المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الالتفات في القراءات القرآنية أثره على المعنى

غزالة أبو حميد

صفحة ١ من ٨

الالتفات في القراءات القرآنية أثره على المعنى- دراسة تحليلية إعداد غزالة أبو حميد المشرف الأستاذ الدكتور أحمد نوفل قدمت هذه الرسالة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في التفسير كلية الدراسات العليا الجامعة الأردنية أيار 2015

عدد الصفحات ١

الإهداء اإلى س يدي وحبيبي وقرة عيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ثم اإلى أ صحاب الفضل عليّ؛ عرفاناً لهم ، ووفاءً ل فضالهم ، واإن كنت أ توق لتسميتهم تنصيصاً لفضلهم، وتخصيصاً لهم بالثناء. ولكن ليقضيَ الله أ مراً كان مفعولً، وما ل يُدرك كلُّه ل يُترك جلُُّّ.

عدد الصفحات ٢

د الشكر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وقرة العين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه رضوان الله عليهم أجمعين وبعد: فقد كان من هدي الحبيب -صلى الله عليه وسلم- أن يرجع الفضل لأصحابه، وأن يجازي بالمعروف معروفاً، وقد علمنا أنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، وأن من قال لذي المعروف: جزاك الله خيراً ، فقد أجزل بالعطاء. أبدأ بالشكر إلى من لهم الفضل علي موصولاً لا ينقطع، والدي الكريمين، أقول لكما: أطال الله في عمركما، وجعلني الله بكما بارةً رحيمة، وإلى أشقائي وشقيقاتي الأحباء: جمعنا الله وإياكم على الخير دائماً، وإلى مشرفي الدكتور الفاضل أحمد إسماعيل نوفل: وف قك الله لكل خير ونفع بك، وإلى صديقاتي على مقاعد الدراسة وأخص منهم بالذكر: منال عبدالله، فهي من طبعت لي الرسالة، وصديقتي دعاء التي ساندتني معنوياً ووقفت بجانبي تمدني بالأفكار والتحليلات فأقول لهن: أظلنا الله وإياكن بصحبتنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وأقول لكم جميعاً: جزاكم الله خيراً وأجزل لكم بالمثوبة والعطاء اللهم آمين.

عدد الصفحات ٣

هـ فهرس الموضوعات الموضوع الصفحة قرار لجنة المناقشة ب الإهداء ج الشكر د فهرس المحتويات هـ قائمة الجداول و الملخص ز المقدمة 1 التمهيد 5 المبحث الأول: مفهوم الالتفات 5 المطلب الأول: الالتفات في اللغة والاصطلاح 5 المطلب الثانيالالتفات في اصطلاح البلاغيين 6 المطلب الثالثصور الالتفات 13 المطلب الرابع: فائدة الالتفات وأغراضه ومنزلته البلاغية 18 المبحث الثاني: مفهوم القراءات القرآنية 23 المطلب الأول: تعريف القراءات القرآنية 24 المطلب الثاني: أنواع القراءات القرآنية 27 الفصل الأول: الالتفات في القرآنية 32 المبحث الأول تعريف الالتفات في القراءات القرآنية 33 المبحث الثاني: ظاهرة الالتفات في القراءات عند العلماء 34 الفصل الثاني: أغراض الالتفات من الغيبة إلى الخطاب والعكس 40

عدد الصفحات ٤

المبحث الأول: أغراض الالتفات من الغيبة إلى الخطاب 44 المبحث الثاني: أغراض الالتفات من الخطاب إلى الغيبة 79 الفصل الثالث: أغراض الالتفات من الغيبة إلى التكلم والعكس 88 المبحث الأول: أغراض الالتفات من الغيبة إلى التكلم 89 المبحث الثاني: أغراض الالتفات من التكلم إلى الغيبة 106 الخاتمة 109 قائمة المراجع والمصادر 111 المخلص باللغة الإنجليزية 118

عدد الصفحات ٥

و قائمة الجداول الرقم عنوان الجدول الصفحة 1 ثبت بمواضع الإلتفات القرائي في القرآن الكريم 131

عدد الصفحات ٦

ز الملخص تهدف هذه الرسالة إلى دراسة جانب من جوانب الإعجاز الأسلوبي في القراءات القرآنية، وذلك بالوقوف على تحليلات المفسرين لأغراض الالتفات في القراءات التي تبين عن أثر الالتفات على المعنى. وتستعرض هذه الدراسة جانباً من حديث البلاغيين عن الالتفات وما توصل إليه الجمهور في هذا الشأن، ونذكر بعد ذلك ورود هذه الظاهرة عند موجهي القراءات ومناهجهم في ذلك، ومن ثم نستعرض الأغراض البلاغية للالتفات في القراءات عند المفسرين وربط ذلك بالمرح لتين المكية والمدنية. كما شملت هذه الدراسة في فصلها الثاني على ثبت بمواضع الالتفات القرائي في القرآن المكي والمدني وذكر القراءة التي حصل فيها الالتفات.

