تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴿ ٢٩﴾ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾ الأنبياء 92-93, يقول: "والأصل تقطعتم , إلا أ ن الكلام حُ ر ف إل ى الغيبة على طريقة الالتفات".21 إذن فالزمخشري تبع السياق وانحرافاته. وعلى مذهبه الآخر يمثل الدكتور محمد أبو موسى بأمثلة منها: "في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّ مَاوَاتِ وَالأَْرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُْمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَ هْتَدُونَ ﴾. فإن قلت: هلا قيل: فآمنوا بالله وبي, بعد قوله: "إني رسول الله إليكم جميعاً"؟ قلت: عدل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجرى عليه الصفات التي أجريت عليه, ولما في طريقة الالتفات من مزية البلاغة. ويقول في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّـهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَن فُسَهُمْ جَاءُو كَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ : ولم يقل "واستغفرت لهم" وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيماً لشأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعظيماً لاستغفاره، وتنبيهاً على أن الشفاعة من اسمه "الرسول" من الله بمكان".22 ودافع عن الزمخشري واضع الحاشية على الكشاف المعروف بابنالمنير, أحمد بن محمد، إذ يقول: "يعني أنه ابتدأ بالخطاب ثم التفت إلى الغيبة , ثم إلى التكلم وعلى هذا فهما التفاتان لا غير , وإنما أراد الزمخشري والله أعلم أنه أتى بثلاثة أساليب: خطاب لحاضر، وغائب، ولنفسه، فوهم بقوله ثلاث التفاتات، أو تجعل الأخير ملتفتا التفاتين عن الثاني وعن الأول فيكون ثلاثا، والأمر فيه سهل"،23 والأمثلة التي عرضتها عن الزمخشري في تفسيرهتبين خطأ ما ذهب إليه ابن المنير. إذن فللزمخشري السبق في جعل حالة تقدير الضمير داخلاً في الالتفات وتبعه السكاكي. ومن الذين جمعوا بين المذهبين – كالزمخشري والسكاكي - حازم القرطاجني (ت 684 ) بقوله: "وهم يسأمون الاستمرار على ضمير متكلم أو ضمير مخاطب , فينتقلون من الخطاب إلى الغيبة , وكذلك يتلاعب المتكلم بضميره , فتارة يجعله ياء على جهة الإخبار عن نفسه, وتارة يجعله كافاً, أو تاءً فيجعل نفسه مخاطباً , وتارة يج عله هاءً فيقيم نفسه مكان الغائب , فلذلك كان الكلام المتوالي فيه ضمير متكلم، أو مخاطب لا يستطاب, وإنما يحسن الانتقال من بعضها إلى بعض".24 21 السابق، ص87 22 انظر محمد محمد أبو موسى, البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري وأثرها في الدراسات البلاغية, مكتبة وهبة, القاهرة, 1408هـ- 1988م. ط2 , ص443. 23- انظر حاشية أحمدبن محمد المعروف بابن المنير, تفسير الكشاف, ج1, ص13. 2- حازم القرطاجني , محمد أبو الحسن, منهاج لببلاء وسراج لأدباء , تحقيق محمد الحبيب أبن الخوجة , دارالغرب الإسلامي ,بيروت – لينان , ص348.
عدد الصفحات ١٧ومن الذين أضافوا على تعريف الالتفات أبو الفتح ضياء الدين ابن الأثير (ت637)، وجاءت إضافته في الربط بين المعنى اللغوي للالتفات والاصطلاحي تراه يقول:"وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه، وشماله, فهو يقبل بوجهه تارةً كذا وتارةً كذا, وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة".25 وصحيح أن الالتفات إقبال بالوجه من جهة إلى أخرى, ولكن الالتفات البلاغي لا يمكن أن يستوعب غير الصورة المتبادرة إلى الذهن، والقريبة إليه من ا لأساليب والصيغ وهو عدول الضمائر , إذ تعدل مثلاَ عن ضمير خطاب إلى ضمير غيبة ؛ لغرض تريده في نفسك، فينتج منه صورة تخيُّلية، وكأنك التفتًّ بوجهك لتحدث شخصاَ آخر . وهذا الرأي هو ما بدأه ابن المعتز واستقر عليه الزمخشري, وبالنظر تارةً أخرى إلى تعريف ابن الأثير يلاحَظ خروجه عن حقيقة الالتفات التي وضعها، فوسَّع مجاله ليشمل كل انتقال، وهذا ما سيتضح بإذن الله تعالى في مطلب لاحق عند الحديث عن صور الالتفات. هذه خلاصة المراحل التي مر بها مصطلح الالتفات, لخصَّ ها محمد أبو موسى في مؤلفه (خصائص التراكيب) في مذهبين: الأول: مذهب الجمهور وهو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريق آخر منها والطرق الثلاثة هي: التكلم والخطاب والغيبة. الثاني: مذهب السكاكي وهو أن يعبر بطريق من الطرق عما عبر عنه بغيره أو كان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره. وقال الدكتور أبو موسى بعد ذلك: فلهذا قالوا أن كل التفات عند الجمهور هو التفات عند السكاكي من غير عكس. 26 إذن فالالتفات في الاصطلاح هو ما ذهب إليه الجمهور محدداً بمحددين: الأول: أنه عدول ضمائر. والثاني: لابد من تتابع الضميرين. فيصير التعريف: هو العدول عن ضمير إلى آخر حقيقة لا تقديراً في التعبير عن الكلام الواحد. المطلب الثالث: صور الالتفات بعد درس الالتفات في اللغة والاصط لاح يسهل علينا درس صوره . وذلك بالنظر إلى التعريف الاصطلاحي الذي تم الاتفاق عليه للمصطلح: 25 ابن الأثير, أبو الفتح ضياء الدين نصر الله محمد بن محمد بن عبد الكريم (ت637هـ) , المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر , تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد , مطبعة مصطفى الباز الحلبي , 1358هـ– 1931م , ج2 , ص4. 26 - أبو موسى , محمد محمد, خصائص التراكيب , الناشر مكتبة وهبة القاهرة1416هـ-1996م , ط4, ص259.
