((( ، قالَ: فأعتقهُ عليكَ منكَ عليهِ وفي روايــة عنه قــال: كنتُ أضربُ مملوكاً لي، فســمعتُ ، «قائلاً منْ خلفي يقولُ «، فقالَﷺِ فالتفتُّ، فإذا أنا برســولِ الله .(2(، قالَ أبو مسعودٍ: فما ضربتُ مملوكاً لي بعدَ ذلكَ عليهِ - إظهار الرحمة بالمخطئ:6 وهذا يكون في حال من يســتحق ممن عظم ندمه، واشــتد أســفه، وظهرت توبته مثلما يقع أحياناً من بعض المستفتين كما في مثل هذه قصة: أن رجلاً أتــى النبي ﷺ قد ظاهر من عن ابن عباس امرأته، فوقع عليها، فقال: يا رســول الله، إني قد ظاهرت من «زوجتي، فوقعت عليها قبــل أن أكفّرَ، فقال (.659 صحيح مسلم ((( )، قال أبو عيســى: هذا حديث حســن صحيح. 948 رواه الترمذي (2( وصححه الألباني في صحيح الترمذي
عدد الصفحات ٤٤45 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ، قــال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قالذلك يرحمك ا .(((فلا تقربها، حتى تفعل ما أمرك الله به قال: بينما نحنُ جلوسٌ عندَ النّبيِّ ﷺ وعن أبي هريرة ، «، فقالَ: يا رســولَ اللهِ هلكتُ، قالَ إذْ جاءهُ رجلٌ : ِ ﷺ قــالَ: وقعتُ على امرأتي، وأنا صائمٌ، فقالَ رســولُ الله «، قالَ قالَ: لا « «، قالَ: لا، فقالَ تصومَ شــهرينِ متتابعينِ؟ ، قالَ: لا، قالَ: فمكثَ النّبــيُّ ﷺ، فبينا ســتّينَ مســكيناً؟ ، (2(، والعرقُ المكتلُ بعرقٍ فيها تمرٌ على ذلــكَ أتيَ النّبيُّ ﷺ نحنُ فقالَ: أنا، قالَ: خذها، فتصدّقْ بهِ، فقالَ «قالَ ِ ما بينَ لابتيها -يريدُ ِ؟ فوالله الرّجلُ: أعلى أفقرَ منّي يا رسولَ الله حتّى الحرّتينِ- أهلُ بيتٍ أفقرُ منْ أهلِ بيتي، فضحكَ النّبيُّ ﷺ، . (3(«بدتْ أنيابهُ، ثمَّ قالَ إن هذا المستفتي المخطئ لم يكن هازلا، ولا مستخفاً بالأمر؛ بل إن تأنيبه نفســه، وشعوره بخطئه واضح من قوله: هلكت، ولذلك استحق الرحمة، ورواية أحمد -رحمه الله- فيها مزيد من التوضيح لحال الرجل عند مجيئه مســتفتياً: فعن أبي هريرة )، قال أبو عيســى: هذا حديث حســن غريب 99 ســنن الترمذي ((( صحيح، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. وهو الزنبيل الكبير. (2( .((((()، ومسلم936 رواه البخاري (3(
عدد الصفحات ٤٥46 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس أنَّ أعرابيّاً جاءَ يلطمُ وجههُ، وينتفُ شــعرهُ، ويقولُ: ما أرا ، قالَ: « :إلاّ قدْ هلكتُ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، «، قالَأصبتُ أهلي في رمضــانَ ، قالَ: «قالَ: لا، قالَ ، قالَ: لا، وذكرَ «لا، قالَ بزنبيلٍ-وهوَ المكتلُ- فيهِ ِ ﷺ الحاجــةَ، قالَ: فأتيَ رســولُ الله ، « :، أحسبهُ تمراً، قالَ النّبيُّ ﷺ خمسةَ عشرَ صاعاً ِ ما بينَ لابتيها أحدٌ أحوجُ ، قالَ: يا رسولَ الله «قالَ ِ ﷺ، حتّى بدتْ أنيابهُ، منّا أهلُ بيتٍ، قالَ: فضحكَ رسولُ الله . (((«قالَ - عدم التسرع في التخطئة:7 قصة رواها بنفســه، فقال: سمعتُوقد حدثت لعمر هشــامَ بنَ حكيمِ بنِ حزامٍ يقرأُ سورةَ الفرقانِ في حياةِ رسولِ ِ ﷺ، فاستمعتُ لقراءتهِ، فإذا هوَ يقرأُ على حروفٍ كثيرةٍ لمْ الله ِ ﷺ، فكدتُ أساورهُ في الصّلاةِ، فتصرّتُ، يقرئنيها رسولُ الله حتّى ســلّمَ، فلبّبتهُ بردائهِ، فقلتُ: منْ أقرأكَ هذهِ السّورةَ الّتي ِ ﷺ، فقلتُ:كذبتَ؛ ســمعتكَ تقرأُ؟ قالَ: أقرأنيها رسولُ الله ِ ﷺ قدْ أقرأنيها على غيرِ ما قرأتَ، فانطلقتُ بهِ فإنَّ رسولَ الله ِ ﷺ، فقلتُ: إنيّ سمعتُ هذا يقرأُ بسورةِ أقودهُ إلى رســولِ الله )، وقال شعيب الأرنؤوط: صحيح، وهذا إسناد حسن.0688 المسند (((
