- 15 - ب: معنى الكراهة في كلام السّلف: جاءت الرواية عن ابن عمر، رض ي الله عنهما، في شأن المرابحة للآمر بالش راء بلفظ «فكرهه ونهى عنه » . وأكثر ما ترد الكراهة في كلام الس لف وأئم ة الفقهاء بمعنى التحريم، ولكن ه تحريم دون التحريم الذي يقولون فيه: حرام؛ وذلك : إم ا لأن هذا الت حريم ثبت بالاجتهاد ولا نص صريح ا فيه، وإم ا لأن هذا التحريم مم ا ثبت بدليل ظني الثبوت لا متواتر ا أو مستفيض ا. وهذا بخلاف ما عليه الأمر عند المتأخ رين من الفقهاء، حيث ي طلقون الكر اهة على ما تركه أولى ولا إثم في ف عله . عن الأعمش، قال: «ما سمعت إبراهيم يقول قط : حلال ولا حرام، إن ما كان يقول: كانوا يتكر هون، وكانوا يستحب ون »(1). وعنالإمام مالك قال: «لم يكن من أمر الن اس، ولا من مض ى من سلفنا، ولا أدري أحد ا أقتدي به يقول في ش يء : هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإن ما كانوا يقولون: نكره هذا ونرى هذا ح س ن ا، ونت قي هذا، ولا نرى هذا، ولا يقولون : حلال ولا حرام . أ م ا سمعت قول الله عز وجل : نَزَلََاللََََّلَكَمََ َ يَتَمََمَاَأ َ رَأ َ {َ َ َ َََ ََ َ َ َ َ َ َ ََ َََ َ َ ََ َ ََ مََعَلَََا َ ذَنََلَكَمََأ َ مَنََرَزَقََفَجَعَلَتَمََمَنَهََحَرَامَاَوَحَلََلَََقَلََآللََََّأ َ ََ ََ َ َ ََ َ َ ََ َ َ ََ َ َ ََ َ َ َ َ َ ََ َ َ ََ َ ََ َََ َ َ َ ََ َ َََ ََ للََََّتَفَتَََونَ َ ََ َ َ ََ َ [59] الحلال ما أحل ه الله ورسول ه، والحرام ما حر مه الله ورسول ه»(2) . قال ابن القي م: «غل ط كثير من المتأخ رين من أتباع الأئم ة على أئم تهم... حيث تور ع الأئم ة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخ رون الت حر يم عم ا أ طلق عليه الأئم ة الكراهة، ثم س ه ل عليهم لفظ الكراهة وخف ت مؤنته عليهم ، فحمله بعض هم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جد ا في تصرفاتهم ، فحصل بسببه غلط عظيم على الش ريعة وعلى الأئم ة»(3). وقال الشاطبي «أم ا كلام العلماء فإن هم وإن أطلقوا الكراهي ة في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهي ة التنزيه فقط، وإن ما هذا اصطلاح للمتأخ رين حين أرادوا أن يفر قوا بين القب يلين. فيطلقون لفظ الكراهي ة على كراهي ة التنزيه فقط، ويخص ون كراهي ة الت حريم بلفظ التحريم والمنع، وأ شباه ذلك. وأم ا المتقد مون من الس لف فإن هم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريح ا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام »(4). د: علّة المنع من المرابحة للآمر بالشراء في رواية ابن عمر: قال القنازعي: (ت410هـ: «إن ما كرهه ابن عمر ؛ لأن الذي اشترى البعير بعشرة وباعه باثنتي عشر إلى أجل إن ما أسلفه عشرة ليأخذ منه اثنتي عشر . فإن باعه منه بمثل ما ابتاعه به إلى أجل لم يكن به بأس، لأن ه (1) أخرجه الدارمي فيسننه (1/ 277). قال محققهحسين سليم أسد: إسناده صحيح. (2) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/ 1075). (3) إعلام الموقعين، لابن القيم (1/ 32)، وانظر هناك نقوله عن أئمة الفقه المثبتة لهذا الأمر (4) الاعتصام ، للشاطبي (2/ 537).
عدد الصفحات ١٦- 16 - أسلفه الثمن ولم يزد عليه شيئ ا»(1). أيأن العلة هي ش بهة ربا الن سيئة (الس لف بزيادة) . و قال الباجي: «فيها سلف بزيادة؛ لأن ه يبتاع له البعير بعشرة على أن يبيعه منه بعشرين إلى أجل، يتضم ن ذلك أن ه سل فه عشرة في عشرين إلى أجل»(2). وم م ا تجدر الإشارة إليه هنا أن ه صح عن ابن عمر وابن عب اس ، رض ي الله عنهم، الحكم على المرابحة المجر دة إذا كانت بالن سبة (بيع: ده يازده) بأن ها ربا(3) .وقول بعضهم بأن حكم هما هذا عليها يعود إلى عل ة الجهالة في الرب ح بسبب كونه نسبة من رأس المال لا مبلغ ا مقطوع ا ، مرجوح ؛ لسببين: أحدهما: أن الجهالة يسيرة تزول بأدنى حساب فلا ي عقل تعويل الص حابة على ذلك، ثم إن ه لا تتناسب هذه المفسدة اليسيرة مع هذا التشدي د المنقول عنهم في المسألة. والس بب الآخر : أن هما ح ك ما على هذا البيع بأن ه ربا، وهذا الحكم، في الظاهر، لا ينسجم مع الت عليل بالغرر والجهالة . و عليه فلعل الأولى أن ي عل ل ذلك بأن هذا البيع (المرابحة بنسبة) يكثر استخدامه ذريعة للر با، و لا سي ما إذا كان نسيئة، وأن هما لاحظا أن ه بهذه الص ورة مستعمل في زمانهم من ق ب ل أهل العينة وأ ك ل ة الر با للتوص ل به إلى الإقراض بفائدة عن طريق البيع ، كما هو في هذه الص ورة التي بين أيدينا: "ابتع لي هذا البعير بنقد حتى ابتاعه منك لأجل " التي نهى عنها ابن عمر، والله أعل م. وهذا هو مأخذ الإمام أحمد ، رحمه الله، في كراهة بيع المرابحة بالن سبة نسيئة ، فقد كرهه ؛ لأن ه ي ستعمل في الع ينة لا لعل ة ا لجهالة. قال أبو داود: «سمعت أحمد، س ئل عن الرجل يبيع المتاع فيجيئه الرجل يطلب المتاع ينسؤه، فيقول: أبيعك بده شازده وده داوزده؟ [أحمدفلا يعجبنا أن يكون بيعه هذا، هذا في العينة، قلت: ي قال لها: عينة، وإن لم يرجع إليه؟ قال: نعم»(4). ويبدو أن الإمام مالك ا يجعل هذ البيع (المرابحة للآمر بالش راء) ، بالإضافة إلى ما فيه من شبهة الر با، من باب بيعتين في بيعة؛ لأن ه أدرج رواية ابن عمر في موطئه تحت هذا الباب. قال ابن عبد البر: «هذا الحديث عند مالك فيه وجهان : أحدهما: العينة، وقد تقد م تفسيرها بمثل هذا الحديث عند مالك عن ابن شهاب وغيره . والثاني : أن ه من باب بيعتين في بيعة؛ لأنها صفقة جمعت بيعتين أصلها البيعة الأولى»(5). وقال الباجي: «قوله : "ابتع لي هذا البعير بنقد فبتاعه منه إلى أجل" أدخله في باب: بيعتين في بيعة، و لا يمتنع أن ي وصف بذلك من (1) تفسير الموطأ ، للقنازعي (1/ 470). (2) المنتقى، للباجي (5/ 38). (3) قال ابن حزم «روينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كره بيع "ده دوازده"، معناه أربحك للعشرة اثني عشر، وهو بيع المرابحة، وروينا عن ابن عباس أنه قال: هو ربا. ومن طريق وكيع، وعبد الرزاق، قالا جميعا: أنا سفيان الثوري عن عمار الدهني عن ابن أبي نعم عن ابن عمر أنه قال: بيع "ده دوازده" ربا. وقال عكرمة: هو حرام، وكر هه الحسن وكرهه مسروق وقال: بل أشتريه بكذا أو أبيعه بكذا » .المحل ى (7/ 500). (4) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني، ص263. (5) الاستذكار ، لابن عبد البر (6/ 449).
