المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس

محمد صالح المنجد

صفحة ٢ من ٧

(7 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهووعن ابن عمر « :ﷺيحلف بأبيه، فناداهم رسول الله .(((بآبائكم، فمن كان حالفاً، فليحلف بالله، وإلا فليصمتْ قوم ﷺوعن أبي شريح هانيء بن يزيد، قال: وفد على النبي ، «فسمعهم يســمّون رجلاً عبد الحجر، فقال له . (2(« :ﷺقال: عبد الحجر، فقال له رسول الله - اعتبار موقع الشخص الذي يقوم بتصويب الخطأ: 5 فبعض الناس يتقبل منهم ما لا يتقبل من غيرهم؛ لأن لهم مكانة ليســت لغيرهم، أو لأن لهم سلطة على المخطئ ليست لغيرهــم، ومن أمثلة هذا الأب مع ابنه، والمدرس مع تلميذه، والمحتســب مع من ينكر عليه، فليــس الكبير كالصغير، ولا القريــب كالغريب، وليس صاحب الســلطان كمن ليس له ســلطة، والإدراك لهذه الفروق يؤدي بالـــمصلح إلى وضع الأمــور في نصابها، وتقديــر الأمور حق قدرهــا، فلا يؤدي (.3(05)، ومسلم6(08 رواه البخاري ((( ): حدثنا وكيــع، حدثنا 5222 فائــدة: روى الإمام أحمــد في مســنده الأعمش، عن ســعد بن عبيدة، قال : كنت مع ابن عمر في حلقةٍ، ســمع رجلاً في حلقة أخرى، وهو يقول: لا وأبي، فرماه ابن عمر بالحصى، وقال: . «إنها كانت يمين عمر، فنهاه النبي ﷺ عنها، وقال )، وقال الألباني في صحيح الأدب 8(3 رواه البخاري في الأدب المفــرد (2( المفرد: صحيح

عدد الصفحات ١٧

(8 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ، أو خطأ أعظم، ومكانةإنــكاره أو تصحيحه إلى منكر أكــر المنكر وهيبتــه في نفس المخطئ مهمة في تقدير درجة الإنكار، وضبط معيار الشدة واللين، ومن هذا نستفيد أمرين: الأول: أن على من آتاه الله مكانة أو سلطاناً أن يسخّر ذلك في الأمــر بالمعروف، والنهي عن المنكــر، وتعليم الخلق، وأن يدرك أن مســؤوليته عظيمة؛ لأن النــاس يتقبلون منه أكثر مما يتقبلون من غيره -غالباً- ويتمكن مما لا يتمكن منه الآخرون. ثانياً: أن على الآمر الناهي أن لا يسيء التقدير؛ فيضع نفسه في موضع أعلى مما هو عليه، ويتصرف بصفات شــخصيةٍ لا يملكها؛ لأن ذلك يؤدي إلى النفور والصدّ. وقد كان النبي ﷺ يستفيد مما أعطاه الله من المكانة والمهابة بين الخلق في إنكاره وتعليمه، وربما أتى بشيء لو فعله غيره ما وقع الموقع المناسب، وفيما يلي مثال على ذلك: عن يعيشَ بن طهفةَ الغفاري، عن أبيه، قال: ضفت رسول في الليل الله ﷺ فيمن تضيفه من المساكين، فخرج رسول الله ﷺ يتعاهد ضيفه، فــرآني منبطحاً على بطنــي، فركضني برجله، «وقال «، وفي رواية: فركضه برجلــه فأيقظه، فقالعزوجــل .(((ضجعةُ أهل النار )، وصححــه الألباني في 245-244/(4 رواه أحمــد : الفتح الربــا ((( (.4035صحيح الجامع

