المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الالتفات في القراءات القرآنية أثره على المعنى

غزالة أبو حميد

صفحة ٥ من ٨

لأن المنفي عن آلهتهم أعم من المثبت لله تعالى , وليس مثل ذلك مما يضاد صيغة القصر لكفى في إفادته تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بحمله على إرادة الاختصاص في قوله: " والله يقضي بالحق ". فالمراد من قوله " والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء التذكير بعجز الذين يدعونهم وأنهم غير أهل للإلهية وهذه طريقة لإثبات صفة لموصوف ثم تعقيب ذلك بإظهار نقيضه فيما يُعد مساوياً له). والالتفات إليهم بالمخاطبة ما هو إلا إضعاف لهم عند مواجهتهم بعجز آلهتهم والتهكم بها بوصفها أنها لاتقضي بأي شيء فضلاً عن أنها جماد لا تملك القدرة على أي شيء فالالتفات إلى الخطاب في هذا المقام مشعر بالخزي والضعف من جهتهم وبالقوة والقدرة من جهته سبحانه , يقول ابن عاشور189: ( وقرأ نافع وهشام عن ابن عامر " تدعون " بتاء الخطاب على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لقرع أسماع المشركين بذلك . وقرأ الجمهور بياء الغيبة على الظاهر ) . وفي الإية التالية لهذه الآية اختلف القراء ولابن عامر الالتفات كذلك قال تعالى " أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۖ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَْرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّ ـهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّـهِ مِن وَاقٍ " قرأ ابن عامر (منهم) بكاف الخطاب190. وهو في نفس غرض الالتفات في الآية السابقة إذ أن قوله "أولم يسيروا في الأرض تقريراً لسير قريش ولنظرهم إلى آثار الأمم الذين أبادهم الله جزاء تكذيبهم رسلهم , فهم شاهدوا ذلك في رحلتهم رحلة الشتاء ورحلة الصيف وإنهم حدثوا بما شاهدوه من تضمهم نواديهم ومجالسهم فقد صار معلوماً للجميع 191. وضمير الفصل للسابقين ومقابلته بضميرهم يدلل على تصغيرهم أمام هؤلاءفقد كانوا أشد منهم قوة وأثاراً في الأرض فالالتفات لمخاطبتهم تصغيراً لهم وحطاً من شأنهم. 4. الإقبال والإيناس قال تعالى في سورة (ص): "هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿ ٣٥﴾" قرأ القراء العشرة عدا ابن كثير وأبو عمرو (توعدون) بتاء الخطاب192 189 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج24، ص118. 190 ابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع، ج2، ص753. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص261 . 191 ابن عاشور،التحرير والتنوير،ج24، ص119. 192 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص 122. ابن البا ذش، الإقناع في ا لقراءات السبع، ج 2، ص 748. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج2، ص364. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص246

عدد الصفحات ٦٥

السياق يتحدث عن الأنبياء وذكرهم الجميل في العاجلة " واذكر عبدنا داود ذا الأيدي إنه أواب " وقوله: " ووهبنا لداود سليمن نعم العبد إنه أواب " , " واذكر عبدنا أيوب اذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب " , "واذكر عبدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار " , " واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار " وما تبع ذلك من أنباء تخبر عن محاسنهم وشرفهم بين الناس فأراد سبحانه بيان أيلولة حالهم في الآخرة جزاءاً على حسنهم وشرفهم " هذا وإن للمتقين لحسن مئاب "وهذا كما قالوا المفسرين شروع في بيان أجرهم الجزيل قي الآجل بعد بيان ذكرهم الجميل في العاجل 193 "جنات عدن مفتحة لهم الأبواب. متكثين فيها يدعون فيها بفاكهة كثثيرة وشراب .وعندهم قاصرات الطرف أتراب " وعبر عن هذا الجزاء بالإخبار عنهم بالغيب وقبل أن ينتقل إلى ذكر مآل الكافرين أكد للمتقين جزاءهم وحقق لهم وقوعه "هذا ما توعدون ليومم الحساب " وكان أبلغ في مجيء الجملة على التأكيد والتحقيق حضوره سبحانه لمخاطبة المتقين تبشيراً لهم وتشريفا, يقول أبو السعود194: " ( هذا ما توعدون ليوم الحساب " أي لأجله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء وقرئ بالياء ليوافق ما قبله والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم ) , ولابن عاشور كلام دقيق في ذلك اصغي إليه ماذا يقول195: ( " هذا ما توعدون ليوم الحساب " استئناف ابتدائي فيجوز أن يكون كلاماً قيل للمتقين وقت نزول الآية فهو مؤكد لمضمون جملة "وإن للمتقين لحسن مئاب " وجيء باسم الإشارة للقريب تنزيلاً للمشار إليه منزلة المشار إليه الحاضر إيماء إلى أنه محقق وقوعه تبشيراً للمتقين. ويجوز أن يكون كلاماً يقال للمتتقين في الجنة فتكون الجملة مقول قول محذوف هو في محل حال ثانية من المتقين. والتقدير: مقولاً لهم: هذا ما توعدون ليوم الحساب. والقول: إما للملائكة مثل قوله تعالى "أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون " , وإما من جانب الله تعالى نظير قوله لضدهم "ونقول ذوقوا عذاب الحريق " . والإشارة إذن إلى ما هو مشاهد عندهم من النعيم . وقرأ الجمهور " توعدون " بتاء الخطاب فهو على الإحتمال الأول التفات من الغيبة إلى الخطاب لتشريف المتمقين بعز الحضور لخطاب الله تعالى , وعلى الإحتمال الثاني الخطاب لهم على ظاهره. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحده " يوعدون " بياء الغيبة فهو على الإحتمال الأول 193 الزمخشري، تفسير اكشاف، ج5،276، أبو حيان، البحر المحيط،ج7، ص386..أبو السعود، إرشاد العقل اسليم،ج 4، ص583، لألوسي، روح المعاني،ج23، ص214. 194 أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج4،ص584.. وانظر السمين الحلبي، الدر المصون،ج9، ص387. 195 ابن عاشور، التحرر والتنوير، ج23، ص283.