عدد الصفحات ٧

المقدمة الحمد لله رب الأولين والآخِرين، منزل الكتاب رحمة وذكرى للمِؤمنين, معجزاً به أهل الذوق السليم، أهل الفطنة بالعربية والسليقة القوية فيها، فكيف بمن خلفهم من العالمين، والصلاة والسلام على من أَنزل القرآن على قلبه ليكون من المنذرِين بلسان عربي مبين، كتاب بديع نظمه ورفيع لفظه، حاز على شرف ما فيه من فنون الخطاب، وتلوين أساليبه بحسب سوقه ونظمه من باب إلى باب, صلاة وسلاماً عليه، وعلى آله وصحبه الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فقد شاءت حكمته سبحانه أن ينزل بعض القرآن على قراءات عدة أدى تعددها إلى تنوع الشواهد عند اللغوي على لغته، والفقيه على مذهبه، والكلامي على مذهبه أيضاً، فكان لصاحب البلاغة نصيب وحظ في تعدد القراءات، وذلك بوجد وفرة في تعدد الأساليب الناتجة عن ذلك, وهذا ما تنبه إليه الجزري (ت833هـ)، والسيوطي (ت911هـ)، على أنه وجه من وجوه الإعجاز البياني في القرآن. فكان البحث سائراً في الاتجاه البلاغي من هذا الإعجاز، تحديداً في أسلو ب الالتفات، دراسته على الجمل التي حصل فيها اختلاف القراء، وذلك بقراءة كلماتها بين أحرف المضارعة الثلاثة, ودراستها بتتبع السياقات والمقامات التي استدعت إنزال الجملة القرآنية مرةً بالتفات ومرةً دون التفات, ومعرفة السياق العام لللآيات، وهل هي من المدني أم المكي من القرآن، وربط ذلك كله بأحوال كل مرحلة، ومعرفة هذا الأسلوب ومن ينفذ إليهم من المخاطبين، بصفتهم ملتفتٌ إليهم وملتفتٌ عنهم، فضلاً عن التعرف إلى نظام تربوي إلهي من خلال هذا الأسلوب، بالنظر إلى جهة المربي الذي يلتفت تارةً إلى كذا وتارة إلى آخر. مشكلة البحث: تظهر مشكلة الدراسة من خلال الأسئلة الآتية: - ما القراءات التي حصل فيها التفات, وما صور الالتفات فيها؟ - ما أثر الالتفاتات المختلفة في القراءات القرآنية على المعنى؟

عدد الصفحات ٨

أهمية الدراسة تظهر أهمية الدراسة من خلال: - أنها تعر ف بالقراءات التي حصل فيها التفات، وتظهر صور الالتفات فيها. - أنها تقف بالباحث على أثر الالتفاتات المختلفة في القراءات القرآنية على المعنى. - أنها تكشف عن سر ٍّ من أسرار إعجاز هذا الكتاب العزيز، لاسيما عند تناول القراءات المتواترة. أهداف الدراسة: تهدف الدراسة إلى تحقيق الآتي: - التعريف بالقراءات التي حصل فيها التفات وبيان صور الالتفات فيها. - تجلية الأثر الد لالي للالتفات في القراءات القرآنية. - الكشف عن سر ٍّ من أسرار إعجاز الكتاب الحكيم. الدراسات السابقة: عند تطرقي للموضوع والبحث عنه في ثنايا الكتب خلصت إلى النتيجة الآتية: أن ما جاء فيها كان إم ا: دراسات عامة لم تقصد الالتفات بشكل خاص، كما جاء في كتب توجيه القراءات, مثل: الحجة في القراءات السبع لابن خالويه, وكتاب الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها لمك ي بن أبي طالب القيسي ، وحجة القراءات لابن زنجلة, وحديثاً كبحث محمد أحمد الجمل تحت عنوان الوجوه البلاغية في توجيه القراءات القرآنية المتواترة، أو دراسات خاصة: في موضوع الالتفات والقراءات, تناولها بالبحث: - الدكتور محمد سالم محيسن في مؤلفه: "القراءات وأثرها في علوم العربية"، إذ قام الباحث بعرض المواضع، ووصف كل موضع بالصورة الالتفاتية التي حصلت له, أما بالنسبة للتوجيه فلم يطلعنا الباحث على الوجهة البلاغية للالتفات، والتي استدعاها كل من السياق والمقام، وإنما اكتفى بالذكر أن القراءة التي حصل فيها الالتفات هي الأنسب لإيصال المراد إلى النفس. - الدكتور محمد الزغول في بحثه "الالتفات في القراءات القرآنية" ولم يحاكِ هذا البحث دقة السياقات القرآنية، والمقامات وإسقاط الالتفات عليها، بل اكتفى بذكر الغرَض البلاغي , كما أنه تناول القراءات الشاذة ولم يستوعب جميع مواضع القراءات المتواترة.

