يقولالسيوطي: "إذا كان لكل قراءة معنى، فإن من وجوه إعجاز القرآن وإيجازه تنوع قراءاته، ودلالة ذلك بمنزلة تعدد الآيات وهذا نوع عظيم من البلاغة"81. وممن نبه إليه الرافعي في كتابه إعجاز القرآنإذ يقول: "وثالثة تلحق بمعاني الإعجاز وهي: أن تكون الألفاظ في اختلاف بعض صورها، مما يتهيأ معه استنباط حكم، أو تحقيق معنى من معاني الشريعة؛ ولذا كانت القراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد. وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم، ثم هو مما لا يستطيعه لغوي أو بياني في تصوير خيال، فضلاً عن تقرير شريعة".82 وأشار الشيخ محمد أبو زهرة إلى أن: "مجموع القراءتين –كلتاهما في القرآن- قد يكون دالاً على معنيين في لفظ واحد، متلاقيين غير متضاديين... وقد يكون اختلاف القراءة كمال التوضيح البياني من غير قصور في إحداهما ولكن بالقراءتين يكون البيان كاملاً".83 وذكر علماء القرآن هذه الف ائدة ضمن فوائد تغاير القراءات: " ومن هذه الفوائد: ما تشتمل عليه القراءات العشر المتواترة من أوجه البلاغة والبيان والإعجاز والإيجاز، إذ كل قراءة بمنزلة الآية، فكان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظة آية لم يخف ما كان في ذلك من التطويل، فقدر الله عز وجل أن تشتمل آيات القرآن على معانٍّ غزيرة في عدد معين منها ، وذلك عن طريق احتمال الكلمة التفسير لمعانٍّ مختلفة عند ورود التغيير فيها وفق مراد الوحي" .84 ومما لا شك في ه أن وقوع حرف من حروف المضارعة مكان حرف هو من وجوه الإعجاز البياني في القراءات،85 وبحثنا في الالتفات من باب ورود حرف زائد من حروف المضارعة مكان حرف آخر والله تعالى أعلم. باعتبار الاختلاف الواقع في الكلمات القرآنية القسم الأول: القراءات التي تندرج تحت أصول. القسم الثاني: القراءات التي لا تندرج تحت أصول. والأصول: هي القواعد الكلية التي تعرض على جميع القراءات فيدخل تحت كل قاعدة الجزئية التي تناسبها وتطرد عليها. وعرفها ابن الجزري بأنها: "القواعد المطردة التي تنطبق على كل جزئيات القاعدة، والتي يكثر ورودها، وتطرد ويدخل في حكم الواحد منها الجميع، بحيث إذا ذكر حرف من حروف القرآن 81 قطف الأزهار وكشف الأسرار، السيوطي، ج1، ص97. 82 إعجاز القرآن، الرافعي، ص47. 83 المعجزة الكبرى، أبو زهرة، ص59. 84 الاتقان في علوم القرآن، السيوطي، ج1، ص227. مناهل العرفان، الزرقاني، ص145. 85 الاعجاز البياني في ضوء القراءات القرآنية، أحمد بن محمد الخراط، ص47.
عدد الصفحات ٣٣الكريم ولم يقيد يدخل في تحته كل ما كان مثله، فالتفخيم للخاء المفتوحة مثلاً يكون مطردا في كل كلمة ترد في القرآن فيها خاء مفتوحة".86 والأصول التي ي ذكرها علماء القراءات كثيرة منها : الاستعاذة والبسملة، وسورة أم القرآن والإدغام الكبير وغيرها.87 أما القسم الثانيالألفاظ التي لا تندرج تحت أصول وتسمى الفرش: كونها تفرش في القرآن فرشاً بلا ضابط يجمعها، أو هي الكلمات التي يقل ورودها وتكرارها من حروف القراءات المختلف فيها في القرآن الكريم ولم تطرد، ومثاله ما ورد في سورة البقرة: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُو نَ ﴾ فقد قرأ الكوفيون الأربعة عاصم وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب (يخدعون) وقرأ الباقون من العشرة (يخادعون).88 والتغاير بين حروف المضارعةيندرج تحت القراءات الفرشية. نستنتج بعد دراسة القراءات القرآنية أن محل الالتفات فيها هو: القراءات العشر المتواترة، التي تعني بالتفسير، وهي ألفاظ فرشية ليست مطردة ولا تحكم بقاعدة. الفصل الأول: الالتفات في القراءات القرآنية. المبحث الأول: تعريف الالتفات في القراءات القرآنية. المبحث الثاني: ظاهرة الالتفات في القراءات عند العلماء. 86 شرح طيبة النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ص167. 87 التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني. الاقناع في القراءات السبع، ابن الباذش. تحبير التيسير في القراءات العشر، ابن الجرزي. 88 شرح طيبة النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ص168. مقدمات في علم القراءات، أحمد شكري، أحمد القضاة، محمد منصور، ص77.