عدد الصفحات ٦٦

التفات عن توجيه الخطاب إليهم إلى توجيهه للطاغين لزيادة التنكيل عليهم . والإشارة إلى المذكور من " حسن المئاب , وعلى الإحتمال الثاني كذلك وُجه الكلام إلى أهل المحشر لتنديم الطاغين وإدخال الحسرة والغم عليهم. والإشارة إلى النعيم المشاهد ). فإذن الالتفات إلى الخطاب كان للمتقين حين نزول الآية وهو من جهته سبحانه يريد تحقيق ذلك الوعد وتبشير المتقين ومن جهتهم تشريفاً لهم بعز الحضور لخطاب الله تعالى. لتأكيد البعث وبعده الجزاء: في آية سورة (ق) قوله تعالى: " هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿ ٢٣﴾" قرأ القراء العشرة عدا ابن كثير (توعدون) بتاء الخطاب. المقام مقام استدلال على البعث الذي أنكره الكفار . وليتم هذا الإستدلال لابد من التعرض لذكر المشاهد الحاضر أمامهم وللغائب الموعودون به. ومن المشاهد الحاضر لهم وذكره سبحانه في السورة: " ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ﴿ ٦﴾ وَالأَْرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿٧﴾ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴿٨﴾ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴿ ٩﴾ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴿ ٠١﴾ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَ لْدَةً مَّيْتًا ۖ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ ﴿١١﴾ , أما الغائب الموعود به: -﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴿ ٩١﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِ يدِ ﴿٠٢﴾ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿١٢﴾ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿ ٢٢﴾ – جاء بصيغة الماضي للإشعار بقربه فكأنه صار بمنزلة ما حصل قصداً لإدخال الروع في نفوس المشركين كما استفيد من قوله "ذلك ماكنت منه تحيد" نظير قوله تعالى "قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم", وكذا قوله "ونفخ في الصور " فصيغ له المضي لتحقيق وقوعه 196 والجزاء على الأعمال جاء به سبحانه بمؤكدات كثيرة وكون الحديث عن المتكرين بدأ بهم فقال تعالى: "﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴿ ٤٢﴾ مَّ نَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ﴿ ٥٢﴾ " ثم قال مؤكداً الجزاء ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴿ ٦٢﴾ ومؤكداً آخر وآخر قوله: ﴿ 196 الزمخشري، تفسير الكشاف ،ج5، ص598.. أبو السعود ، إرشاد العقل السليم، ج 5، ص188.الألوسي، روح المعاني، ج 26، ص182،ابن عاشور، اتحرير واتنوير، ج26، ص305.

عدد الصفحات ٦٧

قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴿ ٢٨﴾ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴿ ٩٢﴾ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلََْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴿ ٠٣﴾ هذا عن الكفرة ووعيدهم أما عن المتقين المؤمنين بالبعث ووعدهم فقد جاء سبحانه بوعد المتقين معرضاً بهؤلاء المنكرين ومحرضاً إياهم على التوبة فقال سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍّ ﴿١٣﴾ فوصف الجنة بالقريبة ثم بالغير بعيدة تأكيداً للمتقين وبعده الالتفات إليهم قال تعالى: ﴿هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِ أَوَّابٍّ حَفِيظٍّ ﴿ ٢٣﴾ جاء غرضه ا لتأكيد أيضاً والله تعالى أعلم . وهذا غير الموضع السابق "هذا ما توعدون ليوم الحساب " الذي جاء في سورة ص في مقام التكريم واتشريف 5. تعجيباً واستنكاراً: قال سبحانه في سورة الجاثية الكريمة: " تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِي ثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿ ٦﴾" قرأ ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي ورويس وخلف العاشر (يؤمنون) بتاء الخطا السياق يتحدث عن آيات الله الكونية والتي تدل على انفراده سبحانه بالإلهية قوله تعالى: ﴿حم ﴿١﴾ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّـهِ الْعَزِي زِ الْحَكِيمِ ﴿ ٢﴾ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ لآَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿ ٣﴾ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿ ٤﴾ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿ ٥﴾ , وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ , هي إشارة إلى ما ذكرمن الآيات "لآيات للمؤمنين " , "ءايات لقوم يؤمنون " , "ءايات لقوم يعقلون " والإستفهام بعده للإستنكار والتعجيب والتأييس من حالهم كونهم لا يؤمنون والالتفات في مقام التعجيب من حال الكفار تويخ وتقريع واستنكار. 6. أبلغ في إعلامهم بالحقيقة: قال تعالى في سورة المدثر: "وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّـهُ ۖ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَ ىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴿ ٦٥﴾" قرأ نافع (وما يذكرون) بتاء الخطاب197 . السياق يتحدث عن تكذيب المشركين بالقرآن وتفننهم في ذلك﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً ﴿٢٥﴾ طلبوا من انبي أن يكون لكل واحد منهم كتاباً من الله إلى فلان بن فلان فأبطل سبحانه أن يكون لهم ذلك بقوله "كلا بل لا يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة " فهو تعليل لردعه عن سؤالهم أن تنزل عليهم صحف منشرة بأن هذا القرآن تذكرة عظيمة "فمن شاء ذكره" ثم نفى سبحانه أن يكون للمشركين ذكرى إلا أن يشاء اللله "وما تذكرون إلا أن يشاء الله 197 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص 134. ابن البا ذش، الإقناع في القراءات السبع، ج 2، ص 797. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج2، ص393. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص398