عدد الصفحات ٩

- الباحثان أحمد عامر الدليمي، وميثم النوري, في "فن الالتفات في القراءات السبع سورة البقرة أنموذجاً" وهذه الدراسة محصورة بسورة البقرة. أما ما يميّز دراستي عن سابقاتها: - الاستقصاء لكل مواطن الاختلاف بين القراء العشر في موضوع الالتفات. - التحليل الكامل لمواضع الالتفات في القراءات وربط ذلك بالسياق والمقام. - ربط مواضع الالتفات في القراءات بحال نزول الآيات وهل هي من المكي أم المدني. منهج البحث: سيكون بحث الموضوع ضمن المناهج الآتية: - المنهج الاستقرائي: حيث تقوم الدراسة على أساس استقصاء جميع الالتفاتات التي حصلت في القراءات بجميع صورها. - المنهج التحليلي: حيث جاءت الدراسة لبيان الأثر على المعنى، إذ إن أثر الالتفات كبير لا يتأت ى إلا بتحليل السياقات والمقامات وصولاً إلى المعاني الخفية والأسرار البلاغية. قمت بتقسيم البحث إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة, فاحتوت المقدمة على مشكلة الدراسة، والأهمية والأهداف، وذكر الدراسات السابقة، مع بيان المنهجية العلمية التي اتبعتها الدراسة. أما التمهيد فعنونته بـمقدمات في مفهوم الالتفات والقراءات, وضم مبحثين: المبحث الأول: مفهوم الالتفات, وفيه أربعة مطالب: - المطلب الأول: الالتفات في اللغة والاصطلاح. - المطلب الثاني: الالتفات في اصطلاح البلاغيين. - المطلب الثالث: صور الالتفات. - المطلب الرابع: فائدة الالتفات وأغراضه ومنزلته البلاغية. - المبحث الثاني: مفهوم القراءات القرآنية, وفيه مطلبان: - المطلب الأول: تعريف القراءات القرآنية. - المطلب الثاني: أنواع القراءات القرآنية.

عدد الصفحات ١٠

وأما الفصل الأول فعنونته بـ: الالتفات في القراءات القرآنية وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف الالتفات في القراءات القرآنية. المبحث الثاني: ظاهرة الالتفات في القراءات عند العلماء. أما الفصل الثاني: وعنونته ب: أغراض الالتفات من الغيبة إلى الخطاب والعكس، وفيه مبحثان: المبحث الأول: أغراض الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. المبحث الثاني: أغراض الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. والفصل ا لثالث: بعنوان: أغراض الالتفات من الغيبة إلى التكلم والعكس، وفيه مبحثان: المبحث الأول: أغراض الالتفات من الغيبة إلى التكلم. المبحث الثاني: أغراض الالتفات من التكلم إلى الغيبة. التمهيد المبحث الأول: مفهوم الالتفات المطلب الأول: الالتفات في اللغة جاء في المعاجم العربية استعمالات كثيرة لجذر كلمة الالتفات (لفت), ودورانها كلها حول معنى واحد ودِلالة واحدة وهي ال لي والصرف, يقول صاحب معجم مقاييس اللغة ابن فارس

