المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الالتفات في القراءات القرآنية أثره على المعنى

غزالة أبو حميد

صفحة ٦ من ٨

المقام مقام تعجيب من هؤلاء الذين لا يتعقلون بما يذكرون به من النعم , يقول ابن عاشور245: (لما ذكرهم الله بنعمه عليهم تذكيراً أدمج في خلال الرد على قولهم "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" بقوله "تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا" أعقبه بأن كل ما أتوه من نعمة هو من متاع الحياة الدنيا كالأمن والرزق , ومن زينتها كاللباس والأنعام والمال , وأما ما عند الله من نعيم الآخرة من ذلك وأبقى لئلا يحسبوا أن ما هم فيه من الأمن والرزق هي الغاية المطلوبة فلا يتطلبوا ما به تحصيل النعيم العظيم الأبدي , وتحصيله بالإيمان. ولا يجعلوا ذلك موازنا لاتباع الهدى وإن كان في اتباع الهدى تفويت ما هم فيه من أرضهم وخيراتها لو سلم ذلك. وهذا وجه مناسبة الآية لما قبلها....) وهذا الخبر تفرع عنه إستفهام توبيخي وتقريري على عدم عقل المخاطبين لأنهم لما لم يستدلوا بعقولهم على طريق الخير نزلوا منزلة من أفسد عقله فسئلوا , أهم كذلك ؟ 246 فالالتفات عنهم لبعدهم عن التذكرة والموعظة أي عن مقام الخطاب247. يقول الزمخشري248: (قرئ يغقلون بالياء , وهو أبلغ في الموعظة. وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن الله خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف: المؤمن , والمنافق , والكافر ؛ فالمؤمن يتزود , والمنافق يتزين , والكافر يتمتع ..). ويقول الألوسي 249: (وقرأ أبو عمرو يغقلون بياء الغيبة وقرأ أبو عمرو يعقلون بياء الغيبة على الالتفات وهو أبلغ في الموعظة لإشعاره بأنهم لعدم عقللهم لا يصلحون للخطاب...) التلطف مع المعلم والتأدب: كما في قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح، قال تعالى: "فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۗ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِ ئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿ ١٧﴾" قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر (ليَغرَق) بفتح الياء والرا ء مضارع غرق الثلاثي و (أهلُها) بالضم فاعل الفعل250. 244 السبعة في القراءات، ابن مجاهد، ص 495. التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني، ص 113. تحبير التيسير في القراءات العشر، ابن الجزري، ص499. 245 ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج20 , ص153 ,154. 246 - انظر أبو حيان , البحر المحيط , ج7 , ص122.وأبو السعود , إرشاد العقل السليم , ج4 , ص314..وانظر ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج20 , ص154. 247 ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج20 , ص154. 248 1- الزمخشري , الكشاف , ج4 , ص516. 249 الألوسي , روح المعاني , ج20 , ص99. 250 التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني، ص98. النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ج2، ص113.

عدد الصفحات ٨١

سورة الكهف بطبيعتها قصص جاءت إجابة لأسئلة المشركين والذين أملوا عليهم من أهل الكتاب عن قصتين قصة أهل الكهف وقصة ذي القرنين.وهي قصص للموعظة وتربية النفس , وخاصة هذه القصة التي نحن بصدد معرفة غرض الالتفات فيها . قدمت هذه القصة تمهيداً للإجابة عن سؤال المشركين عن ذي القرنين ,لما لها شبه بها من أنها تطواف في الأرض , ولكن هذه لطلب نفع صالح , وهي قصة سفر موسى عليه السلام لطلب لقاء من هو على علم لا يعلمه موسى. وفي سوق هذه القصة تعريض بأهل الكتاب بأن الأولى لهم أن يدلوا الناس على أخبار أنبياء إسرائيل وعلى سفر لأجل تحصيل العلم والحكمة لا سفر لأجل بسط الملك والسلطان كما تحكيها قصة ذي القرنين 251. وكما قال ابن عاشور عنها252: (هي قصة تطلب ذي الفضل والكمال للازدياد منهما وسعيه للظفر بمن يبلغه الزيادة من الكمال , اعترافاً للفاضل ببفضيلته ) وقبل أن ينطلق النبي مع الرجل الصالح في رحلة العلم والتعلم نبه الرجل الصالح موسى عليه السلام بأنه سيضيق ذرعاً بما سيشاهد وهو يعلم بأنه سيصدر منه أفعال ظاهرها المنكر وباطنها المعروف.فقال "إنك لن تستطيع معي صبرا". يقول ابن عاشور في الآية 253: (وهذا تحذير منه لموسى وتنبيه على ما يستقبله منه حتى يقدم على متابعته إن شاء على بصيرة أو على غير اغترار , وليس المقصود منه الإخبار . فمناط التأكيدات في جملة "إنك لن تستطيع معي صبرا" إنما هو تحقيق خطورة أعماله وغرابتها بحيث لا تتحمل , ولو كان خبراً على أصله لم يقبل فيه المراجعة ولم يجبه موسى بقوله "ستجدني إن شاء الله صابراً" . وفي هذا أصل من أصول التعليم أن ينبه المعلم المتعلم بعوارض موضوعات العلوم الملقنة لاسيما إذا كانت في معالجتها مشقة..) ولما صدر أول فعل للرجل الصالح أنكره موسى عليه السلام وكونه أول فعل كان استنكاره أخف من غيره لأنه لم يكن قد شهد فعلاً غيره فكان وفعه على نفسه عليه السلام أخف ولأنه صبره الرجل الصالح قبل أي شيئ لما قال ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿ ٧٦﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِ هِ خُبْرًا ﴿ ٨٦﴾ ومعروف أنه كلما زادت الأفعال التي تنكرها النفس وتستعجبها العين المشاهدة يزيد الإستنكار ويشتد. 251 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج15 , ص359. 252 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج15 , ص359. 253 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج15 , ص371.

