المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الالتفات في القراءات القرآنية أثره على المعنى

غزالة أبو حميد

صفحة ٤ من ٨

كذا الحال في قوله تعالى من سورة القيامة: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴿ ٠٢﴾ وَتَذَرُونَ الآْخِرَةَ ﴿١٢﴾﴾ قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر (تحبون، وتذرون) بتاء الخطاب.131 من أهم أغراض سورة القيامة : إثبات البعث , وا لتذكير بيوم القيامة وذكر أشراطه , وإثبات الجزاء على الأعمال التي عملها الناس في الدنيا, واختلاف أحوال أهل السعادة وأهل الشقاء وتكريم أهل السعادة, والتذكير بالموت وأنه أول مراحل الآخرة،132 وكل هذه الأغراض تدفع بالإنسان إلى الإيمان والتصديق، وإلا فهو يؤثر الدنيا ويغفل عن الآخرة، فكان من أغراض السورة الزجر عن إيثار منافع الحياة العاجلة على ما أ عد لأهل الخير من نعيم . وفي تفسير ابن عطية عن عمر بن الخطاب ولم يسنده أنه قال : " من سأل عن القيامة أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعها فليقرأ هذه السورة".133 وفي تفسير الآية يقول ابن عاشور : "وقوله (بل يحبون العاجلة ) إضراب إبطالي يفص ِل ما أجمله الردع ب (كلا) من إبطا ل ما قبلها وت كذيبه, أي لا معاذير لهم في نفس الأمر ولكمهم أحبوا العاجلة أي شهوات الدنيا وتركوا الآخرة, والكلام مشعر بالتوبيخ ومناط التوبيخ هو حب العاجلة مع نبذ الآخرة . ويجوز أن يكون إبطالاَ لما تضمنه قوله (ولو ألقى معاذيره) فهو استئناف ابتدائي . والمعنى: أن معاذيرهم باطلة ولك نهم يحبون العاجلة ويذرون الآخرة , أي آثروا شهواتهم العاجلة ولم يحسبوا للآخرة حساباَ . وقرأ الجمهور (تحبون) و(تذرون) بتاء فوقية على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في موعظة المشركين مواجهة بالتقريع لأنه ذلك أبلغ فيه. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بياء تحتية على نسق ضمائر الغيبة السابقة والضمير عائد إلى (الإنسان) في قوله (بل الإنسان على نفسه بصيرة) جاء ضمير جمع لأن الإنسان مراد به الناس المشركون, وفي قوله (بل تحبون) ما يرشد إلى تحقيق معنى الكسب". 134 فالمقام إ ذن مقام توبيخ مناطه حب ا لدنيا وترك الآخرة , وقراءة الخطاب والمواجهة أبلغ في ذلك . وبمعنى آخر أن قراءة التاء خطاباَ لهم تقريعاَ وتوبيخاَ وعلى قراءة الياء يكون الكلام عائداَ إلى الإنسان135. 130 أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج4 ص132 131 ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص660، الأصبهاني، المبسوط في القراءات العشر، ص453، وانظر ابن الباذش، أبو حفص أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري ،الاقناع في القراءات السبع ، تحقيق الدكتور عبد المجيد قطامش ، دار الفكر ، دمشق،الطبعة الأولى،1403،ج2، ص798، ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ص393 132 ابن عاشور، الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس ت 1984هـ، ج29، ص337، 133 ابن عطية الأندلسي، أبو محمد عبد الحق بن غالب (ت546هـ، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد،دار الكتب العلمية , بيروت , 1422هـ2001م , ط1 , ج5 , ص401. 134 ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج29، ص351. 135 ـ الشوكاني , محمد بن علي بن محمد (ت1250هـ), فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير , تحقيق يوسف الغوش , دار المعرفة , بيروت , 1428هـ ـ2007م , ط4 , ص1559.

عدد الصفحات ٤٩

قوله تعالى في سورة الأعلى(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿ ٦١﴾) قرأ القراء العشرة (بل تؤثرون) بتاء الخطاب عدا أبا عمرو136. هذا الموضع من الالتفات كسابقه , في نفس الموضوع وهو إيثار الدنيا على الآخرة وحبها. وفي نفس المقام وهو مقام الذم والتوبيخ لمؤثريها , قوله تعالى: " بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا" إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية فتسعون لتحصيلها137. أما الخطاب فهو إما للكفرة على وجه الخصوص أو للكفرة والمؤمنيين بوجه عام أي لجنس الانسان. يقول أبو السعود 138( :الخطاب إما للكفرة فالمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا ولاطمئنان بها والإعراض عن الآخرة بالكلية كما في قوله تعالى " إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها " أو الكل فالمراد بإيثارها ما هو أعم مما ذكر وما لا يخلو عنه الإنسان غالباَ من ترجيح جانب الدنيا على الآ خرة في السعي وترتيب المبادئ. ومن ثم يبين أبو السعود غرض الالتفات في الآية من خطاب الخاصة - وهم الكفرة – والعامة - وهم الناس – بقوله139 ( والالتفات على الأول لتَّشديد والتوبيخ وعلى الثاني كذلك في حق الكفرة وتشديد العتاب في حق المسلمين.وقرئ يؤثرون بالياء ). وعند البحث عن الآية في تفسير ابن عاشور نجد ما يشبع المقام مقالاً فقد تحدث عن سياق الآية بين الآيات ووضح فائدة الالتفات من الوجهة البلاغية , يقول140: ( و" بل " هنا عاطفة جملة عطفاً صورياً فيجوز أن تكون لمجرد الانتقال من ذكر المنتفعين بالذكرى والمتحنيين لها , إلى ذكر سبب إعراض المتحنيين وهم الأشْقَون بأن السبب إيثارهم الحياة الدنيا وذلك على قراءة أبو عمرو ظاهر وأما على قراءة الجمهور فهو إضراب عن حكاية أحوال الفريقين بالانتقال إلى توبيخ أحد الفريقين وهو الفريق الأشقى فالخطاب موجه إليهم على طريقة الالتفات لتحديد نشاط السامع لكي لا تنقضي السورة كلها في الإخبار عنهم بطريق الغيبة. ويجوز أن يكون الإضراب إبطالاً لما تضمنه قوله " قد أفلح من تزكى " من التعريض للذين شقوا بتحريضهم على طلب الفلاح لأنفسهم ليلتحقوا بالذين يخشون ويتزكون ليبطل أن 136 ابن مجاهد،السبعة في القراءات، ص680، ابن الباذش، الاقناع في القراءات السبعة، ج2، ص808، وانظر الالوسي فيذكره لغرض الالتفات فيها، ج30، ص109، النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص422 137 أبو السعود ، ابن محمد العمادي (ت 982هـ، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، تحقييق عبد القادر أحمد عطا،مكتبة الرياض،الرياض،ج5، ص516، وانظر ألأوسي، شهاب الدين محمود البغدادي (ت1270هـ، تفسير جزء عم،دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص110. 138 - انظر أبو السعود، ارشاد العقل السليم،ج5 , ص520 , والألوسي، تفسير جزء عم، ص111. 139 - أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج5، ص521، والألوسي، تفسير جزء عم، ص111. 140 - ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج30، ص289.