عدد الصفحات ٣٤المبحث الأول تعريف الالتفات في القراءات القرآنية. وقد أشار بعض الباحثين إلى مفهوم الالتفات في القراءات – متأخراً –, وهم لم يقصدوا تعريف المصطلح وإنما توضيح ماهيته ووصف صوره: منهم الدكتور أحمد سعد محمد يقول: "ويغلب أن يترتب الالتفات في القراءات على تلك الأوجه التي تتغاير قراءتها بين أحرف المضارعة "التون والتاء والياء" وهي أحرف تشير بحسب الإسناد إلى معاني التكلم والخطاب والغيبة على الترتيب. فكان ثمة مواضع يقرأ فعلاها تارة بالنون معاً جرياً على مقتضى الظاهر , كما يقرأ أولهما بالنون والآخر بالياء تارة أخرى , فيكون ذلك صرفاً للكلام عن نسقه ووجهه على سبيل الالتفات من التكلم إلى الغيبة , وثمة مواضع أخرى يقرأ فعلاها تارة بالياء معاً , كما يقرأ أولهما بالياء والآخر بالتاء تارة أخرى , فيترتب على ذلك التفات من الغيبة إلى الخطاب".89 فهو يشرح ماهيته دون أن يضع له مفهوماً يختصر به ما فصله. فتعريف الالتفات في القراءات نبدؤه من تعريف الالتفات في اللغة، نقول: هو عدول حاصل بين أحرف المضارعة الثلاثة (النون والتاء والياء) الدالة على التكلم والخطاب والغيبة، وذلك في أحد وجوه تغاير القراءات القرآنية. فإذا جاءت الجملة القرآنية مشتملة على فعلين فتارة يقرآن بوجه واحد وهذا مقتضى الظاهر، أما إذا قرئ أحدهما بالياء والثاني بالنون مثلاً كان ذلك على طريقة الالتفات. جاء في القراءات القرآنية من صور الالتفات خمسة وهي: - الالتفات من الغيبة إلى الخطاب والعكس. 89 التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، أحمد سعد محمد، ص332. الالتفات في القراءات القرآنية، محمد الزغول، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، العدد الثاني، 2006م
عدد الصفحات ٣٥- الالتفات من الغيبة إلى التكلم والعكس - الالتفات من التكلم إلى الخطاب. يقول الدكتور أحمد سعد: "ومن خلال تتبع ظواهرها القرائية، لاحظنا أن صور الالتفات هذه تتفاوت نماذجها من حيث الكثرة والقلة، فبينما تكثر نماذج الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ومن الغيبة إلى التكلم ، تقل نماذج الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، ومن التكلم إلى الغيبة، أما الالتفات من التكلم إلى الخطاب فنادر الوقوع"90 ثم يعلل هذه الكثرة والقلة فيقول: "إن هذا التفاوت إنما يهدينا إلى ملحظ أسلوبي يحكم هذه الظاهرة القرآنية على عمومها، وهو أن حديث المواجهة والإقبال على المخاطب ، وحديث النفس ، هو الشائع في الق راءات، وما ذلك إلا لاستحضار الذات الفاعلة وجذب المتلقين، ولفت انتباههم إلى تأمل المعاني التي تتعلق بها مواضيع العدول، والتفكير في الأغراض التي تنعقد عليها ترغيباً أو ترهيباً في مقامات الوعد أو الوعيد. فعنصر التنبيه في القراءات عنصر أصيل يحصل من التحول والعدول عن مقتضى الظاهر، وفي هذا العدول يكمن السر وإليه يكون القصد في التفكير فيه للنفاذ إلى مغزاه".91 وسيظهر هذا جلياً بإذن الله تعالى عند الحديث عن أغراض الالتفات في المرحلتين المدنية والمكية. المبحث الثاني: ظاهرة الالتفات في القراءات عند العلماء في البداية نرصد هذه الظاهرة منذ ورودها كإشارات في كتب معاني القرآن. بدأت هذه الإشارات بالفراء صاحب (معاني القرآن) إذ يقول: "وقوله عز وجل في سورة القيامة ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴿ ٠٢﴾ وَتَذَرُونَ الآْخِرَةَ ﴿ ١٢﴾﴾،92 رويت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (بل يحبون ويذرون) بالياء، والقرآن يأتي على أن يخاطب المنزل عليهم أحياناً ، وحيناً يُجعلون كالغيب كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾.93 وعند أبي عبيدة، في قوله تعالى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول: ن صب مالك على النداء وقد تحذف النداء ومجازه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِ ينِ ﴾ لأنه يخاطب شاهداً ألا تراه يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ 90 السابق 91 التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، أحمد سعد محمود، ص341 – 342. 92 -قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر يحبون ويذرون بالياء جميغلً , وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي تحبون وتذرون بالتاء. انظر في هذا ابن مجاهد , السبعة في القراءات , ص661. وابن الجزري , تحبير التيسير في القراءات العشر , ص598. 93 الفراء، معاني القرآن، ج3، ص211 .