عدد الصفحات ١٧- 17 - جهة أن ه انعقد بينهما أن المبتاع للبعير بالن قد إن ما يشتريه على أن ه قد لزم م بتاعه بأجل بأكثر من ذلك الث من فصار قد انعقد بينهما عقد بيع تضم ن بيعتين، إحداهما: الأولى، وهي بالن قد، والثانية : المؤج لة»(1). ومم ا ي فهم من كلام بعض المعاصرين أن ه لا يصح ، ع د المرابحة للآمر بالش راء من باب بيعتين في بيعة إلا إذا كان الوعد فيها م لزم ا (2) على نحو ما أشار إليه الباجي في كلامه الآنف، وأيض ا ما قاله ابن العربي في مثل هذا البيع: «ولا يمكن تفسيره به [على الت صريح إلا إذا شارطه عليه، والتزم له ما يشتري . وأم ا إذا فاوضه فيه، وواعده عليه، فليس يكون حرام ا محض ا، ولكن ه من باب ش بهة الحرام، والذ ريعة به»(3). والذي يراه الباحث أن ذلك ليس بشرط؛ فالبيع المذكور : إم ا أن ي قال: إن ه ليس من باب بيعتين في بيعة بالكل ي ة، سواء أكان الوعد ملزم ا أم لا. و إم ا أن ي عد بيعتين في بيعة، بغض الن ظر عن لزوم الوعد وعدمه، لأن ه جرى التراوض والتواطؤ على البيعتين م قد م ا، ونتيجة لهذا التراوض ر بطت إحداهما بالأخرى ، وهذا الر بط كاف في عد هما بيعتين في بيعة، سواء أكان الارتباط بينهما وثيق ا إلى درجة الل زوم أم لا. أم ا اشتماله على بيعتين فظاهر (بيعة النقد وبيعة الأجل) ، وأم ا كونهما في بيعة واحدة ؛ فلأن هما عند المراوضة والمواعدة ق رنتا ببعض، وج علت إحداهما مفض ية إلى الأخرى ، ومستتبعة لها، ومتوق فة عليها، حتم ا (إذا قيل بلزوم الوعد)، أو في أغلب الظن (إذا قيل بأن الوعد غير لازم). فإن قيل: مجر د المراوضة والمواعدة ليس بيع ا، وعليه لا يصح وصف البيعتين بأن هما كان تا في بيعة واحدة، فهي ليست بيعة ، بل مجر د مراوضة و مواعدة غير ملزمة، في قال: بل ت سم ى المراوضة على البيع والمواعدة عليه بيع ا، على وجه المجاز، ولعل هذا هو مأخذ الإمام مالك في هذه المسألة. فإن ه فس ر البيع في الحديث: "لا يبع بعضكم على بيع بعض" بالمساومة. قال رحمه الله: «وتفسير قول رسول، صلى الله عليه وسلم، فيما نرى - والله أعلم -: "لا يبع بعضكم على بيع بعض"، أن ه إن ما نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه »(4) .وقال أبو جعفر الط حاوي: «قولهم: لا يكونان متبايعين إلا بعد أن يتعاقدا البيع ، وهما قبل ذلك متساومان غير متبايعين، فذلك إغفال منهم ل س عة اللغة، لأن ه قد يحتمل أن يكونا س م يا متبايعين، لقربهما من التبايع ، وإن لم يكونا تبايعا، وهذا موجود في اللغة، قد س م ي إسحاق أو إسماعيل، عليهما الس لام، ذبيح ا لقربه من الذ بح، وإن لم يكن ذ ب ح. فكذلك ي طلق على المتساومين اسم المتبايعين إذا ق ر با من البيع، وإن لم يكونا تبايعا. وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه "، وقال : "لا يبيع الرجل على بيع أخيه "، ومعناهما واحد »(5). (1) المنتقى، للباجي (5/ 38). (2) ينظربيع المرابحة للآمر بالشراء ، لعبد العظيم أبو زيد، ص108، والمرابحة للآمر بالشراء ، للصديق الضرير، مجللة المجمع الفقهي، العدد 5، ص745. (3) عارضة الأحوذي، لابن العربي (5/ 239 ). (4) اوطأ، لمالك (4/ 986). (5) شرح معاني الآثار ، للطحاوي (4/ 15).
عدد الصفحات ١٨- 18 - ولو س ل م بأن المراوضة و المواعدة غير الملزمة لا ت سم ى بيع ا، و لا ينطبق عليها حديث الن هي عن بيعتين في بيعة، فكذلك القول في المواعدة الملزمة هي ليست بيع ا ولا تترتب عليها أهم آثار البيع وهو انتقال الملكي ة، فالعل ة التي تمنع من عد الوعد الملزم بيع ا تمنع كذلك من عد الوعد غير الملزم بيع ا. فتفريق من فر ق بين الحالين لا وجه له ، والله أعلم. ج: عدم تناقض هذه الرواية مع ما روي عن ابن عمر من إجازته العينة: قد يقدح بعضهم في هذه الرواية عن ابن عمر، رض ي الله عنهما، من حيث المعنى بالقول: روي عن ابن عمر، رض ي الله عنهما، إباحة صورة العينة المشهورة، وهي: بيع الش يء إلى أجل ثم شراؤه نقد ا بأقل من الثمن الأول، وذلك فيما رواه ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر: «أن رجلا باع من رجل س ر ج ا ولم ينقد ثمنه ، فأراد صاحب الس رج الذي اشتراه أن يبيعه ، فأراد الذي باعه أن يأخذه بدون ما باعه منه، فسأل عن ذلك ابن عمر فلم ير به بأس ا، وقال ابن عمر: فلعل ه لو باعه من غيره باعه بذلك الث من أو أنقص»(1). فكيف يمنع ابن عمر المرابحة للآمر بالشراء ، ومع ذلك يجيز صورة العينة المشهورة، مع أن هذه الأخيرة أظهر في إفضائها إلى حقيقة الر با، وكونها ذريعة إليه. والجواب على ذلك من وجوه: أحدها: أن راوي الأثر عن مجاهد هو الليث بن أبي سليم، وهو ضعيف الحديث (2). والوجه الثاني : أن ه على فرض صح ة الرواية فابن عمر أجاز هذه الص ورة من العينة؛ لأن ها تخلو من المواطأة والمراوضة على إجراء البيع تين المتعاقبتين، وذلك ظاهر جد ا من خلال سياق الرواية، ومن تعبير الراوي فيها بفاء الاستئناف: «فأراد صاحب الس رج...فأراد الذي ب اعه...فسأل عن ذلك... » .وإذا خلت هذه المعاملة والعقود المتعاقبة من التواطؤ بين البائع والمشتري، فإن ه ينعدم فيها قصد التحي ل والوصول إلى الر با. وهذا هو ما ي حمل عليه قول من أجاز هذه الص ورة من العينة من فقهاء الس لف (3). ويؤك د هذا الأمر أن ابن عمر، رض ي الله عنهما، هو نفسه راوي حديث ذم العينة (4). أم ا المرابحة للآمر بالش راء فهي لا ت تصو ر إلا أن تكون عن تواطؤ (1) أخرجه عبد الرزاق فيالمصنف (8/ 187)، والبيهقي فيالسنن الكبر ى (5/ 541)، واللفظ له (2) ي نظر ميزان الاعتدال ، للذهبي (3/ 420.) (3) أخرج عبد الرزاقفي مصنفه (8/ 185) عن عمرو بن مسلم قال «سألت طاو وس ا عن رجل باع من رجل متاع ا، أيشتريه منه قبل أن ينقده؟ فقال: رخ ص فيه ناس، وكرهه ناس، وأنا أكرهه » وقال أبو داود في مسائل الإمام أحمد ، ص263 :«سمعت أحمد، س ئل عن رجل باع ثوب ا بنقد، ثم احتاج إليه يشتريه بنسيئة؟ قال: إذا لم ي رد بذلك الحيلة، قيل: لم يرد؟ فكأنه لم ير به بأس ا» .ف ق ي د "عدم إرادة التحي ل"، أي "التواطؤ المسبق" ، هو الذي ي حمل عليه قول من وردت عنه إجازة هذه الص ورة من العينة، بدء ا من زيد بن أرقم، رض ي الله عنه، الذي أنكرت عليه عائشة، رض ي الله عنها شراءه نسيئة عين ما باعه نقد ا، (بأكثر مم ا باعه)، وانتهاء بالإمام الشافعي الذي اشتهر عنه القول بجواز العينة. (4) وهو الحديث«إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد ، سل ط الله عليكم ذ لا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» .رواه أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي والبزار وغيرهممن ط ر ق عن ابن عمر، رض ي الله عنهما. صح ح أحدها ابن القطان، وابن تيمية، وابن القيم. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (3/ 48) :«قلت: وعندي أن إسناد الحديث الذي صح حه ابن القطان معلول ». قال أبو الفيض الغماري الحافظ فيالمداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (1/ 329): «صح حه ابن القطان، وتعق به