عدد الصفحات ٨٢

فإذن الالتفات عن مخاطبة الرجل الصالح بالإنكار عليه تلطفاً معه وتأدباً مع المعلم , بنسبة الغرق إلى أهل السفينة 254. يقول الدكتور محمد الزغول255( :قرأ حمزة والكسائي وخلف "ليغرق بفتح الياء وفتح الراء على الغيب , و"أهلها" بالرفع على الفاعلية , وقرأ الباقون "لتغرق" بضم التاء وكسر الراء على الخطاب , و"أهلها" بالنصب على المفعولية , فتكون القراءة الأولى على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إذ أن سياق الآية "قال أخرقتها" يقتضي الخطب "لتغرق" ولكن التفت إلى الغيبة ليسند موسى الغرق إلى أهل السفينة وليس للرجل الصالح تأدباًمعه ولو ظل الألسلوب القرآني على الخطاب لفاتت هذه الفائدة ) رددت هذه الصورة القرائية في(256القسم المدني) للأغراض الآتية: 1. تصغير المخاطب وتحقير عمله: قال تعالى في سورة البقرة: " ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۖ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَْنْهَارُ ۖ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۖ وَإِنَّ مِنْهَا لَ مَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ۖ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٤٧﴾" قرأ ابن كثير (يعملون) بالياء 257، الكلام في ذكر قبائح بنو إسرائيل ووصفهم بالعناد والتعنت , وهذه الآية جاءت في معرض الحديث عن قصة البقرة ووصف أفعالهم فيها من كثرة السؤال ومدارأتهم للجريمة وعدم تعقلهم بالآيات التي يريها سبحانه إياهم بل زادهم هذا قسوة في قلوبهم. يقول ابن عاشور في الآية258: ("ثم" هنا للترتيب الرتبي الذي تهيأ له ثم إذا عطفت الجمل أي ومع ذلك كله لم تلن قلوبكم ولم تنفعكم الآيات فقست قلوبكم وكان من البعيد قسوتها وقوله "من بعد ذلك" زيادة تعجيب من طرق القساوة للقلب بعد تكرر جميع الآيات.) فأظهرهم سبحانه في صورة من لا يليق بهم حضوره ومن ليسوا أهلاً لئن يخاطبوا أصلاً حتى بالتوبيخ بعد قساوة قلوبعم فهي لا تعتبر بالتوبيخ ولا بغيره. بل الوعيد أليق بحالهم كالمرض الذي لا يرجى شفاؤه. 254 انظر السمين الحلبي , الدر المصون , ج7 , ص527.وابن عاشور , التحرير والتنوير , ج15., ص375. 255 - محمد الزغول , الإلتفات في القراءات القرآنية , المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية , جامعة مؤتة , العدد الثاني 1427 هـ- 2006 م. 256 انظر التفاسير: البحر المحيط , التحرير والنوير. وانظر الشايع ,محمد بن عبد الرحمن , المكي والمدني في القرآن الكريم , ص71 - 72. 257 السبعة في القراءات، ابن مجاهد، ج2، ص217. الاقناع في القراءات السبع، ابن الباذش، ج2، ص599. النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ج2، ص217. 258258 ابن عاشور , التححرير والتنوير , ج1 ص562.

عدد الصفحات ٨٣

ويوضح هذا الغرض أبو حيان في تفسيره , يقول259: "وقرأ الجمهور تعملون بالتاء، وهو الجاري على نسق قوله (ثم قست قلوبكم). وقرأ ابن كثير بالياء ويحتمل أن يكون الخطاب مع رسول الله، ويحتمل أن يكون الخطاب مع بني إسرائيل ويكون ذلك التفاتاً إذ أُخرج من الخطاب في قوله تعالى "ثم قست قلوبكم" إلى الغيبة "يعملون" وحكمة هذا الالتفات أنه أعرض عن مخاطبتهم وأبرزهم في صورة من لا يقبل عليهم بالخطاب وجعلهم كالغائبين عنه، ولأن مخاطبة الشخص ومواجهته بالكلام إقبال من المخاطب عليه وتأنيس له فقطع عليهم مواجهته لهم بالخطاب لكثرة ما صدر عنهم من المخالفات). ولكن ابن عاشور لم يقبل الالتفات في القرآءات في هذه الآية حيث قال260: ( قرأه الجمهور بالتاء الفوقية تكملة خطاب بني إسرائيل، وقرأه ابن كثير ويعقوب وخلف "يعملون" بالياء التحتية وهو انتقال من خطابهم إلى خطاب المسلمين فلذلك غير أسلوبه إلى الغيبة وليس ذلك من , ص 565.الالتفات لاختلاف مرجع الضميرين لأن تفريع قوله "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم" دل على أن الكلام نقل من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب المسلمين). وأقول –والله تعالى أعلم- أن قوله تعالى (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) هو استئناف لإخبار المسلمين بفعل آخر من أفعال بني إسرائيل كما قال سبحانه في الآيات السابقة (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم..) وكقوله تعالى (وإذ قتلتم نفساً) ولكن هنا بدأها بالسؤال التقريري للمسلمين كونهم حرفوا كتاباً نزل عليهم من قبل أن ينزل على المسلمين هذا الكتاب وكلاهما من عند الله، فيكون قوله تعالى: "وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" التفاتاً من خطابهم في قوله " ثُمَّ قَسَتْ " إلى كونهم غيب تسميعاً لهم وتحقيراً ووعيداً بعد ما وصفهم بأعنف الأوصاف وأقساها. 259 أبو حيان ,, البحر المحيط , ج1, ص434.أبو السعود , إرشاج العقل السليم , ج1 , ص194. 260 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج

عدد الصفحات ٨٤

التلطف مع المؤمنين حتى يمتثلوا إلى ما أمرهم الله به: وذلك في موضع سورة المنافقون قوله تعالى: "وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّـهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۗ وَاللَّـهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ ١١﴾" قرأ شعبة (يعملون) بياء الغيبة261 . المقام مقام حث للمؤمنين على الإنفاق والإدخار للآخرة قبل حلول الأجل"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت" وهذا إبطال ونقض لكيد المنافقين حين قالوا "لا تنفقوا على من عند رسول الله " وهو يعم الإنفاق على المتقين حول رسول الله والإنفاق على غيرهم 262. وذلك وهم مقتدرين وقبل أن يفوت الفوت "من قبل أن يأتي أحدكم الموت" , أي قبل تعذر الإنفاق والإتيان بالأعمال الصالحة , وذلك حين يحس المرء بحالة تؤذن بقرب الموت ويغلب على قواه فيسأل الله أن يؤخر نفسه ويشفيه ليأتي بكثير مما فرط فيه من الحسنات طمعاً أن يستجاب له فإن كان في أجله تأخير فلعل الله أن يستجيب له فإن لم يكن في الأجل تأخير أو لم بقدر الله له الإستجابة فإنه خير كثير263. فأخبر سبحانه بأنه "لن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها " وهذا إرشاد من الله للمؤمنين ليكونوا على استعداد للموت في كل وقت. ويستلزم ذلك الزعد زالوعيد على الفعل والترك فقال "والله خبير بما تعملون " , يقول ابن عاشور264: ("والله خبير بما تعملون" عطف على جملة "لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم". أو تذييل والواو اعتراضية ويفيد بناء الخبر على الجملة الإسمية تحقيق علم الله بما يعمله المؤمنين ولما كان المؤمنون لا يخامرهم شك في ذلك كان التحقيق والتقوي راجعاً إلى لازم الخبر وهو الوعد والوعيد والمفام هنا مقامهما لأن الإنفاق المأمور به منه الواجب و المندوب وفعلهما يستحق الوعد وترك أولهما يستحق الوعيد ) فالالتفات من الخطاب إلى الغيبة لعلمه سبحانه بإمتثال المؤمنين لأمره فلطف بهم , وكان محيئ الخبر هنا لتحقيق الوعد على الفعل وتحقيق الوعيد على الترك فهم يعلمون كذلك ويؤمنون بالوعد والوعيد فلا تلزم المواجهة. والله تعالى أعلم 261 السبعة في القراءات، ابن مجاهد، ص637. الاقناع في القراءات السبع، ابن الباذش، ج2، ص787. النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ص582. 262 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج28 , ص252. 263 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج28 , ص253. 264264 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج28 , ص256.

عدد الصفحات ٨٥

الفصل الثالث أغراض الالتفات من الغيبة إلى التكلم والعكس وفيه مبحثان: المبحث الأول: أغراض الالتفات من الغيبة إلى التكلم. المبحث الثاني: أغراض الالتفات من التكلم إلى الغيبة. المبحث الأول: أغراض الالتفات من الغيبة إلى التكلم: بتتبع مواضع هذه الصورة في القراءات نجد أن أغراضها لا تكاد تخرج عن معنى التعظيم إذ ورد التحول في معظم نماذجه بنون المتكلم المعظم نفسه ولذلك يسميها النحاة بنون العظمة غير أن مغزاها البلاغي يختلف باختلاف مقامه بحسب التبليغ والوعد بالثواب والوعيد بالعقاب. وهنا ننتبه إلى أن أبا حيان وأبو السعود، كانا أكثر المفسرين اهتماماً بظاهرة الالتفات في توجيه القراءات، لا من جهة ما شاع عند كثير من الموجهين من الاقتصار على وصفها بذكر مصطلحها،