عدد الصفحات ١٨

(9 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس بهذه الطريقة مناســباً لحاله ومكانته،ﷺوإذا كان إنــكاره فإنه ليس بمناسب لآحاد الناس، ولا يصلح لأي شخص يريد أن ينكر على آخر نومه عــلى بطنه أن يركضه برجله، وهو نائم، . (((فيوقظه، ثم يتوقع أن يقبل منه، ويشكره وقريب من هــذا: ضرب المخطئ، أو رميه بــشيء؛ كالحصى ونحوه، وقد ((( فعل ذلك بعض الســلف، وكل ذلك يعود إلى مكانة المنكر، وفيما يلي بعض القصص: روى الدارمي -رحمه الله- عن ســليمان بن يسار له: صبيغٌ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابهِ القرآن، فأرسل إليه عمر، وقد أعد له عراجينَ النخل، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجينَ فضربه، وقال: أنا عبد الله عمر، فجعل له ضرباً حتى دميَ رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في (.46 رقم5(/(رأ ) عن ابن أبي ليلى قــال5632 وروى البخــاري فاستســقى، فأتاه دهقانٌ بقدح فضة، فرماه به، فقــال: إني لم أرمه إلا أني نهيته، فلــم ينته، وإن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة، وقال وفي رواية أحمــد للقصة عن عبد الرحمن بن أبي ليــلى، قال حذيفة إلى بعض هذا السّوادِ، فاستسقى، فأتاه دهقان بإناء من فضة، قال: فرماه به في وجهه، قال: قلنا: اسكتوا، اســكتوا، وإنا إن سألناه لم يحدثنا، قال: فسكتنا، قال: فلما كان بعد ذلك، قال: أتدرون لم رميت به في وجهه؟ «قال: قلنا لا، قال: إني كنت نهيته، قال: فذكر النبي ﷺ قال آنية الذهب، ولا تلبســوا الحرير ولا الديباج؛ فإنهما لهم في الدنيا، ولكم في (.396/5 المسندالآخرة ) أن سيرين سأل أنساً المكاتبة، وكان كثير 5(/3 وروى البخاري معلقا ، فقال: كاتبه، فأبى، فضربه بالدرة، ويتلو المال، فأبى، فانطلق إلى عمر ). 84/5عمر=

عدد الصفحات ١٩

20 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس عــلى بعض خواصﷺونلاحــظ أيضــاً أن إنكار النبي أصحابه كان أحياناً أشد منه على أعرابي مثلاً، أو غريب، وكل هذا من الحكمة، وتقدير الحال في الإنكار. ســعيد الخدري أنه كان يصلي، فإذا بابن لمروان أبي وروى النســائي عن يمر بين يديه، فدرأهُ، فلــم يرجع، فضربه، فخرج الغلام يبكي، حتى أتى مــروان، فأخره، فقال مروان لأبي ســعيد: لم ضربت ابــن أخيك؟ قال: ما ضربته إنما ضربت الشــيطان، سمعت رســول الله ﷺ يقول أحدكم في صلاة، فأراد إنســان يمر بين يديه فيدرؤهُ ما استطاع، فإن أبى )، وصححه 6(/8فليقاتلهُ ؛ فإنه شيطان (.45(8الألباني في صحيح النسائي برقم وروى أحمد -رحمه الله- عن أبي الن رجلــه، فدخل عليه أخوه، وقد جعل إحــدى رجليه على الأخرى، وهو مضطجع، فضربه بيده عــلى رجله الوجعةِ، فأوجعه، فقال: أوجعتني، أو لم تعلــم أن رجلي وجعة؟ قال: بلى، قال: فــما حملكَ على ذلك؟ قال: أو لم ). 42/3تسمع أن النبي ﷺ قد نهى عن هذه وروى مالك عن أبي الزبير المكي أن رجلاً خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت (أي زنت)، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فضربه، أو كاد يضربه، ). وقوله553ثم قال: مالك وللخر. موطأ مالك ما غرضك بإخبار الخاطب بأمر زناها؟ الزرقاني، هامش الموطأ. وروى مسلم في صحيحه، عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالساً في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رســول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى، ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفــا من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك تحــدث بمثل هذا، قال: عمر لا نترك كتاب الله وســنة نبينــا ﷺ لقول امرأة؛ لا نــدري لعلها حفظت أو ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ )نســيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عزَّ وجلَّ (.480م. صحيح مسلم رق(ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ =

عدد الصفحات ٢٠

2( الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - التفريق بين المخطئ الجاهل، والمخطئ عن علم6 ومن القصــص الواضحة في هذا ما حــدث لمعاوية بن لما جاء إلى المدينة مــن البادية، ولم يكن الحكم الســلمي يدري عن تحريم الــكلام في الصلاة، قالَ إذْ عطسَ رجلٌ منْ القومِ، فقلتُ يرحمكَ اللهُ، رسولِ اللهِ ﷺ، فرمــاني القومُ بأبصارهــمْ، فقلتُ: واثكلَ أمّياهْ، ما شــأنكمْ تنظــرونَ إليَّ، فجعلوا يضربونَ بأيديهمْ عــلى أفخاذهمْ، فلماّ ِ ﷺ ، فلماّ صلىّ رسولُ الله (((رأيتهمْ يصمّتونني لكنّي ســكتُّ ، ولا بعدهُ أحســنَ تعليماً فبأبي هوَ وأمّي، ما رأيتُ معلّماً قبلهُ «، ولا ضربني، ولا شــتمني، قالَ(2(ِِ ما كهر منــهُ، فوالله هــذهِ الصّلاةَ لا يصلحُ فيهــا شيءٌ منْ كلامِ النّــاسِ، إنّما هوَ .(3(التّسبيحُ، والتّكبيرُ، وقراءةُ القرآنِ فالجاهــل يحتــاج إلى تعليم، وصاحب الشــبهة يحتاج إلى والغافل يحتــاج إلى تذكير، والمصرّ يحتــاج إلى وعظ، بيــان، فلا يسوغ أن يسوى بين العالم بالحكم، والجاهل به في المعاملة والإنكار، بل إن الشدة على الجاهل كثيراً ما تحمله على النفور، ورفض الانقياد، بخلاف ما لو علّمــه أولا بالحكمة واللين؛ لأن الجاهل عند نفسه لا يرى أنه مخطئ، فلسان حاله يقول لمن ينكر عليه: أفلا علمتني قبل أن تهاجمني. أي أوشكت أن أرد عليهم ، لكني تمالكت نفسي، ولزمت السكوت. ((( أي زجرني وعبس في وجهي . (2( . )537 صحيح مسلم (3( هــي بينــما؟

عدد الصفحات ٢١

22 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس بل قد يظنوقد يجانب المخطئ الصواب، وهو لا يشــعر، نفســه مصيباً؛ فيراعى لأجل ذلك، جاء في مسند الإمام أحمد ، أكلَ طعاماً -رحمه الله- عنِ المغيرةِ بنِ شعبةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ثمَّ أقيمتْ الصّلاةُ، فقامَ، وقدْ كانَ توضّأَ قبلَ ذلكَ، فأتيتهُ بماءٍ؛ ِِ ذلكَ، ثمَّ ليتوضّأَ منهُ، فانتهرني، وقالَ: وراءكَ، فســاءني والله ِ إنَّ المغيرةَ قدْ صلىّ، فشــكوتُ ذلكَ إلى عمرَ، فقالَ: يا نبيَّ الله شقَّ عليهِ انتهاركَ إيّاهُ، وخشيَ أنْ يكونَ في نفسكَ عليهِ شيءٌ، ، ولكنْ أتاني « :فقالَ النّبيُّ ﷺ بماءٍ لأتوضّأَ، وإنّما أكلــتُ طعاماً، ولوْ فعلتهُ فعلَ ذلكَ النّاسُ .(((بعدي ويلاحــظ هنا أن تخطئــة النبي ﷺ لمثل هــؤلاء الصحابة الأجلاء لم تكن لتؤثر في نفوســهم تأثيراً سلبياً، فتحملهم على كره أو نفور، بل إنهــا كانت تؤثر في نفوســهم تأثيراً إيجابياً، فيبقى الواحد منهم بعد تخطئته من النبي ﷺ وجلاً، مشــفقاً، متهماً نفســه، يعيش في حرج عظيم لا يسري عنه إلا أن يتأكد من رضا رسول الله ﷺ عنه. ويلاحظ في هذه القصة كذلك أن تخطئة النبي ﷺ للمغيرة لم تكن غضباً من شخص المغيرة؛ ولكن شفقة على الناس، وتبييناً لهم حتى لا يظنوا ما ليس بواجب واجباً؛ فيقعوا في الحرج. )، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.253/4 المسند (((