عدد الصفحات ١٩- 19 - وتراوض على إجراء بيعتين (شراء المصرف أو ثم بيعه للعميل ثاني ا)، فالتراوض والتواعد مكو ن جوهري فيها، وهذا التراوض ذريعة للوصول في المحص لة إلى مبادلة نقد بأكثر منه نسيئة، فاختلفت بذلك جوهري ا عن صورة العينة المذكورة التي أجازها ابن عمر. والوجه الثالث : قد ي قال: إن ابن عمر رأى أن طلب الر جل الس لعة مم ن ليست عنده، ووع د ه بشرائها إذا حصلت له، بمثابة العقد، وعليه نهى عن المرابحة للآمر بالشراء ؛ لأنها حينئذ ت صبح من باب بيع الإنسان ما ليس عنده. يشير إلى ذلك ما جاء عنه في قص ة أخرى عن مالك: «بلغ ه أن رجلا أراد أن يبتاع طعام ا من رجل إلى أجل، فذهب به الرجل ال ذي يريد أن يبيعه الط عام إلى الس وق، فجعل يريه الص ب ر، ويقول له: من أي ها تحب أن أبتاع لك؟ فقال المبتاع: أتبيعني ما ليس عندك؟ فأتيا عبد الله بن عمر فذكرا ذلك له، فقال عبد الله بن عمر للمبتاع: لا تبتع منه ما ليس عنده، وقال للبائع : لا تبع ما ليس عندك»(1). والظاهر من سياق هذه الرواية أن البائع لم يبع الطعام للمشتري قبل أن يتمل كه، وإن ما أراد أن يشتريه لنفسه بناء على طلب المشتري ثم يبيعه إليه بعد ذلك، ومع ذلك قال له ابن عمر: «لا تبع ما ليس عندك». ولكن روى ابن وهب هذه القص ة بسياق آخر يظهر منه أن البائع قد باع الس لعة قبل أن يتمل كها فقال: عن مالك قال: «بلغني أن رجلا سأل عبد الله بن عمر، فقال: إن ي ابتعت من رجل طعام ا، فلم ا جئت ليوف يني إذا هو لا طعام عنده، وإذا هو يريد أن يبتاعه لي من الس وق . قال عبد الله بن عمر: لا آمره أن يبيعك إلا ما كان عنده ، ولا آمرك أن تبتاع منه إلا ما كان عنده »(2) . وهي تعك ر على هذا الوجه من الجواب إلا أن يكون سندها ضعيف ا، أو يكون صحيح ا لكن ها قصة أخرى غير الأولى. وهذا ما لا يمكنني الجزم به. وعليه فالمعو ل عليه في الجواب الوجهان الس ابقان. ثانيًا: علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: عن محم د بن قيس عن أبي جعفر قال: «قض ى أمير المؤمنين في رجل أ م ره ن ف ر ليبتاع لهم بعير ا بنقد ، ويزيدونه فوق ذلك ن ظ ر ة، فابتاع لهم بعير ا ، ومعه بعض هم، فمنعه أن يأخذ منهم فوق و ر ق ه ن ظ رة »(3). وهذه الر واية منقولة عن كتب الشيعة الإمامي ة، و لا تصح على أصول أهل السنة، وإنما أوردتها وفاء باستقراء ما ذ كر في موضوع هذا البحث. الحافظ بما فيه تعس ف ظاهر، بل بما فيه وهم صريح » .وقال بعد أن بي ن ذلك وذكر لل حديث طرق ا: «هذه طرق دونها يصح ح البيهقي والحافظ الحديث لأجلها، ول ـم ا لم يقل الشافعي، رض ى اللَّ عنه ، بتحريم بيع العينة فأنت ترى كيف يصنع مقل دته بالحديث» .وضع فه من المعاصرين الأرناؤوط في تخريجه مسند أحمد (8/440) ثم حس نه في تخريجه سنن أبي داود (5/333). وقال الألبانيالصحيحة: 11): صحيح بمجموع طرقه. وانتهى جمال الس يد بعد بحث جي د إلى أن ه حسن بمجموع طرقه. ي نظر: ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السن ة الن بوي ة وعلومها، لجمال السيد (3/ 77). (1) الموطأ، لمالك (4/927.) (2) ذكرها ، دون إسناد، ابن عبد البر في الاستذكار (6/ 370). (3) ذ كر هذه الرواية وحكم بصحتها الشيخ محمد علي التسخيري ، في بحثه: نظرة إلى عقد المرابحة للآمر بالشراء ، الذي قد مه إلى مجمع الفقه الإسلامي، العدد 5، ص880.
عدد الصفحات ٢٠- 20 - وظاهر هذه الرواية أن علي ا، رض ي الله عنه، لم يمنع من هذا البيع، وإن ما منع من أخذ الزيادة في البيع الآجل. وهذا ظاهر في كونه اعتبرها زيادة غير مشروعة (ربا) لا ربح ا. وقد حملها الشيخ التسخيري على الوعد الملزم دون غيره(1). وهذا الحمل مرجوح لسببين: أحدهما: أن لفظ الرواية يحتمل الإلزام وعدمه فحمله على أحد الاحتمالين مخالفة للظاهر. والس بب الثاني: أن علي ا، رض ي الله عنه، صح ح البيع بحذف الزيادة في البيع الآجل فظهر أن علة الفساد عنده هي هذه الزيادة، وهي لا تتأثر بالوعد سواء أكان ملزم ا أو غير ملزم. فع ل ة التحريم عنده هي اشتمال هذا البيع على سلف وزيادة، لا العلل الأخرى، كبيع ما لا يملك، أو بيعتين في بيعة وإلا لكان ف س خ العقد من أصله، لأن مجر د حذف الزيادة لا ينفي عن العقد علل الفساد الأخرى لو كانت معتبرة عنده. والله أعلم. المطلب الثاني: أقوال التابعين في المسألة: نقل ابن المنذر، كما ذ كر آنفا، القول بالمنع في هذه المسألة عن ابن المسي ب، وابن سيرين، والحسن، والن خ عي، وقتادة، وع بيد الله بن الحسن. ق لت: ووردت الرواية بالمنع أيض ا عن طاووس ومسروق وعطاء. و ن ق ل القول بالجواز عن القاسم بن محمد، وح ميد الطويل . قلت : ور وي ال جواز أيض ا عن عامر الشعبي. وإليك ما أمكن الوقوف عليه من هذه الروايات مع الحكم عليها. وأكثرها رواها عبد الرزاق الصنعاني في مصن فه تحت باب سم اه: «المواصفة في البيع »(2)، وابن أبي شيبة في مصنفه تحت بابين س مى أحدهما: «في الرجل يساوم الرجل بالش يء ولا يكون عنده»(3)، والآخر «في المواصفة في البيع »(4). أولا: سعيدبن المسيّب: عن عبد الرزاق قال: «أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسي ب قال: المواصفة هو المواطأة، وبه قال: كان يكره المواصفة، والمواصفة أن يواصف الرجل بالس لعة ليس عنده، وكره أيض ا أن تأتي الرجل بالثوب (1) المرجع السابق (2) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/ 42). (3) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 311). (4) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 439).
