[802] وكذلك قوله: ﮋ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮊ(1) يع فوقها، وقال: ﮋ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﮊ ثم فصل فقال: ﮋ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﮊ(3) و يصله بمعنى فيشتبه ذلك، فلم يكن لذلك معنى إذ فصل بقوله: ﮋ ﭶ ﭷﮊ - ثم استأنف التخويف بالخسف - إلا أنه على العرش فوق السماء. وقال: ﮋ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮊ(2) (الآية). وقال: ﮋ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﮊ(4) فب عروج الأمر، وعروج الملائكة، ثم وصف صعودها بالارتفاع صاعدة إليه، فقال: ﮋ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﮊ(4) .وقال: ﮋ ﮑ ﮒ ﮓ ﮊ ثم قال: ﮋ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮊ(5) فقدر صعودها وفصله من قوله إليه كقول القائل: صعدت إلى فلان في يوم أو في ليلة: وإن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله جل وعز، وإن كانوا لم يروه، ولم يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم قد صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو الذي الله عز وجل فوقه. وقال: ﮋ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﮊ(7). وكلام الملائكة أكثر وأطيب من كلام الآدميين، فلم يقل ينزل إليه الكلم الطيب. وقال: ﮋ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮊ(8 )و يقل عنده. وقال عن فرعون: ﮋ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮊ ثم استأنف فقال: ﮋ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ (2) فيما قال لي إنه في السماء، فطلبه حيث قال له موسى مع الظن منه بموسى أنه كاذب، ولو أن موسى ، أخبره أنه في كل مكان بذاته، لطلبه في الأرض أو (1) في المخطوط "لأصلبنكم" بدون الواو. سورة طه، الآية: 71. (3) سورة الملك، الآية: 15. (2) سورة السجدة، الآية: 4. (4) سورة المعارج، الآية: 4. (4) سورة فاطر، الآية: 13. (5) سورة السجدة، الآية: 4. (7) سورة فاطر، الآية: 13. (8) سورة النساء، الآية: 148. (2) سورة غافر، الآية: 25-27.
عدد الصفحات ١١٣[803] في بيته وبدنه ولم يتعن ببنيان الصرح . وأما الآيات الأخر التي نزعوا بها فقد أبان الله جل وعز في تلاوتها أنه لا يريد أنه كائن في الأشياء بنفسه، إذ وصلها ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به كونه فوق عرشه فقال عز وجل : ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﮊ(1) فبدأ بالعلم وأخبر أنه مع كل مناج حيث وجد وختم الآية بالعلم وقال: ﮋ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮊ(3) فبدأ بالعلم وختم بالعلم. فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث ما كانوا لا يخفون عليه ولا يخفى عليه مناجاتهم تفردوا أو اجتمعوا. ولو اجتمع قوم في السفل، وناظر إليهم في العلو ويسمع كلامهم فقال: إني لم أزل معكم أراكم وأعلم مناجاتكم؛ كان صادقا ولله المثل الأعلى عن شبه الخلق. وقد روى ابن مسعود ما يدل على ذلك فقال: اجتمع ثلاثة نفر عند الكعبة فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال بعضهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال بعضهم: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل : ﮋ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﮊ(2 )(الآية)(4). فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة وقالوا: هذا دعوى؛ خرجوا من قولهم في ظاهر التلاوة؛ لأن موضع الاثنين والثلاثة والأربعة وأكثر من ذلك وأقل من ذلك الواحد فهو معهم لا فيهم، وما كان مع الشيء فقد خلا جسمه منه، وبان كل واحد منهما بنفسه عن الآخر، وهذا خروج عن قولهم؛ لأن عندهم لا يخلو من الله سبحانه شيء أن يكون فيه بنفسه، فقد تركوا قولهم على ظاهر التلاوة؛ لأن الله تعالى قال: ﮋ ﭙ ﮊ ولم يقل "فيهم". وكذلك قوله عز وجل : ﮋ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ فقد بين ما أراد بذلك فقال: ﮋ ﭑ ﭒ (1) سورة المجادلة، الآية: 7. (3) سورة المجادلة، الآية: 7. (2) سورة فصلت، الآية: 33. (4) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﮋ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮊ 5/132، رقم الحديث 4817.