عدد الصفحات ٨٦

وإنما من حيث توظيفها وبيان أثرها في التراكيب ومحاولة استشراف مغزاها البلاغي من خلال استقراء واعٍّ لسياقها ومقامها265. أغراض الالتفات في القرآءاتمن الغيبة إلى التكلم في (القسم المكي)266: 1. التشديد بالترهيب والتهديد والتخويف قال تعالى: "مَن يُضْ لِلِ اللَّـهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ۗ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ " (سورة الأعراف:186) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر (نذرهم) بنون العظمة ورفع الراء 267. هذه الآية الكريمة من الجمل الشرطية في مقام الوعيد ومجيء ضميره متكلماً أبلغ في تحقيق ا لوعيد وتشديده إذ أنه سبحانه قد حضر بالتهديد فقال: " أذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ". وسبحانه في أفعاله سواءً الوعد أو الوعيد يحضر ليحقق مصداق أفعاله في النفس وليكون أبلغ في التهديد وأبلغ في التكريم. هذه الآية جاءت في موقع النتيجة الح اسمة على الشرك والتكذيب , وبمثابة الإخبار عن الطبع على قلوب المشركين268 , يقول أبو السعود 269: ("من يضلل الله فلا هادي له " استئناف مقرر لما قبله منبئ عن الطبع على قلوبهم ). فهم المتصفون بالتكذيب وعدم التفكر بحال الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله , وفي توقع اقتراب أجلهم ,قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿ ٢٨١﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ ۖ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿ ٣٨١﴾ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۖ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۖ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿ ٤٨١﴾ أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّـهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨١﴾ فمن اتصف بهذه الصفات كان حقاً عليه أن يقدر سبحانه دوام ضلاله قلا يطمع أحداً لأن يهديه ولو في المستقبل , يقول ابن عاشور (وعطف جملة "ونذرهم في طفيانهم يعمهون" على جملة "من يضلل الله فلا هادي له" للإشارة إلى استمرار ضلالهم وانتفاء هديهم في المستقبل كما وقع في الماضي ) 265 محمد، أحمد سعد، التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، ص347. 266 - انظر التفاسير: البحر المحيط , التحرير والنوير. وانظر الشايع ,محمد بن عبد الرحمن , المكي والمدني في القرآن الكريم , ص71 - 72. 267 ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص297. الداني، التيسير في القراءات السبع، ص82. وابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص381. 268 - انظر الزمخشري , تفسير الكشاف , ج2, ص537. أبو حيان , البحر المحيط , ج4 , ص431. 269 - أبو السعود , إرشاد العقل السليم , ج2 , ص444..الألوسي , روح المعاني , ج9 , ص

عدد الصفحات ٨٧

فإذن الالتفات بضميره سبحانه من الغيبة إلى التكلم تحقيقاً لطبعه على قلوبهم واليأس من إيمانهم والمقت بهم , فهم فريقً من الناس غير معروفين انفرد سبحانه بعلمهم ويطلع عليهم رسوله , وينكشف بعض ذلك عند موت بعضهم على الشرك 270. يقول أبو السعود في قوله تعالىوَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّـهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۗ فَنَذَرُ الَّ ذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ " (سورة يونس: 11 :)271 (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا بنون العظمة الدالة على التشديد في الوعيد). وفي القراءات وردت أمثلة أخرى: قوله تعالى: " وَمَن يَعْ ُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ " (سورة الزخرف:36)، قرأ القراء العشرة عدا يعقوب (نقيض) بنون العظمة272 . بعد الإخبار عن نفسه سبحانه بالغيبة وأنه الرحمن في فعل الشرط فجأة تظهر صورة المنتقم الجبار بحضوره بنون العظمة وهذا أبلغ في ذلك. ومثله قوله تعالى: "لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۗ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا " (سورة الجن: 17). قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر (نسلكه) بنون العظمة273. يخبر سبحانه عمن يعرض عن ذكره وأضاف اسمه إليهم فقال (ربه) تلطفاً بهم وتقرباً إليهم ألا يعرضوا، فإن صار وأعرضوا فهو متجهز لهم حاضر وهذا أبلغ في القراءة بنون العظمة. 2. إظهار التبكيت عليهم والتشفي بهم والاستهزاءقال تعالى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿ ١٢﴾ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿ ٢٢﴾" (سورة الأنعام)، لأنه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته، يجيء الكذاب يوم القيامة فيتصدى له سبحانه مستشفياً به مستهزأً عليه يقول (أين شركائي؟) فالتشفي والاستهزاء والتبكيت يظهران أبلغ بنون العظمة والجبروت. 270 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج9 , ص193. 271 أبو السعود العمادي، تفسير إرشاد العقل السليم، ج4، ص124. 272 انظر ابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص 548. والنشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج 2، ص281. 273 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص135. ابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص594.