عدد الصفحات ٥٠

يكون مظنة تحصيل الفلاح. والمعنى أنهم بعداء عن أن يظن بهم التنافس في طلب الفلاح لأنهم يؤثرون الحياة الدنيا , فالمعنى بل أنتم تؤثرون منافع الدنيا على حظوظ الآخرة, وهذا كما يقول الناصح شخصاً يظن أنه لا ينتصح ( لقد نصحتك وما أظنك تفعل ) ويجيئ فيه الوجهان المتقدمان من الخطاب والغيبة على القراءتين ) وفي هذين الموضعين ظهر لنا غرض الالتفات في القرآءات وهو كونه أشدُّ في التوبيخ على النفس , وجاء هذا الغرض جلياً في موضوع إيثار الدنيا على الآخرة لينبه سبحانه على قبح هذا الفعل وخسران أهله بأنهم قد فوتوا على أنفسهم الخير الكثير الباقي المقيم لهم في الآخرة لو أنهم لم يؤثروا الدنيا ومتاعها على الآخرة ونعيمها. 2- للاعتناء بالتحذير: قال تعالى في سورة الإسراء: "وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلاً ﴿ ٢﴾" قرأ العشرة عدا أبا عمرو (ألا تتخذوا) بتاء الخطاب141 . في هذه الآية اختلف الموجهون للقراءات والمفسرون للقرون. هل هذا الموضع من الالتفات في القرآءات أم لا ؟. الموجهون على ان هذا الموضع من مواضع الالتفات في القراءاات , أمَّا المفسرون فلم يعدوا قراءة التاء من الالتفات. توضيح ذلك فيما يلي: من قال بأنها من الالتفات اعتبر لفظة "أن" في الآية هي الناصبة للفعل , فيكون المعنى : وجعلناه هدىً كراهة أن تتخذوا من دوني وكيلاً ومن قال ذلك من الموجهين العالم الجليل أبو علي الفارسي , يقول 142: (اختلفوا في الياء والتاء من قوله عز وجل "ألا تتخذوا من دوني وكيلاً" فقرأ أبوعمرو وحده "ألا يتخذوا " بالياء وقرأ الباقون "ألا تتخذوا" بالتاء فوجه من قرأ بالياء , أن المتقدم ذكرهم على لغة الغيبة فالمعنى هديناهم أن لا يتخذوا من دوني وكيلا ومن قرأ بالتاء فهو على الإنصراف إلى الخطاب بعد الغيبة مثل قوله: "الحمد لله " ثم قال: "إياك نعبد: 5} 141 ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص377. الداني، التيسير في القراءات السبعة، ص95. ابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشرة، ص435. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص30 142 أبو علي الفارسي، أبة علي الحسن عبد الغفار (377ت)، الحجة للقراء السبعة أئمة الامصار بالحجاز والعراق والشام الذيذكرهم أبو بكر بن مجاهد، تحقيق بدر الدين قهوجي وبشير جويجاتي، دار المأمون للتراث،دمشق،(1407 – 1987م )،الطبعة الأولى، ج5 ,ص83. ابن خالوية، الحسين بن أحمد أبو عبد الله، الحجة في القراءات السبع، تحقيق الدكتور عبد العال سالم مكرم، دار الشروق، بيروت،1401، الطبعة الرابعة ص 214.وانظر ابن زنجلة ،عبد الرحمن بن محمد أبو زرعة ،حجة القراءات ،حققه سعيد الافغاني ،مؤسسة الرسالة،بيروت،(1402 – 1982م) الطبعة الثانية، ص 396، ومكي بن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات السبع ،ج2، ص42، قمحاوي، محمد الصادق، طلائع البشر في توجيه القراءات العشر،دار العقيدة، الاسكندرية،(1417 – 2006م) الطبعة الاولى، ص105.

عدد الصفحات ٥١

به الغيب في المعنى , ومن زعم أن "أن لا يتخذوا من دوني " على إضمار القول , كأنه يراد به: قال: ألا تتخذوا , لم يكن قوله هذا متجهاً , وذلك أن القول لا يخلو من أن يقع بعد جملة تحكى , أو معنى جملة يعمل في لفظه القول , فالأول كقوله: قال زيد: عمرو منطلق , فموضع الجملة نصب بالقول , والأخر: يجوز أن يقول القائل: لا إله إلا الله , فتقول: قلت حقاً, أو يقول: الثلج حار , فتقول: قلت باطلاً , فهذا معنى ما قاله , وليس نفس المقول , وقوله "أن لا تتخذوا " خارج من هذين الوجهين , ألا ترى أن "ألا تتخذوا" ليس هو معنى القول , كما أن قولك حقاً , إذا سمعت كلمة الإخلاص: معنى القول , وليس قوله "أن لا تتخذوا "بجملة فيكون قولك: قال زيد: عمرو منطلق ويجوز أن تكون أن بمعنى: أي التي بمعنى التفسير , وانصراف الكلام من الغيبة إلى الخطاب كما انصرف منها إلى الخطاب والأمر في قوله : "وانطلق الملأ منهم أن امشوا" , وكذلك انصراف من الغيبة إلى النهي في قوله: "أن لا تتخذوا , وكذلك قوله "أن اعبدوا الله ربي" في وقوع الأمر بعد الخطاب , ويجوز أن يضمر القول ويحمل "تتخذوا " على القول المضمر إذا جعلت "أن" زائدة , فيكون التقدير: وجعلناه هدىً لبني إسرائيل: فقلنا: لا تتخذوا من دوني زكيلاً فيجوز إذن في قوله "أن لا تتخذوا" ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون أن الناصبة للفعل , فيكون المعنى: وجعلناه هدىً كراهة أن تتخذوا من دوني وكيلاً , أو لأن لا تتخذوا من دوني وكيلاً والآخر: أن تكون بمعنى "أي" لأنه بعد كلام تام , فيكون التقدير: أي لا تتخذوا. والثالث: أن تكون "أن"زائدة وتضمر القول ) وهذا ماذهب إليه أبو البقاء العكبري (ت616هـ) في مؤلفه التبيان في إعراب القرآن , يقول 143: (قوله تعالى "ألا تخذوا": يقرأ بالياء على الغيبة , والتقدير: جعلناه هدىً لئلا يتخذوا ؛أوآتينا موسى الكتاب لئلا يتخذوا. ويقرأ بالتاء على الخطاب , وفيه ثلاثة أوجه: أحدها – أن "أن" بمعنى أي , وهي مفسرة لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي. والثاني – أن "أن" زائدة ؛ أي قلنا لا تتخذوا. 143 العكبري، أبو البقاء عبد الله بن الحسين (ت 606هـ،التبيان في إعراب القرآن ، تحقيق علي محمد البجاوي، الناشر عيسى البابي الحلبي وشركائه، مصر، ج1، ص811.