عدد الصفحات ٢٢

23 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس إن موقــع المربي والقدوة في نفــس أصحابه كبير وعظيم، ولومه لبعضهــم، أو تخطئته تقع بموقــع، وقد يلاحظ المربيّ مصلحة أشــخاص آخرين في إنكاره عــلى أحد أصحابه من أجل المنفعة العامــة، ولكن هذا لا يعني ترك الأثر الســلبي الخاص باقياً؛ بل يمكن تداركه، ومحو أثره بطرق منها: المعاتبة من قبل التابع، ولو بطريق واســطة، كما فعل المغيرة بتوسيط ، وفي المقابل: إيضاح الموقــف، والتأكيد على مكانة عمــر التابع، وحسن الظن به من قبل القدوة والمربي. - التفريق بين الخطأ الناتج عن اجتهاد صاحبه ، وبين 7 خطأ العمد ، والغفلة ، والتقص ولا شــكَّ أن الأول ليس بملوم؛ بل إنه يؤجر أجراً واحداً «إذا أخلص واجتهد؛ لقوله ﷺ .(((أصابَ؛ فلهُ أجرانِ، وإذا حكمَ، فاجتهدَ ، ثمَّ أخطأَ، فلهُ أجرٌ وهذا بخلاف المخطئ عن عمد وتقصير، فلا يســتويان، فالأول يعلّم، ويناصح، بخــلاف الثاني، فإنه يوعظ، وينكر عليه. ويجب أن يكــون الاجتهاد الذي يعذر به صاحبه اجتهاداً ســائغاً من شخص مؤهل، بخلاف من يفتي بغير علم، أو لا (.3240)، ومسلم6805 رواه البخاري (((

عدد الصفحات ٢٣

24 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس على المخطئﷺيراعي الأحوال، ولذلك اشتد إنكار النبي في قصة صاحب الشجّة، فقد روى أبو داود في سننه عنْ جابرٍ قالَ: خرجنا في ســفرٍ، فأصابَ رجلاً منّا حجرٌ، فشــجّهُ في رأسهِ، ثمَّ احتلمَ، فسألَ أصحابهُ، فقالَ: هلْ تجدونَ لي رخصةً في التّيمّمِ؟ فقالوا، ما نجدُ لكَ رخصةً، وأنتَ تقدرُ على الماءِ، ، فقالَ: أخرَ بذلكَ ﷺفاغتسلَ، فماتَ، فلماّ قدمنا على النّبيِّ « .(((السّؤالُ «أخرﷺ وكذلك فإن النبــي الجنّةِ، واثنــانِ في النّارِ، فأمّا الّذي في الجنّةِ، فرجلٌ عرفَ الحقَّ، فقضى بهِ، ورجلٌ عرفَ الحقَّ، فجــارَ في الحكمِ، فهوَ في النّارِ، ، فلم يعتر هذا (2(ورجــلٌ قضى للنّاسِ على جهلٍ فهوَ في النّارِ الثالث معذوراً. ومن الأمور التي تضبط درجــة إنكار الخطأ: مراعاة البيئة التي حصل فيها الخطأ، مثل انتشار السنة، أو البدعة، وكذلك مدى استشراء المنكر، أو وجود من يفتي بجوازه من الجهلة، أو المتساهلين ممن يراهم الناس شيئاً. ) كتاب الطهــارة، باب المجروح يتيمم، وحســنه 336 ســنن أبي داود ((( الألباني في صحيح أبي داود. (.2(64)، وصححه الألباني في الإرواء3573 سنن أبي داود (2(