عدد الصفحات ٣٦فهذه حجة لمن نصب...، ومجاز من جر ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ 94، حدَث عن مخاطبته غائباً ثم رجع إلى مخاطبته شاهداً فقال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .95 يلاحظ أن السمة الظاهرة لتلك الإشارات عند العالمين الاستشهاد بأدل الآيات وأوضحها على موضوع الالتفات في القراءات. وبعد ه ذه اللمحات تطورت الدراسات وأصبح هناك دراسات خاصة لتوجيه القراءات، وبتتبع هذه الدراسات نجد أن العلماء قد نهجوا في تناول الظاهرة منهجين اثنين: المنهج الأول: تتبع النسق الظاهري, ورد القراءة إلى النسق. المنهج الثاني: تتبع السياقات والمقامات, ورد القراءة إلى الدواعي البلاغية. المنهج الأول: تتبع النسق الظاهري ورد القراءة إلى النسق: المنادون بهذا ا لمنهج هم أصحاب كتب التوجيه، وطريقتهم في ذلك إما التوفيق بين القراءتين بأن يحملوا القراءة المخالفة إما على التغليب أو على تقدير قل أو غير ذلك. والطريقة الأخرى: التفريق بين القراءتين فيحملون الأولى على المشاكلة، والثانية على أنها من باب التحول والخروج والالتفات دون ذكر الدواعي. والأسرار البلاغية المؤدية إلى الخروج والتحول. يقول الدكتور أحمد سعد في هاتين الطريقتين: "ولم يكن ثمة حدود فاصلة بين هذين المذهبين في الواقع، ولكن ما يعنينا من ذلك هو إبراز إختلاف وجهات نظرهم في استجلاء المعاني التي يحتملها السياق والمقام".96 لذا جعل الطريقتين في منهج واحد لأنه لا يوجد حدود فاصلة تفصل الطريقتين عن بعضهما. والأمثلة على هذا المنهج من كتب التوجيه كثيرة نذكر منها: كتاب الحجة في القراءات لابن خالويه (370هـ) منأوائل كتب توجيه القراءات، يقول في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴿ ٧٧﴾﴾ أنها تقرأ بالتاء والياء ،97 فالتاء جامعة للخطاب والغيبة ويريد بذلك أنتم وهم، والياء لمعنى الغيبة فقط.98 وفي قوله تعالى في سورة النحل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ ﴾ يقرأ بالياء والنون،99 فالحجة لمن قرأه بالياء أنه رده على قوله ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَ دُ وَمَا عِندَ اللَّـهِ بَاقٍ ﴾ والحجة لمن قرأها بالنون أنه أراد أن يأتي 94 - الجمهور على قراءة الجر وقراءة النصب قراءة شاذة وإنما نوردها هنا لغاية وصف الظاهرة عند العالم الجليل أبي عبيدة , وهي قراءة الأعمش وقتادة و غيرهما ينظر أبو حيان , البحر المحيط , ج1 , ص133. 95 مجاز القرآن، أبو عبيدة، ج1، ص22. 96 التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، أحمد سعد محمد، ص336. 97 - قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف وأبو جعفر وروح "ولا يظلمون" بالياء والباقون من العشرة بالتاء ,.ينظر اين الجزري , تحبير التيسير في القرات العشر , ص342 98 الحجة في القراءات، ابن خالويه، ص125.
عدد الصفحات ٣٧بأول الكلام محمولاً على آخره، فوافق بين قولين ﴿فلَنَجْزِيَنَّ ﴾ وقوله ﴿فلنحيينه﴾ وأمثلة أخرى عديدة نجدها عند ابن خالويه كان فيها يرد الآخر على الأول.100 ومن الأوائل أيضاً في دراسة القراءات وتوجيهها أبو منصور الأزهري (377هـ، يوجه القراءة في قوله تعالى في سورة البقرة آية ( 285 )﴿لاَ نُفَرِ قُ بَيْنَ أَحَدٍّ مِ ن رُّسُلِهِ ﴾ فيقول: "قرأ الحضرمي بالياء وكسر الراء ، وقرأ الباقون ( لا نفرق ) بالنون. وأخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: "النون هي الاختيار وعليه قرأ الأمصار ومعناها: يقول (لا نفرق) فيكون القول فيه مضمراً. ومن قرأ (لا يفرق) فإنه يريد من آمن بالله لا يفرق وكل آمن وكل لا يفرق".101 ثم جاء الفارسي فلخص القول في هذا المنهج عند حديثه عن جزء ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ وتغاير القراءات فيها في القرآن الكريم قائلاً: "أن القول في جملة ذلك أن ما كان قبله خطاب جعل بالتاء ليكون الخطاب معطوفاً على خطاب مثله كقوله ﴿ثم قست قلوبكم﴾ ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ فالتاء هنا حسن لأن