عدد الصفحات ٢١- 21 - ليس لك فتقول: من حاجتك هذا؟ فإذا قال: نعم، اشتريته لتبيعه منه ن ظ رة»(1). وجاء في بعض نسخ ابن أبي شيبة استعمال كلمة «المراوضة »بد من «المواصفة »(2). ثانيًاالحسن البصري وقتادة بن دعامة: عن عبد الرزاق قال : «أخبرنا معمر، عن قتادة، أو غيره، عن الحسن كان يكره أن يأتيك الرجل يساومك بش يء ليس عندك، فتقول: ارجع إلي غد ا، وأنت تنوي أن تبتاعه له»(3) . وعنهقال: «أخبرنا معمر : أن الحسن، وقتادة، كانا يكرهان المواصفة كل ها عنده في الطعام وغيره »(4). وعن ابن أبي شيبة قال: «حدثنا وكيع، عن الحكم بن أبي الفضل، قال: قلت ل لحسن: الرجل يأتيني فيساومني بالحرير ليس عندي، قال: فآتي الس وم، ثم أبيعه. قال: هذه المواصفة، فكرهه »(5) . وعنه قال«حدثنا حفص، عن عمرو، عن الحسن: أن ه كان يكره المواصفة »(6). وهذه الروايات عن الحسن وإن كانت في أفرادها ضعيفة من حيث السند إلا إن ها في مجموعه ا تدل أن للمسألة عنه أصلا. ثالثًا: إبراهيم النَّّخَّعي وعامر الشّعبي: عن ابن أبي شيبة قال: «حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حم اد، عن إبراهيم، في الرجل يقول للرجل: اشتر هذا البز ، وأشتريه منك ، فكرهه »(7). (1) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/ 42)، وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. ورواه ابن أبي شيبة4/311) عن ابن المبارك عن الزهري عن ابن المسيب به. وهو إسناد صحيح أيض ا. (2) مصنف ابن أبي شيبة (7/232) طبعة مكتبة الرشد ، 2004م. (3) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/ 42). إسناده ضعيف لشك معمر بن راشد في شيخه (4) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/ 42) صحيح عن قتادة ومنقطع عن الحسن فإن معمر ا وإن أدرك الحسن فإن ه لم يرو عنه، قال: «خرجت وأنا غلام إلى جنازة الحسن، وطلبت العلم سنة مات الحسن» .سير أعلام النبلاء ، للذهبي (7/ 6). (5) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 311) إسناده ضعيف لجهالة حال الحكم بن أبي الفضل. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه«سألته عن الحكم بن أبي الفضل، روى عنه وكيع، سمع من الحسن، قال: شيخ له بصري »العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (1/ 332). (6) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 439). إسناده ضعيف. وعل ته عمرو بن عبيد إمام المعتزلة: تركه أهل الحديث لبدعته وكان ي ضع ف في حديثه (7) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 439)، ورواه عبد الرزاق(8/ 42) بنفس الإسناد. وهو إسناد جيد رجاله موثوقون أئم ة أهل الكوفة.
عدد الصفحات ٢٢- 22 - وعنه قال: «حدثنا ابن أبي زائدة، عن حج اج، عن عبد الملك بن إياس، أن عامر ا وإبراهيم اجتمعا ، فسألهما عن رجل يطلب من الرجل المتاع وليس عنده، فيشتريه ثم يدعوه إليه، فقال إبراهيم: ي كره ذلك . وقال عامر: لا بأس، إن شاء أن يتركه تركه »(1). رابعًا: مسروق بن الأجدع: عن ابن أبي شيبة قال: «حدثنا يحيى بن زكريا، عن حج اج، عن ا لحكم، عن أبي رزين، قال: قلت لمسروق: يأتيني الرجل يطلب من ي الس من وليس عندي، أشتريه ثم أدعوه له؟ قال: لا، ولكن اشتره فضعه عندك، فإذا جاءك فبعه منه»(2). خامسًا: طاووس بن كيسان اليماني: عن عبد الرزاق في - باب المواصفة في البيع - قال: «أخبرنا معمر، عن ابن طا و وس، عن أبيه قال: لا تؤامره، ولا تواعده، ق ل: ليس عندي»(3). وعن ابن أبي شيبة قال: «حدثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، قال: قلت لطاو و س: الرجل يساومني بالس لعة وليست عندي، فيقول: "اشتر وأشتري منك، ولولا مكانه ما اشتريتها منك "، فكرهه طاو و س»(4). سادسًا: محمد بن شهاب الزهري: عن عبد الرزاق قال: «أخبرنا معمر قال: سمعت جعفر بن برقان، يسأل الزهري قال: يأتيني الرجل يطلب عندي المتاع، فلا يكون عندي، فأبعث إلى رجل وهو عنده، فيرسل إلي به فأريه الرجل، فأقول: هذا من حاجتك؟ فيقول: نعم، فأشتريه من صاحبه، فأبيعه منه ، فكرهه . فقال جعفر: ما كن ا نراه إلا من أحسن البيوع، فقال الزهري: هو مكروه»(5). (1) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 311). إسناده ضعيف. فيه الحجاج بن أرطأة، وهو مدل س وقد رواه بالعنعنة، على لين في حديثه، وبقي ة رجاله ثقات. (2) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 311). إسناده ضعيف. فيه الحجاج بن أرطأة، وهو مدلس وقد رواه بالعنعنة، على لين في حديثه، وبقي ة رجاله موثوقون. (3) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/ 42). وإسناده صحيح مت صل و رجاله ثقات. (4) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 439). وإسناده حسنمتصل و رجاله موثوقون. (5) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/ 42). وإسناده صحيح
عدد الصفحات ٢٣- 23 - سابعًا: عطاء بن أبي رباح: عن ابن أبي شيبة قال: «حدثنا ابن أبي زائدة، عن عبد الملك، عن عطاء في رجل يريد من الرجل البيع ليس عنده، فإن تواطآ على الثمن اشتراه؟ قال: «لا يشتريه إلا على غير(1) مواطأة من صاحبه »(2). ثامنًا: القاسم بن محمّ د: عن ابن أبي شيبة - في باب المواصفة في البيع - قال: «حدثنا عائذ بن حبيب، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محم د: أن ه لم ير به بأس ا»(3). وعنه قال: «حدثنا حم اد بن خالد، عن أفلح، قال: قلت للقاسم: الرجل يطل ب من ي الحنطة والزيت وليس عندي، إلا إن ه قد عرف سعره وعرفته، واشتريت ه، ثم أبيعه إي اه إلى أجل؟ قال: نعم»(4). وقال ابن عبد البر : «ذكرابن وهب قال : أخبرني عثمان بن وكيل قال : سمعت عبيد الله بن عمر يقول : كنت أتعي ن لأبي ولبعض أهلي ، فسألت القاسم بن محم د عن ذلك فقال: لو أن رجلا أتى إلى رجل فقال: إن لي حاجة براوية أو راويتين فذهب الرجل إلى السوق فابتاع الراوية أو الراويتين ثم جاء إلى صاحبه، فقال عندي حاجتك، وباعها منه ، لم أر بذلك بأس ا. قال وأحب إلي أن يمسكها حتى الغد. قال عثمان: فهذا قول حسن»(5). وهذه الروايات عن القاسم لا يظهر فيها الترخيص بالمواعدة، وإن ما بأن يكون شراء التاجر السلعة حصل نتيجة لطلب الزبون لها، ثم إعلامه بوجود السلعة عند توف رها. وهذا القدر اليسير من الربط بين البيعتين لم يرخ ص به غير ابن القاسم وحميد الطويل من فقهاء التابعين، والباق ون كرهوه حتى في هذا الحد الأدنى. تاسعًا: حُميد الطويل: عن عبد الله بن أحمد بن حنبل «قال: حدثني عبد الأعلى في حديثه عن حم اد، قال: وكان حميد - يعني الطويل - لا يرى بأس ا أن يقول الرجل للرجل: أن ي أريد متاع ا كذا وكذا ، فإذا دفع عندك فأعلمني؛ فإن ي أريد (1) كلمة "غير" ساقطة في طبعة كمال الحوت، والتصحيحمن طبعة محمد عوامة (6/130)، وطبعةمكتبة الرشد -ناشرون (7/232.) (2) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 311). إسناده حسن رجاله موثوقون وابن أبي زائدة ثقة من رجال الشيخين وهو إن ما يدل س عن الشعبي خاص ة. وعبد الملك هو ابن أبي سليمان صدوق. (3) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 439). إسناده حسن رجاله موثوقون. (4) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 452). وإسناده حسن رجاله موثوقون (5) الاستذكار ، لابن عبد البر (6/ 371). وعثمان بن وكيل لم أجد له ترجمة