عدد الصفحات ٥٢

والثالث– أن "لا" زائدة , والتقدير : مخافة أن تتخذوا ؛ وقد رجع في هذا من الغيبة إى الخطاب ..) فعلى هذا الرأي أن "أن " ناصبة تكون القراءة بالياء مساوية لقراءة التاء بالمعنى وإنما الإختلاف بينهما يكمن في البيان وما ولدته قراءة التاء من الالتفات الذي أكسب المقام حلة البلاغة والفصاحة. والله تعالى أعلم أما المفسرون فلم يعتبروا قراءة التاء من الالتفات وأكثرهم على أن "أن" هي المفسرة ومنهم من اعتبر قول الموجهين بأن "أن" ناصبة أو "لا "زائدة محل نظر , ومنهم من وافق الموجهين وهم قليل 144 فمن الذين اعتبر وا " أن " مفسرة على سبيل المثال لا الحصر الزمخشري وأبو السعود العمادي فالأول قال فيها 145: ( قرئ بالياء على: " لئلا يتخذوا " , وبالتاء على: أي لا تتخذوا ؛ كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا...). وأما الثاني وهو أبو السعود قال 146: ("أن لا تتخذوا" أي تتخذوا نحو كتبت إليه أن افعل كذا وقرئ بالياء على أن مصدرية والمعنى آتينا موسى الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا....) ومن الذين ردوا كون قراءة التاء من الالتفات واعتبروها محل نظر الألوسي 147: ("أ تتخذوا" أي أي لا تتخذوا على أن أن تفسيرية ولا ناهية , والتفسير كما قال أبو البقاء لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي ؛ وقيل لمحذوف أي آتينا موسى كتابة شيء وهو لا تتخذوا , والكتاب وإن كان المراد به التوراة فهو مصدر في الأصل , ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وجوز في البحر أن تكون أن مصدرية والجار بعدها محذوف ولا ناهية أي أي لئلا تتخذوا , وقيل يجوز أن تكون أن وما بعدها في موضع البدل من "الكتاب" وجوز أبو البقاء أن تكون زائدة "لا تتخذوا" معمول لقول محذوف و"لا" فيه للنهي أي قلنا لا تتخذوا.وتعقبه أبو حيان بأن هذا الموضع ليس من مواضع زيادة أن. وكذا جوز أن تكون "لا" زائدة كما في قوله تعالى: "ما منعك أن لا تسجد" والتقدير كراهة أن تتخذوا ولا يخفى ما فيه.....) ثم يتابع ويقول في سبب رده للإلتفات فيقول: (وقرأ أبو عمرو من السبعة أن لا تتخذوا بياء الغيبة وجعل غير واحد أن على ذلك مصدرية ولم يذكروا فيها 144 أبو حيان، البحر المحيط،ج،6،ص7،وانظر السمين الحلبي، الدر المصون،ج7، ص309. 145 الزمخشري , تفسير الكشاف،ج2، ص494. 146 أبو السعود ، إرشاد العقل السليم ، ج3، ص424.وانظر الشوكاني ، الفتح القدير ، ص810.ابن عاشور ، التحرير والتنوير ، ج15، ص25. 147 الألوسي، روح المعاني، ج15، ص14.وانظر شيخ زاده، محمد بن مصلح الدين مصطفى، حاشية محي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، تحقيق محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت , 141، هـ- 1999م , ط1، ج5، ص351.

عدد الصفحات ٥٣

احتمال كونها مفسرة , وقال شيخ زاده: لا وجه لأن تكون أن مفسرة على القراءة بياء الغيبة لأن ما في حيز المفسرة مقول من حيث المعنى والذي يلقى إليه القول لا بد أن يكون مخاطباً كما لا وجه لكونها مصدرية على قراءة الخطاب لأن بني إسرائيل غيب فتأمل. والجار عندهم على كونها مصدرية محذوف أي لأن لا يتخذوا....) فحجة الألوسي على عدم الالتفات أن بني إسرائيل غائبون , فكيف يخاطب من ليسوا حاضرين ؟ أجاب عنه الفارسي عندما قال: ( والضمير في "تتخذوا" وإن كان على لغة الخطاب فإنما يعني به الغيب في المعنى ) وأقول: إنما جاء على الخطاب بياناً وبلاغة باستخدام الالتفات في النهي والتخذير من الإشراك , فهو التخذير الأهم في الكتاب الذي لا يغفر لمرتكبه ذنبه , وتعريضاً بالحاضرين فالكتب السماوية كلها رسالتها واحدة الإيمان بالله وعدمم الإشراك به. وقوله أيضاً في سورة الإسراء: " وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِ لاَّ بِالْحَقِّ ۖ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ﴿ ٣٣﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر (فلا تسرف) بتاء الخطاب148. ورد في هذه السورة الكريمة خمسة عشرة وصية من وصايا التشريع الإسلامي , وهي تظهر فضائل من هذا التشريع وحكمته , وما علمه الله للمسلمين من آداب المعاملة نحو ربهم سبحانه , ومعاملة بعضهم مع بعض , والحكمة في سيرتهم وأقوالهم , ومراقبة الله في ظاهرهم وباطنهم. عن ابن عباس أنه قال: التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل. وفي رواية عنه: ثمان عشرة آية منها كانت في ألواح موسى , أي من قوله تعالى "ولا تجعل مع الله إله آخر فتقعد مذموماً مخذولاً " إلى قوله " ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مخذولاً ""149.وهي أحكام عظيمة لإصلاح جامعتهم وبناء أركانها ليزدادوا يقيناً بارتقائهم على أهل الشرك وبانحطاط هؤلاء عنهم : وفي جميعها تعريض بالمشركين الذين كانوا منغمسين بالمنهيات. وهذه الآيات أول تفصيل لشريعة المسلمين وقع بمكة 150. يقول ابن عشور 151: (وأحسب أن هذه الأيات اشتهرت بين الناس في مكة وتناقلها العرب في الآفاق , فلذلك ألم الأعشى ببعضها في 148 الداني، التيسير في القراءات السبع، ص 96. ابن البا ذش، الإقناع في القراءات السبعة، ج 2، ص 686. ابن الجزري ، النشر في القراءات العشر، ج2، ص307. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص330 149 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج15،ص8. 150 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج15، ص61. 151 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج15، ص66