المقدم خطاب، ولو كان: (وما الله بغافل عما يفعل هؤلاء الذين اقتصصنا عليكم قصصهم أيها المسلمون) لكان حسناً . وإن كان الذي قبله غيبة حسن أن يجعل على لفظ الغيبة ليعطف ما للغيبة على مثله".102 يلاحظ أن الفارسي قد ذكر ما هو أولى للقراءة عند توجيهها، فما كان للخطاب فهو يرد على الخطاب، وما كان للغيبة يرد للغيبة، وذكر حالة أخرى وهي اختلاف مرجعي الضميرين حين حسن قراءة الياء في (وما الله بغافل عما يفعل هؤلاء الذين اقتصصنا عليكم قصصهم أيها المسلمون )، وفي الآتي يذكر الفارسي حالة مجيء الغيبة وقبلها الخطاب فيقول: "ويجوز فيما كان قبله لفظ غيبة الخطاب. ووجه ذلك أن تجمع بين الغيبة والخطاب فتغلب الخطاب على الغيبة؛ لأن الغيبة يغلب عليها الخطاب" ثم يقول: " ويجوز في الخطاب بعد الغيبة وجه آخر، وهو أن يراد به قل لهم: ما الله بغافل عما تعملون، فعلى هذا النحو تحمل هذه الفصول".103 وظل هذا المنهج هو السائد عند علماء التوجيه إلى وقتنا الحاضر، ومن أهم الدراسات في هذا المنهج أيضاً: - الحجة في القراءات لابن زنجلة (403هـ.104 99 - قرأ ابن كثير وعاصم وأبو جعفر بالنون والباقون بالياء , ينظر ابن الجزري , تحبير التيسير في القراءات العشر , ص333. 100 المرجع السابق، ص109،112،128،136،141،216. 101 معاني القرآن، أبو منصور الأزهري، ص239. 102 الحجة للقراء السبعة، الفارسي، ج2، ص112. 103 المصدر السابق، انظر ج3: ص43،70،73،113،181،324،356. 104104 - انظر أمثلة ذلك صفحة303 ,304 – 403 - 482 – 528.
عدد الصفحات ٣٨- الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب437هـ.105 - كشف المشكلات وإيضاح المعضلات للباقولي543هـ.106 - الموضح لابن أبي مريم565هـ107 ومتأخراً في - طلائع البشر في توجيه القراءات العشر للقمحاوي. - المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة لسالم محمد محيسن. ويمثل هذان الكتابان الأخيران الطريقة الأخرى في المنهج، وهي طريقة التفريق بين وجوه التغاير في الوجوه القرآئية دون النظر إلى الدواعي البلاغية، ومثال ذلك في قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّ ـهِ يَبْغُونَ﴾ آل عمران 83، يقول صاحب طلائع البشر: "قرئ بالغيب108 لمناسبة لفظ (من) وضمير (من) في الآية قبلها. وقرئ بتاء الخطاب على الالتفات"109. ويقول الدكتور محيسن في نفس الآية: "قرأ أبو عمرو وحفص ويعقوب(يبغون) بياء الغيبة لمناسبة قوله تعالى ﴿فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ آل عمران 82، ثم يقول وقرأ الباقون (تبغون) بتاء الخطاب؛ وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ،110 وإن كان هذا موجوداً عند السابقين ولكنه قليل جداً .111 المنهج الثاني تتبع السياقات والمقامات ورد القراءة إلى الدواعي والأغراض. هذه الطريقة لا تكاد توجد، بدأها ابن جني ولم يتقدمه أحد من العلماء ولاسيما في توجيه الالتفات في القراءات. يوجه ابن جني القراءة في قوله تعالى (يُ رْجَعُونَ ) بياء مضمومة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴿ ١٨٢﴾﴾ إذ يقول: "إن ترك الخطاب إلى لفظ الغيبة كقوله تعالى ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ غير أنه تصور معنى مطروقاً هنا فحمل الكلام عليه، وذلك أنه كأنه قال: (واتقوا يوماً يرجع فيه البشر إلى الله) فأضمر على ذلك، فقال: يُرجعون فيه إلى الله – وقد شاع عنهم حمل ظاهر اللفظ على معقود 105 من أمثلته صفحة : 248 – 344 – 353 – 369. 106 - 107 - انظر صفحة870 ,871 – 887 ,888 -. وغيرها. 108 - قرأ حفص وأبو عمرو ويعقوب بالياء "يبغون" والباقون من العشرة بالتاء. ينظر ,ابن الجزري , تحبير التيسير في القراءات العشر , ص325. 109 طلائع البشر، القمحاوي، ص45. 110 المغنيفي توجيه القراءات، سالم محمد محيسن، ج1، ص347. 111 انظر الحجة في القراءات للفارسي، ج2، ص347. حجة القراءات، ابن زنجلة، ص154. الكشف عن وجوه القراءات، مكي بن أبي طالب، ج1، ص436. تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ج2، ص341.