عدد الصفحات ٢٤- 24 - نحوه. ولا تقولن : اشتر كذا وكذا حتى اشتريه منك . فسألت أبي عن ذلك فقال مثل قول حميد، وقال : لا بأس به»(1). وهذا الرواية تشير إلى خلاف ما نقله ابن المنذر عن حميد الطويل من أن ه أجاز: اشتر كذا وكذا حتى أربحك فيه. وإن ما أجاز أن يطلب المشتري أن ي علم بوجود الس لعة عند البائع إذا حضرت عنده لأن ه يريدها ، وهذا مم ا لا مواعدة فيه ولا مواطأة على الربح، وليس في هذه الرواية، أيض ا، تصريح بأن المشتري سيشتري المتاع نسيئة، مم ا يجعلها بعيدة، كل البعد، عم ا عليه بيع المرابحة للآمر بالشراء في صورته المعاصرة. تعقيبات عامّة على ما ورد عن التابعين في المسألة: 1. يبدو جلي ا أن هذا النوع من البيع أعني «البيع للآمر بالشراء »، أو «بيع المواعدة »، كان معروف ا لديهم، وأ ن هم كانوا ي دخلونه في ما أ طلق عليه بعضهم: المواصفة أو المراوضة. 2. بحسب مجموع الروايات التي أوردتها كتب الآثار تحتباب "المواصفة في البيع" يظهر أن هم كانوا يطلقونه على بيع ما ليس عند الإنسان، سواء باعه قبل أن يملكه، أو واعد على بيعه قبل أن يملكه. وسواء باعه التاجر بذكر أوصافه، أو أحضره وأراه للمشتري قبل أن يملكه. وعلى هذا فبيع المواصفة عندهم أعم من البيع للآمر بالشراء. وبهذا يظهر عدم دق ة من سو ى بين المعاملتين من المعاصرين (2). 3. بيع المواصفة بنوعيه (1. البيع قبل التمل ك، 2. والوعد بالبيع قبل التمل ك ثم البيع بعد ه) قد يكون عن طريق عر ض التاجر الس لعة على المشتري، وقد يكون بطلب المشتري الس لعة من التاجر . والحكم فيه لا يختلف بناء على ذلك. 4. ثبت بالإسناد كراهة المواصفة في البيع عن ابن المسي ب والن خ عي وطاووس وعطاء و قتادة و الزهري . ولم تثبت الروايات بمنعه عن الحسن البصري ولا عن مسروق بن الأجدع. ولا ثبت الترخيص فيه عن الش عبي، وإن ما ثبت الترخيص بصورة منه عن القاسم بن محمد، و حميد الطويل، وهي الص ورة التي يكون فيها شراء التاجر الس لعة التي ليست عنده نتيجة لطلب المشتري إي اها، ثم إعلام التاجر المشتري بحصول الس لعة عنده، دون أن يكون هناك مواعدة على الص فقة بين الط رفين. (1) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد، ص280. وإسناده صحيح (2) قال الدكتور عبد العظيم أبو زيد، بيع المرابحة للآمر بالشراء ، ص72 :«ليس ثم ة ما يحول دون انطباق بيع المواصفة على بيع المرابحة للآمر بالشراء ما دام البائع لا يبيع السلعة في بيع المواصفة إلا بعد شرائها، هذا إذا لاحظنا أن بيع المواصفة يخبر فيه المشتري البائع عن الس لعة التي يريد ويصفها له ويحد دها... فيمكن اعتبار هذا البيع الذي ي عقد في المصارف الإسلامية بيع مواصفة تم بطريقة المرابحة، ولا مانع من تسميته بيع "مرابحة " أو "مواصفة " ما دام المضمون واحد ا ووجه التسمية حاصلا ، إلا أن العرف الحالي جرى بتسميته ببيع المرابحة للآمر بالش راء » .ومم ا يجدر ذكره أن المعاجم اللغوية اقتصرت على تعريف المواصفة بأنها بيع ما ليس عندك، أو أن ها البيع على الص فة. وهو قصور لا ينسجم مع ما في الروايات عن التابعين مم ن كرهوا المواصفة. ي نظر مثلا: تهذيب اللغة، للأزهري (12/ 44)،و أساس البلاغة، للزمخشري (2/ 338)، وغيرها
عدد الصفحات ٢٥- 25 - 5. لمي وجد في الر وايات، لا بسند ضعيف ولا صحيح، من رخ ص في البيع للآمر بالشراء إذا كانت هناك مواعدة أو تواطؤ ومراوضة على الشراء والربح بين الزبون والبائع الذي لا يملك الس لعة في الحال. 6. الظاهر فيأكثر الر وايات أن المانعين من هذه المعاملة لم يرخ صوا فيه ا حت ى لو كانت البيعة الثانية - وهي التي من البائع (المصرف ) إلى المشتري (العميل) - حاضرة لا آجلة. وهذا التعميم م سل م في الن وع الأول من بيع المواصفة؛ إذ لا يجوز للمرء، بالاتفاق، بيع ما لم يملكه بعد ، سواء باعه نسيئة أو نقد ا. وأم ا في النوع الثاني فلا تظهر مفسدة مباشرة من المنع منه إذا كان البيع الثاني نقد ا لا نسيئة؛ ولذلك رخ ص فيه الإمام مالك (1). وقد ورد تقييد المنع بكون البيع الثاني نسيئة في رواية ابن المسي ب عند عبد الرزاق: «وكره أيض ا أن تأتي الرجل بالثوب ليس لك فتقول: من حاجتك هذا؟ فإذا قال: نعم، اشتريت ه لتبيعه منه ن ظ رة»(2) .وسبق نقلمثل هذا التقييد بالتأجيل عن ابن عمر، رض ي الله عنهما. وقد ي قال إن المانعين أطلقوا الكراهة على ما يشمل بيعة الن قد وبيعة الن سيئة على حد سواء سد ا للذريعة ؛ لأن الذي يتعامل بالن قد في مثل هذه المعاملة يوشك أن ينجر إلى التعامل بالن سيئة، ولذلك قال طاووس: «لا تؤامره، و لا تواعده، ق ل: ليس عندي»(3). المطلب الثالث: أقوال أئمّة الفقه في بيع المرابحة للشّ راء: نسب ابن المنذر القول بالمنع في هذه المسألة إلى مالك وأحمد وإسحاق، ونسب القول بالجواز إلى الشافعي إذا كان البيع صحيح ا لا شرط فيه. ومم ن ورد عنه الجواز أيض ا محمد بن الحسن صاحب أبي حني فة. وإليك ما ورد في هذا الشأن عن هؤلاء الأئم ة: أولًا: مالك بن أنس: بعد أن روى عن موس ى بن ميسرة : «أن ه سمع رجلا يسأل سعيد بن المسي ب فقال: إن ي رجل أبيع بالد ين، فقال سعيد: لا تبع إلا ما آويت إلى رحلك»(4)، قال الإمام مالك : «وإنما ف ر ق بين أن لا يبيع الرجل إلا ما عنده، (1) ي نظر مطلب تكييف هذا البيع، ص7 من هذا البحث (2) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/ 42)، وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم (3) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/ 42). وإسنادهصحيح مت صل رجاله ثقات. (4) اوطأ، لمالك (4/ 973). قال الباجي في المنتقى (5/ 70) شارح ا للأثر: «ومعنى ذلك أن هذا الرجل قد أقر أن ه مم ن يداين الن اس، ويبيع منهم بالد ين فنهاه عن أن يبيع منهم ما لم يملكه بعد، أو ما يشتريه بعد موافقة المبتاع منه على بيعه منه بثمن يت فقان عليه، فيشتريه من أجل ذلك، ورب ما لم يستتم قبض ه من بائعه منه، ويول ي قبضه المبتاع مم ن باعه من هذا السائل؛ لأن ه له اشتراه ، فيكون كأن ه أسلفه ثمنه الذي ابتاعه به في ثمنه الذي باعه به منه».