عدد الصفحات ٥٤

قصيدته المروية التي أعدها لمدح النبي– صلى الله عليه وسلم – حين جاء يريد الإيمان فصدته قريش عن ذلك , وهي القصيدة الدالية التي يقول فيها: أجد ِك لم تسمع وصاة محمد نبئ الإله حين أوصى وأشهدا فإنك والميتاتِ لا تأكلنها ولا تأخذنْ سهماً حديداً لتفصدا وذا النصبُ المنصوب لا تنسكنه ولا تَعبد الشيطانَ والله فعبدا وذا الرحم القربى فلا تقطعنه لفاقته ولا الأسير المقيدا ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة ولا تَحسبن المال للمرء مخلدا ولا تقربنَّ جارةً إن سرها عليك حَرام فانكِحَنَّ أو تأبَّدا 152) أما عن الموضع الذي نحن بصدده وبحث الغرض من الالتفات فيه عند من قرأ بالتاء , قد يكون ذلك لمناسبة مقام الوصية الذي أبلغ فيه مجيئه على الخطاب والمو اجهة اعتناءاً بالتحذير وتهدأة لنفس الولي عند استحضار أن الله يخاطبه لئلا يقع بالمحظور , كما هي عادة الموصي . فكل الوصايا في هذه الآيات جاءت بأسلوب المواجهة , قال تعالى: " ألاَّ تعبدوا إلا الله "وقوله " فلا تقل لهما أف " , " وءات ذا القربى حقه " , " ولا تبذر " , " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها " , " ولا تقتلوا أولادكم " ومثلها " فلا تسرف ". ولأن العرب كانت من عوائدها في الجاهلية أن تظلم الظالم بأن تقتل بالواحد الإثنين والمجموعة فقد خص سبحانه هذه الحالة بالذكر , يقول ابن عاشور153: ( وحين كان المسلمين وقت نزول هذه الآية مختلطين في مكة بالمشركين ولم يكن المشركون أهلاً للثقة بهم في الطاعة للشرائع العادلة , وكان قد يعرض أن يعتدي أحد المشركين على أحد المسلمين بالقتل ظلماً أمر الله المسلمين بأن المظلوم لا يظلِم , فقال " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سل طاناً ".......وهذه حالة خصها الله 152 التأبد: التعزب، انظر ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج15، ص66. 153 ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج15، ص93.

عدد الصفحات ٥٥

بالذكر لكثرة وقوع العدوان في بقية أيام الجاهلية فأمر الله المسلمين بقبول القود154 وهذا مبدأ صلاح عظيم في المجتمع الإسلامي , وهو حمل أهله على اتباع الحق والعدل حتى لا يكون الفساد من طرفين فيتفاقم أمره , وتلك عادة جاهلية....فنهى الله المسلمين عن أن يكونوا مثالاً سيئا يقابلوا الظلم بالظلم كعادة الجاهلية.....ولذلك قال " فلا يسرف في القتل ".....وضمير" يسرف " بياء الغيبة في قراءة الجمهور , يعود إلى الولي مظنة السرف في القتل بحسب ما تعودوه.وقرأ حمزة , والكسائي , وخلف – بتاءالخطاب – أي خطاب للولي). وعلى قول ابن عاشور بعود الضمير في " يسرف " –بالياء والتاء -على الولي التفاتا وهذا ما ذهب إليه الألوسي من قبله , بقول: (وقرأ حمزة والكسائي "فلا تسرف " الخطاب للولي التفاتاً ). وقد ألمح ابن عاشور في كلامه السابق في تفسير الآية أن الوصايا كانت بمكة عند بدء الدعوة الإسلامية لذا فقد جاءت تتعرض للمشركين وأفعالهم -التي قد تعود عليها المجتمع واستفحلت فيه – فجاءت الآية بقراءتين الأولى تتعرض للقتل أيام الجاهلية والظلم التي كان يحصل فيها وهي بقراءة الياء , وعلى قراءة التاء تحذيرا للولي واعتناءً به. وهذا ما ذهب إليه جماعة الموجهين للقراءات , يقول ابن خالويه 155: ("فلا يسرف في القتل " يقرأ بالياء والتاء , فمن قرأه بالياء رده على الولي لأنه غير مقصود بمواجهة الخطاب والحجة لمن قرأه بالتاء , فالمعنى للولي , والخطاب له وللحاضرين , أي: فلا تسرف يا ولي ولا أنتم يامن حضر. ودليله قراءة أبي " فلا تسرفوا في القتل " ). فقوله: ( غير مقصود بالمواجهة ) يعني أنه تعرض لحالة الظلم التي هي في المجتمع الجاهلي مظنة حصوله لما تعودوا عليه وأبان عن ذلك الفارسي في الحجة للقراء السبعة يقول 156: (يجوز أن يكون في يسرف ضميُر الولي فلا يسرف الولي في القتل ؛ وإسرافه فيه أن يقتل غير من قتل , أو يقتل أكثر من قاتل وليه , وكان مشركو العرب يفعلون ذلك...) وفي قراة التاء يقول: ( أن يكون الخطاب للولي فيكون التقدير , لا تسرف في القتل أيها الولي فتعدَّى فاتلَ وليك , إلى من لم يقتله ) وهذا ما قال ه ابن عاشور وذكرناه سابقاً ونعيده لزيادة المقال بيانا ًيقول ابن عاشور: ( وضمير " يسرف " بياء الغيبة , في قراءة الجمهور , يعود إلى الولي مظنة السرف في القتل بحسب ما تعودوه. وقرأ حمزة والكسائي , وخلف – بتاء الخطاب – أي خطاب للولي. 154 القود: القصاص،انظر الرازي، مختار الصحاح، ص232. 155 ابن خالويه،الحجة في القراءات السبعة، ص217. 156 أبو علي الفارسي، الحجة للقراء السبعة، ص98.والنظر أبو زرعة، حجة القراءات، ص402، ومكي بن أبو طالب , أبو محمد القيسي (ت437 هـ، الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، تحقيق محي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، 1404 هـ- 1984 م، ط3، ج2، ص46.ابن أبي مريم ، الموضح في وجوه القراءات وعللها ، ص756.. ومحمد الصادق قمحاوي ، طلائع البشر في توجيه القراءات العشر، ص107.