عدد الصفحات ١١

(ت395 :)"لفت: اللام وال فاء والتاء كلمة واحدة تدل على ال لي وصرف الشيء عن جهته المستقيمة". 1 وأكد هذا المعنى الراغب الأصفهاني (ت502) بقوله: "يقال لفَته عن كذا صرفه عنه, قال تعالى:﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا َوَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ يونس 78، أي تصرفنا". 2 وبين ذلك الرازي (ت666) عندما ذكر ما معناه: بأن اللَّفت هو ال لي, ولفَتَهُ صَرَفَهُ وبابُهما ضَرَبَ. 3 واهتمابن منظور حينئذٍّ بذكر استعمالات الكلمة وتطور دلالتها على معنى اللَّي والصرف يقول: "لفت وجهه عن القوم: صرفه. ولَفَتُّ فلاناً عن رأيه أ يْ صرفته عنه ومنه الالتفات. ولفت الشيء, وفتله إذا لواه. يقال: فلان يلفت الكلام لفتاً أي يرسله ولا يبالي كيف جاء. واللفوت من النساء: التي تكثر التَّلف تْ ....". 4 وكذا صاحب معجم تاج العروس (ت1205) إذ يقول: "ومن المجاز: لفته عن رأيه: صرفه, ومنه الالتفات والت لفُ ت، والثاني أكثر من الأول" ثم يقول: (ومن المجاز: لَفَتَ الل ِحاء عن الشجر : قشره, ولفت الريش على السَّهم: وضعه حالة كونه غير متلائم بل كيف اتفق, ولفت الشيء لفتاً: عضده...". 5 وجاء من استعمالات الجذر في اللُّغة أيضاً"لَفَتُّ ردائي على عنقي : عطفته".6 والتعدية بـ (إلى) تختلف عن التعدية ب (عن) في الالتفات. فالتعدية ب (إلى) تقول: التفت إليه بمعنى مال, والتعدية ب(عن) تقول التفت عنه بمعنى أعرض.7 وهذا ما جاء في جذر كلمة الالتفات (لفت) فماذا عن ورودالمصدر في اللُّغة: 1 ابن فارس, أبو الحسين أحمد (ت395), معجم مقاييس اللغة, تحقيق: سلام محمد هارون, دار الفكر, 1399هـ- 1979م, ج5, ص257 . 2 الراغب الأصفهاني, أبو القاسم الحسين بن محمد (ت502هـ), المفردات في غريب القرآن, مكتبة نزار مصطفى الباز, ج1, ص583. 3 الرازي, محمد بن أبي بكر بن عبد القادر, مختار الصحاح, مكتبة لبنان1986, ص025. 4 ابن منظور, أيو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم, لسان العرب, دار صادر بيروت, ج2 , ص84. وانظر الفيروز آبادي, مجد الدين محمد بن يعقوب (ت 817هـ), القاموس المحيط, تحقيق مكتبة تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة, مؤسسة الرسالة, ط 2 ,1426هـ– 2005م, ص159. 5 الزبيدي, محمد مرتضى الحسيني, تاج العروس من جواهر القاموس, تحقيق: مصطفى الحجازي, مطبعة حِكومة الكويت, 1389ه– 1969م, ج5, ص78.ِِِِِ 6 الزمخشري, أبو القاسم جار اله محمود بن عمر (ت538), أساس البلاغة, تحقيق محمد باسل عيون السُّود, دار الكتب العلمية، لبنان , ط1 ,1419هـ– 1998م ج2, ص173. 7 فهم ذلك من كلام الجوهري و الزمخشري. انظر الجوهري, اسماعيل بن حماد, تاج اللغة وصحاح العربية, تحقيق: أحمد عبد الغفور عط ار, دار العلم للملايين، لبنان, ط3 ,1404هـ– 1984م, ج1, ص264. والزمخشري, أبو القاسم جار الله محمود بن عمر (ت538هـ), أساس البلاغة, تحقيق: محمد باسل عيون السُّود, دار الكتب العلمية، لبنان, ط1 ,1419 هـ– 1998م, ج2 ص173.