عدد الصفحات ٢٦- 26 - وأن ي سل ف الر جل في ش يء ليس عنده أصل ه، أن صاحب الع ينة، إن ما يحمل ذهبه التي يريد أن يبتاع بها، فيقول هذه عشرة دنانير، فما تريد أن أشتري لك بها؟ فكأن ه يبيع عشرة دنانير نقد ا، بخمسة عشر دينار ا إلى أجل، فلهذا ك ره هذا . وإن ما تلك الد خ لة والد ل سة»(1). في هذا الن ص يبين الإمام مالك العل ة عنده في تحريم بيع ما ليس عند الإنسان بأن ه ذريعة إلى الر با؛ لأن "صاحب العينة" (المرابي في صورة البيع) يحمل دراهمه ويقول لمن احتاج إلى سلعة ما: ماذا تريد أن أشتري لك بهذه الد راهم؟، فيشتريه بعشرة نقد ا، مثلا ، ويبيعه إلى هذا المحتاج بخمسة عشر نسيئة ، فيكون كأن ه أقرضه عشرة وثبت له في ذم ته خمسة عشر. وهذا رب ا وإن كان في صورة بيع؛ لأن "صاحب العينة" ليس تاجر ا في الحقيقة، وإن ما هو رجل مليء يريد أن يداين الن اس هذه الدراهم فوس ط الس لعة للوصول إلى هذا الغرض . وقال «مالك: ومن سأل رجلا أن يبيع منه شيئ ا إلى أجل، فقال: ما عندي، ولكن أشتريه لك. فيراوضه على الر بح، ثم يبتاعه، ثم يبيعه منه إلى أجل. قال مالك: هذه العينة المكروهة. وكذلك إن قال: ابتع لي سلعة كذا، وأ ربحك فيها كذا، إلى أجل كذا، فهو مكروه. فكأن ه دفع ذهب ا في أكثر منها. قال مالك: ولو قال: ما عندي. فذهب عنه، ثم ابتاع هذا ذلك من أج ل ه على غير موعد، ثم لقيه، أو عاد إليه فباعه منه فلا بأس به إن لم يكن غير هذا. [محم د(2): إذا لم يكن وجوب، فأنا أكره المواعدة والعادة، وروى عنه ابن نافع في ا جموعة كراهيته. ومن كتاب محم د، قال مالك: وأكره أن يقول: ارجع إلي . أو يقول: أنا أشتريه لك، فع د إلي . قيل لمالك: فإن قال: اشتره منه حتى أبتاعه منك بربح إلى أجل، ولم يتراوضا على ربح - [محم د: يريد ولا قط ع ا سوم ا - ثم عاد إليه، فباعه منه إلى أجل، فهو مكروه، ولا أفسخه إن نزل »(3). و«قال مالك: وإن قال: ابتع لي هذا الثوب، وأنا أبتاعه منك بربح كذا، فأم ا بالن قد، فذلك جائز، وذلك ج ع ل إذا استوجبه له، ولا خير فيه إلى أجل»(4). وي لاحظ من هذه الر وايات أن مالك ا، رحمه الله، يكره مواعدة الرجل الرجل على ب يع ما ليس عنده ثم بيعه إي اه نسيئة ، ويجيز ذلك نقد ا على أن ها وكالة بأجر (ج ع ل) . و المواعدة المكروهة عنده على رتبتين: الأولى: مواعدة مع مراوضة وات فاق على مقدار الر بح. (1) المرجع السابق (2) هو محمد بن إبراهيم ابن المواز الاسكندراني المالكي،180هـ-269هـ)، تفق ه بتلاميذ الإم ام مالك: ابن الماجشون وابن عبد الحكم، واعتمد على أصبغ بن الفرج. وقيل : إنه أدرك أشهب، وروى عن ابن القاسم وابن وهب، والمعو ل بمصر على قوله. له كتاب من أم هات الفقه المالكي ي عرف بالموازية. قال عنه القاض ي عياض: «هوأجل كتاب أل فه قدماء المالكيين وأصح ه مسائل، وأبسطه كلام ا وأوعبه، وذكره أبو الحسن القابس ي، ورج حه على سائر الأم هات، وقال: لأن صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم في تصنيفه، وغير ه إن ما قصد لجمع الروايات ونقل منصوص الس ماعات... وفي هذا الكتاب جزء تك لم فيه على الشافعي وعلى أهل العر اق بمسائل من أحسن كلام وأنبله » .ي نظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (13/6)، وترتيب المدارك، للقاض ي عياض (4/167.) (3) النوادر والزيادات على ما في المدو نة من غيرها من الأم هات، للقيرواني (6/ 87). (4) ارجع السابق (6/ 88).