عدد الصفحات ٥٦

2. كونه أبلغ في التهديد والوع يد: قال تعالى في سورة النمل: "أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّـهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿ ٥٢﴾" قرأ حفص والكسائي (تخفون، تعلنون) بتاء الخطاب157. المقام مقام بيان لكبريائه سبحانه وإظهار عظمته على جميع مخلوقاته. فبعدما عمد الهدهد بإخبار نبيء الله سليمان بما علم وقوله " أحطت بما لم تحط به " وأخبره بما وجد من حالهم الدنيوية بأن امرأة تملك الشيء الكثير من الأرزاق ولها عرش عظيم , وحالهم الدينية بأنها وقومها يعبدون الشمس ويتركون السجود لله أخبر س بحانه بأنهم قد صدوا بتزيين الشيطان لهم أعمالهم , يقول ابن عاشور158: ( قوله تعالى: "وزين لهم الشيطان أعمالهم...." الأظهر أنه كلام آخر من القرآن ذُي ِل به الكلام الملقَى إلى سليمان , فالواو للاعتراض بين الكلام الملقَى لسليمان وبين جواب سليمان والمقصود التعريض بالمشركين) وهذا التزيين جعلهم يعتقدون أنهم هم المالكون العالمون وأنهم قد صنعوا هذا بجهدهم فعقب سبحانه معرضا بهم ومبيناً للهدهد بما يناسب حاله من معرفته بالماء المخبوء تحت الأرض فقال: "" الذي يخرج الخبء في السموات والأرض " فالله عالم بالمخبوء في العالم الكبير كله , ثم بين سبحانه للهدهد قضية سجودهم للشمس بأنه سبجازيهم فهو عالم بالعالم الإنساني " ويعلم ما تخفون وما تعلنون " مواجهاً لهم.بكبريائه وعظمته تهديداً وتخويفاً. فعلى قضية الدين والعبادة التي لاتدرك إلا بمعرفة المخفي واجه سبحانه المشركين بالخطاب , يقول أبو السعود 159: ( قوله تعالى : " الذي يخرج الخبء في السموات والأرض " أي يظهر ما هو مخبوء ومخفي كائناً ما كان وتخصيص هذا الوصف بالذكر بصدد بيان تفرده سبحانه باستحقاق السجود له من بين سائر أوصافه الموجبة لذلك لما أن الهدهد أرسخ في معرفته والإحاطة بأحكامه بمشاهدة آثاره التي من جملتها ما أودعه الله تعالى في نفسه من مقدرة على معرفة الماء تحت الأرض وأشار بعطف قوله "ويعلم ما تخفون وما تعلنون " على يخرج إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا لما أن المراد يظهر م ا تخفونه من الأحوال فيجازيكم بها وذكر ما تعلنون لتوسيع دائرة العلم والتنبيه على تساويهما بالنسبة إلى العلم الالهي وقرئ ما يخفون وما يعلنون على صيغة الغيبة بلا التفات ). 157 ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص479. الداني، التيسير في القراءات السبع، ص110. ابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع، ج2، ص720. 158 ابن عاشور,، التحرير والتنوير،ج19، ص254. 159 أبو السعود , إرشاد العقل السليمج4 , ص256.

عدد الصفحات ٥٧

فبيان الهدهد لسليمان اشتمل على ثلاثة أمور - أن هناك امرأة تملك كل شيء فهي ملكة على سبأ * لها عرش عظيم - وعبادتهم للشمس من دون الله والبيان الذي قدمه سبحانه للهدهد صدَّره بما يناسب حال الهدهد ومن ثم تبعه ببيان القضية الدينية وبعد ذلك بالعرش معرضاً بعرش بلقيس ووصف الهدهد له بأنه عظيم. فهو " الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم "160. والله تعالى أعلم. وفي قراءة الكسائي بيان آخر: الكسائي قرأ مثل حفص بالتاء , ولكنه قرأ " ألاَّ يسجدوا " بالتخفيف " ألا يسجدوا " .على قراءة حفص يبقى أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب بتقدير لام الجر في " ألاَّ " فيصبح " لئلا "والتقدير: وزين لهم الشيطان......لئلا يسجدوا , أما على قراءة الكسائي فليس فيها التفات لأن " ألا " بالتخفيف بمعى النداء , والتقدير: ألا ياقوم اسجدوا لله , وتكون جملة: " ويعلم ما تخفون وما تعلنون " تكملة للخطاب 161. قوله تعالى في سورة الروم "اللَّـهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُ ونَ ﴿ ١١﴾" قرأ القراء العشرة عدا أبا عمرو وشعبة وروح (ترجعون) بتاء الخطاب162 . المقام مقام تعجيب من حال المشركين على عدم اتعاطهم بالآيات - التي من حولهم من خلق السماوات والأرض وما بينهما الدالة على إعادة الخلق مرة أخرى قوله تعالى163 "لَخَلْقُ السَّمَ اوَاتِ وَالأَْرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " , والآيات التي خلَّفها الأقوامُ والأممُ من قبلهم الدالة على عاقبة المكذبين للرسل - والتي سيقت أصلاً لإحقاق أن الله سبحانه هو وحده من له حق التصرف بالناس من حين إيجادهم إلى إعدامهم , وذلك تعريضاً بالمشركين الذين ابتهجوا حين غلبت الفرس الروم فنزلت بداية السورة تبين أن الأمر لله من قبل ومن بعد , يقول ابن عاشور 164: ( " الله يبدؤ الخلق ثم يعيده " استناف ابتدائي وهو شروع فيما أقيمت عليه هذه السورة من بسط دلائل انفراد الله تعالى بالتصرف في الناس بإيجادهم وإعدامهم وبإمدادهم وأطوار حياتهم , 160،ج 4 , ص450.أبو حيان، البحر المحيط، ج7، ص68.،الألوسي، روح المعاني، ج19، ص193.وابن عاشور، الت الزمخشري،جار الله أبو القاسم محمود بن عمر (ت538)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مذيل بحاشية الإمام أحمد بن المنير،دار الكتاب العربي، بيروت،1407حرير والتنوير،ج19، ص256. 161 الزمخشري , تفسير الكشاف , ج4 , ص448. أبو حيان , البحر المحيط , ج7 , ص65. 162 ابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع، ج2، ص729. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج2، ص344. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص183 163 سورة غافر، الآية 57. 164 ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير،ج21، ص60.

