[70] عن أبي عبدالرحمن السلمي(1) عن عثمان بن عفان(3)، عن النبي قال: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، قال أبو عبدالرحمن : فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا(2). قال: وحدثني أبو بكر بن أبي شيبة(4) قال: حدثنا عبدة بن سليمان(4) عن الأعمش(5) قال، قال عبد الله: من قرأ القرآن فهو غنى(7). قال: وحدثنا أبو النضر قال: حدثنا الهيثم بن جماز(8)، عن يحيى بن أبي كثير(1)، عن أبي سلمة = والمستورد بن الأحنف وأبي عبدالرحمن السلمي، وعنه الأعمش ومنصور وفطر بن خليفة وحصين وأبوحصين والحكم بن عتيبة وزبيد اليامي وعمرو بن مرة وعلقمة بن مرثد وأبومالك الأشجعي وجماعة قال بن معين والنسائي: ثقة وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج ثم تركه يكتب حديثه. البخاري، مرجع سابق، التاريخ الكبير، 4/53؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب، ص323. (1) عبدا بن حبيب بن ربيعة أبو عبدالرحمن السلمي الكوفي القاري، إمام ثقة ولأبيه صحبة، روى عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وعنه إبراهيم النخعي وعلقمة بن مرثد وسعد بن عبيدة وسعيد بن جبير وغيرهم، وأخذ القراءة عن عثمان وعلي وزيد وأبي وابن مسعود وأخذ عنه عاصم ابن أبي النجود ويحيالوثاب وعطاء بن السائب، مات سنة 73 .ابن سعد، مرجع سابق، الطبقات الكبرى، 5/173؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب، ص322 . (3) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير المؤمنين، زوج النبي ابنته رقية من عثمان وماتت عنده في أيام بدر فزوجه بعدها أختها أم كلثوم فلذلك كان يلقب ذا النورين، قتل سنة (24هـ). الذهبي، مرجع سابق، تاريخ الإسلام، 3/347؛ وابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، 4/445. (2 )صحيح البخاري، كتاب فضائل الفرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، 4/1212، رقم الحديث 4722. (4) سبقت ترجمته في ص 15. (4) في المخطوط عبدة بن سطان والصواب المثبت. وهو : عبدة بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي يقال اسمه عبدالرحمن بن سليمان بن حاجب روى عن إسماعيل بن أبي خالد ويحيى بن سعيد الأنصاري وعاصم الأحول وعبيد الله بن عمر وغيرهم، وثقه العلماء، مات سنة (187هـ). ابن سعد، مرجع سابق، الطبقات الكبرى، 5/223؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب، ص252. (5) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي الأعمش، أحد الأعلام الحفاظ والقراء، ولد بالكوفة، رأى أنس بن مالك وأبا بكرة الثقفي وأخذ له بالركاب وروى عن أبان بن أبي عياش وإبراهيم التيمي وغيرهم، قال البخاري : له نحو ألف وثلاث مائة حديث، مات سنة (148ه). المزي، مرجع سابق، 13/23؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب، ص344. (7) لم أقف عليه من طريق عبدالله بن مسعود، وهو من رواية سعيد بن منصور بسند مرسل عن الحسن البصري مرفوعا، وقد ضعفه الألباني، ورواه الطبراني والبيهقي وأبو يعلى كلهم عن أنس بن مالك .الطبراني، مرجع سابق، المعجم الكبير، 1/344، رقم الحديث 728؛البيهقي، مرجع سابق، شعب الإيمان، 3/432، رقم الحديث 3514؛ وأبي يعلى، مرجع سابق، 4/142، رقم الحديث 3772؛ الألباني، مرجع سابق، السلسلة الضعيفة، 12/1322، رقم الحديث 5453. (8) الهيثم بن جماز الحنفي البكاء بصري معروف عن يحيى بن أبي كثير وثابت البناني وعنه شجاع بن أبي نصر وآدم بن أبي =
عدد الصفحات ٨١[78] بن عبد الرحمن (3) قال: قال رسول الله :أعبد الناس أكثرهم تلاوة للقرآن، وإن أفضل العبادة الدعاء(2). قال أبو النضر عن شعبة، عن سليمان التيمي(4)، قال سمعت أبا عثمان(4)، قال: قال سلمان(5) :لو أن رجلا بات يتلو كتاب الله، وبات آخر يعطي القيان البيض(7)، لرأيت الذي بات يتلو أعلاهما أجرا (8). قال وحدثنا أبو النضر قال، حدثنا صالح المري (2)، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: قام رجل = إياس وجماعة قال يحيى بن معين كان قاضيا بالبصرة ضعيف وقال مرة ليس بذاك وقال أحمد ترك حديثه وقال النسائي متروك الحديث. البخاري، مرجع سابق، التاريخ الكبير، 8/315؛ وابن حجر، مرجع سابق، لسان الميزان، 5/334. (1) يىيح بن أبى كثير اليمامي كنيته أبو نصر من أهل البصرة سكن اليمامة، ثقة، روى عن أنس وأبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف وهلال بن أبي ميمونة ومحمد بن إبراهيم وغيرهم، روى عنه ابنه عبدالله وأيوب السختياني ويحيى بن سعيد الأنصاري، مات سنة (123هـ). البخاري، التاريخ الكبير،8/231؛ وابن حجر، مرجع سابق، ص425. (3) أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف المدني، قيل اسمه عبدالله وقيل إسماعيل، ثقة، أحد فقهاء المدينة السبعة، روى عن أبيه وعثمان بن عفان وطلحة وغيرهم، وعنه ابنه عمر وأولاد أخوته سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن وعبد المجيد بن سهيل بن عبدالرحمن وزرارة بن مصعب بن عبدالرحمن وغيرهم، مات سنة (24هـ) . المزي، مرجع سابق، 22/273؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب، ص544. (2) حديث ضعيف عزاه الألباني للديلمي، الألباني، مصدر سابق، السلسلة الضعيفة، 5/227 رقم الحديث 3814. (4) سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري، ولم يكن من بني تيم وإنما نزل فيهم، ثقة، روى عن أنسبن مالك وطاووس وأبي إسحاق السبيعي، وعنه ابنه معتمر وشعبة والسفيانان توفي (142هـ) ابن أبيحاتم، مرجع سابق، الجرح والتعديل، 4/134؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب ، ص343. (4) هو ربيعة بن أبي عبدالرحمن فروخ القرشي التيمي، المعروف بربيعة الرأي، ثقة، روى عن عطاء والقاسم بن أبي بكر الصديق عبدالرحمن بن أبي ليلى وغيرهم، وعنه السفيانان وسعيد بن أبي هلال وحماد بن سلمة، توفي(122هـ) وقيل (143هـ). الذهبي، مرجع سابق، 4/444؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب، ص337. (5) في المخطوط "سليمان" والصواب هوسلمان الفارسي، أبوعبدالله، أصله من رامهرمز وقيل من أصبهان. توفي سنة ( 25ه ابن حجر، مرجع سابق، الإصابة، 2/118. (7) في المخطوط "وبات آخر يحمل على القباب البيض" ولم أجده بذا اللفظ والراجح أنه مُصَحّف، والرواية المشهورة "وبات آخر يعطي القيان البيض" والقيان البيض: الإماءوالعبيدوالمقصوديعطيهممنالصدقات.