عدد الصفحات ٣٩المعنى وترك الظاهر. وكأنه– والله أعلم- إنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة فقال: يرجعون بالياء رفقاً من الله تعالى بصالح عباده المطيعين لأمره".112 ثم يتجاوز ابن جني الحدود السطحية – بعرض الغرض من الالتفات – إلى التوظيف البلاغي والداعي الذي دعا إليه المقام لتحويل الكلام والعدول به عن ظاهره، فيقول: "وذلك أن العودة إلى الله للحساب أعظم ما يخوف ويتوعد به العباد فإذا قرئ ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـه﴾ فقد خوطبوا بأمر عظيم يكاد يستهلك ذكره المطيعين العابدين، فكأنه تعالى انحرف عنهم بذكر الرجعة فقال: يُرجعون فيه إلى الله، ومعلوم أن كل وارد هناك على أهول أمر وأشنع خطر فقال يُرجعون فيه إلى الله، فصار كأنه قال: يجازون أو يعاقبون أو يطالبون بجرائرهم فيه، فيصير محصوله من بعد، أي: فاتقوا أنتم يا مطيعون يوماً يعذب فيه العاصون، ومن قرأ بالتاء (ترجعون) فإنه فضل تحذير للمؤمنين؛ نظراً لهم واهتماماً بما يعقب السلامة بحذرهم".113 ثم ينعى على أصحاب المنهج السائد تناولهم الظاهرة بسطحية فيقول: "وليس ينبغي أن يقتصر في ذكر علة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب، بما هو عادة توسط أهل النظر أن يفعلوه، وهو قولهم: إن فيه ضرباً من الاتساع في اللغة للانتقال من لفظ إلى لفظ – هذا ينبغي أن يقال إذا عَري الموضع من غرض معتمد وسر على مثله تتعقد اليد".114 ومن ا لأمثلة التي تناولها وتوضح منهجه , في قوله تعالى ﴿إِ يَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد قوله: "الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿ ٢﴾ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ ٣﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿ ٤﴾﴾ يقول: "فليس ترك الغيبة إلى الخطاب اتساعاً وتصرفاً ، بل هو لأمر أعلى ومهم من الغرض أعني – وذلك أن الحمد معنى دون العبادة، ألا تراك قد تحمد نظيرك ولا تعبده لأن العبادة غاية للطاعة والتقرب بها هو النهاية والغاية فلما كان كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة فقال: (الْحَمْدُ لِلَّـهِ ) ولم يقل (لك)، ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى أمر للطاعة قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ فخاطب بالعبادة إصراحاً بها وتقرباً منه – عز اسمه – بالانتهاء إلى محدوده منها، وعلى نحو منه جاء آخر السورة فقال ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ فأصرح بالخطاب لما ذكر النعمة، فقد قال: ﴿غَيْرِ الْ مَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ ولم يقل غير الذين غضبت عليهم، وذلك أنه موضع تقرب من الله بذكر النعمة، فلما صار الكلام إلى ذكر الغضب قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ حتى كأنه قال: غير 112 المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والايضاح عنها، ابن جني، ج1، ص145. 113 المرجع السابق، ج1، ص145. 114 المرجع السابق، ج1، ص146.
عدد الصفحات ٤٠الذين غُضب عليهم، فجاء اللفظ منحرفاً به عن ذكر الغاضب، ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم كما قال ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ فأسند النعمة إليه لفظاً وروى عنه لفظ الغضب تحنناً وتلطفاً".115 رأينا كيفكان ابن جني يصف الظاهرة بعناصرها كأن يقول: التحويل من وإلى الآية التي تشتهر في موضوع الالتفات، ولم يكتف بهذا القدر كسابقيه من العلماء وإنما يوظف هذه العناصر توظيفاً بلاغياً لاستجلاب الدواعي والأغراض فأعطى الظاهرة قيمتها ورد لها اعتبارها. وكان من البدهي بعد ذلك أن يمتد أثر هذه الطريقة في البحث إلى توجيه القراءة, إذ ألفينا الموجهين لاسيما المفسرين منهم لا يكادون يتكئون على تلك العلة الأولية العامة في تحليلهم لصور الالتفات المترتبة على تغاير القراءات، بل فتحوا عيون فكرهم وعقدوا أيديهم على فوائدها البلاغية الخاصة التي قد تَردُ عليها مواضعها، وفطنوا إلى أن تلك الفوائد تختلف باختلاف سياقها ومقامها116. الفصل الثاني أغراض الالتفات من الغيبة إلى الخطاب والعكس تمهيد بين يدي الأغراض وفيه مبحثان: 115 انظر امثلة أخرى عند ابن جني في المحتسب، ج1، ص314، ج2، ص125، ص126. 116 التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، أحمد سعد محمد، ص341.