عدد الصفحات ١١٤[804] ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﮊ ثم قال: ﮋ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ(1) أي بعلمه فتكون الإحاطة بالعلم أقرب إليه من عرق قلبه المتصل بقلبه. فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة فإن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء، وأقرب ما يكون منه أن يلازقه . ولم يقل عز وجل : إني فيكم، ولا إني في حبل الوريد، ولا إني أقرب فيكم من حبل الوريد، وظاهر التلاوة أنه ليس في حبل الوريد؛ لأنه لو كان في حبل الوريد، صار حبل الوريد أقرب إلينا؛ لأن ما كان فيه شيء فقد حواه، وآخر حواه وهو دونه، كالرجل يكون في بيت في دار، فجدار البيت أقرب إلى الدار ممن هو في البيت، ولو كان ذلك كذلك لكان آخر حبل الوريد أقرب إلى قلوبنا منه، ومحال أن يكون ما في الوريد أقرب إلى الجسم من حبل الوريد، وإنما يكون أقرب إلى الجسم من حبل الوريد، إذا لم يكن في حبل الوريد، وكان خارجا منه أو كان بعضه في حبل الوريد، وبعضه خارجا منه إلى الجسم، فذلك التبعيض، ففي ظاهر التلاوة، على دعواهم، ما يدل أنه ليس في حبل الوريد كله، وإنما يدل على أنه إما خارج منه، أو بعضه خارج منه. وكذلك قوله: ﮋ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮊ(3) فلم يقل في السماء ثم قطع كما قال: ﮋﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﮊ(2 )فقال: ﮋ ﮨ ﮩ ﮪ ﮊ فأخبر أنه إله أهل السماء وإله أهل الأرض، وذلك موجود في اللغة إذ يقول القائل: من بخراسان؟ فيقال: ابن طاهر(4) وإنما هو في موضع. فجايز أن يقال: ابن طاهر أمير في خراسان (4)، فيكون أميرا في بلخ(5) وسمرقند (7) وكل مدنها. (1) سورة ق، الآية: 5. (3) سورة الزخرف، الآية: 84. (2) سورة الملك، الآية: 15. (4) عبدا بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق أبو العباس الخزاعي، كان أحد الأجواد الممدوحين والسمحاء المذكورين، ولاه أمير المؤمنين المأمون الشام، ثم خراسان، وأقام بها حتى مات سنة (323هـ). الخطيب، مرجع سابق، 11/153؛ والذهبي، مرجع سابق، السير، 13/584. (4) خراسان : هي منطقة واسعة اختلف في حدودها وهي تمتد من شرق العراق إلى أطراف الهند غربا ومن البحر الأسود إلى المحيط جنوبا، ومن أشهر مدنها: نيسابور وهراة ومرو وبلخ وطالقان ونسا وسرخس وقد فتحت أكثر هذه البلاد سنة 21 في أيام عثمان، .الحموي، مرجع سابق،3/241. (5) بلخ: من أجل مدن خراسان وأكثرها خيرا وأوسعها غلة. الحموي، مرجع سابق، 1/472. (7) سمرقند : ويقال لها بالعربية سمران : بلد معروف مشهور، قيل: إنه من أبنية ذي القرنين بما وراء النهر. وهي من مدن خرسان . الحموي، مرجع سابق، 2/345.
عدد الصفحات ١١٥[805] هذا وإنما هو في موضع واحد، يخفى عليه ما وراء بيته، ولو كان على ظاهر اللفظ وفي معنى الكون، ما جاز أن يقال أمير في البلد الذي هو فيه؛ لأنه في موضع واحد من بيته أو حيث كان، إنما هو في موضع جلوسه، وليس هو في داره أمير ولا في بيته كله، وإنما هو في موضع منه، لو كان معنى هذا معنى الكون، فكيف العالي فوق كل شيء؟! لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره، فهو إله أهل السماء وإله أهل الأرض لا إله فيهما سواه، فهو فيهما إله إذ كان مدبرًا لهما وما فيهما وهو على عرشه فوق كل شيء.
عدد الصفحات ١١٦[806] باب وأما الأخبار فقد قال بعض الروافض، إن الله عز وجل ينسخ أخباره، وقال قوم من أهل السنة بنسخ الأخبار، لا على التعمد منهم ولكن عن الإغفال والسهو عن الفحص عن معنى ذلك؛ فقال الكلبي إنه لما نزلت : ﮋ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮊ(1)، نسخها بقوله: ﮋ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﮊ(3). ومع ذلك لو كان نسخها أن الله عزوجل قال: ﮋ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮊ أنه أراد به أن يعذب عزيرًا والملائكة والمسيح، فأوجب عليهم العذاب ثم نسخ ذلك بعدما أوجبه، كما أوجب قيام الليل ثم نسخه(2)، وكما أوجب تقديم الصدقة قبل نجوى النبي ثم نسخها(4)، وكما أوجب الصلاة إلى بيت المقدس ثم نسخه(4). (1) سورة الأنبياء، الآية: 28. (3) سورة الأنبياء، الآية: 131. قال الكلبي: قام رسول ا مقابل باب الكعبة، ثم اقترأ هذه الآيةﮋﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮊ [28 ]فوجد منها أهل مكة وجدا شديدا، فقال ابن الزبعرى: يا محمد؛ أرأيت الآية التي قرأت آنفا أفينا وهي آلهتنا خاصة، أم في الأمم وآلهتهم؟ قال: لا؛ بل فيكم وفي آلهتكم وفي الأمم وآلهتهم. فقال: خصمتك والكعبة؛ قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه، وإن طائفة من الناس يعبدون الملائكة، أفليس هؤلاء مع ألهتنا في الن ار؟ ! فسكت رسول الله، وضحكت قريش ولجوا؛ فأنزل الله جواب قولهم: ﮋ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﮊ [131] والملائكة. ابن أبي زمنين، مرجع سابق، 2/153. (3) يع قوله تعالى ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﮊ [سورة المزمل، الآيات:1-3]ﮋ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﮊ [ المزمل، الآية 33 ]الطبري، مرجع سابق، 32/578. (4) يع قوله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﮊ [سورة المجادلة، الآية:13 ]نسخه قوله تعالى: ﮋ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮊ [سورة المجادلة، الآية:12 ]الطبري، مرجع سابق، 32/347. (4 )يع بالناسخ للصلاة لبيت المقدس قوله تعالى: ﮋ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮣ ﮤ ﮥ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﮊ [144]