عدد الصفحات ٥٨

لإبطال أن يكون لشركائهم شيء من التصرف في ذلك. فهي دلائل ساطعة على ثبوت الوحدانية التي عمُوا عنها........وقد فُص ِلت هذه الدلائل على أربعة استئنافاً منماثلة الأسلوب , ابتُدئ كل وا حد منها باسم الجلالة مجرى عليه أخبار عن حقائق لا قبل لهم بدحضها لأنهم لا يسعهم إلا الإقرار ببعضها أو العجز عن نقض دليلها... ) وهذا الاستئناف هو الأول أما الثلاثة الأخرى فهي 165 الله " : الذي خلقكم ثم رزقكم "، " الله الذي يرسل الرياح، " الله الذي خلقكم من ضعف ". وكل واحد منها أجري عليه أدلة قاطعة. وهنا حسن موقع الإستئناف ووروده بعد ذكر أمم غابرة وأمم حاضرة خلف بعضها بعضاً , وإذ كان ذلك مثالاً لإعادة الأشخاص بعد فنائها وذكر عاقبة مصير المكذبين للرسل في العاجلة ناسب في مقام الاعتبار أن يقام لهم الاستدلال على إمكان البعث ليقع ذكر ما يعقبه من الجزاء موقع الإقناع لهم 166. والالتفات الحاصل في مقام التعجيب لعدم الاتعاظ بما هو مسلم عندهم زيادة في الإقناع وإيقامة االحجة ومبالغة في الترهيب والوعديد لهم ولقصد تعظيم شأن الإرجاع إذ المآل والمرجع هو المقصود من الإعادة وبدء الخلق، يقول الألوسي 167: ( "ثم إليه ترجعون للجزاء , وتقدم المعمول للتخصيص، وكان الظاهر يرجعون بياء الغيبة إلا أنه عدل عنه إلى خطاب المشركين لمكافحتهم بالوعيد ومواجهتهم بالتهديد وإيهام أن ذك مخصوص بهم فهو التفات للمبالغة في الوعيد والترهيب وقرأ أبو عمرو ور وح " يرجعون " بياء الغيبة كما هو الظاهر ) وليزيد الإرجاع بياناً وتخويفاً أخذ سبحانه بوصفه وحال المجرمين فيه: " وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ﴿ ٢١﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ﴿ ٣١﴾ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴿ ٤١﴾ " قوله تعالى في سورة الشورى: " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿ ٥٢﴾" قرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف العاشر ورويس بخلف عنه (تفعلون) بالخطاب168 . المقام مقام تحريض على التوبة , فبعدما ذكر سبحانه وعيد الذين يحاجُّون في الله لتأييد باطلهم من قوله تعالى: " وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّـهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِ هِمْ وَعَلَيْهِمْ 165 آية40، 48، 54 على التوالي. 166 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص61. 167 الألوسي، روح المعاني، ج21، ص24،وانظر أبو السعود،إرشاد الغقل السليم،ج4،ص353. والشوكاني، الفتح القدير، ص1129، ابن عاشور، التحريرر والتنوير،ح21، ص61. 168 ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص579. ابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع، ج2، ص758. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج2، ص367. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص375

عدد الصفحات ٥٩

غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴿ ٦١﴾ " .ثم أتبع بوصف سوء حالهم يوم الجزاء بقوله " تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ۖ "وقوبل بوصف نعيم الذين آمنوا بقوله " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ۖ " , وكان ذلك مظنة أن يكسر نفوس أهل العناد والضلالة بإعلامهم أن الله من شأنه قبول توبة من يتوب من عباده , وعفوه بذلك عما سلف من سيئاتهم169 , يقول ابن عاشور170: ( وهذا الإخبار تعريض بالتحريض على مبادرة التوبة ولذلك جئ فيه بالفعل المضارع الصالح للاستقبال. وهو أيضاً بشارة للمؤمنين بأنه قبل توبتهم مما كانوا فيه من الشرك والجاهلية فإن الذي من شأنه أن يقبل التوبة في المستقبل يكون قد قبل توبة التائبين من قبل...وكل ذلك جرْي على عادة القرآن في تعقيب الترغيب بالترهيب وعكسه . وهذا كله يتضمن وعداً للمؤمنين بقبول إيمانهم وللعصاة بقبول توبتهم ). ويفطنَّا ابن عشور - بقوله: ( وهو أيضاً بشارة للمؤمنين بأنه قبل توبتهم مما كانوا فيه من الشرك والجاهلية ) – إلى مسألة مكية الإيات واحتياج تلك الحقبة إلى التحريض على التوبة وحرص الإسلام على الطف بالعباد حتى يتمسكوا بشرع الله , وهذا ظاهر لو أعدنا البصر كرة إلى الآية فالآية فيها أربع مبالغات 171: بناء الجملة على الإسمية , وعلى الموصولية , وعلى المضارعية , وعلى تعدية فعل الصلة بعن 172. وكذلك ذكر اسم " العباد " دون نحو: الناس أو التائبين أو غير ذلك إيماء إلى أن الله رفيق بعباده لمقام العبوية فإن الخالق والصانع يحب صلاح مصنوعه 173 والالتفات إليهم هنا أبلغ في التحريض على التوبة إذ فيه ما فيه من الإقبال عليهم وإشعارهم بمراقبته وحبه لهم ولأن يكونوا صالحين , كما وفيه كذلك تأكيد لقَبول التوبة والعفو عما سلف لطفاً بالعباد وحثاً لهم لئلا يعودوا إلى اقتراف السيئات , يقول الألوسي 174 " ( :وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿ ٥٢﴾" عند حفص والأخوين وعلقمة وعبد الله وبياء الغيبة عند الجمهور وعلى الأول ففيه التفات وما موصولة والعائد محذوف أي يعلم الذي تفعلونه كائناً ما كان من خير وشر فيجازي بالثواب والعقاب أو يتجاوز سبحانه بالعفو حسبما تقتضيه مشيئته جل وعلا المبنية على الحكم والمصالح... ) ويقول 169 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج25، ص88. 170 ابن عاشور، التحريروالتنوير،ج25، ص89. 171 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج25، ص90. 172 فعل (قبل يتعدى بمن الإبتدائية تارة كما في قوله " وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ " وقوله: " فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِ لْءُ الأَْ رْضِ ذَهَبًا " فيفيد معنى الأخذ للشيء المقبول صادراً من المأخوذ منه ويعدَّ بعن فيفيد معنى مجاوزة الشيء المقبول أو انفصاله عن معطيه وباذله وهو أشد مبالغة في معنى الفعل من تعديته بحرف من لأن فيه كناية عن احتباس المبذول عند المبذول إليه بحيث لا يرد إلى باذله.وهذا نقلا عن ابن عاشور , التحرير والتنوير , ج25 , ص89 ونجدها عند الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر،(ت794)، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ج3، ص339،الألوسي،روح المعاني، ج25، ص36. 173 ابن عاشور، التحرير والنوير، ج25، ص90. 174 الألوسي، روح المعاني، ج25، ص36.