عدد الصفحات ٢٤

25 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - إرادة المخطئ للخير لا تمنع من الإنكار عليه8 عــن عمرو بن يحيى، قال: ســمعت أبي يحــدث عن أبيه قال: كنــا نجلس على بــاب عبد الله بن مســعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشــينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أرَ- والحمد لله- إلا خيراً، قال : فما هو؟ فقال: إن عشــت فســتراه، قال: رأيت في المســجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجــل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كروا مائة فيكرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: ســبحوا مائة، فيســبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شــيئاً انتظار رأيك، وانتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا ســيئاتهم، وضمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟ ثم مضى، ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الــذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعدُّ به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم ﷺيا أمة محمــد ما أسرع هلكتكــمْ، هؤلاء صحابــة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبلْ، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده

عدد الصفحات ٢٥

26 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس ، أو مفتتحو بابﷺإنكم لعلى ملة هي أهدى من ملــة محمد ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبــد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: حدثنا أن ﷺوكــم من مريد للخير لن يصيبه، إن رســول الله قوماً يقرءون القــرآن لا يجاوز تراقيهمُ، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمةَ: رأينا عامة .(((أولئك الحلق يطاعنونا يوم النّهروانِ مع الخوارج - العدل وعدم المحاباة في التنبيه على الأخطاء:9 ، وقال](52[ (ﭨ ﭩ ﭪ)قال الله تعالى : ، ولم ]58[ (ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ) ، وابن حبه أن يشتد ﷺيمنع كون أســامة بن زيد حبَّ النبي عليه في الإنكار حينما حاول أن يشــفع في حدّ من حدود الله، أن قريشاً أهمّهمْ شأن المرأة التي سرقت فقد روت عائشة في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول ﷺفي عهد النبي ؟، فقالوا: ومن يجترئُ عليه إلا أسامة بن زيد؟، فتلوّنَ ﷺالله « فقالﷺوجه رسول الله فقال له أسامة: استغفر لي يا رســول الله، فلما كان العشي قام ، فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: ﷺرسول الله « )، وصحح الألباني إســناده في السلســلة2(0 رواه الدارمي في الســنن((( (.2005الصحيحة تحت حديث

عدد الصفحات ٢٦

27 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس الشريف تركــوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت .(((يدها، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها قالتوفي رواية للنسائي عن عائشة على ألســنة أناس-يعرفونَ، وهي لا تعــرف- حليّا فباعته، ، فسعى أهلها إلى أسامة ﷺوأخذت ثمنه، فأتي بها رسولُ الله ، ﷺ فيها، فتلوّن وجه رسول الله ﷺبن زيد، فكلم رسول الله « :ﷺوهو يكلمه، ثم قال له رســول الله ، فقال أســامة: اســتغفر لي يا رسول الله، ثم قام حدود الله؟ عشــيّتئذ، فأثنى على الله عزَّ وجلَّ بما هو أهله، ﷺرسول الله «ثم قال الشريف فيهم تركــوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، والذي نفــس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت .(2(لقطعت يدها، ثم قطع تلك المرأة دال على وموقفــه عليه الصلاة والســلام من أســامة عدله، وأن الشرع عنده فوق محبة الأشــخاص، والإنسان قد يســامح من يريد في الخطأ على شــخصه، ولكن لا يملك أن يسامح أو يحابي من يخطئ على الشرع. (.688 الحديث في الصحيحين، وهذا لفظ مسلم، رقم ((( )، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم 73/8 سنن النسائي (2( .(4548( بالاقواس عم دوخ انا مو معقول حط قوسين بنهاية القول »»