عدد الصفحات ١١٧[807] ومعاذ الله أن يكون الله عز وجل أراد وأحب تعذيب أوليائه من الملائكة، ولا المسيح ولا عزير، وقد تقدمت فيهم أخبار من الله جل وعز بالولاية قبل أن ينزل آية العذاب في الآلهة فلما أنزل آية العذاب لم يرد بها من تقدم منه القول بولايتهم، وإنما أراد من عبدوا سوى أوليائه، وكان خبر خاص لا عام(1) كما قال الله جل وعز: ﮋ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﮊ(3) و يرد الكافرين إذ لم يتوبوا؛ لأنه قد تقدم فيهم أخبار أنه لا يغفر لهم إن لم يتوبوا. وقال الكلبي ومتبعوه أيضًا قوله: ﮋ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﮊ(2)، نسخ ذلك بقوله: ﮋ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﮊ(4). ولو كان كما زعم لكان قوله: ﮋ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﮊ خبرا منه أنهم يستغفرون لأهل الأرض كلهم من تاب منهم ومن لم يتب، ثم رجع فقال: إنما استغفروا للذين تابوا وليس كذلك. ولكنه أخبر أولا بخبرٍ كان ظاهره على العموم وهو خصوص، ولم يرد أولا في خبره أنهم استغفروا لأهل الأرض كلهم؛ ثم رجع فأخبر أنهم إنما استغفروا للتائبين ونسخ خبره في الناس كلهم، ولا أنهم استغفروا للكافرين ثم رجعوا فاستغفروا للتائبين دون غيرهم، هم لم يستغفروا قط إلا للتائبين، ولم يرد بخبره عنهم إلا التائبين، ولكنه أخبر أولا وكان ظاهر خبره على العموم. وإنما أراد بقوله: ﮋ ﭷ ﭸ ﭹ ﮊ من التائبين، ثم بين في الخبر الثاني من أراد؛ لأن الله عز وجل لا جائز أن ينسخ الاستغفار للكافرين، وقد أخبر أنه قال لا يغفر لهم أبدًا، فيكون قد أمرهم أن (1) هكذاالمخطوط وصوابه : خبرا خاصا لا عاما. (3) سورة الرعد، الآية: 5. (2) سورة الشورى، الآية: 4. (4) سورة غافر، الآية: 7. لم أجده من رواية الكلبي، وقال داود بن قيس الصنعاني: دخلت على وهب بن منبه مع ذي جولان فسألته عن قوله عز وجل ﮋ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﮊ[سورة الشورى، الآية: 4] الطولﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﮊ[7 .]قال النحاس: هذا لا يقع فيه ناسخ ولا منسوخ لأنه خبر من الله تعالى ولكن يجوز أن يكون وهب بن منبه أراد هذه الآية على نسخة تلك الآية لأنه لا فرق بينهما وكذا يجب أن يتأول للعلماء ولا يتأول عليهم الخطأ العظيم إذا كان لما قالوه وجه، والدليل على ما قلنا. النحاس، مرجع سابق، 541 . ينظر أيضا: القرطبي، مرجع سابق، 15/4.
عدد الصفحات ١١٨[801] يستغفروا للكافرين ثم نسخه بنهيه لهم، فيدعوا الاستغفار لجميع الناس ويستغفروا للمؤمنين بعد ذلك؛ لأنه عز وجل يقول: ﮋ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﮊ(1) و يقدموا بين يدي الله ما لم يؤمروا به فيخالفوا محبة مولاهم فيسألوه أن يغفر للكافرين مع المؤمنين وقد أوجب ألا يغفر لهم أبدًا وهو يخبر بأنهم لا يشفعون إلا لمن رضي شفاعتهم له، ويمدحهم بذلك. فإن احتج محتج بأن إبراهيم قد استغفر لأبيه، ومحمدًا لعمه حتى نهي، فذلك إنما كان ابتداء من محمد ح نهاه الله عز وجل؛ لا أن الله تبارك وتعالى أمره أن يستغفر للمشركين ثم نسخه. والملائكة لا جائز أن تبتدئ بما لم تؤمر به؛ لأنه عز من قائل يقول: ﮋ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﮊ. فالناسخ والمنسوخ لا يجوز أن يكونا إلا في الأحكام في الأمر والنهي والحدود، والعقوبات في أحكام الدنيا، ولا يكون ذلك بداوات من الله عز وجل، ولا استفادة علم ولا رجوعا عن صدق بنسخ خبر، ولا ابتداء بكذب ثم رجوعا إلى صدق جل وتعالى عن ذلك. ولكنه أمر بأمر وحكم بحكم، وهو يريد أن يوجبه إلى وقت، ويريد أن يأمر بتركه بعد ذلك الوقت؛ لم يزل مريدًا للفعل الأول إلى الوقت الذي أراد نسخه، وإيجاب بدله من المأمور به والحكم به(3)، وكلاهما لم يزل يريدهما ولم يبدله في الثاني بدو، ولا ينسخ أمره ولكنه ينسخ المأمور به بمأمور به آخر، وكلامها وقع التبديل على المأمور به بمأمور به آخر، وكلاهما بكلامه؛ لا رجوع عن قوله الأول أنه لم يكن حقًا وصدقا منه وحكمة، وصلاحًا لعباده يستخرج منهما التسليم لأمره في وقت يكون ذلك منهما. (1) سورة الأنبياء، الآية: 38. (3) لا يلزم في النسخ وجود بدل بل قد ينسخ بلا بدل فيكون المقصود هو الترك والكف ومثاله آية النجوى ، قال ابن الحصار في هذا النوع : إن قيل كيف يقع النسخ إلى غير بدل وقد قال تعالى: ﮋ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﮊ [135 ]وهذا إخبار لا يدخله خلف فالجواب أن نقول كل ما ثبت الآن في القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته وكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن فقد أبدله بما علمناه وتواتر إلينا لفظه ومعناه. السيوطي، مصدر سابق، الاتقان، 3/45.