عدد الصفحات ٤١المبحث الأول: أغراض الالتفات من الغيبة إلى الخطاب المبحث الثاني: أغراض الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. تمهيد ارتأيت أن أضع لهذا الفصل تمهيداً بين يديه؛ لأوضح فيه خطوطاً عريضة لمعرفة أغراض الالتفات في القراءات، ومنها: - أن دراسة الالتفات في القراءات القرآنية محصورةٌ في الأفعال المضارعة وهذا يلقي بظلاله على فائدة استخدام الفعل المضارع في الكلام، فالفعل المضارع في الكلام يفيد استحضار الصورة والتجدد والاستمرارية. وعند تطبيق ذلك على الفعل والفعل الملتفت إليه بضمير لكل واحد منهما تجد نقلة كبيرة في استحضار الصورة واستمرارية الغرض المرجو من الأسلوب ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَ رَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ البقرة 144 .فعندما يلتفت سبحانه عن الإخبار عنهم بالغيبة إلى الوعيد والتهديد لهم بالخطاب، يستحضر هنا صورة فعلتهم وقبحها عند الله، وبالتالي وقع التهديد والوعيد أكبر، فالغرض منه التشديد عليهم في
عدد الصفحات ٤٢التهديد والوعيد، وحتى يكونوا متحققين من وقوعه ومتثبتين، ويبقى هذا في حسابهم كلما فكروا أن يخالفوا أمر الله تعالى. - عند دراسة الالتفات في القراءات لا بد من اعتبار أن الضمير المطابق للآخر في إحدى القراءتين يرجع مرجوعه في الضمير المخالف في القراءة الأخرى، ففي المثال السابق قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْ حَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ البقرة 144،في قراءة التاء يقول أبو حيان: "قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب فيحتمل أن يراد به المؤمنون لقوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾، ويحتمل أن يراد به أهل الكتاب فتكون من باب الالتفات".117 وإذا اتفقت القراءتان في مرجع الضمير يُنظر إلى ما الداعي لذلك وهو كما قال أبو حيان من كونه التفاتاً. - حصل الالتفات في القراءات في سبعة وستين موضعاً من القرآن الكريم موزعة على المكي والمدني، فالمكي في ثلاثة وعشرين سورة فيها ستة وأربعون موضعاً، بينما المدني في سبع سور فيها سبعة عشر موضعاً. وبالنسبة والتناسب يكون الالتفات في القسم المكي بلغ أربعة أضعاف المدني تقريباً. - أغلب المواضع التي حصل فيها التفات تقع في فواصل الآيات القرآنية، وذلك ليكون رداً نهائياً قاطعاً وحاسماً لا مرد له ولا عودة فيه على أقوال وأفعال صدرت لا بد من الجزاء عليها والحكم فيها، منها ما هو وعيد وترهيب ومنها ما هو وعد وترغيب. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ البقرة 96، وكقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ وَلِلَّـهِ مِيرَاثُ السَّ مَاوَاتِ وَالأَْرْضِ ۖ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُ ونَ خَبِيرٌ ﴾ آل عمران 180. ومن الثاني قوله تعالى﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمً ا﴾ النساء 114. 117 أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف(ت745)، تفسير البحر المحيط، تحقيق عادل محمد عبد الموجود،وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية،بيروت، الطبعة الاولى،1413-1993م.ج1 , ص604.
عدد الصفحات ٤٣- المفسرون ال ذين ذكروا أن للالتفات أغراضاً وألمحوا إليها هم: الزمخشري في تفسيره الكشاف، وأبو حيان في تفسيره البحر المحيط، والسمين الحلبي في الدر المصون، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم ومن بعده الألوسي في تفسيره روح المعاني، وابن عاشور في التحرير والتنوير، ومن المكثرين في توجيه الالتفات الألوسي وابن عاشور، فجزاهم الله تعالى جميعاً على خدمة القرآن خير الجزاء. - يذكر المفسرون عند التعرض للآيات التي فيها التفات احتمالات أخرى غير الالتفات وفي هذه الحالة لا أقتصر على الالتفات بناءً على ما تتطلبه طبيعة البحث وقد أناقش أحياناً بعض هذه الاحتمالات، فمن ه ذه الاحتمالات مثلاً حالة تقدير المح ذوف كقول المفسر في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُ وَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ (بما يعملون) القراءة بالتاء على تقدير قل لهم يا محمد. أو اختلاف مرجعي الضمائر كقول المفسر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَ ةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَْنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ البقرة 74، أن على قراءة الياء للمسلمين والتاء تكملة لخطاب المشركين من بني إسرائيل، أو كحالة رد الضمير إلى الضمير وهي واضحة جداَ عند المفسرين, ففي المثال ال ذي سبق ذكره من قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَا هَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ فيقول المفسر بأن على قراءة التاء مردودة إلى قوله تعالى: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ" أي للمؤمني ن)
عدد الصفحات ٤٤المبحث الأول أغراض الالتفات من الغيبة إلى الخطاب هذه الصورة من الالتفات هي أقوى الصور على الإطلاق، إذ تضع كلاَ من الطرفين الملتفِت والملتفَت إليه وجهاً لوجه أما م الحقيقة . فكان من أجلى أغراضها وأوضحها إيقاع اً للحجة على المنكرين وأبلغ في تشديد الوعيد على النفس. فمن أغراض الالتفات في القراءات من الغيبة إلى الخطاب في القسم المكي: 1. التشديد في التوبيخ وذلك في قوله تعالى من سورة الأنعام: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّـهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِ ي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۗ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۗ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُ مْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ ۗ قُلِ اللَّـهُ ۗ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴿ ١٩﴾﴾ قرأ القراء العشرة عدا ابن كثير وأبا عمرو ويعقوب (تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا) بتاء الخطاب. 118 والمقام مقام ذم لمشركي مكة, ذلك أن المشركين لم ا استشعروا نهوض الحج ة عليهم في نزول القرآن بأن ه ليس بِدعاً مم ا نزل على الر سل ، ودحضَ قولهم : ﴿لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ﴾ الفرقان 7، توغ لوا في المكابرة والجحود فقالوا ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ وتجاهلوا ما كانوا 118 أبو عمرو الداني، عثمان بن سعيد بن عمرو، دار الكتاب العربي، بيروت، 1404- 1984م،الطبعة الثانية، ص77 .ابن الجزري، أبو الخير محمد الدمشقي، (ت 833)، النشر في القراءات العشر،تحقيق علي محمد الصباغ، دار الكتب العلمية،بيروت ص359.