عدد الصفحات ٨٨

المقام مقام تهديد على الشرك والتكذيب ولإثبات الحشروإ بطال الشرك 274 , كما هو شأن السور المكية. يقول تعالى : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۖ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿١٢﴾ فالنتيجة على ظلمهم وأثر الظلم وعدم الفلاح ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُ مَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٢٢﴾ 275 فذكر سبحانه ظلمهم وما كان شغلهم في الدنيا بجعلهم غيباً وعند ذكره ماهو من شغله وعمله في الآخرة تكلم عن نفسه تعظيماً وتنزيهاً له عن ظلمههم وإظهاراً لكبريائه وأنه غني عنهم , وتحقيقاً لوعيده , وتخويفاً لهم وتوبيخاً على شركهم . وهذا ما يدل عليه قوله"ويوم نحشرهم " , وبالسؤال التوبيخي "أين شركائي" وقوله "كنتم تزعمون" وعطفه بثم دون الواو "ثم نقول". فالزعم ظن يميل إلى الكذب أو الخطأ أو لغرابته يتهم صاحبه 276. والعطف بثم يقول ابن عاشور عنه 277:(وعطف "نقول" بـ "ثم" لأن القول متأخر عن زمن حشرهم بمهلة لأن حصة انتظار المجرم وما سبحل به أشد عليه , ولأن في إهمال الإشتغال بهم تحقيراً لهم وتفيد "ثم" مع ذلك الترتيب الرتبي ) فالالتفات إلى التكلم زيادة في تحقيق الوعيد في: "ويوم نحشرهم" وزيادة في التوبيخ عليهم والتهكم بهم في "ويوم نقول ".وعلق على الالتفات في هذا الموضع الدكتور محمد سالم محيسن 278: (قرأ القراء العشرة عدا "يعقوب" "نحشرهم , نقول" بنون العظمة فيهما . على الالتفات من الغيبة إلى التكلم , لأن السياق من قبل في قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا" يقتضي الغيبة فيقال: "ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول " أي الله تعالى لكن التفت إلى التكلم , على أنه إخبار من الله تعالى عن نفسه بأنه سيعاقب المفترون الكذب على الله تعالى , والمكذبين بآياته , والمشركين به , بالعذاب لأليم يو م القيامة , ويفضحهم على ؤوس الخلائق ويقول توبيخاً لهم وإنكاراً عليهم"أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ").وتقول خديجة البناني 279: (وعلى قراءة النون عدل سبحانه إلى هذا الضمير لإيضاح شدة الإعتناء بأمر الحشر ولتأكيد حدوثه يقول تعالى ذكره أن هؤلاء المفترون على الله كذباً والمكذبين بآياته لا يفلحون اليوم في الدنيا ولا يوم نحشرهم جميعاً والحشر كما هو 274 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج7 , ص173. 275 - الزمخشري , تفسير الكشاف , ج2 , ص332.وانظر أبو حيان , البحر المحيط , ج4 , ص98.والسمين الحلبي , الدر المصون , ج4 , ص571.. أبو السعود , إرشاد العقل السليم , ج2 , ص185. 276 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج7 , ص175. 277 ابن عاشور , اتحرير والتنوير , ج7 , ص174. 278 - محمد سالم محيسن , ج2 ,ص116. 279 - خديجة البناني , الإلتفات في القرآن إلى آخر سورة الكهف , ص356.

عدد الصفحات ٨٩

معلوم من أبرز الأمور التي جحدها الكفار واستبعدوا حدوثها وقد مر معنا أن تلك الأمور المنكرة من قبل الكفار يأتي معها هذا الضمير ليؤكد حدوثها ويقوي حجج الأنبياء بها ولهذا عدل بالأسلوب عن مساره السابق بالالتفات إلى ضمير التكلم). وكذا قوله في سورة الفرقان: "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَـٰؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴿ ٧١﴾" قرأ ابن عامر (نحشرهم، نقول) بنون العظمة280، وقرأ نافع وأبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي وخلف العاشر (نحشرهم) بالنون و(يقول) بالياء281. وكذا في قوله تعالى في سورة العنكبوتيَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ ٥٥﴾". قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب (ونقول) بالنون282 وهنا إظهار التشفي بهم والاستهزاء واضح إذ كانوا يستعجلون العذاب فلما جاءهم وغشاهم قال سب[حانهوَ نقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ". ومنه أيضاً قوله تعالى لجهنم في سورة ق: "يَوْمَ نَ قُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلََْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴿٠٣﴾" قرأ العشرة عدا نافع وشعبة (نقول) بنون العظمة283. يقول الدكتور محمد محيسن في هذه الآية الكريمة:284 (قرأ القراء العشرة عدا نافع وشعبة (نقول) بنون العظمة على الالتفات من الغيبة إلى التكلم؛ لأن السياق من قبل في قوله تعالى "الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴿٦٢﴾" يقتضي الغيبة فيقال (يقول) أي الله تعالى ولكن التفت إلى التكلم على أنه إخبار من الله تعالى عن نفسه بأنه يوم القيامة سينادي جهنم ويقول لها هلا امتلأتِ فتجيب بقولها هل من مزيد ولو ظل الأسلوب القرآني على الغيبة لما تحقق هذا المعنى البلاغي). 3. إظهار الاختصاص بالخلق والعناية والاهتمام بالخلائق وذلك يظهر في قوله تعالى في سورة يونس الكريمة: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۗ مَا خَلَقَ اللَّـهُ ذَٰلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ ۗ يُفَصِّلُ الآْيَاتِ لِقَوْ مٍ يَعْلَمُونَ ﴿ ٥﴾". قرأ نافع وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر (نفصل) بنون 280 انظر ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص253. وانظر النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج1، ص143. 281 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص108. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص131. 282 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص114. ابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص502. 283 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص129. ابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص563. 284 محيسن، محمد سالم، القراءات وأثرها في علوم العربية، مكتبة الكليات الزاهرية، القاهرة،1404 هـ- 1984م، ج2، ص121 .