عدد الصفحات ١١٩[809] ويكون من إبراهيم القصد منه؛ لحديدة يذبح بها ابنه، وإضجاعه ووضع السكين على حلقه، بالصبر والتسليم لأمره، ويكون من إسحق(1) بالطوع لأبيه ابتغاء مرضاة الله ربه، بالتسليم لأمره، ويكون من الكبش بدله، وكلاهما مراد له، والذبح لابنه مأمور به والذبح للكبش بدلا من ذبحه ابنه مأمور به فجعل أحدهما بدلا من الآخر وكلاهما مراد له لم يزل في وقتين مختلفين، فأراد أن يضجعه، ويقصد بحديدة لذبحه، ويكون التسليم منهما، ويأمره بالكبش فيذبحه، ولو أراد ذبح ابنه لذبحه لا محالة؛ لأنه تعالى لا يريد شيئا إلا تم، ولو أراد ذبح ابنه لذبحه لا محالة ولو أخبره أنه ذابحه لذبحه لا محالة؛ لأنه لا يخبر بشيء أنه كائن ثم لا يكون، ولا يجوز أن يخبر أنه يكون إلا كان. كما أمر الله تعالى محمدًا والمؤمن أن يصفحوا عن المشركين، ولا يقاتلوهم، ويصبروا على أذاهم(3)، وهو يريد أن يصفحوا عنهم، إلى أن يقوى الإسلام، ويهاجروا إلى المدينة، وهو يريد إذا هاجروا، وقوي المسلمون أن يأمرهم بالقتال، وكلاهما لم يزالا مرادًا له. أراد أن يوجب هذا إلى وقت، ثم يوجب الآخر بدلا منه، ويأمر بترك الأول كما أمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس، ثم أمرهم أن يتحولوا إلى الكعبة، وذلك كثير في أحكامه، أحدهما بدلا من الآخر في وقتين مختلفين، وكلاهما كان مريدًا له. (8) واضح أن المحاس -رحمه الله - يذهب إلى أن الذبيح هو اسحاق ، واجتهاده هذا له من يوافقه من المفسرين كابن جرير الطبري وغيره لكن جمهور أهل التفسير على أنه إسماعيل ، قال الشنقيطي -رحمه الله-: اعلم، وفقني الله وإياك، أن القرآن العظيم قد دل في موضعين، على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق. أحدهما في «الصافات» ، والثاني في «هود» .أما دلالة آيات «الصافات» على ذلك، فهي واضحة جدا من سياق الآيات، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم ﮋﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﮊ [ات: 22-113]، قال بعد ذلك عاطفا على البشارة الأولى : ﮋﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮊ [113]، فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضا: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزه عنه كلام الله، وهو واضح في أن الغلام المبشر به أولا الذي فدي بالذبح العظيم، هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك. الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني (المتوفى : 1222هـ)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (بيروت: دار الفكر، 1414هـ - 1224مـ ) 5/217. (3 ) نحو قوله تعاﮋ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﮊ [122] ﮋﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮊ [13]
عدد الصفحات ١٢٠[880] هذا يريد أن يأمر به إلى وقت، وهذا يريد أن يأمر به بدلاً منه بعد تقضي الوقت، ويأمر بترك الأول من غير بدءٍ ولا جهل. وكذلك كل حكم نسخه حكم آخر، فإنما جعل الثاني بدلاً من الأول، وذلك موجود بين العباد، على تقدم الإرادة منهم فيما أمروا به أولا، ثم نهوا عنه، وأمروا بغيره من غير بدء ولا جهل، وذلك أن يأمر الرجل غلامه ليعمل في أرضه وهو يريد أن يعمل فيها وقت الزراعة، ثم يصرفه بعد ذلك إلى خدمته في منزله، وكلاهما قد تقدمت به الإرادة منه، ويأمره أن يخرج معه إلى قريته، وهو يريد إذا بلغ القرية أن يأمره بالرجوع إلى أهله؛ يقوم بحوائجهم، ويكتفي هو بخدمة نفسه في قريته، أو يريد أن يرده إلى قريته أو مدينته، إلى عمل يعمله له من بناء أو عمل يكسب به، أو غير ذلك حتى لربما قال له: اعمل كذا وكذا، إلى الظهر