عدد الصفحات ١٢

ورد الالتفات كمصدر بمعنىالعدول بالوجه،8 واقبال يمنةً أو يسرةً تارةً كذا وتارةً كذا،9 وهنا يُنبَّ ه إلى أن الدِلالة الخاصة للمصدر لا تتناقض مع الدِلالة العامة للجذر؛ فالدلالة الخاصة هي بعضٌ من الدِلالة العامة. وبعد هذا الدرس يُ ستنتج أن المعنى الأوفق بالدراسة هو العدول, كما سيتضح فيما بعد عند درس الالتفات اصطلاحاً عند ابن عاشور في قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا َوَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ يونس 78، بمعنى التحويل الكل ي الجذري القطعي عن معتقدهم إلى معتقد نبيهم . قال ابن عاشور: "لفت: إذا صرف وجهه عن النظر إلى شيء مقابِ ل لوجه. والفعل القاصر منه ليس إلا للمطاوعة. وهو هنا مستعمل مجازاً في التحويل عن العمل أو الاعتقاد إلى غيره، ولا يبقى معه نظر إلى ما كان ينظره". المطلب الثاني: الالتفات في اصطلاح البلاغيين إن لهذا الفن من البلاغة خصوصيته بين فنون البلاغة الأخرى, إذ حاز كبير اهتمامٍّ عند العلماء, في محاولة لإعطائه تلك الخصوصية. فكان بحثهم عنه دائراً حول المحاور الآتية:10 أولاً: ع ن تاريخ الالتفات وتطوره : وهذا ب داية من الشعر والكتابات الأولية -أو ما يسمى ببذور وإشارات العلم- وتطورها. ثانياً : تعريف المصطلح وربطه بالمعنى اللغوي. ثالثاً: صوره ومجالاته. رابعاً: فوائده وأغراضه. خامساً : مكانته, وموقعه بين علوم البلاغة. وسيكون حديثي عن الالتفات بما يخدم البحث بالوقوف على النقاط المفصلية التي أثَّرت في مسيرته إلى أن وصل إلينا ولا أشترط في ذلك التأريخ. 8 قاله ابن فارس في معجم مقاييس اللغة, ص159، والراغب الأصفهاني في مفرداته, ص583. 9 قاله ابن الأثير, أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم, المثل السائر في أدب الشاعر والكاتب, تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد, مكتبة مصطفى الباز، مصر, 1358هـ– 1939م, ج2, ص4. 10 انظر مثلاً: هاشم محمد هاشم محمود, الالتفات في حاشية الشهاب. وأحمد مطلوب, معجم المصطلحات البلاغية. وأبو موسى, محمد محمد, خصائص التراكيب. وحسن طبل, أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية.

عدد الصفحات ١٣

تعريف الالتفات اصطلاحا: كان أول ظهور لهذا الفن من البلاغة مستقلاً في باب خاص, ومعنوناً باسم (الالتفات) عند ابن المعتز (ت296هـ) في كتابه البديع, فهو من أخرجه واصطلحه كفن من فنون البلاغة وعرَّفه بأنه: "انصراف المتكلم من المخاطبة إلى الإخبار، ومن الإخبار إلى المخاطبة، وما يشبه ذلك، ومن الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر". 11 مع العلم بأن من جاءوا قبل اب ن المعتز قد تنبهوا للالتفات, وأشاروا إليه في معاريض كلامهم, ومث لوا عليه بأوضح آية تمث له ألا وهي آية يونس قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ يونس22. 12 ومن جاء بعد ابن المعتز ببرهة من الزمن خلطوا بين الالتفات وفنون البلاغة: يقول قدامة بن جعفر ( ت 337 :)"ومن نعوت المعاني الالتفات، وهو أن يكون الشاعر آخذاً في معنى, فكأنه يعترضه إم ا شك فيه أو ظن بأن راد اً يرد عليه قوله، أو سائلاً يسأله عن سببه, فيعود راجعاً إلى ما قدم ه فإم ا أن يذكر سببه, أو يحل الشك فيه, مثال ذلك قول المعطل: تبين صلاة الحرب منا ومنهم إذا ما التقينا والمسالم بادن ثم يقول: فقوله بادن رجوع عن المعنى الذي قدمه, حين بي ن أن علامة صلاة الحرب أن المسالم يكون بادناً والمحارب ضامراً ". 13 وعلى هذا المنوال مثل ابن جعفر بالأمثلة العديدة, والمدقق في كلامه يتضح له أن التعريف الذي قدمه للالتفات هو تعريف الاعتراض أو الرجوع ،14 كذلك الأمث لة التي قدمها هي لأسلوب الاعتراض أيضاً , فيكون قد خلط بينهما.15 11 ابن المعتز, عبدالله (ت 296), كتاب البديع , تحقيق : أغناطيوس كراتشكوفسكي, دار المسيرة، الكويت, ط 3 ,1402هـ – 1982م, ص58 . 12 الفراء, أبوزكريا يحيى بن زياد (ت207هـ), معاني القرآن, تحقيق: أحمد يوسف نجاتي, دار الكتب المصرية، مصر, ج3, ص211 . وانظر ابن قتيبة (ت276هـ), تأويل مشكل القرآن, دار الكتب العلمية، لبنان, ط 2, ص 177. والمبرد, أبو العباس محمد بن يزيد (ت285هـ), الكامل في اللغة والأدب, دار الفكرالعربي، مصر, ط3 ,1417هـ– 1997م, ج2، ص43. 13 قدامة بن جعفر , أبو الفرج (ت337هـ) , نقد الشعر , تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي , دار الكتب العلمية– لبنان , ص150 وانظر تعريف الالتفات عند البلاقلاني , أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم (ت403هـ) , اعجاز القرآن , تحقيق أحمد صقر دار المعارف – مصر , ص98. 14اعتراض هو: أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لنكتة , انظر الخطيب القزويني , جلال الدين محمد بن عبد الرجمن بن عمر بن أحمد بن محمد (ت739هـ) , الايضاح في علوم البلاغة , دار إحياء العلوم– لبنان , ط4 ,1998م ص193. 15 علق على تعريف ابن جعفر أحمد مطلوب فقال ما معناه بأن ابن جعفر قد خلط بين الالتفات والرجوع فالتعريف أقرب إلى الرجوع انظر معجم المصطلحات البلاغية وتطورها , مطبعة المجمع العلمي العراقي , 1403هـ– 1983م , ج1 , ص245 , وعلق علي تعريف ابن جعفر للالتفات محمد هاشم محمد بأنه اعتراض