عدد الصفحات ٩٠

العظمة285. فسبحانه التفت إلى التكلم على انه إخبار من الله تعالى عن نفسه بأنه وحده هو الذي جعل الشمس ضياءً، والقمر نوراً، وقدره منازل لمعرفة عدد السنين والحساب، وأنه يوضح هذه الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته لقوم يعلمون ذلك معرفة حقيقية، فيستدلون بهذه الآيات على وجود الله تعالى، وعلى أنه لا ينبغي أن يعبد غيره286. المقام مقام استدلال على انفراده سبحانه بالتصرف في المخلوقات . وهذا الدليل مسوق للامتنان على الخلق حيث تضمن أشياء يأخذ المخاطبون بحظ عظيم من التمتع بها وهو خلق الشمس والقمر على صورتهما وتقدير تنقلاتها تقديراً مضبوطاً ألهم الله البشر للانتفاع به في شؤون كثيرة من شؤون حياتهم 287 وهذا الدليل يعقله العاالمون فعقب بقوله "نفصل الآيات لقوم يعلمون" فهم من يعلم أن هذا هو الحق وأن ما خلق سبحانه يهدي إلى الحق "ما خلق الله ذلك إلا بالحق " , فنون المتكلم المعظم نفسه في "نفصل"اهتماماً منه سبحانه بالعالمين أنه الحق , فانتفعوا بما علموا288. وتعريضاً بالذين لاينتفعون بتفصيل الآيات فهم ليسوا من الذين يعلمون ولاممن رسخ فيهم العلم289 ,فلم يذكرهم , بل حضر عند ذكر العالمين فهم أهل لحضوره وأهل لإهتمامه . يقول الدكتور محيسن 290: (قرأ نافع وابن ع مر وشعبة وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر "نفصل" بنون العظمة. على الالتفات من الغيبة إلى التكلم , لأن سياق الآية في قوله تعالى "ما خلق الله ذلك إلا بالحق" يقتضي الغيبة فيقال "يفصل " أي الله تعالى ولكن التفت إلى التكلم على أنه إخبار من الله تعالى عن نفسه بأنه هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لمعرفة عدد السنين والحساب وأنه يوضح هذه الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته لقوم يعلمون ذلك معرفة حقيقية فيستدلون بهذه الآيات على وجود الله تعالى وعلى أنه لا ينبغي أن يعبد غيره ..). ومثله قوله تعالى في سورة يوسف الكريمة: "فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۗ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۗ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّـهُ ۗ نَرْفَعُ 285 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص 85. وانظر ابن الجزري، تحبير التيسير، ص 397. وانظر النشار، ا لبدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج1، ص397. 286 محيسن، القراءات وأثرها في علوم العربية، ج2، ص117. 287 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج11 ص93. 288 - انظر أبو حيان , تفسير البحر المحيط , ج5 , ص131.وأبو السعود , إرشاد العقل السليم , ج2 , ص630. والألوسي, روح المعاني , ج11 , ص71 289 ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج11 , ص96 ,97. 290 - محمد سالم محيسن , القراءات وأثرها في علوم العربية , , ج2 , ص117.

عدد الصفحات ٩١

دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴿ ٦٧﴾". قرأ القراء العشرة (نرفع، نشاء) بنون العظمة عدا يعقوب291. هذه الآية بمثابة النتجة والجزاء الحقيقي كل على فعلته , فلما كادوا إخوة يوسف به كيداً عظيماً قوبلوا بكيد أعظم منه مقتضاه الحكمة والعلم. قال تعالى:كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله " أي يُلهم تصوير حالته ويأذن ليوسف عليه السلام في عَمله باعتبار ما فيه من المصالح الجمة ليوسف وإخوته في الحال والاستقبال لهم ولذريتهم292 والالتفات إلى التكلم " نرفع درجات من نشاء " إهنماماً بحال المتقين ولبيان قوة ترصده سبحانه للخق وزهقه للباطل وأنه مع المتقين , ويرفع درجاتهم وإن كان ظاهر فعلهم أنه كيد وذنب ولكن جوهره الحكمة والعلم فقال "وفوق كل ذي علم عليم "تأكيد على علمه بأن هذا فيه مصلحة للجميع , يقول ابن عاشور 293: (قوله تعالى: "نرفع درجات من نشاء "تذييل لقصة أخذ يوسف أخاه لأن فيها رفع درجة يوسف عليه السلام في الحال بالتدبير الحكيم من وقت مناجاة أخاه إلى وقت استخراج السقاية من رحله , ورفع درجة أخيه في الحال بإلحاقه ليوسف عليه السلام في العيش الرفيه والكمال بتلقي الحكمة من فيه , ورفع درجات إخوته وأ بيه في الإستقبال بسب رفع درجة يوسف عليه السلام وهذا يقويه قراءة "درجات " بالتنوين على أنها تمييز, وتعلق فعل "نرفع " بمفعوله وهو "من نشاء " ووج ه الالتفات في هذا الموضع الدكتور محيسن يقول 294: (قرأ القراء العشرة عدا يعقوب "نرفع نشاء بنون العظمة فيهما. على الالتفات من الغيبة إلى التكلم , لأن سياق الآية في قوله تعالى "ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله " يقتضي الغيبة فيقال "يرفع درجات من يشاء" أي الله تعالى , ولكن التفات إلى التكلم , على أنه إخبار من الله تعالى عن نفسه بأن مقاليد جميع الأمور بيده فهو الذي يعز من يشاء وهو الذي بيده الخير وهو على كل شيء قدير... ) ولند بر أيضاً قوله تعالى في سورة الرعد الكريمة: "وَفِي الأَْرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الأُْكُلِ 291 ابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص416. والنشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج1، ص441 . وانظر الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، ص333. 292- ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج13 , ص32. 293 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج13 , ص32. 294 - محمد سالم محيسن , القراءات وأثرها في علوم العربية , ج2 , ص117.