ابنالأثير،مرجعسابق،4/835، مادةقين. (8) ابن أبي شيبة، مرجع سابق، 7/173. (2) صا بن بشير بن وادع أبو بشر المري البصري القارئ روى عن الحسن وابن سيرين وقتادة وعنه سيار بن حاتم ويونس بن محمد والهيثم بن الربيع . مات سنة (173هـ). المزي، مرجع سابق، 12/15؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب ، =
عدد الصفحات ٨٢[72] إ النبي ، قال: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الحال المرتحل (1) قال: صاحب القرآن أن يضرب من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله كلما حل ارتحل (3). قال: ثم أكد الحجة على من تلا كتابه وحفظه، وألزمهم من الفروض ما لم يلزم غيرهم، فقال: ﮋﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ(2). فأخ جل وعز، أن كل من أتاه الله الكتاب والحكمة من النبيين، أنه أمره أن يبلغ قوله. إن الله جل وعز، أمرهم أن يكونوا حكماء علماء فقهاء بما علموا من الكتاب وبما كانوا يدرسون . وقال عز من قائل: ﮋ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮊ فأوجب عليهم الحكم بما استحفظوا من كتاب الله وشهدوا أنه الحق، ثم أوجب عليهم أن لا يخشوا عباده في القيام به فيهم فقال: ﮋ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮊ ثم قال: ﮋ ﯫ ﯬ ﯭ ﮊ(4)، قد صدقتم بي وبكتابي. قلت: قد علمت أن في فهمه النجاة، وفي الإغفال عنه الهلكة. فلو ذاب أهل السموات، وأهل الأرض حين يسمعون كلام الله عز وجل، أو ماتوا خمودا(5) أجمعون لكان ذلك حق لهم = ص371. (1) قال ابن الأثالحال المرتحل: الذي يختم القرآن بتلاوته، ثم يفتتح التلاوة من أوله، شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه، ثم يفتتح سيره... وقيل: أراد بالحال المرتحل الغازي الذي لا يقفل عن غزو إلا عقبه بآخر. ابن الأثير، مرجع سابق، النهاية، 1/423، مادة: حلل؛ وابن الجوزي، مرجع سابق، غريب الحديث، 1/328. (3) في رواية الترمذي وصل السند عن زرارة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه زيادة قوله: قال: وما الحال المرتحل؟ قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل. سنن الترمذي، أبواب القراءات، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، 4/127، رقم الحديث 3248، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه وإسناده ليس بالقوي. الألباني، مرجع سابق، السلسلة الضعيفة 4/214، رقم الحديث 1824. (2) سورة آل عمران، الآية: 72. (4) سورة المائدة، الآية: 44. (4) خمودًا: من الخمود، وهو السكوت، وقوم خامدون لا تسمع لهم حساً من ذلك، ابن فارس، مرجع سابق، معجم مقاييس اللغة، 3/314 .وابن منظور، مرجع سابق، لسان العرب، 2/154، مادة (خمد).
عدد الصفحات ٨٣[73] ولما كان ذلك كثيرا إذا تكلم الله عز وجل به تكليما من نفسه من فوق عرشه، من فوق سبع سمواته. فإذا عظم في صدرك تعظيم المتكلم به. لم يكن عندك شيء أرفع ولا أشرف، ولا أنفع ولا ألذ ولا أحلى من استماع كلام الله جل وعز، وفهم معاني قوله؛ تعظيمًا وحبًا له وإجلالا، إذ كان تعالى قائله، فحب القول على قدر حب قائله. وكذلك نجده في فطرنا فيما بيننا وبين الخلق. نحب قول الأخ والقرابة والعالم والشريف على قدر محبتنا له، ونجل قوله ونعظم ونردد ذكره ونتفهم معانيه، على قدر حبنا له وإجلالنا له. فكلام العالم عندنا أحلى وألذ وأرفع وأجل من كلام الجاهل. وكلام الشريف من كلام الوضيع. وكلام من أحسن إلينا كمن لا إحسان له إلينا، وكلام الناصح المتحنن(1) من كلام من لا ينصحنا ولا يتحنن علينا، حتى إن كلام الوالدة نجد له من اللذة والحلاوة ما لا نجد من كلام غيرها لمعرفتنا برحمتها، ونصحها وتحننها علينا. فلا أحد أعظم من الله عز وجل عندنا قدرًا ولا أشرف، بل لا شرف ولا قدر لمن لم يجعل الله عز وجل له الشرف والقدر، ولا أحد أعلم من الله جل وعز، ولا أحد أنصح لنا ولا أرحم ولا أعظم تحننًا من الله تعالى، بل لم يرحمنا راحم ولم ينصحنا ناصح ولم يتحنن علينا متحنن إلا بما استودع لنا في قلبه، وسخره لنا بالرحمة والنصح. ألم تسمع قول عبد الله(3) :من أراد أن يعلم أنه يحب الله عز وجل فلينظر هل يحب القرآن؟ وحدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد (2) عن عبد الله قال: من سره أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله (4). (1) المتحنن: أي المتعطف، تقول تحننت الناقة على ولدها تعطفت. ابن منظور، مرجع سابق، لسان العرب ، 12/138، مادة (حنن (3) ابن مسعود. (2) عبدالرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي ، ثقة، روى عن أخيه الأسود وعمه علقمة وعن حذيفة وعثمان وابن مسعود وسليمان وأبي مسعود الأنصاري وأبي موسى وعائشة والأشتر النخعي وعنه ابنه محمد وإبراهيم النخعي وعمارة بن عمير وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم، مات سنة ( 82هـ). المزي، مرجع سابق، 18/13؛ وابن حجر، مرجع سابق، ال تقريب ، ص353. (4) الطبراني، مرجع سابق، المعجم الكبير ، 2/123،8547)؛ والبيهقي، مرجع سابق، شعب الإيمان، 3/242 رقم الحديث 3317؛ وابن الجعد، علي بن الجعد بن عبيد أبو الحسن الجوهري البغدادي، مسند ابن الجعد، مؤسسة نادر – بيروت (ط 1،1413 - 1223 )1/323 رقم الحديث 1245؛ والهيثمي، مرجع سابق، مجمع الزوائد ، 7/154، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقا ت.