عدد الصفحات ١٨وهو: العدول عن ضمير إلى آخر حقيقةً لا تقديراً في التعبير عن الكلام الواحد. وهذه الصور هي عدول الضمائر: - ضميرالمتكلم والعدول عنه إلى ضميري الغيبة والمخاطب. - ضمير الغيبة والعدول عنه إلى ضميري المتكلم والمخاطب. - ضمير المخاطب والعدول عنه إلى ضميري المتكلم والغيبة. فينتج من هذا لكل ضمير صورتين من العدول مجموعها ست صور. وفي صور الالتفات انقسم العلماء إلى قسمين: القسم الأول : المضيقون , وهم الذين قاربوا بين ال معنى الل غوي والاصطلاحي , فال معنى اللغوي عندهم هو عدول الوجه, وأقرب الأساليب إليه عدول الضمائر. القسم الثاني: الموسعون, وهم من باعدوا بين المعنى اللغوي للمصدر والاصطلاحي فالمعنى اللغوي عندهم يكمن بمجرد التحول، وبمجرد الانتقال، فشمل الالتفات بهذا الرأي جميع صور التحول. وكان أول المحددين لمجال الالتفات ابن المعتز (ت296)، وهو أول من أفرد له باباً مستقلاً في مؤلفه "كتاب البديع" يقول "هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك ".27 ومن مؤيدي القسم الأول الزمخشري (ت538)، حيث قال: "قد يكون من الغيبة إلى الخطاب, ومن الخطاب إلى الغيبة , ومن الغيبة إلى التكلم" .28 وأيضاً الرازي (ت606 )إذيقول: "إنه العدول من الغيبة إلى الخطاب والعكس".29 وتبعهم في ذلك من كبار العلماء في البلاغة السكاكي (ت626) عندما قال: "بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحد منها إلى الآخر" .30 وسلك مسلك هؤلاء كثيرون من أهل العلم منهم الزملكاني (ت 651), والخطيب القزويني (ت739)، وشراح كتاب القزويني, والطيبي (ت743). ومن المتأخرين الدكتور محمدأبو موسى والباحثة خديجة البنائي, والباحث قاسم فتحي سليمان، وغيرهم، مما جعل هذا المذهب هو مذهب الجمهور وحتى لمن عني بعلوم القرآن وأشهرهم ال زركشي في البرهان والسيوطي في الإتقان. 27 - عبد الله ابن المعتز (ت296 ) , كتاب البديع , تحقيق أغناطيوس كراتشقوفكي , دار المسيرة- الكويت , ط3 ,1402ه– 1982م ص58. 28 - الزمخشري , جار الله أبو القاسم محمود بن عمر (ت538) , الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض , مكتبة العبيكان , ط1 ,1418ه– 1998م , ج1 ص118. 29 - فخر الرازي , محمد بن عمر بن الحسين , نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز , تحقيق نصر الله حاجي مفتي أوغلى , دار صادر – لبنان , ط1 ,1424ه– 2004م , ص172. 30 - السكاكي , أبو بعقوب يوسف بن محمد بن علي (ت626ه) , تحقيق الدكتور عبد الحميد هنداوي , دار الكتب العلمية– لبنان , ط1 , 1420ه– 2000م , ص296.