عدد الصفحات ٦٨

"198إفساراً لمشيئتهم م وإلجاءاً لهم على الذكرى والمواجهة أبلغ في إعلامهم بالإقسار والإلجاء. يقول ابن عاشور 199: ("وما تذكرون إلا أن يشاء الله " معترضة في آخر الكلام لإفادة تعلمهم بهذه الحقيقة والمعنى: أن تذكر من شاءوا أن يتذكروا لا يقع إلا مشروطاً بمشيئة الله أن يتذكروا , وقد تكرر هذا في القرآن الكريم تكرراً ينبه على أنه حقيقة واقعة كقوله "وما تشاءون إلا أن يشاء الله " وقال هنا "كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره " فعلمنا أن للناس مشيئة هي مناط التكاليف الشريعية والجزاء في الدنيا والآخرة , وأن لله ت عالى المشيئة العظمى التي لا يمانعها مانع ولا يقسرها قاسر , فإذا لم يتوجه تعلقها إلى إرادة أحد عباده لم يحصل له مراد وهذه المشيئة هي المعبر عنها بالتوفيق إذا تعلقت بإقدار العبد على الداعية إلى الطاعة وامتثال الوصايا الربانية، وبالخِذلان إذا تعلقت بتركه في ضلاله الذي أوْبَقَتْهُ فيه آراؤه الضالة وشهواته الخبيثة الموبقة له في الإِعراض عن شرائع الله ودعوة رسله ، وإذا تعلقت بانتشال العبد من أوْحَال الضلال وبإنارة سبيل الخير لبصيرته سميت لُطفاً مثل تعلقها بإيمان عُمر بن الخطاب وصلاحه بعد أن كان في عناد، وهذا تأويل قوله تعالى: " فمن يُرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ومن يُرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يَصَّعَّدُ في السماء: 125 } وقرأ نافع ويعقوب (وما تذكُرون) بمثناة فوقية على الالتفات، وقرأه الجمهور بتحتية على الغيبة، فالمعنى أنهم يغلب عليهم الاستمرار على عدم الذكرى بهذه التذكرة إلا أن يشاء الله التوفيق لهم ويلطف بهم فيخلق انقلاباً في سجي ة من يشاء توفيقه واللطفَ به . وقد شاء الله ذلك فيمن آمنوا قبل نزول هذه الآية ومَن آمنوا بعد نزولها. فمفاد الكلام أن للمشركين مشيئة طويلة في عدم التذكر بالذكمرئ وعنادهم ووتشبثهم في ضلالهم وآرائهم فمتى شاءوا سبل الخير شاءه الله لهم وإلا كان لهم الحرمان من الرحمة والضلال في الأرض . 198 الزمخشري، تفسير ا لكشاف،ج6،ص264. أ.بو السعود ،إرشاد العقل السليم ، ج5 ص427،الألوسي،تفسير روح المعاني ،ج29، ص134. 199 - ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج29، ص331.

عدد الصفحات ٦٩

وكذا في قوله تعالى في سورة الإنسان: " وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّـهُ ۖ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٠٣﴾ قرأ نافع وابن عامر بخلف عنه وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف العاشر (وما تشاؤون) بتاء الخطاب200. أغراض الالتفات في القراءات من الغيبة إلى الخطاب في القسم المدني: 1. تشديد الوعيد قال تعالى في سورة البقرة آية 96 :"وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الن اسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۖ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ " قرأ يعقوب (تعملون) بالتاء201. المقام مقام إيقاع الحجة على بني إسرائيل , لإبطال ما ادعوه من سبب عدم إيمانهم بالرسالة المحمدية وهو أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم وكان السبب الحقيقي حسداً من عند أنغسهم أن جاءهم رسول من غيرهم. فجاءت هاته المجادلات المصدرة بقل لإبطال مدونتهم وفضح مقصدهم , قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّـهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿ ١٩﴾ وقوله ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْ مِنِينَ ﴿ ٣٩﴾ , ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآْخِرَةُ عِندَ اللَّـهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْ تَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿ ٤٩﴾ , ﴿ِقُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّـهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ ٧٩﴾. واالجدال الذي نحن بصدده قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَا نَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآْخِرَةُ عِندَ اللَّـهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿ ٤٩﴾ أبطل به ما تضمنه من أنهم شديدوا التمسك بما أنزل عليهم حريصون على العمل به متباعدون من البعد عنه لقصد النجاة في الآخرة 202. فحاجهم بقوله : "ولن تمنوه أبداً بما " فعدم تمنيهم الموت ليس على الوجه المعتاد عند البشر من كراهة الموت ما دام المرء بعافية بل هم تجاوزوا ذلك إلى كونهم أحرص من سائر البشر على الحياة حتى المشركين الذين لا يرجون بعثاً ولا نشوراً ولا نعيماً فنعيمهم عندهم هو نعيم الدنيا وإلى أن تمنوا أن 200 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص137. ابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع، ج2، ص800. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص402. اتحاف فضلاء البشر في القراءات العشر، ص566 3 الأصبهاني، المبسوط في القراءات العشر، ص133. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ص393. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج1، ص159 1 أبو السعود، إرشاد العقلالسليم إلى مزايا القرآن الكريم، ج1، ص132 202 ابن عاشور،التحرير والتنوير، ج1،ص620.