عدد الصفحات ٦٠

نقلاً عن: ( "ويعلم " الخ تذييل للكلام السابق يؤكد ما ذكره من القبول والعفو لأنه تعالى إذا علم العملين والعاملين جازى كلاً بما فعل فأولى أن يجازي هؤلاء المحسنين بأفعالهم ثم فيه لطف وحث على لزوم الحذر منه تعالى والإخلاص له سبحانه في إمحاض التوبة ) ويقول الألوسي بعد هذا النقل: ( ونحن أيضاً لا ننكر أنه تذييل فيه تأكيد كما لا يخفى ) . وهذا من جهة المؤمنين , أما الظالمون فالالتفات إليهم تأكيذاً للوعيد وتحذيراً من الدوام على الكفر بعد فتح باب التوبة.والله تعالى أعلم بمراده .وكذا موضعُ سورة الزخرف في قوله تعالى: "وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ ٥٨﴾" قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وأبو جعفر وروح (ترجعون) بتاء الخطاب175. جملة " وإليه ترجعون " وقعت هنا في مقام التنزيه لله سبحانه عن الشريك. ومقام التنزيه يستلزم التقبيح على من ادعى غير التنزيه . فقال سبحانه - في تنزيه نفسه عن اتخاذ الولد مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم لأن يحاججهم -: " قُلْ إِ ن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴿ ١٨﴾ " وقل لهم في محاججتهم لنفي أن يكون لله شريك أصلا: " وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَـٰهٌ وَفِي الأَْرْضِ إِلَـٰهٌ ۖ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴿ ٤٨﴾ " بدليل أنك لو سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله فأنت تكون قد أقررتهم على نفي البنوة لله , وهذا كأدعائهم أن الملائكة بنات الله مع أنهم يعتقدون أن البنات أحط قدراً من الذكور , وما بين هاتين الجملتين اعتراض من كلامه سبحانه - ينزه نفسه بأعظم ما أوجد: " سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْ رْضِ رَبِّ الْعَرْ ِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿ ٢٨﴾ " – ويتوعد لهؤلاء يوم التلاقي: " فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴿ ٣٨﴾ " , وألحق بجملة " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو العليم الحكيم " - المسوقه لنفي الشريك مطلقاً - ماينزه نفسه أعظم من التنزيه الأول على نفي البنوة , وليكون بمثابة تنزيه نفسه سبحانه عن كل مزاعم المشركين التي وردت في السورة , فقال سبحانه وتعالى: " وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْ مُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ ٥٨﴾ ". يقول ابن عاشور176: ( "وتبارك...." عطف على" سبحان رب السملوات والأرض" فصد منه إتباع 175ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص588.وانظر أبو عمرو الداني، التيسير في القراءات السبع، ص126، وابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص550.

عدد الصفحات ٦١

إنشاء التنزيه بإنشاء الثناء والتمجيد ) وليس هو رب السماوات والأرض فحسب بل مالك الملك أيضاً , يقول ابن عاشور177: ( وقد ذكر مع التنزيه أنه رب السماوات والأرض لاقتضاء الربوبية التنزيه عن الولد المسوق الكلام لتفيه , وعن الشريك المشمول لقوله "عما يصفون" , وذكر مع التبريك والتعظيم أن له ملك السماوات والأرض لمناسبة الملك العظمة وفيض الخير). وبعد تبريك نفسه سبحانه والتعظيم والتمجيد زاد على المعاندين تقبيحاً لحالهم من العناد والضلال , والتفت إليهم " وعنده علم الساعة وإليه ترجعون " للمباشرة بالتهديد والتشديد به عليهم , يقول أبو السعود 178 ( : " وإليه ترجعون " للجزاء والالتفات للتهديد وقرئ على الغيبة ) وعند ابن عاشور 179: ( قرأ الجمهور " ترجعون " بال فوقية على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمباشرة بالتهديد . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتحتية تبعاً لأسلوب الضمائر التي قبله.) . وآخر موضع ورد فيه التفات قرآني من الغيبة إلى الخطاب وغرضه التشديد في الوعيد والتهديد كائن في سورة القمر, قال تعالى: "سَيَعْلَ مُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الأَْشِرُ ﴿ ٦٢﴾" قرأ ابن عامر وحمزة (ستعلمون) بتاء الخطاب180. المقام مقام تذكير ووعظ. والمخاطبون هم مشركو مكة المكابرون على شركهم المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم (وإن يروا كل آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر.وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) فنعى عليهم عدم إزدجارهم بما جاءهم من الأنباء بتعداد بعض المهم من تلك الأنباء ومن تلك الأنباء نبأ صالح عليه السلام وحكاية قومه وكيف كذبوه قال تعالى: " كذبت ثمود بالنذر 0 فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه......" وردت الآية الثانية على كلتا القراءتين رداً على قولهم السابق في صالح عليه السلام , وهي على قراءة الياء مجرد إخبار من الله سبحانه في ذلك , أما قراءة التاء فتحتمل أن تكون حكاية لما قاله صالح رداً عليهم ,كما تحتمل أن تكون من كلام الله تعالى لهم على سبيل الالتفات181. 176 ابن عاشور،التحرير والتنوير، ج25، ص268. 177 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج25، ص269. 178 أبو السعود،إرشاد العقل السليم،ج5، ص97، وانظر الألوسي، روح المعاني، ج25، ص107. 179 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج25، ص270. 180 التيسير في القراءات السبع، الداني، ص231. الإقناع في القراءات السبع، ابن الباذش، ج2، ص777 181 الزمخشري، تفسير الكشاف، ج5، ص1660، وانظر الدكتور أحمد سعد محمد، التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، ص344.