عدد الصفحات ١٩والملاحَظ أن من خرج عن هذه الصور الستة - وهم أصحاب القسم الثاني - كان عندهم عموم في التعريف، حتى يستوعبوا أنواع العدول الأخرى, وبالتالي تزيد عندهم صور الالتفات. وبدأت هذه الظاهرة جليةً بالعالم أبي الفتح ضياء الدين ابن الأثير (ت637) حيث قال في تعريفه للالتفات: "وحقيقته مأخوذة من التفات الانسان عن يمينه وشماله , فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا ,كذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة ؛لأنه ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة كالانتقال من خطاب حاضر إلى غائب , أو من خطاب غائب إلى حاضر , أو من فعل ماض إلى مستقبل , أو من مستقبل إلى ماض , أو غير ذلك".31 رأينا ابن الأثير كيف يتكلم عن حقيقة الالتفات في معناه المحدد له في اللغة، ولا يلتزم فيه عند ربطه بالمصطلح ، بل يربطه بالمعنى ال عام الذي يرجع إليه الالتفات في اللغة ؛ مما يجعل التعريف مفتوحاً لصور أخرى حتى لمن يأتي بعده. ومن ثم يذكر ابن الأثير أقسامه إذ يشير إلى أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة. وفي هذا القسم يمثل ابن الأ ثير بالأمثلة العديدة لصور الالتفات الستة لعدول الضمائ ر فهي عنده مدموجة بقسم واحد. أما القسم الثاني عنده فهو: في الرجوع من الفعل المستقبل إلى فعل الأمر وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر. والأخيرعنده: في الاخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل وعن المستقبل بالماضي".32 وفي كتابه "الجامع الكبير" استدرك عدول العدد فجعله قسماً من الالتفات.33 وجاء بعده التنوخي ولم يُع ر ِفه ولكنه ذكر صوراً له ، وفي رأيه أنها تندرج في الصور الآتية: - من الغائب إلى الخطاب. - ومن الغائب إلى المتكلم. - من ضمير الواحد إلى ضمير الجمع. 31 - ابن الأثير , أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم , المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر , تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد , دمطبعة مصطفى الباز الحلبي وأولاده – مصر , 1358ه– 1939م , ج2 , ص4. 32 - ابن الأثير , أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم , المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر , تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد , دمطبعة مصطفى الباز الحلبي وأولاده – مصر , 1358ه– 1939م , ج2 , ص4. 33 - ابن الأثير , ضياء الدين , الجامع الكبير في صنا عة المنظوم من الكلام والمنثور , تحقيق مصطفى جواد , مطبعة المجمع العلمي العراقي , 1375ه-1956م , ص101.
عدد الصفحات ٢٠- الرجوع من مخاطبة الواحد إلى الاثنين. - استعمال الفعل الماضي في موضع الفعل المضارع والعكس. وبعده جاء الطوفي (ت726)، وذكر تحت باب "شجاعة العربية" صنفين للالتفات: وعر ِف الأول منهما: على أنه: الرجوع عن أسلوب من أساليب الكلام إلى غيره، ثم قال: أشار إلى أنه ثلاثة أضرب: الأول: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وعكسه. الثاني: العدل عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر. الثالث: في الالتفات من خطاب التثنية إلى خطاب الجمع ثم إلى خطاب الواحد،34 ويعد الاستشهاد بالأمثلة على كل ضرب ذكر الصنف الثاني وهو: في الالتفات عن الماضي إلى المضارع وعكسه. ويلاحظ عند الطوفي هنا إ طلاقه للتعريف ؛ فجاء مؤيداً لابن الأثير و التنوخي في عد ِهم لصور الالتفات, وأي دهم في ذلك العصر صاحب "الطراز" يحي بن حمزة العلوي قائلاً : "ومعناه في مصطلح علماء البلاغة هو العدول من أسلوب في الكلام إلى أس لوب آخر مخالف للأول , وهذا أحسن من قولنا : هو العدول من غيبة إلى خطاب, ومن خطاب إلى غيبة , لأن الأول يعم سائر الالتفاتات كلها, والحد الثاني إنما هو مقصور على الغيبة والخطاب لا غير, ولا شك أن الالتفات قد يكون من الماضي إلى المضارع, وقد يكون على عكس ذلك, فلهذا كان الحد الأول هو أقوى دون غيره".35 ومتأخراً جداً أل ف الدكتور حسن طبل كتاباً أسماه "أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية", وكانت مسألة التوسع في المصطلح من القضايا التي تناولها في بحثه, والتي من شأنها فتح أبواب كثيرة على الالتفات وصوره. وهو مؤيد هذا الرأي بل وأكثر من سابقيه، إذ يقول: "والحق أن هذا الاتجاه الذي بدأه ابن الأثير والذي لم يكتب له الذيوع في مسيرة البحث البلاغي، هو فيما نرى اتجاه صائب؛ وذلك في ضوء ما لاحظناه من دوران الدلالة اللغوية للالتفات حول معنى الخروج والتحول عن المألوف، إذ من الطبيعي بناءً على ذلك أن تتسع دلالة الالتفات في المعنى الاصطلاحي لتشمل ظاهرة الخروج، 34 - الطوفي , سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم (ت726) , الاكسير في علم التفسير , تحقيق عبد القادر حسين , مكتبة الأداب- مصر , 1397ه– 1977م , ص175. 35 - العلوي , يحي بن حمزة بن علي بن ابراهيم , الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الاعجاز , دار الكتب الخديوية , , 1222ه– 1914م, ج2 , ص133.