عدد الصفحات ٧٠

يعمروا أقصى أمد التعمير مع ما يعتري صاحب هذا العمر من سوء الحالة ورذالة العيش203 . فأخبر سبحانه بعلمه بنفاقهم وأنهم يبدون مالا يخفون , فهو البصير , وهذا الخبر يفيد التهديدوالتوبيخ لما يعملون , يقول أبو حين 204: ("يعملون" بالياء على نسق ا لكلام السابق , وقرأ الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب بالتاء على سبيل الالتفات والخروج من الغيبة إلى الخطاب , وهذه الجملة تتضمن التهديد والوعد , أتى هنا بصفة بصير , وإن كان الله تعالى متنزهاً عن الجارحة إعلاماً بأن علمه بجميع الأعمال علم إحاطة وإدراك للخفيات ... ). وعلق أبو السعود قفقال 205: (البصير في كلام العرب العالم بكنه الشيء الخبير به ومنه قولهم فلان بصير بالفقه أي عليم بخفيات أعمالهم فهو مجازيهم بها لا محالة وقرأ بتاء الخطاب إلتفاتاً وفيه تشديد الوعيد ) فاستعمال اسم الجلالة البصير في مقام ابداء مالا يخفى بلاغة في إيصال التهديد والوعيد والالتفات آكد في ذلك وقوله تعالى في سورة آل عمران آية 180 :"وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ وَلِلَّـهِ مِيرَاثُ السَّ مَاوَاتِ وَالأَْرْضِ ۖ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر (تعملون) بتاء الخطاب206، المقام مقام وعد للمؤمنين المحسنين ووعيد للكافرين المنافقين . المؤمنون بذلوا أرواحهم وأموالهم استجابة لله ورسوله يوم أحد , والمنافقون بخلوا بها , ومع ذلك كانت الهزيمة على ظاهرها للمؤمنين , والغلبة للكافرين , فحصل مقابلة الإعلام بخلاف الحسبان في حالتين : إحداهما تلوح للناظر حالة ضر , والأخرى تلوح حالة خير , فأعلم الله أن كلت ا الحالتين على خلاف ما يتراءى الناظرين 207, قال تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله اموات " , "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير..." "ولا يحسبن الذين يبخلون...." يقول ابن عاشور في سبب نزول الآية: ( "ولا يحسبن الذين يبخلون" عطف على " ولا يحسبن الذين كفروا " ، لأن الظاهر أن هذا أنزل في شأن أحوال المنافقين ، فإن هم كانوا يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، كما حكى الله عنهم في سورة النساء ( 37 ) بقوله: ( الذين يبخلون ويأمرون الناس 203 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج1، ص617. 204 أبو حيان،البحر المحيط،ج1، ص483. 205 أبو السعود، إرشاد الغقل السليم، ج1، ص219، وانظر الألوسي، روح المعاني،ج1، ص331.وابن عاشور، التحرير والتنوير، ج1، ص619. 1 الزمخشري، الكشاف عن حقائق وغوامض التنزيل، ج1، ص151. أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج2، ص120. 207 ابن عاشور، التحرير والتنوير،ج4، ص175.

عدد الصفحات ٧١

بالبخل وكانوا يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله حت ى ينفضُّوا، وغير ذلك، ولا يجوز بحال أن يكون نازلاً في شأن بعض المسلمين لأن المسلمين يومئذ مبر ؤون من هذا الفعل ومن هذا الحسبان، ولذلك قال معظم المفس رين: إن الآية نزلت في منع الزكاة ، أي فيمن منعوا الزكاة، وهل يمنعها يومئذ إلا منافق. ولعل مناسبة ذكر نزول هذه الآية هنا أن بعضهم منع النفقة في سبيل الله في غزوة أُحُد. ومعنى حسبانه خيراً أن هم حسبوا أن قد استبقوا مالهم وتنص لوا عن دفعه بمعاذير قُبلت منهم. والالتفات إلى الخطاب في هذا المقام تهديد ووعيد يقول الزمخشري صاحب الكشاف 208: (قُرئت (بماتعملون) بالتاء والياء فالتاء على طريقة الالتفات وهي أبلغ في الوعيد والياء على الظاهر)209. وذهب إلىى ذلك الألوسي في روح المعاني فقال 210 : (والله بما بتعملون من المنع والبخل خبير فيجازيكم علىذلك وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في الوعيد لأن تهديد العظيم بالمواجهة أشد وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وقرأ بابالياء على الغيبة) 2- التحريك للعمل بما عُلم من الحق قال تعالى في سورة البقرة آية 144 :"قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۖ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۖ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ" قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وروح (تعملون) بالخطاب211، السياق يتحدث عن مراوغة المشركون في أمر القبلة وتحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. والترصد للمسلمين بإلقاء الشيهة في دينهم وتنكيسهم فيقولون مادام المسلمون على ملة إبراهيم فما الذي دعاهم إلى الخروج عنها ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۖ ﴿٠٣١﴾ فأخبر سبحانه بأنه ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۖ ﴿٢٤١﴾ مع 208 الزمخشري، تفسير الكشاف،ج1، ص669.انظر أبو حيان،البحر المحيط،ج3، ص134. أبو السعود، إرشاد العقل السليم،ج1، ص312. 210 - الألوسي، روح المعاني،ج4،ص140. 211 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص 61. ابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع، ج 2، ص 604. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج1، ص176.