عدد الصفحات ٨٤[74] حدثنا حجين بن المثنى قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد (1)" :لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فمن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله "(3). فمن كان كذلك محبا له يحبه الله، والله أحب إليه من نفسه، ومن كل شيء؛ كان تلاوة القرآن وتفهمه ألذ الأشياء عنده، وأنفعها لقلبه، ولم يمل من تلاوته، ولم يقنع بتلاوته دون أن يطلب الفهم لمعاني ما أراد الله عز وجل، من تعظيمه وتبجيله ومحبته، وأمره، ونهيه، وإرشاده، وآدابه، ووعده، ووعيده، ويعلم أنه لا ينال منافع آخرته، ولا الفوز فيها، والنجاة من هلكتها، إلا بالعلم الدال على كل نجاة، والمنجي له من كل هلكة، ولا نجاة له في آخرته، ولا اعتصام له في انتهائه عما يستوجب به عذاب ربه، إلا بالعلم الدال على ذلك. فإذا علم ذلك، رغب في العلم ليحركه لطلب الفوز من عذاب الله تعالى، ومن سبيل كل هلكة، ويدل على سبيل محجة النجاة، عن بيان، وبصيرة، وتجانب طرق الردى، بعد إيضاح واستبانة لها. فإذا رغب في ذلك، نظر بعقل صحيح أن العلم أرفع للمقدار، وأنفع للقلوب، وأفتحه لأبصارها . فعلم أن العلم على قدر العالم. فأي العلماء أعلم، كان طلب علمه أحب إليه من طلب علم من هو دونه في العلم. ألا ترى أن الاستماع من الرسل عليهم السلام والتفهم عنهم، أولى وأرفع عند الناس لعظيم قدرهم؛ لأنهم عن الله عز وجل أخذوا علمهم، وأنهم معصومون من الخطأ من الله جل وعز في دينه، فقد لزم قلوب المؤمنين الأمان من الخطأ فيما أخذوا عنهم من العلم، وكذلك اتباع الرسل أرفع في العلم ممن دونهم من التابعين. فاعرف ذلك، ثم اعرف القرآن كلام من هو، وهل أحد أعلم من قائله والمتكلم به؟ ولا يصيب (1) عبدا بن يزيد القرشي العدوي أبو عبدالرحمن المقرئ القصير، مولى آل عمر بن الخطاب قرشي أصله من ناحية البصرة سكن مكة، ثقة، روى عن جويرية بن أسماء الضبعي وحرملة بن عمران التجيبي وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم، روى عنه البخاري وإبراهيم بن عبدالله بن المنذر الباهلي الصنعاني وإبراهيم بن المنذر وأحمد بن نصر وغيرهم، مات بمكة سنة (312هـ). البخاري، مرجع سابق، التاريخ الكبير،4/338؛ والم زي، مرجع سابق، 15/231؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب، ص 223. (3) مروي عن عبدالله بن مسعود مسند ابن الجعد، 1/323، رقم الحديث 1245 .
عدد الصفحات ٨٥[75] أحد علماً إلا من قائله وهو الله رب العالمين جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه. فإذا كان الله جل ثناؤه عندك أعلم العلماء بل لا علم لأحد إلا من علمه، ألم تسمعه تعالى يقول: ﮋ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ (1). حتى ينتهي العلم إلى الله جل وعز. وقد قال عبدا من أحب العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين (3) . فإذا كان ذلك عندك لم تؤثر على كلام الرب سبحانه علما من العلوم، ولم تجد له حلاوة و شاهدا لتلاوته وفهمه، فيكون فهمه عندك ألذ الأشياء وأحلاها؛ حبًا لقائله وتعظيمًا وإجلالاً للمتكلم به؛ لأنه كلام القديم الأول (2)، والعظيم الأجل، والكريم الأعلى أنزله على عباده ليعرفهم به نفسه، ويذكرهم به أياديه، وينبههم به من رقدات الغافلين، ويحيي به قلوبهم، وينور به أبصارهم، ويشفي به الصدور، ويزيل جهلها، وينفي شكوكها، ويغسل به دنسها وزيفها، ويوضح به سبيل الهدى، ويكشف به العمى والشبهات، ويزيل نوازع الشيطان ووساوس الصدور، ويغني به من فهمه، ويقربه من عقله، وينعم به من كرر تلاوته، ويرضى به عمن اتبعه. هو طريق الله المستقيم الذي من سلك ما دله عليه أوقفه على الرغائب، وسلمه من جميع المهالك، وأورده رياض جوار الرب جل وعز، وخفف عنه أهوال يوم العرض والنشور، وعلا (4) في درجات جوار الرب جل ذك ره منزله، وقربه من القبول يوم الزلفة لديه. هو حبل الله المتين الذي لا انقطاع له؛ من تمسك به نجا، ومن لهى عنه عطب (4)، ومن ابتغى الهدى في غيره ضل، ومن فهمه نطق بالحكم، وجرى لسانه بحسن الموعظة، وكان من العلماء بالله جل وعز. ومن عقل عن الله جل ذكره ما قال، فقد استغنى به عن كل شيء، وعز به من كل ذل، لا تتغير (1) سورة يوسف، الآية: 75. (3 ) سبق تخريجه ص53. (2) سبق الكلام على وصف الله بالقديم انظر ص43 . (4) في المخطوط "على" وهو خطأ. (5) من العطب: الهلاك. ابن فارس، مرجع سابق، معجم مقاييس اللغة، 4/244 مادة (عطب). ابن منظور، مرجع سابق، لسان العرب، 1/513، مادة (عطب).