أو إلى غد أو إلى رأس الشهر وإذا انسلخ الشهر فدع العمل، واعمل كذا وكذا لعمل آخر فيقدم منه الأمر بالعملين جميعًا في وقتين مختلفين. أو يأمره بأحد العملين في وقت وهو ذلك(1) يريد أن يأمره بالعمل الآخر بعد انقضاء الثاني، فيكون الآخر بدلاً من الأول، يبدأ بأحدهما إلى الوقت، وقد أمره أن يدعه إذا جاء الوقت، ويعمل الآخر بدلا منه؛ يأمره بهما جميعا فإن أخر الأمر الثاني أخره أن يعمله غلامه، وهو يريد أن يأمره إذا جاء رأس الشهر بتركه، ويأمره بغيره بدلا من الأول من غير بدء منه ولا كذب ولا جهل، فكيف بالإله الواحد القهار، الذي يعلم عواقب الأمور كلها، ولا تبدو له البداوات، ولا تحل به الحوادث (3) .و تعتقبه الزيادة والنقصان . ولقد جاء معنا قوم من أهل الضلال على ذلك، لئلا يقع النسخ من الله عز وجل في أخباره، ومدحه، وإنما يقع النسخ في أحكامه، ثم جهلوا إذ أرادوا أن يقووا قولهم بأن كلام الله مخلوق، فزعموا أن الله عز وجل قد ينسخ كلامه بكلامه فيما أمر به، ونهى عنه وكان مما استدلوا به أنه كلام مخلوق أنه ينسخ بعضه ببعض. قالوا: ولو لم يكن مخلوقا، ما جاز عليه النسخ ولا التبديل. وقد جهلوا المعنى، وجاروا عن الحق؛ لأن الله جل وعز لم ينسخ كلامه بكلامه، وإنما ينسخ مأمورا به بمأمور به، فأبدل أحدهما مكان الآخر وكلاهما كلامه، وإنما ينسخ كلامه الأول بكلام منه ثاني الكاذب الراجع عما قال، فأما إذا كانا جميعا منه حق وصدق فإنما أمرهم بمأمور أوجبه ثم رفعه، (1) هكذا في المخطوط وربما كانت "كذلك". (3 ) انظر التعليق على مسألة نفي الحوادث ص 21.
عدد الصفحات ١٢١[888] وبدله بمأمور آخر ألزمهم القيام به، وكلاهما كلامه أوجبهما في وقتين مختلفين. فالله جل وعز لم يأمر العباد أن يفعلوا كلامه، ثم يأمرهم أن يفعلوا كلاما له ثاني(1) بد من الأول. وإنما أمرهم بعمل يعملونه ثم بدل لهم عملا آخر ألزمهم إياه، ونسخ الأول، وجعل الثاني مبدولا به. ألم تسمع الله عز وجل يقول: ﮋ ﰂ ﰃ ﰄ ﮊ(3)، وقال: ﮋ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﮊ(2)؛ لأن النبي قال لهم: "لن تخرجوا معي أبداً " ولم يقل: إن الله حرم عليكم الخروج معي، ولم يقل (أبدا) فيكونوا إذا أرادوا الخروج مع النبي أرادوا أن يعصوا الله، ولا يكونوا مبدلين لكلام الله، ولكن الله جل وعز أمر نبيه أن يخبرهم أنهم لا يخرجون معه أبدًا، ولا جائز أن يخرجوا معه أبدًا؛ لأن هذا القول من الله عز وجل خبر منه أنه لا يدعهم يخرجون مع نبيه أبدًا، ولا يأذن لهم بذلك، فلو خرجوا كان ذلك تكذيبًا لخبر الله جل وعز، ولو أذن لهم الله لكان هذا تبديلاً لكلامه الأول، وكان هذا كذبًا، وجل ربنا وتعالى عن ذلك. فلما سألوا النبي ، أن يخرجوا معه، وكان في خروجهم تكذيب خبر الله، وتبديل لكلامه، قال الله جل ثناؤه لنبيه لما سألوا أن يخرجوا معه فقال: ﮋ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﮊ(4) فدل الله بذلك أن في تبديل كلام الله إيجاب الكذب، والله جل وعز لا يبدل كلامه ولا ينسخ قوله، وإنما ينسخ فرضه ويبدله بفرض غيره وكلاهما كلامه. ألا ترى أن كل ما ينسخ ويبدل فلا يجوز فعله، كالصلاة إلى بيت المقدس، وبعضه لا يجوز فعله على الإيجاب له، كقيام الليل وغيره، وكذلك الوصية للوالدين، ولمن يرث لا يجوز أن ينفذ الوصية لهم. والكلام الذي نهاهم به أولا كلام له، واجب على العباد أن يؤمنوا به أنه حق، وأنه من القرآن من كفر به فهو كافر، ومن آمن به فهو مؤمن، وأن عليهم ألا يخرجوا جميعًا من حفظه، حتى يكون (1 ) هكذا في المخطوط الصواب: "ثانيا" بالنصب. (3) سورة الأنعام، الآية: 114، سورة الكهف، الآية 37. (2) سورة الفتح، الآية: 14. (4) سورة الفتح، الآية: 14.