عدد الصفحات ٧٢

علمهم في كتبهم ومن أنبيائهم أن أمر الوجهة إلى البيت المقدس ستتغير﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ ﴿٤٤١﴾ فتوعد لهم سبحانه على صنيعهم هذا من المكابرة والتنكيس على المسلمين بقوله ﴿ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿٤٤١﴾ وهذا الخبر كناية عن الوعيد بجزائهم عن سوء صنيعهم لأن فول القادر ما أنا بغافل عن المجرم تحقيق لعقابه إذ لا يحول بين القادر والجزاء إلا عدم العلم.212 والالتفات إليهم لمواجهتهم بعدم الغفلة تخويفاً لهم وتحقيقاً للووعيد الشديد. قال أبو حيان (قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب. فيحتمل أن يراد به المؤمنين لقوله "فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ "، ويحتمل أن يراد به أهل الكتاب فيكون من الالتفات ووجهه أن في خطابهم بأن الله لا يغفل عن أعمالهم، تحريكاً لهم بأن يعملوا بما علموا من الحق، لأن المواجهة بالشيء تقتضي شدة الإنكار وعظم الشيء ال ذي ينكر) 213، بينما جعل الألوسي الخطاب للمؤمنين وعيداً لهم فقد أرجع الضمير في القراءة بالتاء إلى المسلمين، واعتبر جملة " وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍّ عَمَّا يَعْمَلُونَ" تذييل إجمالي في الحالين بالقراءة بالتاء والياء إذ تجمل كل من القراءتين ما تريده القراءة الأخرى فالقراءتين متساويتين214. ومن الجديرذكره قول ابن عاشور في التحرير والتنوير: (قرأه الجمهور بياء الغيبة والضمير للذين أوتوا الكتاب أي عن عملهم بغير ما علموا والمراد بما يعملون هذا العمل ونحوه من المكابرة والعناد والسفه. وه ذا الخبر كناية عن الوعيد بجزائهم عن سوء صنيعهم) ويقول بعد ذلك: (ووعيدهم يستلزم في المقام الخطابي وعداً للمسلمين لدلالته على عظيم منزلتهم فإن الوعيد إنما مرتب على مخالفتهم للمؤمنين. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وروح عن يعقوب بتاء الخطاب فهو كناية عن وعد للمسلمين على الامتثال لاستقبال الكعبة، ويستلزم وعيداً للكافرين على عكس ما تقتضيه القراءة السابقة؛ وعلى القراءتين فهو ت ذييل إجمالي)215. فأياً كان التقدير فكلاهما محركان للأتقياء والامتثال والعمل؛ فعلى تقدير الخطاب للمؤمنين فهو وعداً لهم يحرك المخالفين للامتثال بهم، وعلى تقدير الخطاب لأهل الكتاب فهو التفات عنيف قوي من الله عز وجل فهو يواجههم بالجزاء والوعيد مما يظهر شدة عضبه سبحانه من صنيعهم وبالتالي تحريكهم للعمل. 212 ابن عاشور، التحرير والتنوير،ج2، ص34. 213 أبو حيان الأندلسي،البحر المحيط، ج1، ص604. 214 الألوسي، روح المعاني، ج2، ص10 215 ابن عاشور،التحرير والتنوير، ج2، ص33.

عدد الصفحات ٧٣

ومنه قوله تعالى من سورة النساء: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّ كَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّـهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۖ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۖ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَ ا قَلِيلٌ وَالآْخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴿ ٧٧﴾. قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر , ويعقوب بخلف عن روح "ولا تظلمون" بتاء الخطاب 216. المقام مقام ترغيب ووعد . هذه الآية جاءت في معرض الحث على الجهاد , وهي معترضة بين جملة: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله " والجمل التي بعدها وبين جملة "فليقاتل في سبيل الله "217 ,وذلك لشأن التعجيب من حال هؤلاء الفؤيق من المؤمنين الذين طلبوا من النبي أن يأذن لهم بقتال المشركين في مكة , فأمهلهم زماناً , وعندما صاروا في المدينة أمرهم بالقتال فجبنوا. فأخبر سبحانه بأن الإمنثال للأمر خير من القعود عنه وأن الدنيا حالها في زوال والأخرة خير لمن اتقى وحينها لا تنقصون من أجور أعمالكم ومشاق التكاليف أدنى شيء .وهو ترغيب مدعاة لتحريك للعمل ولتحقيق الوعد والمخاطبة أبلغ في ذلك 218 3- التشديد في التوبيخ: قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّـهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴿٣٨﴾. قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة وحمزة والكساثي وأبو جعفر وخلف العاشر "تبغون" بتاء الخطاب 219. المقام مقام توبيخ وإستنكار على من يطلب غير الإسلام ديناً. فالسياق يتحدث عن أهل الكتاب وإيمانهم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم .يخبر سبحانه عن أخذه المبثاق من النبين على هذه الرسالة وإشهاد أممهم على ذلك. ثم التقبيح على من تولى, ووصفه أنه من الفاسقين ف الفسق في هذه الحالة أشد فسقاً وغيره من الفسق كالعدم بالنسبة له 220. 216 ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص234، وانظر أبو عمرو الداني، التيسير في القراءات السبع، ص72. ابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص341. 217 انظر ابنعاشور، التحرير والتنوير، ج5، ص127. 218 أبو حيان، البحر المحيط،ج3، ص311. 219 انظر ابن مجاهد،السبعة في القراءات، ص213، أبو عمرو الداني،التيسير في القراءات السبع، ص68،وابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص325. 220 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج3،ص300.