عدد الصفحات ٢١أو التحول الأسلوبي بكل تجلياتها وصورها"،36 ثم أفرد لبحث صور الالتفات فصلاً خاصاً أسماه "من صور الالتفات في القران الكريم" - وكأنه يومئ بهذا الاسم إلى أنه لم يحصها بل بقي هناك صور أخرى ناتجة عن اتساع المصطلح – ذكر فيه أبرز هذه الصور حيث يشير إلى أن: "من أبرز مجالات الالتفات في القرآن فيما نرى: الصيغ، العدد، الضمائر، الأدوات، البناء النحوي، والمعجم". 37 وبعد استيعاب آراء الموسعين الذين أحاطوا بأنواع العدول المختلفة - مقدرة لكل عالم رأيه واجتهاده - أبي ن وجهة نظري في عدولي عن رأيهم في التوسع إلى الرأي القائل بالضبط والتحديد بأمرين اثنين: أولاً : أن لفظة الالتفات في اللغة جاءت منضبطة ومحددة بعدول الوجه ، ولا شيء أقرب إليه من عدول الضمائر, فكيف أنسب إليها جنس الخروج والتحول، ولو كان ذلك كذلك فلا مانع إذن من إدراج أي أسلوب فيه تحول، كالحذف، والذكر، والتقديم، والتأخير، وأسلوب الاحتباك وغيره. ثانياً : المعنى الاصطلاحي لا بد أن يتبع المعنى اللغوي وإلا فما فائدة رجوع الباحث إلى المعاجم في دراسته، فسعة المصطلح ليست من صالحه ولا تصل به إلى مراده. المطلب الرابع: فائدة الالتفات وأغراضه ومنزلته البلاغية الفائدة الأولى: للالتفات فوائد وأغراض، والفائدة هي ما تخص النوع البلاغي بصورة عامة تميزه عن النوع البلاغي الأخر، فمثلاً فائدة الالتفات عند الزمخشري - وهو أول من أشار إليها- فقال: "وذلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه، من إجرائه على أسلوب واحد وقد تختص 36 - حسن طبل , أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية , , دار الفكر العربي– مصر, , 1418ه– 1998ِِم , ص 11. 37 - حسن طبل , أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية , , دار الفكر العربي – مصر, , 1418ه– 1998ِِم , ص 11.
عدد الصفحات ٢٢مواقعه بفوائد".38 فما ذكره الزمخشري بصورة عامة هو فائدة ذلك الأسلوب وما خصه يعتبر أغراضا تخص المتكلم, وجاء ابن الأثير يوضح هذه الصورة بتعليقه على كلام الزمخشري حيث يشير إلى أن الأمر ليس: "كما ذكره لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم يكن إلا تطريةً لنشاط السامع وإيقاظا للإ صغاء إليه فإن ذلك دليل على أن السامع يمل من أسلوب واحد ، فينتقل إلى غيره ل يجد نشاطاً للاستماع، وهذا قدح في الكلام لا وصف له ؛ لأنه لو كان حسناً ما مُ ل "،39 ثم يذكر حججاً على رأيه في تخطئة الزمخشري فحواها ما يلي: أولاً : كثرة المواضع القصيرة إلا المطولة التي جاءت في القرآن تبرهن على الانتقال من أسلوب إلى أسلوب من غير أن يمل سامعها. ثانياً : أن استعمال الالتفات - من المنتقل عنه إلى المنتقل إليه مقصود للمخالفة لا لاختيار الأحسن لإيصال الغرض المرجو. 40 ثم ذكر رأيه فقال: "والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الخطاب لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد، ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها".41 ولا أجد هنا فرقا بين الرأيين، إلا أن الزمخشري ذكر فائدته بين أساليب البلاغة الأخرى، وابن الأثير لم يذكر إلا أغراضه الخاصة. ونرد على ابن الأثير دعواه في تخطئة الزمخشري: أن الزمخشري في دعواه بأن الالتفات تنشيط وإصغاء للسامع صحيح؛ إذ وأنت تقرأ القرأن يستوقفك مثل ذلك ويشد انتباهك, فيستدعي إصغاءك وتيقظك لمثل هذه الظاهرة، فهذه الفائدة تكاد تكون الفائدة الأصل لكل الأغراض الحاصلة في كل موضع، وهي تحسب لإمام البلاغة نباهة وبعد نظر, وفي هذا الصدد نستحضر دفاع صاحب الطراز - "يحيى بن حمزة العلوي" - عن الزمخشري ، حيث قال: "وما قاله الزمخشري لا غبار على وجهه، وهو قول سديد يشيرإلى مقاصد البلاغة، ويعتضد بتصرف أهل الخطاب . ومن مارس طرفاً من علوم الفصاحة لاح له على القرب أن ما قاله الزمخشري قوي من جهة النظر، يدري كنهه النظار، ويتقاعد عن فهمه الأغمار".42 كما أن إمامنا 38 _1 ,, ص14. 39 _2 , ص4. 40 _2 , ص5. 41 _2 , ص5. 42 _از , ج2 , ص133.