عدد الصفحات ١٢٢[882] بعضهم يحفظه، ولا يجوز أن يسقط من القرآن فلا يقرأ ولا يتلى(1)، وإنما سقط فرض الآية وثبت نصها، والنص حق وصدق، وإنما بطل الفرض ولم يبطل النص، وإنما سقطت الوصية أن تنفذ فتجوز، فسقط وجوب الفرض من الآية وثبت نصها: أن تجب الوصية للوالدين ونحوهما، ولم يسقط كلامه بذلك أنه حق وصدق، وأنه ليس بين الآية الناسخة للمأمور به، وبين الآية التي نسخ منها المأمور به فرقان في الإيمان بهما، والكفر بهما، وأنهما جميعًا حق وصدق وإنما افترق الحكمان بهما. فمن زعم أن الحكم المنسوخ واجب بعد علم فقد كفر. وأن الثاني المبدل به ليس بواجب فقد كفر، فجائز أن يقال قد أبطل الله الصلاة إلى بيت المقدس، ولا يقال قد أبطل الله قوله، فيكون كلام الله باطلا. فالكلام الذي نسخ به حق، والكلام المنسوخ الحكم منه حق، فيقال قد أبطل الله جل وعز وجوب الوصية، وأبطل الله الصلاة إلى بيت المقدس، أن يكون واجبًا الآن، وأبطل قيام الليل أن يكون واجبًا. ولا يقول مؤمن: قد أبطل عز وجل الآيات التي كانت هذه الأحكام كلها فيها واجبات، فيكون كلام باطل(3)، فالكلام الذي نسخ منه الحكم، والكلام الذي ثبت به الحكم الثاني؛ كلام الله حق وصدق، لا باطل ولا كذب، وأحد الحكمين ساقط، ومن دان به بعد علم فقد دان بالضلال والباطل، أن يكون واجبًا على عباد الله. وكان مما احتجوا علينا به في ذلك، قول الله جل من قائل: ﮋ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﮊ(2) .فقالوا: ما جاز أن يكون بعضه خيرًا من بعض فهو مخلوق؛ لأنه إذا كان شيء هو خير من شيء فقد فضله والآخر منقوص، وقال: ﮋ ﭛ ﭜ ﮊ قالوا وما كان له مثل، فهو مخلوق؛ لأن المثل يشتبه بمثله، وما جاز أن يأتي به الله جل وعز فيحدثه فهو مخلوق، وكل مخلوق (1) هذا فيما نسخ حكمه وبقي لفظه مثل آية النجوى وتحويل القبلة والعدة ونحوها، أما ما نسخ لفظا ومعنى فلا يلزم حفظه ولا تلاوته ومنه ما رواه مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها: «نزل في القرآن عشر رضعات معلومات، ثم نزل أيضا خمس معلومات»صحيح مسلم،كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، 3/1374 رقم الحديث 1443 (3) هكذاالمخطوط وصوابه: كلاما باطلا بالنصب. وهكذا حقا وصدقا لا باطلا ولا كذبا. (2) سورة البقرة، الآية: 135.
عدد الصفحات ١٢٣[883] فمثله مخلوق؛ لأن حكم المثل حكم مثله. وجهلوا التأويل!! إنما قوله جل وعز : ﮋ ﭘ ﭙ ﭚ ﮊ بخير بمأمور به هو أوسع لكم وأخف عليكم أو مثلها في الخفة والسعة وكذلك قوله عز وجل : ﮋ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﮊ(1 )لا يع خيرا من التوحيد، وإنما يعني له منها خير، كما يقال: الدراهم خير من المال، لا يريد أفضل من المال، وإنما يريد : الدراهم من المال خير، فإن قالوا بظاهر التلاوة فقد جامعونا أن الله جل وعز أمر بمأمور به أوسع من الأول أو مثله، وجامعونا أن الله جل وعز أمر بالوصية للوالدين، ثم أمر بالمال لورثة معلومين، فالمأمور به الآخر أوسع، وما نسخ الله جل وعز من تقدمة النجوى بين يدي كلامهم لرسوله ، وما نسخ من قيام الليل ونحو ذلك... ومما يدل على بطلان قولهم أن قائلاً لو قال: ترك قيام الليل أن يكون علينا واجبًا هو أرفق بنا، وأوسع لنا من قبل السعة لنا كان صادقا. ولو قال إن قوله: ﮋﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮊ(3) خ من قوله: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﮊ(2) فأراد أن الكلام الآخر من الله جل ذكره خير وأفضل، والكلام الأول أنقص وأدنى كان كافرًا بالله عز وجل ؛ إذ ازدرى كلام الله، وزعم أنه منقوص دني(4). (1) سورة القصص، الآية: 84، سورة النحل، الآية 82. (3) سورة المزمل، الآية: 33. (2) سورة المزمل، الآية: 1-3. (4) تفضيل بعض الآيات عن بعض مما تضافرت الأدلة عليه فمنها: ﮋ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﮊ [135] و الحديث عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله « :يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال« :يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: ﮋ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﮊ [144] قال: فضرب في صدري، وقال« :وا ليهنك العلم أبا المنذر» قال ابن تيمية -رحمه الله-: وفي الجملة فدلالة النصوص النبوية والآثار السلفية والأحكام الشرعية والحجج العقلية على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو من الدلالات الظاهرة المشهورة . صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، 1/445 رقم الحديث 813؛ وابن تيمية، مرجع سابق، مجموع الفتاوى، 17/47.