عدد الصفحات ١٤

ومن الذين التبس عليهم أمر الالتفات أبو هلال العسكري (ت395)، حيث جعل الالتفات في ضربين: أحدهما: ما قاله ابن جعفر من قبله, والآخر: "أن يفرغ المتكلم من المعنى فإذا ظننت أنه يريد أن يتجاوزه يلتفت إليه فيذكره بغير ما تقدم ذكره به".16 وغيرهم من القائلين في الالتفات آنذاك،17 وهم معذورون في ذلك؛ لأن البلاغة لم تكن قد استقرت بعد، ولم يعط لكل فن خصوصيته. وهكذا حتى جاء الزمخشري (ت538) الذي وقف من الالتفات موقفاً محدداً أراح به أهل العلم؛ حيث كان عصره عصر الاستقرار لعلوم البلاغة فجاءت إضافته العلمية على الالتفات بتحديد مجاله وذكر فوائده وأغراضه, يقول الزمخشري وهو يتحدث عن الالتفات في آية الفاتحة, قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ الفاتحة 5 :"فإن قلت لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب ؟ قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان , قد يكون من الغيبة إلى الخطاب , ومن الخطاب إلى الغيبة , ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ يونس 22، وقوله تعالى: ﴿وَاللَـهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ ﴾ فاطر 9 . وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات: تَطَ اوَلَ لَيْلُكَ بالإثْمدِ ونَامَ الخَلِىُّ ولَم تَرْقُ ــدِ وبَ اتَ وباتَتْ لهُ لَيْلةٌ ك لَيْلةِ ذِى العائرِ الأرْمَ ـدِ وذلِكَ مِنْ نَبَإ جَاءَنى وخُب ِرْتُهُ عن أَبى الأَسْوَدِ وذلك على عادة افتن انهم في الكلام وتصرفهم فيه , ولأن ال كلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب, كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع, وإيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد, وقد تختص مواقعه بفوائد".18 ومنالجدير بالذكر هنا أن أبيات امرئ القيس وقول الزمخشري: بأن فيها ثلاث التفاتات، أشكلت على العلماء , وذلك في تحديد مذهب الزمخشري في الالتفات ، هل هو على تقدير أحد 16 العسكري , أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل (ت395) , الصناعتين الكتابة والشعر , علي محمد البجاوي , المكتبة العصرية– لبنان , 1408ه– 1986م , ص391. وانظر ابن منقذ أبو المظفر أسامة بن مرشد الشيزري (ت584) , البديع في نقد الشعرتحقيق أحمد بدوي و حامد عبدالحميد , مكتبة مصطفى البابي الحلبي – مصر , 1960هـ , ص200 17 انظر تعريف الالتفات عند البلاقلاني, أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم (ت403هـ), إعجاز القرآن, تحقيق أحمد صقر, دار المعارف، مصر, ص98, وابن رشيق, أبو علي الحسين بن رشيق القيرواني (ت463), العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده, تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد, دارالجيل، لبنان, ط5 ,1401هـ– 1981م, ج2, ص45. والخطيب التبريزي (ت502هـ, الكافي في العروض والقوافي, تحقيق: حسن عبد الله, مكتبة الخانجي، مصر, ط3 ,11415هـ– 1994م, ص185. 18 الزمخشري, جار الله أبو القاسم محمود بن عمر, الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل, تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي أحمد معوض, مكتبة العبيكان, ط1 ,1418هـ– 1998م, ص12. والسكاكي, أبو يعقوب يوسف بن محمد بن علي, مفتاح العلوم, تحقيق: الدكتور عبد الحميد هنداوي, دار الكتب العلمية، لبنان, ط1 ,1420هـ– 2000م ص298 .