عدد الصفحات ٢٣لم يغفل جانب الخصوصية لهذا الأسلوب، بل ذكره قائلاً : "وقد تختص مواقعه بفوائد".43 ونبه إليه عند تعرضه لمواضع الالتفات في تفسيره. وحذا من جاء بعد الزم خشري من العلماء حذوه في أن يذكر أولاً الفائدة العامة ، ثم عند تعرضه لأمثلة من القرآن يذكر توجيهه للأغراض، ومن هؤلاء الطوفي في كتابه "الإكسير في علم التفسير".44 وأبي حيان التوحيدي في تفسيره "البحر المحيط"،45 والزركشي في برهانه،46 وصاحبه السيوطي في إتقانه.47 ومن أبرز العلماء المعاصرين أطال الله في عمره وزاد له في علمه من الذين شهدوا للزمخشري ونهجوا نهجه الدكتور محمد أبو موسى في "خصائص التراكيب" قال فيه بعد ذكره الأمثلة: "وقد رأينا أن مزيته البلاغية تختلف من أسلوب إلى أسلوب، ولا يمكن أن تضبطه وتحده مزاياه، والمهم في إدراكه حسن التأتي، وصدق النظر، والوعي بسياق الكلام، ونوع المعنى، نعم هناك فائدة عامة لهذه الخصوصية تتحقق أينما وجدت، وقد أحسن الزمخشري بيانها"،48 ثم ذكر ما قاله الزمخشري، وبعد ذلك أثنى على الزمخشري قوله وفعله، فقال: "وقد كر ر هذا المعنى كثيراً ، كما كرر ه البلاغيون بعده، وهي فائدة ذات قيمة كبيرة في الأسلوب؛ لأن إيقاظ الحس وإثارة الملكات من أبرز العناصر التي تتوفر في الكلام المختار".49 يتضحبعد هذا أن الفكرة تكمن في الأسلوب عامة، ومواضع وروده خاصة، وبمعنى آخر تحس بفائدة الالتفات العامة بالنظر إلى الموضع الذي حصل فيه، وبالبحث عن أسراره ومراميه وسياقاته تحصل على أغراضه الخاصة، وهذا حال ودأب أنواع البلاغة الأخرى والله تعالى أعلم. الفائدة الثانية: 43 الزمخشري , تفسير الكشاف , ج1 , ص14. 44 الطوفي , الاكسير في علم اتفسير , ص175. 45 أبو خيانالتوحيدي , محمد بن يوسف , تفسير البحر المحبط , تحقيق عادل عبد الموجود و علي معوض , دار لكتب العلمية , بيروت لبنان , سنة الطبع 1993م , ط1 , ج1 , ص141. 46 الزركشي, بدر الدين محمد بن عبدالله ن جهاد , البرهان في علوم القرآن , تحقيق محمد أبو الفضل , دار احياء الكتب العربية ,, سنة الطبع 1376هـ, ط1 , د3 , ص326. 47 السيوطي , جلال الدين عبد الرحمن , الاتقان في علوم القرآن , تحقيق سعيد المندوب , دار الفكر , لبنان, سنة الطبع 1416هـ , ط1 , ج2 , ص233. 48 محمد محمد أبو موسى , خصائص التراكيب , الناشر مكتبة وهبه , القاهره , سنة الطبع1416هـ1996م ,ط4 , ص259. 49 السابق
عدد الصفحات ٢٤يعرف العلماء البلاغة على أنها: مطابقة الكلام لمقتضى الحال.50 والأساليب البلاغية ما هي إلا أوصاف للألفاظ تفيد المعنى عند التركيب. وهذا ما ذهب إليه الجرجاني عند قوله بأن النظم هو: "التأخ ِي (التوخ ي) لمعاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام".51 فمن هذا المنطلق الأصل تظهر الصلة بين الالتفات والأغراض والدوافع التي يريدها المتكلم، فالالتفات إ نما هو تلك الحالة النفسية الشعورية التي يريد القائل أن يبوح بها لتصل إلى المتلقي في أوضح وأقرب صورة، تتلاءم وحالته النفسية، فيعمد إلى تلك النقلة الشعورية اللفظية؛ ليضرب بها على وتر حساس في نفس المتلقي، لتجعلهما أقرب ما يكونان مشتركين في شعورهما وتصورهما عن الموضوع مدار الحديث الذي قصد إليه.52 وهذا ابن الأثير يوثق الصلة بين الالتفات والذوق السليم المدرب؛ إذ الانتقال من صيغة إلى صيغة مرتبط بالمعنى ، والمعاني متشعبة لا نهاية لها ؛ لأنها تابعة للأغراض النفسية والمقاصد الاجتماعية. 53 فيقول"والذي عندي أن الالتفات من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الخطاب، لا يكون إلى لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد، ولا تضبط بضابط، ولكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها، فإنا قد رأينا الانتقال من الخطاب إلى الغيبة قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم رأينا ذلك بعينه قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمت حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، إنما هو مقصود على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعباً كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه".54 ويلاحظ أن الزركشي قد ألمح إليها بالمثال: إذ يقول في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يس 22" .الأصل وإليه أرجع، فالتفت من التكلم إلى الخطاب، وفائدته أنه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه، وهو يريد نصح قومه تلطفاً وإعلاماً أنه يريده لنفسه، ثم التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله"،55 وقد أصابهم بالهزة النفسية بالانتقال في محاولة لوضعهم تحت الحقيقة التي يجاهدون أنفسهم لإنكارها، وهذه الفائدة تظهر لكل من جاء على طرف من توجيه الالتفات لا سيما البلاغيون والمفسرون. 50 انظر الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، ص12. 51 الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد، دلائل الإعجاز، تحقيق د. محمد التنجي، ص78. 52 لبناني، خديجة، الالتفات في القرآن الكريم إلى آخر سورة الكهف، ص45. 53 المصدر السابق، ص45. 54 ابن الأثير، المثل السائر، ج2، ص5. 55 الزركشي، السابق، ص