عدد الصفحات ١٢٤[884] باب وقد ادعى علينا بعض أهل البدع من المعتزلة، أنا نزعم أن الله عز وجل ينسخ أخباره وصفاته؛ فقالوا: إن الله عز وجل أخبر أنه يعذب القاتل والزاني وشارب الخمر وآكل مال اليتيم ظلما ولم يستثن منهم أحدا، فزعمتم أنه جائز أن يغفر الله لبعض أهل الكبائر، وأنه لا يغفر لبعضهم. وقال بعضهم إنه يغفر لهم كلهم. وأخبر أن الفجار لا يغيبون عن النار، فزعمتم أن الله جل ذكره يخرج قوما من الفجار المقرين، بعدما احترقوا، ويدخلهم الجنة(1). وزعم بعضكم، أن الله عز وجل يخرج كل فاجر مقر قاتل كان، أو زان، أو سارق، أو من أتى بأعظم الذنوب، إلا بالكفر بالله جل ثناؤه(3) . وزعمتم أن الله جل وعز نسخ خبره، وأخلف وعيده، وأكذب قوله، في بعض ما أخبر أنه معذبه، وبعض من أخبر أنه مخلد في النار، وهذا تكذيب وخلف من القول. وكذلك قالوا في الصفات؛ قالوا: زعمتم أن الله جل وعز امتدح بأن الأبصار لا تدركه ، ثم زعمتم أن هذه المدحة تبدل في الآخرة فتراه العيون، وهذا نسخ المدح؛ لأنه امتدح بأن الأبصار لا تدركه، ولم (1) هذه هي عقيدة أهل السنة في أصحاب الكبائر دون الشرك بخلاف الخوارج والمعتزلة، قال ابن تيمية: ذهب المعتزلة إلى إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ولا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها وعندهم يمتنع أن يكون الرجل الواحد ممن يعاقبه الله ثم يثيبه ولهذا يقولون: بحبوط جميع الحسنات بالكبيرة. وأما الصحابة وأهل السنة والجماعة فعلى أن أهل الكبائر يخرجون من النار ويشفع فيهم وإن الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات ولكن قد يحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة ولا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر كما لا يحبط جميع السيئات إلا التوبة، قال تعالى: ﮋﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮊ [48] ابن تيمية، مرجع سابق، الفتاوى الكبرى، 4/377. (3) قال الطبري: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ [42] الطبري، مرجع سابق، 2/52.
عدد الصفحات ١٢٥[885] يستثن في الدنيا، فزعمتم أنها تدركه في الآخرة نظرا (1). قالوا: ولو جاز أن يغفر الله لأهل الكبائر بعد ما قال إني معذبهم وإن جزاءهم النار؛ لجاز أن يغفر لأهل الكفر؛ لأنه كذلك قال إني أعذبهم، وإن جزاءهم النار(3) .ولو جاز أن تراه الأبصار (1) ما ذهب إليه المعتزلة باطل؛ لأن الله عز وجل امتدح نفسه بأنه سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، كما قال تعالى: ﮋ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﮊ [132]، وهذه صفة لا تنسخ، لأنها خبر والأخبار لا تنسخ، ولأن الله مدح نفسه، ومدائح الله لا تزول ولا تتحول. وإنما المراد بقوله: ﮋﭥ ﭦ ﭧ ﮊ أنه سبحانه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فقوله: ﮋ ﭥ ﭦ ﭧﮊ [الأنعام:132]، يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، لأن الإدراك إما أن يراد به مطلق الرؤية أو الروية المقيدة بالإحاطة والأول باطل لأنه ليس كل من رأى شيئا يقال إنه أدركه كما لا يقال أحاط به كما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال ألست ترى السماء قال بلى قال أكلها ترى قال لا ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال أنه أدركها وإنما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية ، فإن "الإدراك " هو الإحاطة بالشيء - وهو قدر زائد على مجرد الرؤية - كما قال تعالى :ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﮊ [ الشعراء، الآية 51-53] فلم ينف موسى عليه السلام الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علماً، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية، بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه. ابن تيمية، مرجع سابق، منها ج السنة، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط1، (الرياض : جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1435 هـ - 1285م) 3/217. (3) وهذا من خطئهم أيضا في قياس الكافر والمشرك على مرتكب الكبيرة، قال الطبري: فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلا في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلا فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عز ذكره قد أخبر أنه غير غافرٍ الشرك لأحدٍ بقوله: ﮋﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮊ[سورة النساء، الآية:48 ]، والقتل دون الشرك . ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال تعالى:ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ[سورة الزمر، الآية:42 ]فهنا عمم المغفرة وأطلقها فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه فمن تاب من الشرك غفر الله له، ومن تاب من الكبائر غفر الله له وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له، ففي آية التوبة عمم وأطلق، وفى تلك الآية خصص وعلق فخص الشرك بأنه لا يغفره وعلق ما سواه على المشيئة. الطبري، مرجع سابق، 13/73 .ابن تيمية، مرجع سابق، مجموع الفتاوى، 3/223.