عدد الصفحات ٢٧- 27 - والرتبة الثانية: مواعدة من غير مراوضة ولا ات فاق على مقدار الربح. ومع أن كلا الرتبتين عنده مكروه، إلا إن ه في الثانية لا يفسخ العقد إن أ برم ، وفي الأولى يفسخه، مم ا يدل على أن الأولى عنده أشد كراهة من الثانية؛ وذلك لأن ها أوثق وأدل على التواطؤ . والحيلة على الر با فيها أظهر. ومن هنا حكم المالكي ة عليها، من بعد ، بالحرمة ، وحكموا على الأخر ى بالكراهة التنزيهي ة. والعل ة التي ذكرها مالك فيما كره من المواعدة على الشراء هي: ذريعة الر با «فكأن ه [د ف ع ذهب ا في أكثر منها». وأم ا مجر د أن يشتري التاجر ما ط لب منه وليس عنده ،ثم يلقى طالب الس لعة بعد ذلك فيقول : عندي حاجتك فيبيعها إليه، ولو إلى أجل، فهذا لا بأس به، وي كره مالك في ذلك أن يقول البائع لطالب الس لعة عندما طلب منه الس لعة ولم يجدها: ارجع إلي، أو أنا أشتريها لك فع د إلي . وبهذا نجد أن الإمام مالك ا يت فق في مذهبه في "المرابحة للآمر بالش راء" مع جمهور الس لف الذين سبق نقل مذاهبهم في هذه المسألة، وقد قال ابن تيمية: «أصول مالك في البيوعات أجود من أصول غيره، أخذ ذلك عن سعيد بن المسي ب، الذي كان ي قال هو أفقه الن اس في البيوع ... والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب، ي حر مان الر با ويشد دان فيه حق الت شديد؛ لم ا تقد م من شد ة تحريمه وع ظ م مفسدته، ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق حتى قد يمنعا الذ ريعة التي ت فض ي إليه، وإن لم تكن حيلة ، وإن كان مالك يبالغ في سد الذرائع ما يختلف(1) قول أحمد فيه، أو لا يقوله ، لكن يوافقه بلا خلاف منه على منع الح ي ل كل ها»(2). ثانيًامحمد بن الحسن الشيباني: جاء في كتاب الح يل المنسوب إليه : «قلت : أرأيت رجلا أمر رجلا يشتري له دار ا بألف وأخبره إن هو فعل اشتراها منه الآمر بألف درهم ومائة، وأراد المأمور أن يشتريها، فخاف إن هو اشتراها أن يبدو للآمر فلا يشتريها وتبقى الدار في يدي المأمور؟ قال: يشتري المأمور الد ار على أن ه بالخيار فيها ثلاثة أيام، ويقبضها، ويجيء الآمر إلى المأمور، فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألف ومائة، فيقول له المأمور: هي لك بذلك، فيكون ذلك للآمر لازم ا، ويكون المأمور قد تخل ص»(3). وي ؤخذ من كلامه هذا أن ه يجيز المرابحة للآمر بالش راء، ولا يعتبر الوعد ، أو الأمر بالشراء ، م لز م ا للآمر؛ ولذلك أرشد المأمور بالش راء إلى استعمال بيع المخايرة حتى يتلافى مخاطرة أن يعدل الآمر عن الشرا ء، بعد أن تور ط هو بشراء الس لعة من مالكها الأصلي. وير د على الاستشهاد بهذا الن قل عن محمد بن الحسن اعتراضان: (1) وفي بعض النسخ: ما لا يختلف (2) القواعد الفقهية النورانية، لابن تيمية ص173. (3) كتاب الحيل مطبوع في ضمن كتاب الأصل للشيباني (9/ 464).
عدد الصفحات ٢٨- 28 - أحدهما: أن ه مشكوك الن سبة إليه؛ لأن أصحاب ه اختلفوا في كتاب الحيل، المقتبس منه هذا النص أهو، له أم لا. قال أبو الليث الس مرقندي (ت 373هـ: «ر و ي عن أبي سليمان الجوزجاني [ أن ه قيل له: لا ت خرج إلينا كتاب الحيل؟ فق ال : كذبوا على محمد، ليس له كتاب الحيل، وكل كتاب لمحم د فقد أخرجته إليكم، إلا كتاب ا صن فه للس لطان وليته لم يفعل. فقيل له: من صن ف كتاب الحيل؟ ق ال : ور اقو الكرخ »(1). وقال الس رخس ي (ت 483هـ«اختلف الن اس في كتاب الحيل أن ه من تصنيف محم د، رحمه الله، أم لا، كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك، ويقول: من قال: إن محم د ا، رحمه الله، صن ف كتاب ا سم اه الح ي ل، فلا تصد قه، وما في أيدي الن اس، فإن ما جمعه ور اقو بغداد. وقال: إن الجه ال ينسبون علماءنا، رحمهم الله، إلى ذلك على سبيل التعيير، فكيف ي ظن بمحم د، رحمه الله، أن ه سم ى شيئ ا من تصانيفه بهذا الاسم ليكون ذلك عون ا للجه ال على ما يتقو لون . وأم ا أبو حفص، رحمه الله، كان يقول: هو من تصنيف محم د، رحمه الله، وكان يروي عنه ذلك، وهو الأ صح »(2). وما رج حه الس رخس ي، وإن كان منسجم ا مع مبدأ تقديم المثب ت على الن افي، إلا إن فيه نظر ا، لثلاثة أسباب: أولا : وهو أقواها: ما رواه أبو جعفر الطحاوي (ثقة) قال: سمعت أحمد بن أبي عمران (ثقة فقيه) يقول: قال محمد بن سماعة (صدوق فقيه): سمعت محمد بن الحسن يقول: «هذا الكتاب، يعني كتاب الحيل، ليس من كتبنا، إن ما أ لقي فيها، قال ابن أبي عمران: إن ما واضعه إسماعيل بن حم اد بن أبي حنيفة»(3). فهذا نفي للكتاب صادر عن محم د بن الحسن نفسه، وقول ه ينبغي أن ي قد م على كل قول سواه. ولولا أن ثمة كتاب ا آخر باسم الحيل اشتهر في تلك الفترة منسوب ا لأبي حنيفة أو لأبي يوسف لكانت هذه الرواية قاطعة لدابر الخلاف في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام، لكن يمكن القول بأنها ظاهرة في الن في لا قاطعة ؛ لاحتمال أن ه يقصد كتاب ا آخر غير كتابه، وهو احتمال مرجوح على كل حال، لأن ه من المستبعد أن ينفي كتاب الحيل عنه، وعن أصحابه، ثم يؤل ف كتاب ا باسم الحيل. والس بب الثاني: أن ه ليس فيما بين أيدينا ثم ة إسناد يمكن التعويل عليه لإثبات صح ة هذا الكتاب عن محم د بن الحسن. فالكتاب طبعه المستشرق الألماني جوزيف شاخت في لايبزيغ سنة 1930م طبعة مستقل ة باسم المخارج في الحيل. قال عنها الدكتور محم د بوينوكالن محق ق كتاب الأ صل للشيباني: «ولا ي وجد ذكر لل ر اوي في الن سخ التي اط لعنا عليها من هذه الصياغة» .وأم ا طبعة الدكتور بوي نوكالن نفسه فقد كانت عن «محمد بن حمدان قال: أخبرنا أبو ساهر قال: أخبرني محمد بن هارون الأنصاري عن محمد بن الحسن»(4)، وهؤلاء الثلاثة لم يعرفهم المحق ق، وإ ن ما خم ن شخصياتهم بالظن ، ولا ي عرف في تلاميذ محم د راو باسم "محمد بن هارون الأنصاري". (1) عيون المسائل، للسمرقندي ، ص442. (2) المبسوط، للسرخس ي ( 30/ 209) (3) ذكره عن الطحاوي الذهبي فيمناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ، ص85 .وهو موصول عنه عند ابن أبي العوام في فضائل أبي حنيفة وأخباره، ص365. (4) الأصل ، للشيباني (مقدمة/ 78).