عدد الصفحات ٨٦[76] حلاوته، ولا تخلق جدته في قلوب المؤمنين به على كثرة الترداد والتكرار لتلاوته؛ لأن قائله دائم لا يفنى ولا يتغير ولا ينقص ولا يحدث به الحوادث (1)وكذلك كلامه لا يتغير في قلوب المؤمنين التال على كثرة الترداد والت كرار لتلاوته. وكل كلام من نبي أو صديق أو خطيب بليغ أو قائل شعرٍ، فالقلب يمل من كثرة له. وذلك موجود في الفطرة لا يختلف فيه أولوا الألباب. ولو كان الله جل ذكره وعز أنزله بلسان لا نفهمه ولا نعرف معانيه إذا تلي، إلا أنا نعلم أنه كلام الإله جل وعز، الذي ليس كمثله شيء، ثم ذُب نا وذاب أهل السماء والأرض، لحق لنا ولهم ذلك. بل لو ذكر الخلائق أن لله جل وعز كلاما تكلم به ولم يسمعوه، ثم صعقوا أجمعون هيبة وتعظيما له، لعظيم قدر المتكلم به، لكان ذلك حقيقا، ولما كان كثيرا. وكذلك إذا تلى التالي بالعربية، ونحن نسمع الصوت، ولا نفهم معاني ما يتلوه إلا أنا نعلم أنه يتلو كلام ربنا - جل ربنا وتعالى - لما كان عجيبا لو متنا أجمعون إجلالا وتعظيما له، لعظم قدر المتكلم به سبحانه الذي لا يعدل قدره شيء، وذلك موجود عندنا في فطرنا أنا نسمع الكلام ممن نحب من الخلق، ومن نعظم قدره فنسمع صو ته ولا نفهم ما يقول، فترتاح لذلك قلوبنا، ويعظم ويجل في صدورنا، فكيف بكلام ربنا جل ثناؤه وتعالى؟ الأول بغير بدء ولا مسبوق. وكيف، وقد تكلم به بنفسه من فوق عرشه، وأنزله مع الأمين من ملائكته إلى أمين أهل الأرض، لئلا يرتاب أن يكون زيد فيه ما لم يقل، أو نقص منه حرف واحد. يتلى علينا بلسان عربي مبين يصف لنا به نفسه، فلو كان ما أنزل من كلامه لم يصف لنا به نفسه، ولا ذكر لنا به نعمه، ولا أمرنا فيه بأمره، ولا نهانا فيه عما يكرهه، ولا أدبنا فيه بأدبه، ولا توعدنا فيه بعذاب، ولا وعدنا فيه ثواباً، إلا حديثا على ما يحدث الر جل أخاه به، وصغى بأذن المستمع له، ليس فيه عهد ولا عقد ولا سعة في دين ولا دنيا، إلا أنه يحدثه بما علم، ويخبره بما رأى وسمع، فإذا كان للذي يحدثك عندك قدر، أصغيت إلى حديثه، باستماع ما يقول وتفهم معاني ما يصف، ولو كان يحكيه لك عنه حاكي، لفعلت ذلك حبا منك لقائل ه، وتعظيمًا للمتكلم به، ولو (0) سبق الكلام على مسألة نفي الحوادث في ص 21.