عدد الصفحات ٧٤

والالتفات إليهم بالخطاب بعد وصفهم بالفسق و الهمزة الإنكارية بعده توبيخ واستنكار أشد وليؤكد سبحانه ذلك الإنكار أخبر ب" ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهً ا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴿٣٨﴾ 221 والمفسر ابن عاشور ألحق هذه الآية بصورة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وغرضه الإعراض عن مخاطبتهم إلى مخاطبة المسلمين بالتعجيب من أهل الكتاب , وبهذا تكون قراءة التاء عائدة على خطاب أهل الكتاب في "ولا يأملركم أن تتخذوا الملائكة".222 ولكن التوبيخ والإستنكار أبلغ وأوقع في النفس عندما يكون بالمواجهة .ويدلل على شدة ما أُنكر , يقول أبو حيان223: ("تبغون" تطلبون وهو هنا بمعنى تدينون لأنهم متلبسون بدين غير دين طالبوه , وعبر بالطلب إشعاراً بأنهم في كل وقت باحثون عنه ومستخرجوه ومبتغوه ) فهو متمكنن منهم لا ينفك عنهم.فالمخاطبة أبلغ في دفعهم إلى ناحية الصواب ودحض جحودهم ومكابرتهم 2- إقبال وإيناس واستعطاف: قال تعالى في سورة آل عمران "وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿ ٥١١﴾" قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف عن الدوري وابن عامر وشعبة وأبو جعفر ويعقوب (وَمَا تفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍّ فَلَن تكْفَرُوهُ ) بتاء الخطاب224. السياق يتحدث عن أهل الكتاب وصلاح أمة منهم , يفعلون الخيرات من قيام الليل وتلاوة آيات الله وغيرها , فوعدهم سبحانه بقبول أفعالهم وعدم كفرانها , والالتفات أبلغ في الإعلام بقبول الفعل وعدم رده وفيه كذلك تحريض على فعل الخير والإكثار منه فالله سبحانه يقبل من الجميع مادام العمل صالح قال ابو حيان: (والذي يظهر أنها التفات إلى قوله "أمة قائمة"، لما وصفهم بأوصاف جليلة أقبل عليهم تأنيساً لهم واستعطافا عليهم , فخاطبهم بأن ما تفعلون من الخير فلا تمنعون ثوابه , ولذلك اقتصر على قوله " من خير " لأنه موضع عطف عليهم وترحم ولم يتعرض لذكر الشر )225، 221 إرشاد العقل السليم، ابو السعود، ج1،ص508، وانظر روح المعاني، الالوسي،ج3،ص213. 222 التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج3، ص301. 223 أبو حيان الاندلسي،البحر المحيط، ج2، ص537. 224 ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص214. الأصبهاني، المبسوط في القراءات العشر، ص168. الداني،التيسير في القراءات السبع، ص568. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ص244 225 ابو حيان، البحر المحيط، ج3، ص40.

عدد الصفحات ٧٥

أما الألوسي فقال: (وفيه التفات ونكتته الخاصة هنا الإشارة إلى أنهم لاتصافهم بهذه المزايا أهل لأن يخاطبوا)226. 2. للاعتناء بالتحذير: ويظهر هذا في قوله تعالى في سورة الحديد:"أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّـهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَ لَيْهِمُ الأَْمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٦١﴾" قرأ رويس "ولا تكونوا" بتاء الخطاب227، الآية الكريمة تحريضاً للمومنين على الدوام على مراقبة ما يخشع قلوبهم من ذكر الله ومانزل من الحق والتحذير من أن تصيب قلوبهم الملل من طول الأمد كما حصل مع بني إسرائيل. يقول أبو السعود 228: ("ولا يكونوا" عطف على تخشع وقرئ بالتاء على الالتفات للإعتناء بالتحذير وقيل هو نهي عن مماثلة بني إسرائيل بعد أن وبخوا وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم.....) وقال الألوسي: (رواية "ولا تكونوا" بالتاء الفوقية على سبيل الالتفات للإعتناء بالتحذير والنهي مع الخطاب أظهر منه مع الغيبة)229. ولابن عاشور تفصيل آخر 230 : ( "ولا يكونوا" قرأه الجمهور بياء الغائب. وقرأه رويس عن يعقوب "ولا تكونوا" بتاء الخطاب. و "لا" نافية على قراءة الجمهور والفعل معمول ل "أنْ" المصدرية التي ذكرت قبله ، والتقدير: ألم يأن لهم أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب. وعلى قراءة رويس عن يعقوب فتاء الخطاب الالتفات و"لا" نافية، والفعل منصوب بالعطف كقراءة الجمهور، أو "لا" ناهية والفعل مجزوم والعطف من عطف الجُ مل. والمقصود التحذير لا أنهم تلبسوا بذلك ولم يأن لهم الاقلاع عنه. والتحذير مُنْصَبٌّ إلى ما حدث لأهل الكتاب من قسوة القلوب بعد طول الأمد عليهم في مزاولة دينهم، أي فليحذر الذين آمنوا من أن يكونوا مثلهم على حدثان عهدهم بالدين. وليس المقصود عذر الذين أوتوا الكتاب بطول الأمد عليهم لأن طول الأمد لا يكون سبباً في التفريط فيما طال فيه الأمدُ بل الأمر بالعكس ولا قصدُ تهوين 226 لألوسي،روح المعاني، ج4، ص34. 227 الأصبهاني، المبسوط في القراءات العشر، ص429. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج2، ص384 .الدمياطي، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الغني،اتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر ويسمى منتهى الأماني والمسرات في علوم القراءات،دار الكتب العلمية، بيروت، ت1419، ص 533. 228 أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج5، ص 277. 229 الألوسي، روح المعاني، ج7، ص180. 230 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج27، ص391.