عدد الصفحات ٢٩- 29 - فإن قيل: عموم الحنفي ة ينقلون عن هذا الكتاب ، وقد أدرجه السرخس ي في مبسوطه ، والحاكم الشهيد في كافيه، ويستدل ون بما فيه على المسائل، وينسبونها لمحم د بن الحسن. في قال: و هناك منهم من نفاه عنه، كأبي سليمان الجوزجاني، وهو ألمع تلاميذ الإمام والمقد م عليهم جميع ا. ثم إن فقهاء الحنفية - في أكثرهم - لم تكن لهم عناية بالروايات والأسانيد، وينسبون إلى أئمتهم ما هب و درج من الروايات والحكايات التي لا يستريب العاقل في وضعها وتكل فه ا، بل راجت على كثير منهم نسبة كتاب «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة، وهو على الراجح ليس له(1). والس بب الثالث: أن ثم ة قرائن في مضمون الكتاب تشير إلى أن ه ليس لمحم د بن الحسن: منها: أن ه في هذا الكتاب يذكر آراء تخالف ما ع رف من آراء الإمام في كتبه الأخرى الثابتة عنه. وقد وقفت من ذلك على ثلاثة أمثلة: أحدها: ما قاله برهان الدين بن مازة (ت616هـ«وإذا اشترى جارية لها زوج ولم يدخل بها فطل قها قبل أن يقبضها المشتري، فعلى المشتري أن يستبرئها بحيضة، هكذا ذكر في "الأصل "، وفي كتاب "الحيل": إن ه لا استبراء على المشتري »(2). والمثال الثاني: قال ابن مازة: «الحر ة البالغة العاقلة لو زو جت نفسها من رجل هو كفء لها، أو ليس بكفء لها، نفذ النكاح في ظاهر رواية أبي حنيفة، رحمه الله، وهو قول أبي يوسف، رحمه الله، آخر ا... وكان أبو يوسف ، رحمه الله، أولا يقول: يتوق ف النكاح إلى أن يجيزه الولي أو الحاكم، على كل حال. وهو قول محمد، رحمه الله، وصح رجوع محم د إلى قول أبي حنيفة، رحمه الله، وأبي يوسف، رحمه الله، آخر ا، ذكره في كتاب الحيل »(3). والمثال الثالث: أن محم د ا ذكر في الكتاب ح يلا في إسقاط الشفعة(4)، مع أن مذهبه في ذلك كراهة هذا ا لإسقاط: قال السرخس ي: «وقد بي نا في كتاب الشفعة وجوه الحيل لإبطال الشفعة أو لتقليل رغبة الشفيع في الأخذ، وذلك لا بأس به قبل وجوب الشفعة عند أبي يوسف، رحمه الله. وعند محم د، رحمه الله، هو مكروه أشد الكراهة؛ لأن الشفعة مشروعة لدفع الض رر عن الش فيع فالذي (1) رواه عنه أبو مطيع البلخي، وهو على إمامته في الفقه، مقدوح في روايته، بل ات همه ابن ح بان و الذهبي وابن الجوزي بوضع حديث في نفي زيادة الإيمان ونقصانه، على مذهبه في الإرجاء، كما في الكشف الحثيث عمن ر مي بوضع الحديث ، لسبط بن العجمي، ص102 . ونسب الذهبي فيتاريخ الإسلام (4/ 1097 )كتاب الفقه الأكبر إليه، لا لأبي حنيفة، وكذلك فعل اللكنوي. ومن المعاصرين نفى نسبة الكتاب لأبي حنيفة كل من بروكلمان وفؤاد سزكين ، وقال أحمد أمين: إن ه زيد فيه فقط. وقال الشيخ أبو زهرة (أبو حنيفة ، ص187- 188 :)«إن نسبة الفقه الأكبر لأبي حنيفة موضع نظر عند العلماء فلم يت فقوا على صح ة هذا الكتاب إليه، ولم يد ع أحد الات فاق على صح ة هذه الن سبة حتى أشد الناس تعص ب ا له» ومما عل ل به ذلك «أن ه قد ذ كرت مسائل في ال فقه الأكبر لم يكن الخوض فيها معروف ا في عصر أبي حنيفة، ولا العصر الذي سبقه ، فلم نجد فيمن قبله ولا من معاصريه من المصادر التي تحت أيدينا من تصد ى للتفرقة بين الآية والكرامة والاستدراج، مم ا يدفعنا إلى الظن بأن هذه المسائل قد زيدت في الرسالة في العصور التي خاض العلماء فيها في هذه المسائل، أو أن الرسالة كل ها ك تبت في العصور المتأخ رة متلاقية مع آراء الماتريدية والاشاعرة» .وللمزيد ي نظر أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ، لمحم د الخميس، ص 115، وما بعدها (2) المحيط البرهاني في الفقه النعماني ، لابن مازة (7/ 23). (3) المرجع السابق (3/ 46). (4) كتاب الحيل معالأصل ، للشيباني (9/490.)
عدد الصفحات ٣٠- 30 - يحتال لإسقاطها بمنزلة القاصد إلى الإضرار بالغير، وذلك مكروه»(1)، والكراهة عند الإمام ت حمل على الحرام غالب ا. قال ابن حجر: عن محم د بن الحسن «والمكروه عنده إلى الحرام أقرب»(2). ومنها: أن فيه من الحيل ما لا ي ليق بالإمام القول به : ومن ذلك: حيلة الد خول بالجار ية من غير استبراء (3)، وفيها مفسدة خلط الأنساب (4)، وحيلة تضمين المضارب(5)، وفيها مفسدة قرض جر نفع ا، والجمع بين شركة وسلف، وح ي ل إسقاط الش فعة حتى لو اضط ر المتحي ل إلى الحلف عند القاض ي بعدم التدليس (6)، وغير ذلك. ومنها: أن ه في إحدى مسائل الكتاب استخدم ال تعبير بأسماء الأشخاص الافتراضيين كزيد وعمرو عند النحويين. وهذا الأسلوب لا ي عرف عنه (7). والاعتراض الثاني على الاستشهاد بما ن ق ل عن محمد بن الحسن على تصحيحه بيع المرابحة للآمر بالشراء على فرض صحة نسبته إليه: أن الإمام لم يصر ح بأن البيع الثاني (المرابحة) هو بيع نسيئة، وكون هذا البيع نسيئة أمر جوهري في هذه المعاملة لتظهر فيها شبهة الر با، ولا شبهة فيها إذا كان بيع المرابحة نقد ا، كما سبق نقل إجازة ذلك عن مالك. فإن قيل: اللفظ المذكور عن الإمام م طلق في الأمر بالشراء ثم البيع، وتقييده ببيعة الن قد تحك م! في قال: بل الأصل في إطلاق البيع والشراء أن ي حمل على الن قد لأن ه الغالب، وحمل الكلام على الغالب والمعتاد هو الأولى في تفسير أقوال المكل فين. (1) المبسوط، للسرخس ي ( 30/ 240). (2) فتح الباري، لابن حجر (12/ 331). (3) كتاب الحيل معالأصل ، للشيباني (9/439.) (4) نقل ابن تيمية عن أبي طالب قال«سمعت أبا عبد [ قال له رجل : في "كتاب الحيل" إذا اشترى الرجل أ م ة فأراد أن يقع بها يعتقها ثم يتزو جها، فقال أبو عبد الله: بلغني أن المهدي اشترى جارية فأعجبته فقيل له أعتقها وتزو جها، فقال: سبحان الله ما أعجب هذا أبطلوا كتاب الله والسنة جعل الله على الحرائر العد ة من جهة الحمل فليس من امرأة تطل ق أو يموت زوجها إلا تعتد من جهة الحمل، ففرج ي وطأ يشتريه ثم يعتقه على المكان فيتزوج ها فيطؤها. فإن كانت حائلا كيف يصنع؟ يطؤها رجل اليوم ويطؤها الآخر غد ا! هذا نقض للكتاب والسنة، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: لا توطأ حامل حتى تض ع، ولا غير حامل حتى تحيض". ولا ي درى حامل أم لا، سبحان الله ما أسمج هذا»قال ابن تيمية«وبيان ذلك: أن ا نعلم باضطرار أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما نهى عن وطء الحبالى... أن من أكثر المقاصد بالاستبراء أن لا يختلط الماءان ولا يشتبه الن سب. ثم إن الشار ع بالغ في هذه الص يانة حتى جعل العد ة ثلاثة قروء وأوجب العد ة على الكبيرة والصغيرة ، وإن كان له مقصود آخر غير استبراء الر حم، فإذا ملك أمة - يطؤها سي د ها - وأعتقها عقب ملكها، وتزوجها، ووطئها الليلة، صار الأول قد وطئها البارحة ، وهذا قد وطئها الليلة. وباضط رار نعلم أن المفسدة التي من أجلها وجب الاستبراء قائمة في هذا الوطء، ومن توق ف في هذا كان في الش رعيات بمنزلة التوق ف في الض روريات من العقليات». الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (6/ 168). (5) كتاب الحيل معالأصل ، للشيباني (9/485.) (6) المرجع السابق 9/490.) (7) الأصل ، للشيباني (المقدمة/63.)
عدد الصفحات ٣١