عدد الصفحات ٨٧[77] أطلعه الله عز وجل على قلبك، وأنت متشاغل عنه لا تفهم عنه قوله، لمقتك وعلم أنك لهوت عن حديثه، ولم تعبأ بفهم قوله لقلة قدره، وقدر حديثه عندك. ولو كان له عندك قدر، لاستمعت لحديثه ولم تله عن تفهمه، وإنما لهوت عن حديث من حدثك من الخلق، أنه غاب عنهم علم ضميرك. ولو كان لهم باديا ما فيه لأحضرت عقلك إليهم، وإلى حديثهم ولم ترض لهم بالاستماع لحديثهم دون الفهم له، ولا بالفهم له دون أن تحببهم على قدر حديثهم، لتعلمهم أنك قد فهمت عنهم، ولم ترض لهم بالجواب دون أن توافقهم، فتعظم ما عظموا، وتستحسن ما استحسنوا، وتستقبح ما استقبحوا. هذا، وأكثر حديثهم لغو ولهو، وليس فيه منفعة دين ولا دنيا، ولا حق لهم يؤكدوه عليك بقولهم، ولا يرضون عنك بفهمه، ولا تحب لهم أن يسخطوا عليك إن لم تكن تفهمه وتقوم به. فكيف بالرب الكريم الذي سهل لك مناجاته، وأقبل عليك ولم يتكل م به لغوا ولا قاله لهوا ولا عبثا، ولا خاطب به سهوا، ولا تفكها، ولا استراحة إليك. تعالى الله جل وعز عن ذلك علوا كبيرا. وإنما تكلم به مخاطبةً وقصداً وإرادةً وتوكيداً للحجة عليك، وعلى خلقه، إعذارا إليهم وإنذارا. فكيف يرضى عنك دون أن تسمعه، وتحضر عقلك، وتفهم م عاني قوله، وأن لا تتشاغل بشيء من الأشياء دون أن تستقصي فهم معانيه. وكيف يرضى بذلك وإنما كلمنا بعزائم العهود وأوكد المواثيق وحقائق الأمر والنهي، ولا يرضى منهم باستماعهم دون فهمها، ولا بفهمها دون العزم على القيام بحقوقه فيها، ولا بالعزم على القيام بحقه فيها دون الصبر على القيام بحقوقه في أوقات وجوبها، بغير تسويف ولا تأخير؛ لأنه كلام أقبل علينا به بجلاله وكبريائه، مخاطبا لنا به؛ فعرفنا به أنه لا إله غيره، ويأمرنا بما يرضى به ويقربنا منه ويوجب لنا جواره والقرب منه والنظر إليه، ويوجب لنا به إن ركبنا ما يسخطه عذ ابه الأليم، في خلود الأبد الذي لا انقطاع له، ولا زوال ولا راحة. وندبنا فيه إلى الأخلاق الكريمة، والمنازل الشريفة، وأخذ علينا الميثاق المؤكد، فكيف يرضى بتلاوته، والقلب مشغول بالدنيا، وقد طبعنا طبعا؛ لا نعرف ما نتلو دون أن نصغي إليه بأسماعنا، ولا نفهمه وإن أصغينا إليه، حتى نحضر له عقولنا إلا بقطعها عن النظر في كل شيء سواه، ولا نفهم قوله دون أن نعظم ما قال في قلوبنا، ونعظم قدر رضاه وسخطه، ولا يعظم ذلك عندنا مع طول موالاتنا بالدنيا والاشتغال بذكرها وذكر أهلها إلا بتكرار التلاوة والدوام على تقصي العقل بتقصي ذلك والتيقظ
عدد الصفحات ٨٨[71] له، حتى نفهم ما قال؛ فينتبه العقل من غفلته، ويشاهد علم الغيوب ببصره، ويتوهم عظيم الجزاء والثواب والعقاب برؤية بصره، فعند ذلك يعقل التالي عن ربه عز وجل فيكون ما قال عنده كرأي عينه. وما أقبل عبد على الله جل وعز إلا أقبل الله عليه، وأسرع إليه الإجاب ة، فكذلك إذا أقبل على الله تعالى ذكره بطلب الفهم، أسرع إليه بالإفهام له. وكذلك ضمن للمقبلين إليه بعقولهم لفهم كلامه عنه، فقال عز وجل: ﮋ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﮊ(0). وقال مجاهد شهيد: شاهد القلب(4) ليس بغائب فعندها شاهد قلبه الغيب، كرأي الع وفهم كتاب الله يورثه النفس الثابت في القلب. فإذا ثبت فكأنه يعاين ربه جل وعز، ووعده ووعيده، ومما يبين ذلك ما روي عن أبي بن كعب حين سمع رجلا يقرأ، فأتى به النبي فاستقرأه، فقال أحسنت، قال: وضرب صدري. وقال: اللهم أذهب عنه الشك. فارفضضت (2) عرقا، وامت جوفي خوفًا(4). فإذا ثبت النفس كان كالعيان، كان العبد في الدنيا ببدنه، وقلبه معلق بالله جل وعز، وبغيب معاده. فاتق الله، ولا تجعل كلامه منك بظهرٍ، وقلة اكتراث منك بفهم ما قال(4)، وذلك عليه فإنه يجل من أجل كلامه، ويهون عنده من لم يعظم كلامه. فمن أجل كلامه آثره عل ى كل كلامٍ ومخاطبةٍ، وعلى كل علم ليفهمه عنه، ويقوم بحقه بمعرفة وفهم. ولو عقل عن الله جل وعز فهم آية واحدة لكفته أيام الحياة في القيام بحق الله فيها، فكيف بما قال في كتابه من الدلائل والشواهد والأمثال والوصف له، ولما في المعاد من الثواب والعقاب. ويبين لك ذلك ما حدثناه يزيد بن هارون قال: أخبرنا جرير بن حازم (5) قال: أخبرنا (1) سورة ق، الآية: 27. (3) الطبري، مرجع سابق، 33/272. (2) ارفض : أي جرى عرقه وسال. ابن الأثير، مرجع سابق، النهاية، 3/428، مادة : رفض . (4) مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، حديث سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب ، 24/85، رقم الحديث 31143. (4) المع: لا تجعل كلام الله عز وجل وراء ظهرك، واكتراث: أي مبالاة، ويستعمل في النفي، تقول: ما أكترث له: أي ما أبالي به، والمعنى هنا: لا تجعل قلة مبالاة منك تمنعك من فهم ما قال الله عز وجل. انظر: ابن منظور، مرجع سابق، 3/183، مادة: (كرث). (5) جرير بن حازم بن عبدالله بن شجاع الأزدي ثم العتكي، أبو النضر البصري، ثقة، روى عن إبراهيم بن يزيد الثاتي المصري =