عدد الصفحات ٤٥يقولونه عن إبراهيم عليه الس لام، وما يعلمونه من رسالة موسى عليه السلام وكتابه. فروى الطبري عن ابن عب اس ومجاهد : أن قائل ذلك هم المشركون من قريش . وقد جاءت هذه الآية في هذا الموقع كالنتيجة لما قبلها من ذكر الأنبياء وما جاءوا به من الهدى والش رائع والكتب، فلا جرم أن ال ذين قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء، قد جاءوا إفكاً وزوراً ، وأنكروا ما هو معلوم في أجيال البشر بالت واتر. وهذه الجملة مثل ما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿وقال ال ذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بال ذي بين يديه﴾ سبأ 31. 119 ووصفه إياهم بقوله﴿تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً ﴾ مع أن الظاهر لا شغل لهم بالتوراة؛ فهي أنزلت على بني إسرائيل، يقول ابن عاشور في ذلك: "وقوله: (تجعلونه قراطيس) يجوز أن يكون صفة سببي ة للكتاب، ويجوز أن يكون مُعترضاً بين المتعاطفات . وقرأ (تجعلونه وتبدون وتخفون) بتاء الخطاب مَن عدا ابنَ كثير ، وأبَا عمرو، ويعقوب، من العشرة، فإم ا أن يكون الخطاب لغير المشركين إذ الظاهر أن ليس لهم عمل في الكتاب الذي أنزل على موسى ولا باشروا إبداء بعضه وإخفاء بعضه فتعي ن أن يكون خطاباً لليهود على طريقة الإدماج ( أي الخروج من خطاب إلى غيره ) تعريضاً باليهود وإسماعاً لهم وإن لم يكونوا حاضرين من باب إياكَ أعنِي واسمَعي يا جارة، أو هو التفات من طريق الغيبة ال ذي هو مقتضى المقام إلى طريق الخطاب. وحق ه أن يقال يجعلونه بياء المضارع للغائب كما قرأ غير هؤلاء الث لاثة القر اء . وإم ا أن يكون خطاباً للمشركين. ومعنى كونهم يجعلون كتابَ موسى قراطيس يبدون بع ضها ويخفون بعضها أن هم سألوا اليهود عن نبوة محم د -صلى الله عليه وسلم - فقرأوا لهم ما في الت وراة من التمس ك بالسبتِ ، أي دين اليهود، وكتموا ذكر الر سول -صلى الله عليه وسلم - ال ذي يأتي من بعدُ ، فأسند الإخفاء والإبداءُ إلى المشركين مجازاً لأن هم كانوا مظهراً من مظاهر ذلك الإخفاء والإبداء. ولعل ذلك صدر من اليهود بعد أن دخل الإسلام المدينة وأسلم مَن أسلم من الأوس والخزرج، فعلم اليهود وبال عاقبة ذلك عليهم فأغروا المشركين بما يزيدهم تصميماً على المعارضة. وقد قد متُ ما يرج ح أن سورة الأنعام نزلت في آخر مد ة إقامة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمك ة، وذلك يوجب ظنن ا بأن هذه المد ة كانت مبدأ مداخلة اليهود لقريش في مقاومة الد عوة الإسلامي ة بمك ة حين بلغت إلى المدينة".120 فالالتفات إليهم مبالغة عليهم في التوبيخ , وعلى تحليل ابن عاشور بأن الوصف مقدم لمشركي مكة مجازاً فيه قوة في الإعلان بأنهم مثلهم مشركون معهم في الجريمة. 119 ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس،1884، ج7، ص361، 362. 120 ابن عاشور، التحرير والتنوير،ج7، ص364، 365.