عدد الصفحات ٢٧

28 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس وبعــض الناس إذا أخطأ قريبه أو صاحبــه لم يكن إنكاره عليه مثل إنــكاره على من لا يعرفه، وربــما ظهر تحيز، وتمييز غير شرعي في المعاملة بســبب ذلك، بل ربما تغاضى عن خطأ صاحبه، وشدد في خطأ غيره. وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا وهذا ينعكس على تفســير الأفعال أيضاً، فقد يصدر الفعل من شخص محبوب فيحمل على محمل، ويصدر مثله من شخص آخر، فيحمل على محمل آخر. وكل ما سبق مقيد بما إذا استوت الأحوال، وإلا فقد يكون هناك تفاوت في الاعتبارات كما سيأتي ذكره. - الحذر من إصلاح خطأ يؤدي إلى خطأ أكبر:10 من المعلوم أن من قواعد الشريعة تحمل أدنى المفســدت لدرء أعلاهما، فقد يسكت الداعي عن خطأ؛ لئلا يؤدي الأمر إلى وقوع خطأ أعظم. عن المنافقين، ولم يقتلهم مع ثبوت ﷺلقد ســكت النبي كفرهم، وصر عــلى أذاهم؛ لئلا يقول النــاس: محمد يقتل ﷺ أصحابــه، خصوصاً مــع خفاء أمرهم، ولم يهــدم النبي الكعبة؛ ليبنيها على قواعد إبراهيم الخليل من أجل أن قريشاً

عدد الصفحات ٢٨

29 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس كانوا حديثي عهد بجاهلية، وخشي عليه الصلاة والسلام أن لا تحتمل ذلك عقولهم، وترك البنيان على ما فيه من النقص، والباب عــلى ارتفاعه، وإغلاقه عن العامــة، مع أن في ذلك مخالفة ما ينبغي أن يكون عليه الأمر. وقبل ذلك نهى الله تعالى عن ســب آلهــة المشركين مع أنه طاعة وقربة؛ إذا كان ذلك يؤدي إلى ســب الله عزوجل، وهو . (((أعظم منكر فقد يسكت الداعية عن منكر، أو يؤجل الإنكار، أو يغير الوسيلة إذا رأى في ذلك تلافياً لخطأ، أو منكر أكر، ولا يعتر ذلــك تقصيراً، ولا تخاذلاً ما دام صــادق النية لا يخاف في الله لومة لائم، وكان الذي منعه مصلحة الدين لا الخور والجبن. ومما يلاحظ أن من الأســباب المؤديــة إلى الوقوع في خطأ أكر عند إنكار خطأ ما: هو الحماس غير المنضبط بالحكمة. - إدراك الطبيعة التي نشأ عنها الخطأ:11 هناك بعــض الأخطاء التــي لا يمكن إزالتهــا بالكلية؛ لأمر يتعلق بأصل الخلقة، ولكــن يمكن تقليلها، والتخفيف منها؛ لأن التقويم النهائي يؤدي إلى كارثة، كما هو الشــأن في «المــرأة، قال ﷺ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ) قال تعــالى: ((( .](08[ (ﯘ

عدد الصفحات ٢٩

30 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس على طريقة، فإن اســتمتعتَ بها استمتعت بها، وبها عوج، وإن .(((ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها «وفي رواية ضلع، وإن أعــوج شيء في الضلع أعلاه، فــإن ذهبت تقيمه .(2(كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً كأن فيه «« قال ابن حجر -رحمه ا رمــزاً إلى التقويم برفق، بحيــث لا يبالغ فيه فيكسر، ولا يتركه وإلى هذا أشــارَ المؤلّفُ بإتباعهِ بالترّجمةِ ، فيســتمر على عوجه ، فيؤخذ منه أن )الّتــي بعدهُ (بابُ قوا أنفســكم وأهليكم نارا لا يتركها على الاعوجاج إذا تعدّت ما طبعت عليه من النقص إلى تعاطي المعصية بمباشرتهــا، أو ترك الواجب، وإنما المراد أن يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة. وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس، وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصر على عوجهن، وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشــه، فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلا .(3(بالصر عليها )، 468 رقــم)، ومســلم عن أبي هريرة 4786 رواه البخــاري ((( واللفظ لمسلم. متفق عليه. (2( .(254/9 الفتح (3(