عدد الصفحات ٧٦

حصوله للذين آمنوا بعد أن يطول الأمد لأن ذلك لا يتعلق به الغرض قبل طول الأمد، وإنما المقصود النهي عن التشبه بالذين أوتوا الكتاب في عدم خشوع قلوبهم ولكنه يفيد تحذير المؤمنين بعد أن يطول الزمان من أن يقعوا فيما وقع فيه أهل ِالكتاب. ويستتبع ذلك الأنباءَ بأن مدة المسلمين تطول قريباً أو أكثر من مدة أهل الكتاب الذين كانوا قبل البعثة، فإن القرآن موعظة للعصور والأجيال. ويجوز أن تجعل "لا" حرف نهي وتعلق النهي بالغائب التفاتاً أو المراد: أَبْلِغْهم أن لا يكونوا ). فالتحذير من التشبه بأهل الكتاب هو المراد والالتفات أبلغ فيه لأنه لا ينبغي على المسلم أن يمل أو يطغى بسب طول الأمد. نستنتج مما سبق الآتي:  أن صورة الالتفاتفي القرآءات من الغيبة إلى الخطاب تستخدم للتوبيخ والتقريع والتهديد، فهي صورة قوية شديدة حاسمة للمواقف وقاطعة، ل ذا كان الأولى أن تستعمل في مواطن التخويف لا في مواطن الإيناس والتطمين وإن كانت قد وردت لهذا الغرض ولكن بشكل قليل جداً.  وردت ه ذه الصورة في القرآءات في القسم المكي أكثر من ورودها في المدني ، وذلك تابعاً لطبيعة المرحلة وما احتاج إليه المجتمع آنذاك من دحض للأفكار العقدية – النابعة من الديانات السابقة – التي كانت قد تعششت في عقولهم ودحض للعادات السيئة التي أوصلت المجتمع بدنوه إلى الحضيض، فجاء القرآن الحكيم بأساليبه الدعوية التي يفهمونها ومنها بلاغة الالتفات.  أبانت عن ركني الدعوة إلى الله والترغيب والترهيب، فكانت ه ذه الصورة من الالتفات ترهيبية تخويفية، وهكذا يعلمنا الشارع الحكيم أساليب الدعوة إلى الله، وبهذا يكون القرآن منارة لكل زمان ومكان. الحديث عن صورة الالتفات الترغيبية وسنرى أن القسم المكي فيها قد فاق المدني كذلك – والله تعالى أعلم وأقدر.

عدد الصفحات ٧٧

المبحث الثاني أغراض الالتفات من الخطاب إلى الغيبة هذه الصورة من الالتفات قليلة المواضع ويتجلى غرضها في تصغير المخاطب وتحقير عمله وكونه ليس أهلاً للمخاطبة. وردت هذه الصورة القرائية في (القسم المكي)231 كالآتي جاء الالتفات في القرآءات في هذه الصورة في القسم المكي لغرض واحد هو:  التصغير للمخاطب أو الحاضر وتحقير عمله وذلك في قوله تعالى في سورة النحل: "وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿ ٠٢﴾" قرأ عاصم ويعقوب (يدعون) بياء الغيبة232. المقام مقام إستدلال , وذلك على وحدانية الله تعالى وشمول صفة الخلق له والعلم , ونفيها عمن سواه. فبعد أن أقيمت الدلائل على انفراد الله بالخلق ابتداء من قوله تعالى ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ بِالْحَقِّ ۖ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِ كُونَ ﴿٣﴾ إلى ﴿ وَعَلاَمَاتٍ ۖ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿ ٦١﴾ , وبعد أن ثبتت المنة وحق الشكر فرع على ذلك قوله ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ۖ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴿ ٧١﴾ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّـهِ لاَ تُحْصُوهَا ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَغَفُ ورٌ رَّحِيمٌ ﴿ ٨١﴾ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿ ٩١﴾ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿ ٠٢﴾ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿ ١٢﴾ فهي بمثابة النتيجة بعد الإستدلال233. فناسب هذه النتيجة بعد إقامت الإستدلال لهم الالتفات عنهم لإسقاطهم من درجة الإعتبار بأنهم يخلقوا شيئاً أويعلموا شيئاً أصلاً . يقول صاحب إتحاف فضلاء البشر 234: (قرئ بالغيبة على الالتفات على الخطاب في قوله تعالى "والله يعلم ما تسرون وما تعلنون " إلى 231 - انظر التفاسير: البحر المحيط , التحرير والنوير. وانظر الشايع ,محمد بن عبد الرحمن , المكي والمدني في القرآن الكريم , قسم القرآن الكريم وأصوله – كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض , 1418هـ- 1997 م , ط1 , ص71 -72. 232 التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني، ص95. الاقناع في القراءات السبع، ابن الباذش، ج2، ص681. تحبير التيسير في القراءات العشر، ابن الجزري، ص430. 233 - ابن عاشو , التحرير والتنوير , ج14 , ص123. 234 - محمد الصادق قمحاوي , إتحاف فضلاء البشر في القراءات العشر , ص103.