عدد الصفحات ٢٥يقول أبو حيان في تفسيره56: (وفائدة هذا الالتفات إظهار الملكة في الكلام والاقتدار على التصرف فيه وقد ذكر بعضهم مزيداً على هذا وهو إظهار فائدة تخص كل موضع ونتكلم على ذلك حيث يقع لنا منه شيء). ونكتفي بهذا القدر من النقولات بياناً على ما قدمنا من فائدته الخاصة. منزلة الالتفات البلاغية هذا الأسلوب في البلاغة من أشهر الأساليب التي حازت على لقب شجاعة العربية،57 ويقدم العلوي إفادته في ذلك فيقول: "اعلم أن الالتفات من أجل علوم البلاغة هو أمير جنودها والواسطة في قلائدها وعقودها) ثم يقول: "وقد سمي شجاعة العربية، والسبب في تلقيبه بذلك، هو أن الشجاعة هي الإقدام، والرجل إذا كان شجاعاً فإنه يرد الموارد الصعبة، ويقتحم الأمور العظيمة حيث لا يرِدُ ها غيره ولا يقتحمها سواه، ولا شك أن الالتفات مخصوص بهذه اللغة العربية دون غيرها".58 ومن الذين بينوا منزلته ابن الأثير، إذ يقول: "هذا النوع وما يليه هو خلاصة علم البيان التي حولها يدندن، وإليها تستند البلاغة وعنها يعنعن"،59 ثم يقول: بعد التعريف بالالتفات وذكره الأمثلة عليه: "واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك ، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة، والذي اطلع على أسرارهما وفتش عن دفائنهما، ولا تجد ذلك في كل كلام؛ فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهماً ، وأغمضها طريقاً". 60 يُفهم من كلام ابن الأثير أمران: الأمر الأول: علو منزلة هذا الأسلوب بين الأساليب؛ إذ يحتاج إلى فهم دقيق وعلم غزير بالفصاحة والبلاغة. الأمر الثاني: علو منزلة العالم به. ويقول مظفر العلوي في ثنايا حديثه عنه: "وهو بديع البديع".61 وجعله الطوفي تحت باب شجاعة العربية،62 وعلق عليه أبو حيان بأنه: "كثير في القرآن وهو من محاسن العربية"،63 والقول بأنه كثير في القرآن يزيد الأسلوب شرفاً وتألقاً 56 أبو حيان التوحيدي، تفسير البحر المحيط، ج1، ص141. 57 ابن الأثير، المثل السائر، ص4. 58 العلوي، الطراز، المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، ج2،ص131. 59 ابن الأثير، المثل السائر، ج2، ص4 60 المصدر السابق، ج2، ص14. 61 العلوي، مظفر الفضل (ت656هـ)، نضرة الاغريض ي نصرة القريض، ص105.
عدد الصفحات ٢٦ويحدد الدكتور محمد أبو موسى مجاله الذي أكسبه القيمة الحقيقية ، وكونه من شجاعة العربية، يقول: "والذي نراه أن الشجاعة هنا إقدام على أنماط من التعبير مخالفة لما يقتضيه الأصل لأنها تعبير بأسلوب الخطاب في سياق الغيبة، وذكر الغيبة في سياق الخطاب وهكذا، والمعتمد عليه في ذلك سياق الكلام وشفافية الدلالة. وهذا وإن تأملت ضرباً من الشجاعة واقتحام سبيل غير السبيل المألوف، وتفسيرنا هذا لشجاعة العربية هو ما يتلاءم مع ما ذكره ابن جني في باب سماه (شجاعة العربية)، وأراد به الحذف والتقديم والحمل على المعنى وغير ذلك، مما هو خلاف الأصل، ولا ضير في أن يقودنا هذا التفسير إلى أن نعد كثيراً من فنون التعبير من شجاعة العربية".64 وورود هذا الأسلوب بكثرة في القرآن الكريم يكفيه شرفاً وقيمة، ودلالة على أن الكلام البليغ الذي يؤدي مؤداه في مطابقة الكلام لمقتضى الحال لا بد أن يأتي على طرف منه لاستجلاب الايحاءات النفسية والإيماءا ت الحسية التي تستدعي التدقيق في الأغراض والتفكير في الدوافع والدواعي. المبحث الثاني مفهوم القراءات القرآنية وفيه مطلبان: - المطلب الأول: تعريف القراءات القرآنية - المطلب الثاني: أنواع القراءات 62 الطوفي، الإكسيرفي علم التفسير، ص176. 63 أبو حيان، البحر المحيط، ج2، ص208. 64 محمد أبو موسى، السابق
عدد الصفحات ٢٧المطلب الأول: مفهوم القراءات القرآنية القراءات في اللغة: جمع قراءة، وهي مصدر قرأ، وقرأ في اللغة يقال: قرأ يقرأ قراءة، وقرآنا بمعنى تلا فهو قارئ، والقرآن متلو.65 أما في الاصطلاح: فهي كيفيات أداء كلمات القرآن الكريم واختلافها معزواً إلى ناقله ،66 ويقول الدمياطي في تعريفه لعلم القراءات: "هو العلم الذي يعلم منه اتفاق الناقلين لكتاب الله تعالى واختلافهم في الحذف، والإ ثبات، والتحريك، والإسكان، والفصل، والوصل وغير ذلك ، من ه يئة النطق والإبدال، وغيره من حيث السماع"67. والقراءات جزء من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف"68. فالأحرف السبعة ما هي إلا وجوه متعدد ة متغايرة منزلة من وجوه القراءة ،69 والقراءات القرآنية العشر جملة ما تبقى من الوجوه القرائية للأحرف في العرضة الأخيرة، والتي أقرأها جبريل عليه السلام للنبي -صلى الله عليه وسلم-. يقول البغوي: "جمع الله تعالى الأمة بحسن اختيار الصحابة على مصحف واحد، وهو آخر العرضات على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- قد أمر بكتابته 65 مختار الصحاح، الرازي، ص20. القاموس المحيط، الفيروزأبادي، ص62. 66 منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ابن الجزري، ص3. 67 اتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، الدمياطي، ص5. 68 رواه البخاري ومسلم. فتح الباري شرح صحيح البخاري، العسقلاني، ج9، ص23. المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، ج6، ص101. 69 حديث الأحرف السبعة، عبد العزيز القارئ، ص65.