عدد الصفحات ٤٦ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُ 121مْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُ وا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴿ ٢٧١﴾ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِ كُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴿ ٣٧١﴾﴾. قرأ القراء العشرة عدا أبا عمرو (أن تقولوا), (أو تقولوا) بتاء الخطاب.122 يقول السمين الحلبي في الدر المصون: "قرأ أبو عمرو "يقولوا" قي الموضعين بالغيبة جرياً على الأسماء المتقدمة, والباقون بالخطاب, وهذا واضح على قولنا إن (شهدنا) مسند لضمير الله تعالى. وقيل: على قراءة الغيبة يتعلق (أن يقولوا) بأشهدهم , ويك ون (قالوا شهدنا) معترضاً بين الفعل وعلته, والخطاب على الالتفات فيكون الضميران لشيء واحد". 123 والكلام مسوق لتوبيخ المشركين الذين يخالفون فطرهم بإشراكهم, وهذا التوبيخ يقرع آذانهم ويقيم عليهم الحجة يوم القيامة، وهو أيضا ظاهر في المبالغة بإعلامهم بما يعلمون ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ﴾ يقول ابن عاشور: "هذا كلام مصروف إلى غير بني إسرائيل، فإنهم لم يكونوا مشركين والله يقول (أو تقولوا إنما أشرك آباءنا من قبل)، فهذا انتقال بالكلام إلى محاجة المشرين من العرب، وهو المقصود من السورة ابتداء ونهاية، فكان هذا الانتقال بمنزلة رد العجز على الصدر. جاء هذا الانتقال بمناسبة ذكر العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل في وصية موسى، وهو ميثاق الكتاب، وفي يوم رفع الطور. وهو عهد حصل بالخطاب التكويني أي بجعل معناه في جبلة كل نسمة وفطرتها ، فالجملة معطوفة على الجمل السابقة عطف القصة على القصة.والمقصود به ابتداءً هم المشركون. وتَبَدُّل أسلوب القصة واضح إذ اشتملت هذه القصة على خطاب في قوله: (أن تقولوا يوم القيامة) إلى آخر الآية. وإذ صرح فيها بمعاد ضمير الغيبة وهو 2، ابن مجاهد، أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس التيمي البغدادي، السبعة في القراءات،تحقيق الدكتور شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة،1400،الطبعة الثانية ص297.أبو عمرو الداني، التيسير في القراءات السبع، ص82.ابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر ,،ص 381. 123 السمين الحلبي،الدر المصون،ج4،ص514.
عدد الصفحات ٤٧قوله (من بني آدم)، فعموم الموعظة تابع لعموم العظة. فهذا ابتداء لتقريع المشركين على الإشراك، وما ذكر بعده إلى آخر السورة مناسب لأحوال المشركينِ ".124 والمواجهة بالخطاب أبلغ في التوبيخ والإلزام،125 وإيقاع االحجة أقوى. في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۖ قُلِ اللَّـهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۖ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ" 126 قرأ القراء العشرة عدا روح "ما تمكرون بتاء الخطاب﴾127. المقام مقام توبيخ على التعنت والإصرار على الكفر , لما ذكر تعالى قوله ﴿وَإِذَ ا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۖ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ ﴾ يونس 15, ثم ذكر قوله ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ يونس20، وذلك على سبيل التعنت , أخبر أن هؤلاء إنما يسيرون لهذه المقالات عندما يكونون في رخاء من العيش وخلو بال, وأن إحسان الله تعالى قابلوه بما لا يجوز من ابتغاء المكر لآياته, وكان خليقاً بهم أن يكونوا أول من صدق بآياته , وإعراضهم عن الآيات نظير قوله: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ يونس12, وسبب نزولها, أنه لما دعا الرسول على أهل مكة بالجدب قحطوا سبع سنين, فأتاه أبو سفيان فقال: ادع لنا بالخصب, فإن أخصبنا صدقنا, فسأل الله لهم فسقوا ولم يؤمنوا. فالخطاب بعد الغيبة مبالغة لهم في الإعلام بحال مكرهم والتفاتاً لقوله (قل الله) أي قل لهم فناسب الخطاب.128 يقولالسمين الحلبي في كتابه الدر المصون ما معناه أن من قرأ بالخطاب كان للمبالغة في الإعلام بمكرهم،129 وذهب إلى ذلك أبو السعود فيقول: وتلوين الخطاب يعرضه عن رسول الله إليهم للتشديد والتوبيخ.130 . 124 ابن عاشور،التحرير والتنوير،ج9، ص165، 166. 125 الألوسي، أبو الفضل شهاب الدين سيد محمود، (ت 1279)،تحقيق السيد محمود شكري، دار إحياء التراث العربي، بيروت ج9،ص102. 126 سورة يونس: آية21 127 الأصبهاني، أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران(ت381)، المبسوط في القراءات العشر،تحقيق سبيع حمزة حاكمي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، ص232، ابن الجزري، تحبير التيسير في القراءات العشر، ص397،النشار، أبو جعفر سراج الدين عمر بن زين الدين قاسم بن محمد بن علي الأنصاري (ت 938)، البدو الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود وأحمد عيسى حسن المعصراوي، دار عالم الكتب،بيروت،(1421-2000 م، الطبعة الأولى.، ج1 ص399 128 - أبو حيان،البحر المحيط، ج5،ص140. 129 السمين الحلبي،الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، ج8 ص148
عدد الصفحات ٤٨