عدد الصفحات ٧٨

الغيبة لإسقاطهم عن درجة الاعتبار. وقرئ بالخطاب ووجهه مناسباً لما سبق في الخطاب السابق..) ومنها أيضاً موضع آخر من سورة النحل قال تعالى: "أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّـهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ ٩٧﴾" قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر (يروا) بياء الغيبة235، وهنا المقام كالسابق فسورة النحل سورة النعم وإقامة الإستلال من خلالها على وحدانيتة سبحانه. ليكون من ذلك التخلص إلى االدعوة إلى الإسلام وبيان أصول دعوة الإسلام في قوله تعالى ﴿كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿١٨﴾ وموقع هذه الجملة موقع التعليل والتدليل على عظيم قدرة الله وبديع صنعه وعلى لطفه بالمخلوقات , فإنه لما ذكر موهية العقل والحواس التي بها تحصل المنافع ودفع الأضرار بقوله ﴿ وَاللَّـهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَْبْصَارَ وَالأَْفْ ئِدَةَ ۖ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٨٧﴾ نبه الناس إلى لطف يشاهدونه أجلى مشاهدة لأضعف الحيوان , بأن تسخير الجو للطير وخلقها صالحة لأن ترفرف فيه بدون تعليم هو لطف بها اقتضاه ضعف بنياتها , إذ كانت عادمة وسائل الدفاع عن حياتها. فجعل الله لها سرعة الانتقال مع الابتعاد عن تناول ما يعدو عليها من البشر 236. وعند تذكيره سبحانه لهم بالنعم الم ادية التي أنعمها عليهم من خلق الحواس السمع والبصر والفؤاد خاطبهم , وعند إلقاء اللوم عليهم والإستنكار بعدم تعقلهم بأضعف ما يشاهدونه من خلق الطير جعلهم غيباً فيه دلالة على إعراضه عنهم وتوجهه للمؤمنين بدليل قوله "إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون " ومنها قوله تعالى في سورة الأنبياء: "قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَـٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿ ٢١١﴾" قرأ ابن ذكوان بخلف عنه (يصفون) بياء الغيبة237. المقام مقام ذم للمشركين على ما صدر منهم من أقوال في حق الرسول والرسالة حيث أقيمت السورة على عماد إثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديق دعوته. 235 التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني، ص95. تحبير التيسير في القراءات العشر، ابن الجزري، ص433. 236 - ابن عاشور , التحرير والتنوير ج14 , ص284. 237 النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ج2، ص325. البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، النشار، ج2، ص88.

عدد الصفحات ٧٩

فافتتحت بإنذار المعاندين بإقتراب حسابهم ووشك حلول وعد الله فيهم وإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن بدعاً من الرسل238. واختتمت السورة بوصف جامع لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم . ومزيتها على سائر الشرائع مزية تناسب عمومها ودوامها , وذلك كونها رحمة للعالمين " وما أرسلنك الا رحمة للعالمين239 " وقوله تعالى "وقال رب احكم بالحق " تلويح إلى عاقبة أمر هذا الدين المرجوة المستقبلية لتكون قصة هذا الدين مستوفاة المبدأ والعاقبة240. يقول ابن عاشور 241:(وفي أمر الله نبيئه – عليه الصلاة والسلام – بالإلتجاء إليه والإستعانة به بعد ما قال له "فإن تولوا فقل اذانتكم على سواء رمز إلى أنهم متولون لا محالة وأن الله سيحكم فيهم بجزاء جرمهم لأن الحكم بالحق لا يغادرهم , وإن الله في إعانته لأن الله إذا لقن عباده دعاء فقد ضمن لهم إجابته كقوله تعالى "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " وقد صدق الله وعده واستجاب لعبده فحكم في هؤلاء المعاندين بالحق يوم بدر....) فالالتفات عنهم لعدم الإباه بهم وبما يصفون من الأقوال المؤذية , فالله معين المؤمنين خاذل الكافرين. يقول محمد الصادق قمحاوي عن الالتفات في القرآءات في الآية 242: (قرئ: بالخطاب لمناسبة قوله "فقل آذنتكم على سواء " , وقرئ : بالغيبة على الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة لإسقاطهم عن درجة الاعتبار). ومنها قوله تعالى في سورة الحج: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَ ثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۗ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۗ وَإِ ن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۗ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿ ٣٧﴾" قرأ يعقوب (يدعون) بالغيب243. وفي موضع سورة القصص يظهر الغرض جلياً , قال تعالى"وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۗ وَمَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۗ أَفَلاَ تَعْقِلُ ونَ ﴿ ٠٦﴾" قرأ أبو عمرو بخلف عن السوسي (أفلا يعقلون) بياء الغيبة244، 238 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج17 , ص164 ,165. 239 - ابن عاشور , التحرير والتنوير ج17 , ص165. 240 ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج17 , ص176. 241 - ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج17 , ص176. 242242242 محمد الصادق قمحاوي , إتحاف فضلاء البشر في القراءات العشر , ص133. 243 النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ج2، ص327. تحبير النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ص473.

عدد الصفحات ٨٠