عدد الصفحات ٩٢

ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿ ٤﴾". قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب (نفضل) بنون العظمة295. وإضافته سبحانه النعم لنفسه بنون العظمة يشعر بفخامة المنعم وفخامة النعمة مما يدل على عنايته سبحانه بالعالمين واستغناءه عنهم إن جحدوا وضلوا. المقام مقام إستدلال على تفرده تعالى بالإلهية بدلائل خلق العالَمين ونظامهما الدال على انفراده بتمام العلم والقدرة وادماج الامتنان لما في ذلك من النعم على الناس296. فذكر سبحانه ما هو مسلم فيه من أن السماوات والأرض خلقهن الله بياء الغيبة ولم يسند ذلك إلى ضميره , فقال "الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش....وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي....." وعند ذكره ما هو ممكن أن يشتبه على الناس في حلقه لما أن لهم في إخراجه من الأرض سبب من فلحه وسقيه بضمير المعظم نفسه حتى يعلم بإختصاصه بذلك , بمظهر تفضيل أكله بعضه على بعض وإن كانت متفاضلة في غيره لأنه غالب وجوه الإنتفاع من الثمرات 297, فهو من له الحق بالتصرف بالخلق , واهتماماً بالذين يعقلون ولللإمتنان عليهم بما خلق ,وتعريضاً بالذين لايعقلون ". يقول أبو السعود298: (لم يتعرض لغير تفضيل بعضها على بعض في الأكل الظاهر لكل عاقل مع تحقق ذلك في الخواص والكيفيات مما يتوقع العثور عليه على نوع تأمل وتفكر كأنه لا حاجة في ذلك إلى التفكر أيضاً وفيه تعريض بأن المشركين غير عاقلين...) يعلق ابن عاشور على الالتفات في هذا الموضع يقول : ( بلاغة القرآن في تغيير الأسلوب عند الانتقال إلى ذكر النعم الدالة على قدرة الله تعالى فيما ألهم الناس من العمل في الأرض بفلحها وزرعها وغرسها والقيام عليها ، فجاء ذلك معطوفاً على الأشياء التي أس ند جَعْلها إلى الله تعالى ، ولكنه لم يسند إلى الله حتى بلغ إلى قوله: " ونفضل بعضها على بعض في الأكل "، لأن ذلك بأسرار أودعها الله تعالى فيها هي موجب تفاضلها. وأمثال هذه العِبر، ولَفْتتِ النظر مما انفرد به القرآن من بين سائر الكتب). 295 انظر ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص355. وابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع، ج2، ص675. وابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص420. 296 ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج13 , ص76 ,77. 297 - أبو حيان , البحر المحيط , ج5 , ص357. 298 - أبو السعود , إرشاد العقل السلم , ج3 , ص200.الألوسي , روح المعاني , ج13 , ص103.

عدد الصفحات ٩٣

وهذا ما ذهبت إليه خديجة البناني في مؤلفها تقول: (الالتفات في قوله تعالى:"ونفضل بعضها على بعض في الأكل " بصيغة التكلم في قوله عز وجل "نفضل" وذلك بعد ذكره سبحانه بصيغة الغيبة في قوله تعالى: "وهو الذي مد الأرض وجعل". وكان مقتضى السياق أن يأتي اللفظ بصيغة الغيبة أيضاً مثل - ويفضل – والعدول إلى التكلم تنبيهاً منه سبحانه على قدرته وحكمته وأنه المدبر للأشياء كلها جاء الالتفات ليدل على عظم هذه الآيات وقوة حجتها على وجوده سبحانه وتعالى وأحقيته جل ثناؤه بالإفراد في العبادة وهذا بين واضح لأنها مع اتفاقها فيى التربة والماء تفضل القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم – حين سئل عن هذه الآية فقال "الدقل والفارسي والحلو والحامض " 000 ففي ذلك آيات لمن كان داعياً وهو من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقهاا على ما يريد ولهذا قال تعالى: "إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون"...) هذه هي بلاغة القرآن في إيصال ما يراد بأبلغ صورة ووأبلغ بيان , فالحرف منه مكان الحرف بمثابة آية كاملة بياناً ومعنى. وفي سورة النحل: "يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَْعْنَابَ وَمِن كُ لِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ ١١﴾. قرأ شعبة (ننبت) بنون العظمة299. ننبت لكم به الزرع أبلغ بالعناية والاهتمام من ينبت لكم إذ قال سبحانه في الآية التي قبلها "أنزل من السماء ماءً لكم) وفي هذه الآية (ننبت لكم) والآية التي تليها (وسخر لكم) فالتفاته سبحانه بضميره سبحانه من كونه غيب إلى الحضور والتكلم لكمال العناية والاهتمام فهو لطيف بعباده رؤوف بهم قريب منهم. الآية 11 من النحل: هذه الآية كسابقتها جاءت استدلالاً على تفرده تعالى بالإلهية مدموج بالإمتنان , وإنما جاءت هذه الآية في سورة النعم سورة النحل التي فيها إكثار من التذكير بمنافع النعم وإكثار من الوعظ بالشكر عليها , وطبيغة السورة وجوها من ذكر الفائض من نعمه ولطف الله بالناس وما خلق لهم تستدعي التدرج بالوعظ والتذكير وليس كسورة الرعد فإن طبيعتها جاءت أشد بالوعظ من هذه السورة كونها جاءت ردود على أقوال الممتركين المعاندين. وهنا حالة انبات الزرع لا تحصل بإنزال الماء فحسب وإنما بصنع الإنسان من زرع وغرس فلم يعطف هذه النعمة على نعمة إنزال الماء في قوله "هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب 299 انظر ابنمجاهد، السبعة في القراءات، ص369. والداني، التيسير في القراءات السبع