عدد الصفحات ٨٩[79] الحسن(1) عن صعصعة بن معاوية (3) عم الفرزدق (2) أنه أتى الن وقرأ عليه ﮋﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮊ (2) .فقال: حسبي لا أبالي ألا أسمع غيرها(4). فهذا رجل لم يهاجر، ولم يلزم الن ؛ أعرابي لم يسن في الإسلام، ولم يقرأ القرآن قبل ذلك، أقرأه النبي آية فاكتفى بها، وورثته الحياء من الله جل وعز، فكيف بمن ولد في الإسلام وعلمه الله عز وجل كتابه، وسمع تفسيره، وكتب الآثار عن نبيه وأوليائه الصالحين، يفهم كتاب الله جل وعز؛ يتلوه من أوله إلى آخره وذاك لأنه تلاه دارسا، والقلب مشغول بغير فهمه ولا طلب معانيه، وذلك لقلة تعظيمه لقائله، وإغفاله الرحمة لنفسه، وقد ضمن من لا يخفر (6) ضمانه، ووعد من لا يخلف وعده - جل ربنا - أن ما أنزل من كلامه شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، = القاضي وأسماء بن عبيد الضبعي وأيوب السختياني وثابت البناني وغيرهم، وعنه الأعمش وأيوب شيخاه وابنه وهب وحسين بن محمد وابن المبارك وابن وهب والفريابي ووكيع وجماعة، مات سنة ( 174ه). المزي، مرجع سابق، 4/434؛ وابن حجر، مرجع سا بق، التقريب، ص 128. (1) هو الحسن البصري. (3) صعصعة بن معاوية بن حصين وهو مقاعس أبو عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث، اختلف في صحبته وهو عم الأحنف بن قيس، روى عن النبي وعن عمر وأبي ذر وأبي هريرة وعائشة ، وعنه: ابنه عبدالله ومروان الأصغر والحسن البصري. مات في أول ولاية الحجاج على العراق. ابن حبان، مرجع سابق ، الثقات،4/282؛ وابن حجر، مرجع سابق، التقريب، 4/271،و ابن عبدالبر، يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي (المتوفى: 452هـ) الاستيعاب معرف ة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، ط1، (بيروت: دار الجيل،1413هـ-1223م3/717. (2) الصحيح أنه عم الأحنف بن قيس. كما في المرجع السابق، وربما اشتبه اسمه باسم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق وقيل عمه هو صعصعة بن ناجية، انظر ترجمته في ابن سعد، مصدر سابق، 7/28 . (4) سورة الزلزلة، الآية: 7-8. (4) مسند الإمام أحمد ، مسند البصريين، حديث صعصعة بن معاوية، 4/42، رقم الحديث 33422قال محققه: إسناده صحيح. (5) الخفر: قال ابن فارس: الخاء والفاء والراء أصلان: أحدهما الحياء، والآخر المحافظة أو ضدها. فالأول يقال فيه: خفرت المرأة : استحيت، وهي خفرة . وأما الأصل الآخر فيقال خفرت الرجل خفرة، إذا أجرته وكنت له خفيرا. وتخفرت بفلان، إذا استجرت به. ويقال أخفرته، إذا بعثت معه خفيرا. وأما ضده فأخفرت الرجل، وذلك إذا نقضت عهده. ابن فارس، مرجع سابق، مقاييس، مادة خفر، 3/332.
عدد الصفحات ٩٠[10] فما أحق من أغفل عن فهم كتابه، أن يستحي من ربه عز وجل، ويأسف على ما مضى من عمره ومرض قلبه، إذ هو يتلو شفا مرض قلبه؛ وهو لا يزداد إلا سقمًا ومرضا، وذلك لقلة مبالاته بدائه، ترك طلب شفائه بما قال مولاه، وتدبر ما تكلم به خالقه وقد رآه مولاه وهو يعني بفهم كتاب مخلوق وحديثه، وليس في كتابه وحديثه إياه خلود الأبد في النعيم ولا النجاة من عذاب لا ينقطع بل لعل فيه ما الاشتغال به ضرراً (1) عليه، ومسخطة لربه عز وجل، ولعل ف يه ما الاستغناء بغيره أولى، أو لعل فيه حاجة لا قدر لها أو خبر يحب أن يعلمه من أخبار الناس، أو حاجة بكلفة لا يأمل لها مكافأة، ولا يحثه على القيام بها إلا خوف عذله ولائمته. وكيف يكون المولى تبارك وتعالى وقد علم منا أنا قليل تعظيمنا له، ونحن لا نعبأ بفهم كلا مه، وتدبر قوله فيما خاطب به، كما نعبأ بفهم كتب عبيده وحديثهم؛ الذين لا يملكون لنا ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. تبارك من يملك ذلك كله، وذلك أنه قد رآنا يأتي أحدنا كتاب من القرابة أو الأخ أو العامل أو الجار فلا يتمالك أن يقرأه، ويقرؤه مرارًا من حبه لصاحبه، ولا يرضى بقراءة حروفه دون الفهم بما كتب به إليه بإحضار عقل، وفقه للحروف، ليفهم ما أراد، وما الذي به أمر ونهى، وما سأل وما أوصى، فإن أشكل عليه استخراج بعض حروفه استعان بغيره على قراءته ليستخرج له ما لم يستخرجه ليعرف بذلك ما معنى الذي كتب به، وما الذي أراد، وما الذي يكن، خوفًا أن يفوته فيه معنى منفعة، أو علم مضرة ليحذرها. وربما كتب إلينا من لا يأمل ذلك منه، يكتب بحاجة يطلبها أو شيء أراد أن يعلمه؛ فما يترك أن يستقصي فهم كتابه ليفقه الحروف مع فهم القلب بمعنى الذي أراد وكتب، يبعثنا على تأمل كتابه محبة منا إليه لخبره أو رجاء منا لخبره أو جزع منا لخوف فوت منفعة ننالها منه آجلا، أو قرب جواره أو تذمما لسؤالنا حاجة، أو أمل مكافأته أو حب محمدته، أو خوفًا أن يفوتنا ما يريده فيلومنا في تقصيرنا، أو حياء منه أن نقدم عليه فيسألنا عن بعض ما كتب به فلا تقوى قل وبنا، ونستحي أن نجيبه بأنا لم نقرأ كتابه، أو أنا قرأناه ولم نفهم ما كتب به؛ لأنه يرى أن ذلك تهاونا منا به، وقلة عناية منا بالمرة فغداً نقدم على الله جل وعز فنلقاه ويسائلنا عن كتابه الذي أنزل إلينا مخاطبا لنا به وكيف (1) الصحيح بالرفع ضرر .