عدد الصفحات ٢٨جمعاً بعد ما كان مفرقاً في الرقاع؛ ليكون أصلاً للمسلمين، يرجعون إليه ويعتمدون عليه، وأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع القوم عليه، وأمر بتحريق ما سواه قطعاً لمادة الخلاف".70 ويدلي ابن الجزري بدلوه في هذه الجزئية فيقول: "إن المصاحف العثمانية لم تكن محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أبيحت بها قراءة القرآن "، ثم يعلل ذلك فيقول "لأننا إذا قلنا أن المصاحف العثمانية محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أنزلها الله تعالى كان ما خالف الرسم يُقطع بأنه ليس من الأحرف السبعة، وهذا قول محظور؛ لأن كثيراً مما خالف الرسم قد صح عن الصحابة -رضوان الله عليهم-، وعن النبي صلى الله عليه وسلم".71 وهذا ما ذهب إليه الإمام مكي بن أبي طالب: "إن هذه القراءات التي يقرأ بها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم، ووافق اللفظ بها خط المصحف، مصحف عثمان الذي أجمع الصحابة ومن بعدهم عليه وطرح ما سواه مما يخالف خطه... وجمع المسلمين عليه ومنع القراءة بما يخالف خطه، وساعده في ذلك زهاء – أي قدر – اثني عشر ألفاً من الصحابة والتابعين، واتبعه على ذلك جماعة من المسلمين بعده، وصارت القراءة عند جميع العلماء بما يخالفه بدعة وخطأ وإن صحت ورويت".72 ويضع الدكتور أحمد شكري القاعدة التالية: "كل قراءة صحيحة متواترة هي من الأحرف السبعة وليس كل شيء من الأحرف السبعة متواتراً لكونه قد نسخ من العرضة الأخيرة".73 مثال يوضح المقال: قال تعالى في سورة البقرة ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّـهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّـهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ في كلمة (جبريل) سبعة أوجه قرائية، أي سبعة أحرف، خمسة منها قراءات صحيحة وقراءتان متروكتان: الوجه الأول: (جِبرِيل) بكسر الجيم والراء، وح ذف الهمزة وإثبات الياء فهي قراءة المدنيين والبصريين وابن عامر وحفص عن عاصم الكوفي. الوجه الثاني: (جَبرِيل) بفتح الجيم وكسر الراء وإثبات الياء من غير همزة وهي قراءة المكي ابن كثير. الوجه الثالث: (جَبرَئيل) بفتح الجيم والراء وإثبات الهمزة وسكون الياء وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. 70 المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالكتاب العزيز، أبو شامة، ص144. 71 منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ابنالجزري، ص21. 72 الابانة عن معاني القراءات، مكي بن أبي طالب، ص33. 73 مقدمات في علم القراءات، أحمد شكري، أحمد القضاة، محمد منصور، ص40.
عدد الصفحات ٢٩الوجه الرابع: الوجه السابق مع حذف الياء (جَبرَئل) وهي رواية أبي بكر عن عاصم الوجه الخامس: هو الوجه السابق حال الوقف بتسهيل الهمزة بين بين – أي بين الهمزة والياء – وهو وجه لحمزة. 74 أماالوجهان المتروكان: الوجه الأول: (جبرائل) بألف قبل الهمزة وحذف الياء وهي رواية الحسن البصري. الوجه الثاني: (جَبرَئِل) بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة ولام مشددة وهي قراءة محيصن. 75 إذن هذه سبعة أوجه لكلمة واحدة تواتر منها خمسة وشذ اثنان، وبما أن القراءات القرآنية الصحيحة ثبتت بالعرضة الأخيرة للقرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهي إذن بمنزلة القرآن ربانية المصدر. يقول الدكتور أحمد شكري – وزميلاه- في كتابه مقدمات في علم القراءات: "والمدقق في كلمات القرآن الكريم يجد أنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الكلمات التي لم تنزل إلا بوجه واحد وبكيفية واحدة، وهي أكثر القرآن الكريم. القسم الثاني: الكلمات التي نزلت بعدة أوجه وهي جملة ما بقي من الأحرف السبعة وهي أوجه الاختلاف التي ينقلها القراء بالتواتر جيلاً بعد جيل. وعليه فإن القرآن والقراءات حقيقة واحدة باعتبار كونهما وحياً من عند الله تبارك وتعالى، فإن القراءات المتواترة والاختلاف الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الكلمات جزء من الوحي النازل على النبي صلى الله عليه وسلم".76 المطلب الثاني: أنواع القراءات القرآنية للحديث عن تقسيم القراءات إلى أنواع لا بد من وضع اعتبارات لهذا التقسيم باعتبار قبول القراءة وردها 74 النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ص248. تحبير التيسير في القراءات العشر، ابن الجزري، ص95. 75 القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب، عبد الفتاح القاضي، ص50. 76 مقدمات في علم القراءات، أحمد شكري، أحمد القضاة، محمد منصور، ص50.