عدد الصفحات ١٢٦[886] بعدما نفى الرؤية لجاز في قوله: ﮋ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮊ(1) أن يطعم في الآخرة ولا يطعم في الدنيا. وكذلك قوله: ﮋ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮊ(3) لجاز أن تأخذه السنة والنوم في الآخرة، وقوله: ﮋ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮊ(2)، أنه يخفى عليه في الآخرة لا فرقان بين ذلك زعموا !!. وقال أبو عبد الله رحمه الله: وقد أبعدوا القياس، واد عَ وا علينا ما لم نقله معاذ الله أن نقول: إن أخبار الله ومدحه تنسخ وهو الصادق في كل حال، والكامل لم يزل، ولا يزول، ولكنا نقول: إن لله جل ذكره أخبارًا خاصة وأخبارا عامة، وإن اتفق ظاهر تلاوتها في العموم، فهو مختلف في معاني الخصوص والعموم. فأما ما ادعوا علينا في الوعيد، فهذه دعوى باطل. ولكن الله جل وعز أوجب لآكل مال اليتيم، والزاني، والسارق، وشارب الخمر، والقاتل، وهو يريد أن ذلك عليهم أجمعين واجب، وأنهم له مستحقون، ولم يرد أن يعذبهم أجمعين، ولو أراد أن يعذبهم أجمعين، فإن أراد أن يعذب بعض من استوجب، فيعذبه بعدله، ويعفو عن بعض من وجب عليه، فيعفو عنه بفضل رحمته لزلاته، يقول: ﮋ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮊ (4). فأخ أنه لا مشيئة له في مغفرة أحد من المشركين، وله المشيئة فيما دون الشرك بالمغفرة عمن يشاء منهم، فأخبر أنه لم يرد أن يعذبهم كلهم، وأن يغفر لبعض من يشاء منهم. وأخبر أنهم جميعا مستحقون للعذاب، وأن له مشيئة في بعض من استحق منهم العذاب، الذي وجب عليهم في حكمه، ولم يعلمنا من يغفر له، فقطعنا بما قطع، وأيسنا من عفوه عمن آيسنا منهم من المغفرة للمشركين، وأوقفنا ما أوقف من عذاب المستحقين من المؤمنين، إلا أنا نعلم أنه سيعذب بعضهم ولا يكذب قوله؛ لأنه أخبر أنه يعذب، وأن له مشيئة فيمن يشاء منهم أن يغفر له. فكان ما أخبر الله جل وعز به من عذاب الموحدين خصوصا لا عموما، إذ أخبر أنه يغفر لمن يشاء منهم، وأن خبره أنهم مستوجبون عموم. (1) سورة الأنعام، الآية: 14. (3) سورة البقرة، الآية: 344. (2) سورة آل عمران، الآية: 4. (4 ) سورة النساء، الآية: 48.
عدد الصفحات ١٢٧[887] وإذا أخبر أنه له مشيئة فيمكن مشيئته فيمن يستوجب العذاب منهم. وأما ما ادعوا به علينا، فزعموا أنه يلزمنا أن نشك في عذاب الكفار، فلا ندري يغفر لبعضهم؛ لأنه قال لليهود والنصارى : ﮋ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﮊ(1) فقالوا: قد استثنى في هاتين الآيتين كما استثنى فيما دون الشرك . فإنه يقال لهم: أبعدتم في القياس والتمييز. إن الله جل وعز لم يقل لليهود والنصارى ﮋ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭤ ﭥ ﭦ ﮊ منكم، فيكون قد استثنى بعضهم فيلزمنا ذلك فلو قال ذلك، كان يلزمنا كما قلتم، وكذلك قوله عز وجل : ﮋ ﭤ ﭥ ﭦ ﮊ عموم، لم يخص قوما بأعيانهم فقد عرفنا من يشاء مغفرته بعد عموم هذا الخبر، بأخبار خاصة؛ ولولا الأخبار الخاصة بعد ذلك لكان علينا أن نقف حتى نعلم من يشاء عذابه، فلما أخبرنا أنه لا يغفر لمن أشرك؛ قطعنا بذلك. وأخبرنا أنه يغفر لمن تاب، قال تعالى: ﮋ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮊ(3) وقال تعالى: ﮋ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﮊ (2) فقطعنا بذلك، وعلمنا أنه قد شاء عذاب الكافرين، وشاء مغفرة التائبين، ولما أرخى مغفرته من يشاء من المصرين من الموحدين؛ وقفنا ولم نقطع، وعلمنا أنه يشاء أن يغفر لبعضهم، وأنه يعذب بعضهم؛ إذ أخبر أنه سيعذبهم إلا من يشاء مغفرته منهم، فجعل مشيئته في مغفرة بعضهم خصوصا، والآخرون معذبون بقوله: أعذب وأغفر، لمن شئت منهم. فعلمنا أن من شاء الله من خلقه بعد قوله: ﮋ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﮊ أن يعذبهم، وأن يغفر لهم، ولم نعلم من يغفر له من المصرين الموحدين، ولا من يعذب منهم إلا أنه سيعذب بعضهم، ويغفر لمن يشاء منهم. وأما قولهم لا يخلو من ثلاث خلال: - إما أن يكون قال أعذبهم، وهو يعلم أنه سيعذبهم. - أو كان لا يعلم من يعذبه منهم. - أو كان يعلم أنه لا يعذبهم. فالشك في علم عذابهم كفر، وقوله أعذبهم وهو يعلم أنه لا يعذبهم كذب، فقد جامعناهم على (1) سورة المائدة، الآية: 18 . (3 )سورة طه، الآية: 83. (2 )سورة آل عمران، الآية: 132.
عدد الصفحات ١٢٨