عدد الصفحات ٩١[18] فهمنا عنه وكيف عملنا به. وهل أجللناه وره بناه وهل قمنا بحقه الذي أمرنا به وجانبنا ما نهانا عنه مع ما يفوتنا من جواره وما نستوجب من عقابه. ألم تسمع مساءلة(1) الجن والإنس جميعًا يوم القيامة بما أقام عليهم به الحجة في الدنيا من تلاوة آياته عليهم من رسله، وأنه قطع بذلك عذرهم وأدحض به حجتهم. فقال يوم العرض: ﮋ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﮊ(3). وقال عز وجل : ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﮊ(2). وقال تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﮊ(4) .الآية. فلما جاءهم تأويل ما قال عز وجل من الذي توعد به نادوا بالندامة على نسيانهم ما جاءتهم به رسلهم من كلام ربهم عز وجل وتركهم فهمه، ونادوا بالشفاعة أو بردهم إلى الدنيا فيعقلوا عنه كلامه ويقوموا بحقه. قلت: فبم أستعين على فهم معاني ما أتلو أو يتلى علي؟ قال: بإحضار عقلك. فبذلك تفهم وتذكر، ألم تسمعه عز وجل يقول: ﮋ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﮊ(4). قال مجاهد: ﮋ ﭩ ﭪ ﭫ ﮊ لا يحدث نفسه بغير ما يسمع ﭪ ﭬ ﭭ ﮊ وهو شهيد قال شاهد القلب(5). قلت: فكيف أحضر عقلي حتى يكون شاهدًا لا يغيب عن فهم كلام ربي جل وتعالى؟ (1) في المخطوط مسائلة. (3) سورة الأنعام، الآية: 123. (2) سورة المؤمنون، الآية 134. (4) سورة الأعراف، الآية: 43-42. (4) سورة ق، الآية: 27 (5) الطبري، مرجع سابق، 3/272.
عدد الصفحات ٩٢[12] قال: بأن تجمع فهمك حتى لا يكون فهمك متفرقًا في شيء غير طلب الفهم لكلام مولاك . قلت: وكيف أجمع همي حتى لا يتفرق في شيء سوى ذلك؟ قال: تمنع عقلك من النظر في شيء سوى طلب فهم كتاب ربك جل وتعالى. قلت وكيف أجمع عقلي؟ قال: بأن لا تشغل جوارحك بما لا يشتغل به عقلك، وأن تستعمل كل جارحة بما يعينك على الفهم، كنظرك في مصحف واستماعك إلى تلاوتك أو تلاوة غيرك، وتمنع عقلك من فكر وذكر سوى طلب فهم كلام مولاك؛ لأنك إذا لم تشغل جوارحك بشيء غير ذلك، ومنعت عقلك عن النظر والفكر في غير ذلك، اجتمع همك وحضر، وإذا حضر عقلك ذكا ذهنك، وإذا ذكا ذهنك قويت على طلب الفهم، واستبان فيه اليقين، وصفا فيه الذكر، وقويت فيه الفكر، وبذلك مدح المستمعين لتلاوة كتابه بالفهم فقال عز وجل : ﮋﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﮊ(1) أي قالوا: مه. أفلا نسمع الله عز وجل مدحهم بأن سكتوا عن الكلام لئلا يشتغلوا عن فهم ما يتلو نبيه عليهم؟ وهذا ولم يعلموا ما فيه وما هو، ﮋ ﭞ ﭟ ﮊ وفهموا عن الله عز وجل ما تلا عليهم نبيه ﮋ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﮊ يحذرونهم من الله عزوجل ما سمعوا فقالوا: ﮋ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮊ(3) وقالوا: ﮋ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﮊ(2) الآيات. لقد نطقوا بالحكم عن فهم بين وعن عقول ذكية في استماع آيات في مقام واحد، فدعوا إلى إجابة الله ، وأملوا المغفرة والنجاة من العذاب الأليم، وأخبروا أنه من أعرض عما تلا نبيه من كلام ربه لا يعرف الله وأن مصيره إليه. هذا الأدب والفهم من استماع آيات في مقام واحد في أقل من ساعة، فكيف بمن وعى القرآن (1) سورة الأحقاف، الآية، 22. (3) سورة الآحقاف، الآيات: 23-23. (2) سورة الجن، الآية: 1-3 .
عدد الصفحات ٩٣[13] كله من صغره، ويكرر تلاوته من صباه إلى كبره، وعمر السنين الكثيرة، ويكرر تلاوته، لم يعقل عن ربه، ولم يفهم كلام مولاه فيقوم بحقه. وكان أول ما تداعوا الأدب لاستماع ما تلا نبيه ، بتناهيهم عن الاشتغال بالمحادثة عن كلام ربهم، ولقد ذم مولانا عز وجل المتشاغلين - عند استماعهم - بالمحادثة فقال تعالى: ﮋ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﮊ(1). فاحرص أن لا يكون فيك خلق، ذم الله عز وجل به كافرًا، وإن كنت مؤمنا فإن من كمال الإيمان مزايلة أهل الكفر بالقول والفعل فيما نهى الله عز وجل عنه. ولقد وعد ربنا عز وجل الرحمة، وأمرنا أن نطلبها منه بالاستماع، والإنصات لفهم كلامه فقال: ﮋﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﮊ(3) يع لكي ترحموا؛ فجعل الاستماع بترك الكلام لتفهم كلامه، يوجب الرحمة، قبل العمل بما يسمع. وقال عز وجل : ﮋ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﮊ(2) .فمدحهم بالهدى ووصفهم باللب، وأثنى عليهم في آي من القرآن . فإذا أحضرت عقلك بجمع همك بنية صادقة مع أمل ورجاء أن تنال ما قال، وتسارع إلى محابه، وتجتنب مساخطه، وتريده وحده ولا تريد أن تفهم منه ما تتصنع به عند العباد، فإذا نظر الله عز وجل إليك وأنت كذلك وعلم ذلك من ضميرك، أقبل عليك بلطفه، وولي تقويم عقلك لفهم كلامه، وما فيه من علم الغيوب، ومكنون الوعيد، فحينئذٍ تكون للقرآن متفهما، فتستنطق منه علم ما عميت عليك فيه الحجة فيوضح الله لك به البرهان، ويمدك بالفوائد، ويجلي عنك به ظلم الشبه، ويدلك على محجة المهتدين، ويذيقك الحلاوة التي أذاقها أهل التقوى؛ لأن كلامه ربيع قلوب الأبرار، ويثقل فهمه على من تعطل قلبه، وهو الذي هتك حجب قلوب الفهمين، فأهاج منهم الفؤاد والزفرات أسفا على ما فات من أعمارهم، وما أحصى الله عليهم من ذنوبهم، وأشخص أبصار قلوبهم إلى ملكوت جواره، (1) سورة الإسراء، الآية: 47. (3) سورة الأعراف: 334. (2) سورة الزمر، الآية: 17-18.