عدد الصفحات ١٥

الضميرين المحذوف، أم يشترط ظهور كل منهما؟ وتنب ه السك اكي حينئذٍّ لهذا الأمر فكان مذهبه جلياً في تطبيقه على الأمثلة يقول: قال ربيعة ابن مقروم: بانَت سُعادُ فَأَمسى القَلبُ مَعمودا وَأَخلَفَتكَ اِ بنـــَ ةُ الحُر ِ المَواعِيد ا فالتفت كما ترى حيث لم يقل: وأخلفتني, ثم قال: ما لم ألاقِ امرءاً جزلاً مواهبُه سهلَ الفناءِ ورحيـبَ الباعِ محمودَا وفد سمعتُ بقومٍّ يُحمَدُون فلـم أسمع بمثلِك لا حِل ــماً ولا جودَا فالتفت كما ترى حيث لم يقل: بمثله. ومن الأبيات التي استشهد بها أيضاً: أبيات علقمة بن عبدة: طحا بك قلبٌ في الحسان طروبُ بعيدَ الشباب عصرَ حانَ مشيبُ تكل ِفني ليلَ ى وقد شَطَّ وليـــها وعادت عوادٍّ بيننا وخطــوبُ فالتفت في البيتين. وكذا ذكر أبيات امرئ القيس السابقة، وعلَّ ق عليها: بأن فيها ثلاث التفاتات. فمذهبه في الالتفات إذن تقدير الضمير المعدول عنه إلى غيره يقول في ذلك: التفتَ تلك الالتفاتات وكان يمكنه أن لا يلتفت البتة, وذلك أن يسوق الكلام على الحكاية في الأبيات الثلاثة فيقول: تطاولَ ليليَ بالأثمدِ ونام الخليُّ ولم ترقدِ وبتُّ وباتَت لنا ليلةٌ كليلةِ ذي العائرِ الأرمدِ وذلك عن نبأ جاءني وخبرتُه عن أبي الأسود 19 بينما الزمخشري وقوله في الأبيات غير جلي, ولكن باستقراء تفسيره نجد عنده المذهبين, فعلى سبيل المثال في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ البقرة 21, يقول في توجيه الالتفات فيها: "لما عدَّد سبحانه فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمافقين , وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم , وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها , ويحظيها عند الله ويرديها , أقبل عليهم بالخطاب, وهو من الاتفات المذكور عند قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ الفاتحة 5".20 فلم يقدر الزمخشري الضمير فيقول بأن مقتضى الظاهر قول ه سبحانه ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُو ني). وبمعنى آخر أ ن الزمخشري لم يوجه الالتفات عن الضمير المتكلم المعظم نفسه إلى ضمير المخاطب، وإنما كان توجيهه للالتفات من الغيبة في السياق السابق إلى الخطاب الحاصل في الآية. ومن الأمثلة الواردة عند الزمخشري في هذا المذهب قوله 19 السكاكي, أبو يعقوب يوسف بن يحيى, مفتاح العلوم, دار الكتب العلمية, بيروت, 1420هـ-2000م, ص298. 20 - الزمخشري , الكشاف , ج1 ص87

عدد الصفحات ١٦