عدد الصفحات ٦٢

والالتفات هنا يبين عنه الطيبي (ت374هـ) ويشرح تفاصيله يقول182: ( أما في خطابه تعالى لرسولنا صلى الله عليه وسلم , وهو نذير ما حكاه سبحانه عن شعيب "فتول عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم بعد ما استوصلوا هلاكاً , وهو من بليغ الكلام , فيه دلالة على أنهم أحقاء بهذا الوعيد وكأنهم حضور في المجلس , حول عليهم الوجه لينعى عليهم جنايتهم , وإما في خطابه عز وجل لصالح عليه السلام , والمنزل حكاية هذا الكلام المشتمل على الالتفات.) 3. للإيذان بالغضب: قال تعالى في سورة العنكبوت: " إِنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِ يمُ ﴿ ٢٤﴾" قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر (تدعون) بتاء الخطاب183، المقام مقام ضرب المثل للذين كفروا , وحالهم وما حل بهم من ألوان العقوبة , ومصير أمثالهم من مشركي مكة , في اتخاذهم ما يحسبونه دافعاً عنهم وهو أضعف من أن يدفع عن نفسه , بحال العنكبوت تتخذ لنفسها بيتاً تحسب أنها تعتصم به من المعتدي عليها فإذا هو لا يصمد ولا يثبت لأضعف تحريك فيسقط ويتمزق. ثم نفى سبحانه عنهم العلم بما تضمنه التمثيل من حقارة أصنامهم التي يعبدونها وقلة جدواها بقوله: " لو كانوا يعلمون " المفيد أنهم لا يعلمون , أعقبه بإعلامهم بعلمه بدقائق أحوال تلك الأصنام على اختلافها واختلاف معتقدات القبائل التي عبدتها , وأن من آثار علمه بها ضرب ذلك المثل لحال من عبدوها وحالها أيضاً دفعاً بهم إلى أن يتهموا عقولهم وأن عليهم النظر في حقائق الأشياء تعريضاً بقصور عقلهم كقوله تعالى: " والله يعلم وأنتم لا تعلمون " , فهذا توقيف لهم على تفريطهم في علم حقائق الأمور التي علمها الله وأبلغهم دلالتها النظرية , ونظائرها التاريخية , وقربها إليهم بالتمثيلات الحسية فعموا وصموا عن هذا وذاك. 184 والالتفات إلى الخطاب مواجهة في تجهيلهم ليراجعوا أنفسهم ويغلطوا منهجهم في االنظر إلى الأشياء وخاصة معتقدهم الديني التي حقرها سبحانه بالتمثيل لها بأوهن البيوت هذا من جهتهم , أما من جهة الملتفت إليهم وهو الله عز وجل فهو التفات مؤذن بالغضب من غفلتهم , 182 نقله الألوسيي، تفسير روح المعاني، ج27، ص88.وانظر أبو السعود، ارشاد العقل السليم، ج5، ص238. 183 ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص499. ابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع، ج2، ص727. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج2، ص343. النشار، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، ج2، ص178 184 ابن عاشور، التحرير والتنوير , ج21 , ص252 – 253.

عدد الصفحات ٦٣

يقول الألوسي: ( "إن الله يعلم "وذلك على إضمار القول أي قل للكفرة أن الله..الخ، وقيل: لا حاجة للإضمار لجواز أن تكون (تدعون) من باب الالتفات للإيذان بالغضب)185 . 5- إضعافاً للمشركين وإظهاراً لعجزهم ومنه أية سورة غافر الكريمة , قال تعالى: "وَاللَّـهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَ دْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۖ إِنَّ اللَّـهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ ٠٢﴾" قرأ نافع وهشام عن ابن عامر (تدعون) بتاء الخطاب186 . المقام مقام تهكم بالمشركين- الذين بعبدون أصناماً لا تسمع ولا تبصر ولا تسمن عبادتها ولا تغني من جوع - لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه: يقضي أو لا يقضي187 , فالسياق يبين عن عجز الذين يدعونهم وأنهم غير أهل للإلهية , يقول ابن عاشور188: (كان مقتضى الظاهر أن يؤتى بجملة " يقضي بالخق " معطوفة بالواو على جملة "يعلم خائنة الأعين "فيقال , ويقضي بالحق ولكن عدل عن ذلك لما في الاسم العلم لله تعالى من الإشعار بما يقتضيه المسمى به من صفات الكمال التي منها العدل في القضاء.....والجملة من تمام الغرض الذي سيقت إليه جملة " يعلم خائنة الأعين " وكلتاهما ناظرة إلى قوله " ما للظالمين من حميم ولا شفيع " أي أن ذلك من القضاء بالحق. وأما جملة " والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء فناظرة إلى جملة " ما للظالمين من حميم ولا شفيع " فبعد أن نُفي عن أصنامهم الشفاعة , نفي عنهم القضاء بشيء ما بالحق أو بالباطل وذلك إظهار لعجزها. ولا تحسبن جملة "والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء " مسوقة ضميمة إلى جملة " "والله يقضي بالحق ليفيد مجموع الجملتين قصر القضاء بالحق على الله تعالى قصر قلب , أي دون الأصنام , كما أفيد القصر من ضم الجملتين في قول السموأل عبد الملك الحارثي: تسيل على حد الظ بات نفوسنا وليست على غير الظُّبات تسيل 185 روح المعاني، الألوسي، ج20، ص161 186ابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع، ج2، ص753. ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج2، ص364 187 الزمخشري، تفسير الكشاف، ج5، ص339، وانظر أبو حيان، البحر المحيط، ج7 ,،ص439.أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج5، ص13، والألوسي، روح المعاني، ج24، ص60. 188 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج24، ص117.

عدد الصفحات ٦٤