عدد الصفحات ٩٤[14] فطال حنينهم واشتياقهم إلى الخلود في دار الأمل في جوار رب العالمين، مع خوف الحرمان لما سلف من جرائمهم . فإن طلبت الفهم بالصدق أقبل عليك بالمعونة، تصديق ذلك في كتاب الله :ﮋﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﮊ(1) و يثقل فهم كلامه إلا على من تعطل قلبه. ألا يسمع ربنا جل وعز يقول: ﮋ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﮊ(3) فأخ أنه لو علم فيهم خيرا لأفهمهم لأنهم لم يكونوا صم(2) وكانوا يسمعون قراءة النبي ولكن ضيعوا الفهم. ألا تسمعه يقول: ﮋ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭯ ﭰ ﭱ ﮊ(4). أ تسمعه يقول: ﮋ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﮊ(4) لا يع أنهم كانوا صما ولكن لا يفقهون ما يسمعون بآذانهم. ألا تسمعه يقول: ﮋ ﭮ ﭯ ﭰ ﮊ فأثبت النظر منهم إلى النبي ثم قال: ﮋ ﭱ ﭲ ﭳ ﮊ(5) .يقول: لا يعقلون دلائل الله عز وجل في نبوته . فإن علم من التالي لكتابه صدق ضمير وعناية حتى يجمع همه للفهم أفهمه. ألا تسمعه يقول: ﮋ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﮊ(7). فإذا أقبلت على الله تعالى بصدق نية ورغبة لفهم كتابه باجتماع هم، متوكل (8) عليه أنه هو (1) سورة النحل، الآية: 138. (3) سورة الأنفال، الآية: 32. (2) هكذا في المخطوط: صم وصوابه صما. (4) سورة الأعراف، الآية: 172 (4) سورة هود، الآية: 33. (5) سورة الأعراف، الآية: 128. (7) سورة الأنفال، الآية: 73. (8) هكذا في المخطوط وصوابه متوكلا.
عدد الصفحات ٩٥[15] الذي يفتح لك الفهم، لا على نفسك فيما تطلب ولا بما لزم قلبك من الذكر، لم يخيبك من الفهم والعقل عنه إن شاء الله. قلت: ما الذي ينبغي لي أن أعرفه قبل طلب الفهم لكتاب الله عز وجل؛ لأن لا أغلط فأعتقد ما لا يرضي الله جل ثناؤه من المعاني أو أنفي ما يرضيه من المعاني، فأخطئ عليه فابتدع بدعة، أو أوجب فرضًا قد أسقط بالنسخ(0 )بعد وجوبه، أو يشتبه علي تلاوته فيجد العدو موضع تزين للشك فيما اشتبه علي، وأقدم ما أخره أو أؤخر ما قدمه، أو أعم خبرا أو فرضا أو وعيدا خاصا فأظنه عاما(4)، أو أخص خبرًا أو وعيدًا أو أمرًا عامًا فأجعله خاصا، أو أبدل محكمًا متشابهًا أو متشابهًا محكمًا. قال: أن تعلم أن القرآن منه ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه(2) وله وجوه : فمنه متشابه في التلاوة من غير أن ينسخ بعضه بعضًا(4)، ومنه متشابه لاختلاف أوقاته في (1) النسخ لغة: هو الرفع والإزالة، و في الاصطلاح: هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه. ابن النجار، محمد بن أحمد بن عبدالعزيز الفتوحي الحنبلي، شرح الكوكب المنير، تحقيق: محمد الزحيلي و نزيه حماد، ط 1، (الرياض مكتبة العبيكان، 1412هـ-1222م2/434؛ وابن الجوزي، مصدر سابق، نواسخ القرآن، تحقيق: محمد أشرف الملباري، ط1، (المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية، 1434هـ-1284م23؛ و السيوطي، مرجع سابق، الاتقان في علوم القر آن، ط3، (بيروت: دار الكتب العلمية،1411،1221م3/44. (3) العام : لغة هو: الشامل، واصطلاحا: هو لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر. ابن النجار مرجع سابق، 2/131؛ والسيوطي، مرجع سابق، الاتقان ، 3/23. (3) المحكم: لغة: اسم مفعول من أحكم، ومادة حكم تدور حول معان هي : المنع ومنه قول جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم، والفصل ومنه قسمي القاضي حكما لأنه يفصل بين الخصوم، والاتقان ومنه قوله تعالى ﮋ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ [1]. واصطلاحا: هو ما ماكان واضح المعنى ظاهر الدلالة يستقل بنفسه المتشابه لغة من الشبه والجمع أشباه، والشبه أن لا يتميز أحد الشيئين من الآخر قال سبحانه: ﮋ ﭬ ﭭ ﭮ ﮊ سورة البقرة، الآية: 34. والمتشابهات من الأمور هي: المشكلات، واصطلاحا: هو ما لم يكن ظاهر المعنى و واضح الدلالة ويحتاج إلى غيره لبيانه. ابن فارس، مرجع سابق، مادة حكم، 3/21، ومادة شبه،2/342؛ والسيوطي، مرجع سابق، الاتقان ،3/2، وابن النجار، مرجع سابق، 3/143 . (4) وهو ما يطلق عليه المتشابه اللفظي ويتناول الآيات التي يشبه بعضها بعضا.
عدد الصفحات ٩٦