عدد الصفحات ٤٦47 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس «الفرقانِ على حروفٍ لمْ تقرئنيها، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فقرأَ عليهِ القراءةَ الّتي سمعتهُ يقرأُ، فقالَ رسولُ اقرأْ يا هشامُ ، فقرأتُ «ثمَّ قالَ «ِ ﷺ الله «:ِ ﷺ القراءةَ الّتي أقرأني، فقالَ رســولُ الله .(((هذا القرآنَ أنزلَ على سبعةِ أحرفٍ، فاقرءوا ما تيسرَّ منهُ ومن الفوائد التربوية في هذه القصة ما يلي: - أمر كل واحد منهما أن يقرأ أمام الآخر مع تصويبه أبلغ في تقرير صوابهما، وعدم خطأ أيّ منهما. فيه تهيئة «- أمر النبي ﷺ عمر بإطلاق هشام بقوله الخصمين للاســتماع، وهما في حال الهدوء، وفيه إشارة إلى . استعجال عمر - عــلى طالب العلم أن لا يســتعجل بتخطئة من حكي قولاً يخالــف ما يعرفه، إلا بعد التثبــت، فربما يكون ذلك القول قولاً معتراً من أقوال أهل العلم. ومما يتعلق بهذا الموضوع أيضــاً: عدم التسرع في العقوبة، وفي القصة التالية شاهد: روى النسائي -رحمه الله- عن عبّادِ قال: قدمتُ معَ عمومتــي المدينةَ، فدخلتُ بــن شرحبيلَ حائطاً منْ حيطانها، ففركتُ منْ سنبلهِ، فجاءَ صاحبُ الحائطِ، ، أستعدي عليهِﷺفأخذَ كسائي، وضربني، فأتيتُ رسولَ اللهِ (.8(8)، ومسلم4992 رواه البخاري (((
عدد الصفحات ٤٧48 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ،«فأرســلَ إلى الرّجلِ، فجاءوا بهِ، فقالَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنّهُ دخلَ حائطي، فأخذَ منْ سنبلهِ، ففركهُ، ، ولا أطعمتهُ إذْ « :ﷺِ فقالَ رسولُ الله ، بوسقٍﷺِ ، وأمرَ لي رسولُ الله كانَ جائعاً، ارددْ عليهِ كساءهُ . (((أوْ نصفِ وسقٍ يســتفاد من هــذه القصــة أن معرفة ظــروف المخطئ، أو المتعدى يوجه إلى الطريقة السليمة في التعامل معه. لم يعاقب صاحب البستان؛ ﷺ وكذلك يلاحظ أن النبي لأنه صاحب حق، وإنما خطّأه في أســلوبه، ونبّهه بأن تصرفه مع من يجهل لم يكن بالتصرف الســليم في مثل ذلك الموقف، ثم أرشــده إلى التصرف الصحيح، وأمره بــرد ما أخذه من ثياب الجائع. - الهدوء في التعامل مع المخطئ: 8 وخصوصــاً عندما يؤدي القيام عليه، والاشــتداد في نهيه إلى توســيع نطاق المفســدة، ويمكن أن نتبين ذلك من خلال لخطأ الأعرابي الذي بال في المسجد، كما جاء ﷺمواجهة النبي ، قال: بينما نحنُ في المســجدِ معَ رسولِ عن أنس بن مالك ، إذْ جاءَ أعرابيٌّ، فقامَ يبولُ في المسجدِ، فقالَ أصحابُ ﷺِ الله ، « :ﷺِ ، مه، قالَ: قالَ رسولُ الله : مهْﷺِ رسولِ الله )، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي.5409 سنن النسائي ((( إما المتعدي أو المعتدي
عدد الصفحات ٤٨