عدد الصفحات ٣٠تقسم القراءات القرآنية باعتبار القبول والرد الى قسمين 77 القسم الأول القراءات المتواترة: وهي القراءات التي حصل لها التواتر ، ووافقت أحد الوجوه الصحيحة في اللغة، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً. إذن أركان القراءة الصحيحة ثلاثة: 1. التواتر 2. موافقة الرسم العثماني ولو احتمالاً. 3. موافقة اللغة ولو بوجه. وبتحقق التواتر يحصل للقراءة الشرطين الآخرين، يقول الصفاقصي: "م ذهب الأصوليين وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدثين والقراء: أن التواتر شرط في صحة القراءة ولا تثبت بالسند الصحيح غير متواتر ولو وافقت رسم المصاحف العثمانية"78 أي أن بالتواتر يتحقق للقراءة الرسم والعربية والعكس غير صحيح، والقراءات الصحيحة التي نقلت إلينا بالتواتر هي القراءات العشر: - نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني: وأشهر من رووا عنه القراءة قالون وورش. - ابن كثير المكي: وراوياه البزي وقنبل. - أبو عمرو البصري: وراوياه الدوري والسوسي. - عبد الله بن عامر الشامي: وراوياه هشام بن عمار وابن ذكوان. - عاصم الكوفي: حفص وشعبة. - حمزة بن حبيب الزيات الكوفي: راوياه خلف البزار وخلاد. - الكسائي الكوفي: راوياه أبو الحارث والدوري. - أبو جعفر المدني: راوياه عيسى بن وردان وابن جماز. - يعقوب البصري: راوياه رويس وروح. - خلف العاشر: راوياه اسحاق بن ابراهيم وإدريس بن عبد الكريم. والقراءات العشر تلك هي المعول عليها في موضوع بحثنا - إن شاء الله – القسم الثاني: القراءات الشاذة: وهي القراءات القرآنية التي اختل فيها شرط المتواترة. باعتبار نوع الاختلاف بينها 77 منجد المقرئين وسراج الطالبين، ابن الجزري، ص15. 78 التواتر عن الأصوليين: يعني خبر عدد يمتنع معه لكثرته تواطؤ على الكذب عن محسوس، وخبر عن عدد كذلك إلى أن ينتهي إلى محسوس. انظر شرح الكوكب المنير، ابن النجار الفتوحي، ص324.
عدد الصفحات ٣١القسم الأولقراءات تعنى بالتفسير. القسم الثاني: قراءات تعنى بالنطق للتخفيف والتسهيل. يقول ابن الجزري في ذلك: "وقد تدبرنا اختلاف القراءات كلها، فوجدناها لا تخرج من ثلاثة أحوال، أحدها: اختلاف اللفظ والمعنى واحد، والثاني: اختلافها جميعاً مع جواز اجتماعها في شيء واحد، والثالث: اختلافها جميعاً مع امتناع الجواز، إذ اجتماعها في شيء واحد واتفاقها من وجه آخر لا يقتضي التضاد".79 ثم يوضح ذلك بالأمثلة، فمثال الأول الاختلاف في (الصراط)، والثاني مثل عليه بقراءتي (مالك وملك)، ومن الثالث (وظنوا أنهم قد كذبوا) بالتشديد والتخفيف في (كذبوا) وغير ذلك من الأمثلة التي طرحها ابن الجزري. فالحالة الثانية والثالثة من حالات اختلاف القراءات عند ابن الجزري هي مقصودنا بالقراءات التي تعنى بالتفسير، فبجواز اجتماع كلا القرائتين المختلفتين تكون قد تحققت الغاية من الاختلاف، وهي التفسير، ففي المثال السابق: (ملك) و (مالك) فالمراد به هو الله سبحانه وتعالى فهو مالك يوم الدين وملكه. يقول ابن عاشور في مقدمته السادسة لتفسيره: "أرى أن للقراءات حالتين أحدهما لا تعلق لها بالتفسير بحال، والثانية لها تعلق به من جهات متفاوتة. الحالة الأولى: اختلاف القراءات في وجوه النطق با لحروف والحركات كمقادير المد والإ مالة والتخفيف والتسهيل. أما الحالة الثانية: فهي اختلاف القراء في حروف الكلمات مثل: مالك يوم الدين وملك يوم الدين – وننشرها وننشزها.... وكذلك اختلاف الحركات الذي يختلف معه معنى الفعل كقوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ قرأ نافع بضم الصاد ، وقرأ حمزة بكسر الصاد ، فالأولى بمعنى يصدون غيرهم عن الإ يمان، والثانية بمعنى صدودهم في أنفسهم، وكلا المعنيين حاصل منهم، وهي من هذه الجهة لها مزيد تعلق بالتفسير".80 وكذلك ما يقدمه تغاير القراءات من أساليب بيانية تثري المقام صوراً فنية، ومعانٍّ جمالية. وقد تكلم العلماء عن فوائد اختلاف القراءات وأشاروا إلى هذا المعنى: 79 - ابن الجزري , النشر في القراءات العشر , ج1 , ص65. 80 ابن عاشور،
عدد الصفحات ٣٢