عدد الصفحات ٣٠

3( الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - التفريق بين الخطأ في حق الشرع، والخطأ في حق12 الشخص فــإذا كان الدين أغــلى عندنا من ذواتنا وجــب علينا أن ننتصر له، ونحامي عنه، ونغضب له أكثر مما نغضب لأنفسنا، وننتصر لها، وإن من ضعف الحمية الدينية أن ترى الشــخص يغضب لنفســه إذا سبّه أحد، ولا يغضب لدين الله إذا اعتدى على جنابه أحد، أو تراه يدافع باستحياء وضعف. وقد كان النبي ﷺ يسامح من أخطأ عليه كثيراً، وخصوصاً جفاة الأعراب ؛ تأليفاً لقلوبهم، فقد جاء في صحيح البخاري كنتُ أمشي معَ « قــالَ-رحمــه الله- عنْ أنسِ بــنِ مالكٍ ﷺ، وعليهِ بردٌ نجرانيٌّ غليظُ الحاشــيةِ، فأدركهُ اللهِ رســولِ أعرابيٌّ، فجبذهُ بردائهِ جبذةً شــديدةً، حتّى نظرتُ إلى صفحةِ ، قدْ أثّرتْ بها حاشيةُ الردِ منْ شدّةِ جبذتهِ ِ ﷺ عاتقِ رسولِ الله ِ الّذي عندكَ، فالتفتَ إليهِ ثمَّ قالَ: يا محمّدُ مرْ لي منْ مــالِ الله .(((ِ ﷺ، ثمَّ ضحكَ، ثمَّ أمرَ لهُ بعطاءٍ رسولُ الله وأمــا إذا كان الخطأ على الدين، فإنه ﷺ كان يغضب لله تعالى، وستأتي أمثلة. وهناك أمور أخرى تحتاج إلى مراعاة في باب التعامل مع الأخطاء مثل: (.5362)، ومسلم5362 رواه البخاري (((

عدد الصفحات ٣١

32 الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس - التفريــق بين الخطــأ الكبير والخطأ الصغــير، وقد فرقت الشريعة بين الكبائر والصغائر. - التفريــق بين المخطــئ صاحب الســوابق في عمل الخير، والماضي الحسن -الذي يتلاشــى خطؤه، أو يكاد في بحر حســناته- وبين العاصي المسرف على نفسه، وكذلك فإن صاحب السوابق الحسنة يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره، ومما وقع للصدّيق في ذلك القصة التالية: عنْ أسماءَ بنتِ أبي ، حتّى إذا كنّا حجّاجاً بكرٍ قالتْ: خرجنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ ِ ﷺ، ونزلنا، فجلستْ عائشةُ بالعرجِ نزلَ رســولُ الله ِ ﷺ، وجلستُ إلى جنبِ أبي، وكانتْ إلى جنبِ رســولِ الله واحدةً معَ غلامٍ ِ ﷺ أبي بكرٍ، وزمالةُ رســولِ الله (((زمالةُ ، فجلــسَ أبو بكرٍ ينتظرُ أنْ يطلــعَ عليهِ، فطلعَ، لأبي بكرٍ وليسَ معهُ بعيرهُ، قالَ: أينَ بعيركَ، قالَ: أضللتهُ البارحةَ، قالَ: فقالَ أبو بكرٍ: بعيرٌ واحدٌ تضلّهُ، قالَ: فطفقَ يضربهُ، «، ويقولُ يتبسّمُ ِ ﷺ ورسولُ الله « على أنْ يقولَ ِ ﷺ ، فما يزيدُ رسولُ الله يصنعُ .(2(، ويتبسّمُ هذا المحرمِ ما يصنعُ - التفريــق بين من وقع منه الخطأ مــراراً، وبين من وقع فيه لأول مرة. دابة السفر. ((( )، وحســنه الألباني في صحيح ســنن أبي داود رقم 8(8 رواه أبو داود(2( .((602(

عدد الصفحات ٣٢