عدد الصفحات ٩٤

ومنه شجر فيه تسيمون300, ونسبة هذا الإنبات لله تعالى بنون العظمة فيه تحنن وتلطف بالعباد , فالزرع والثمر متجدد مستمر الإنبات أفاده مجيء فعل "ننبت " استئناف بصيغة الإستقبال وأفاده تقديم الظرفين "لكم به" على المفعول "الزرع" دلالة على الإهتمام وإدخال المسرة 301, كما فيه مزيد تنبيه للناس على دفع غرورهم بقدرة أنفسهم لذلك قال "إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون " لكثرة ما تحت ذلك من الدقائق302. يقول أبو السعود303( :إن في ذلك أي في إنزال الماء وإنبات ما فصل لآية عظيمة دالة على تفرده تعالى بالألوهية لاشتماله على كمال العلم والقدرة والحكمة لقوم يتفكرون فإن من تفكر في أن الحبة أو النواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أسفلها فيخرج منه عروق تنبسط في أعماق الأرض وينشق أعلاها وإن كانت منتكسة في الوقوع ويخرج منه ساق فينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والحبوب والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص والطبائع وعلى نواة قابلة لتوليد الأمثال على النمط المحرر لا إلى نهاية مع اتحاد المواد واستواء نسبة الطبائع السفلية والتأثيرات العلوية بالنسبة إلى الكل علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال فضلا عن أن يشاركه أخص الأشياء في أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة تعالى عن ذلك علوا كبيرا وحيث افتقر سلوك هذه الطريقة إلى ترتيب المقدمات الفكرية قطع الآية الكريمة بالتفكر) فجاءت قراءة (النون) الضمير المعظم نفسه لتساهم مع القرائن على إيصال المراد والمغزى . والله تعالى أعلم يقول محمد الصادق قمحاوي في توجيه الالتفات في الآية الكريمة 304: ("ينبت لكم به الزرع قرئ بالياء جرياً على الأسلوب السابق وهوالغيبة في قوله تعالى: "هو الذي أنزل من السماء ماءلكم منه شراب" وقرئ : بالنون على أن الفعل مسند لضمير المتكلم المع ظم نفسه. ووجه الالتفات عن الغيبة إلى التكلم للتنبيه على تعظم تلك النعم نظراً لأنها لا تصدر إلا عن من له العظمة والقدرة العامة ) 300 - ابن عاشو , التحرير والتنوير , ج14 , ص114. 301301 - أبو السعود , إرشاد الغقل السليم , ج3, ص343. 302 ابن عشور , التحرير والتنوير , ج14 , ص115. 303 أبوالسعود , إرشاد العقل السليم , ج3 , ص344. واألوسي , روح المعاني , ج14 , ص108. ابن عاشو , التحرير والتنوير , ج14 , ص15. 304 محمد الصادق قمحاوي , طلائع البشر في توجيه القراءات العشر , ص102.

عدد الصفحات ٩٥

ويقول أبو حيان في هذا الغرض أن الالتفات من الغيبة إلى التكلم في مقام الإبلاغ يكون بغرض تفخيم الفاعل وما يستتبعه ذلك من تعظيم الفعل ومفعوله305. توكيد الوعد: قال تعالى في سورة النحل: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّـهِ بَاقٍّ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿96﴾ قرأ ابن كثير وعاصم وأبو جعفر وابن عامر بخلف عنه "ولنجزين" بنون العظمة. المقام مقام وعظ وإرشاد وتذكير بالجزاء وتحقيق له , نهى الله تعالى عن نقض عهد الإسلام لأجل ما فاتهم بدخولهم فيه من منافع عند قوم الشرك 306, "ولاتنقضوا الأيمان بعد توكيدها " , وقوله "ولا تتخذوا أيمنكم دخلاً بينكم" , "ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً" , يقول الزمخشري 307: (كرر النهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً بينهم تأكيدً عليهم وإظهاراً لعظم ما يركب منه ) , ولما كان نقض عهد الإسلام عظيم وعد سبحانه لمن أوفى بما عاهد عليه الله بما عنده من الخير الكثير المدخر (إنما عند الله هو خير لكم إن كنم تعلمون), فالعندية هنا عندية ادخار308, وهذا مناسب للوعد بالجزاء الباقي. يقول أبو السعود309: (وهو تعليل للنهي على طريقة التحقيق وكما أكد سبحانه التحذير من نقض الميثاق في الدين جاء الالتفات ليؤكد المعنى من تحقيق الوعد بالجزاء على الوفاء والصبر وخاصة في الدين وأخذ الميثاق عليه , واهتماماً بالمخاطبين وحملهم على الصبر . يقول أبو السعود عن الالتفت في الآية310: ("ولنجزين" بنون العظمة على طريقة الالتفات تكرير الوعد المستفاد من قوله تعالى "إن ما عند الله هو خير لكم" على نهج التوكيد القسمي مبالغة في الحمل على الثبات ف ي الدين والالتفات عما يقتضيه ظاهر الحال من أن يقال ولنجزينكم أجركم بأحسن ما كنتم تعملون للتوصل إلى التعرض لأعمالهم وإشعارهم بعليتها للجزاء) 305 محمد، أحمد سعد، التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، ص348. 306 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج14 , ص270. 307 - الزمخشري , تفسير الكشاف , ج3 , ص471. وانظر أبو حيان , البحر المحيط , ج5 , ص515.. ابن عاشور , التحرير والتنوير ج14 , ص268. 308 ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج14 , ص271. 309 - أبو السعود , إرشاد العقل السليم , ج3 , ص297. وانظر الألوسي , روح المعاني , ج14 , ص225. 310 - أبو السعود , إرشاد العقل السليم , ج3 , ص297 الألوسي , روح المعاني , ج14 , ص225. خديجة البناني , ص403

عدد الصفحات ٩٦