المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فهم القرآن للإمام المحدث الحارث بن أسد المحاسبي البصري دراسة وتحقيق

خالد رمضان عثمان أحمد

صفحة ٣ من ١٨

[22] المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه عرف الحارث المحاسبي - رحمه الله - بالزهد وعزلته عن الناس، حتى نقل عنه أنه قال: " لو كل الناس عندي ما أنست ولو هجروني ما استوحشت" (1). وقال عنه الخطيب: "أحد من اجتمـع لـه الزهـد والمعرفـة بعلـم الظـاهر والبـاطن... وللحـارث كتـب كثـــيرة في الزهـــد وفي أصـــول الـــديانات والـــرد علـــى المخـــالفين مـــن المعتزلـــة والرافضـــة وغيرهمـــا وكتبـــه كثـــيرة الفوائد جمة المنافع"(3). قـــال ابـــن الأعـــرابي : "تفقـــه الحـــارث، وكتـــب الحـــديث، وعـــرف مـــذاهب النســـاك، وكـــان مـــن العلـــم بموضع، إلا أنه تكلم في مسألة اللفظ ومسألة الإيمان"(2). وورد أن الإمــام أحمــد أثــنى علــى حــال الحــارث مــن وجــه، وحــذر منــه، يقــول إسماعيــل بــن إســحاق السراج : قال لي أحمد بن حنبـل يومـا: " يبلغـني أن الحـارث هـذا - يعـني المحاسـبي- يكثـر الكـون عنـدك، فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه؟ فقلت: السمع والطاعة لك يا أبا عبـد الله، وســرني هــذا الابتـــداء مــن أبي عبــد الله، فقصـــدت الحــارث وســألته أن يحضـــرنا تلــك الليلــة، فقلـــت وتسل أصحابك أن يحضروا معك، فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة فلا تزدهم على الكتب والتمر، وأكثـر منهمــا مــا اســـتطعت، ففعلــت مـــا أمــرني بـــه، وانصــرفت إلى أ بي عبـــد الله فأخبرتــه، فحضـــر بعــد المغـــرب وصعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده إلى أن فـرغ، وحضـر الحـارث وأصـحابه فـأكلوا، ثم قـاموا لصـلاة العتمــة ولم يصــلوا بعــدها، وقعــدوا بــين يــدي الحــارث، وهــم ســكون لا ينطــق واحــد مــنهم إلى قريــب مــن نصــف الليــل، فابتــدأ واحــد مــنهم وســأل الحــارث عــن مســألة، فأخــذ في الكــلام وأصــحابه يســتمعون، (8) الخطيب، مرجع سابق، 2/134. (2) المرجع السابق، 2/134. (3 ) المرجع السابق.

عدد الصفحات ٣٣

[23] وكـــأن علـــى رءوســـهم الطـــير، فمـــنهم مـــن يبكـــي، ومـــنهم مـــن يزعـــق، وهـــو في كلامـــه. فصـــعدت الغرفـــة لأتعــرف حــال أبي عبــد الله، فوجدتــه قــد بكــى حــتى غشــي عليــه، فانصــرفت إلــيهم ولم تــزل تلــك حــالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا، فصعدت إلى أبي عبد الله وه و متغير الحال، فقلت: كيف رأيـت هـؤلاء يـا أبــا عبــد الله؟ فقــال: مــا أعلــم أني رأيــت مثــل هــؤلاء القــوم، ولا سمعــت في علــم الحقــائق مثــل كــلام هــذا الرجل، وعلى ما وصفت من أحوالهم فإني لا أرى لك صحبتهم، ثم قام وخرج" (1). قال الذهبي معلقا على القصة: "وهذه حكاية صحيحة السند، منكرة، لا تقع على قلبي، أستبعد وقوع هذا من مثل أحمد، وأما المحاسبى فهو صدوق في نفسه، وقد نقموا عليه بعض تصوفه وتصانيفه"(3). كان الحارث من أبرز زهاد عصره امتاز بورعه الشديد حتى قيل عنه إنه كان إذ مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على أصبعه عرق فكان يمتنع منه(2). قال الجنيد: "كان الحارث كثير الضر فاجتاز بي يوما وأنا جالس على بابنا، فرأيت على وجهه زيادة الضر من الجوع، فقلت له: يا عم لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا؟ قال: أو تفعل؟ قلت: نعم، وتسرني بذلك وتبرني، فدخلت بين يديه ودخل معي، وعمدت إلى بيت عمي، وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة فاخرة لا يكون مثلها في بيتنا سريعا، فجئت بأنواع كثيرة من الطعام، فوضعته بين يديه، فمد يده وأخذ لقمة فرفعها إلى فيه، فرأيته يلوكها ولا يزدردها، فوثب وخرج وما كلمني، فلما كان الغد لقيته، فقلت: يا عم سررتني ثم نغصت علي؟ قال: يا بني أما الفاقة فكانت شديدة، وقد اجتهدت في أن أنال من الطعام الذي قدمته إلي، ولكن بيني وبين الله علامة إذا لم يكن الطعام مرضيا ارتفع إلى أنفي منه زفورة فلم تقبله نفسي، فقد رميت بتلك اللقمة في دهليزكم وخرجت "(4). (1 ) الخطيب، مرجع سابق، 2/134. (3) الذهبي، مرجع سابق، لسان الميزان، تحقيق: علي البيج اوي، ط4، (بيروت: دار المعرفة، 1283هـ-1252م1/423. (2) الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبدالله (المتوفى: 754هـ) الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، (بيروت: دار إحياء التراث، 1433هـ- 3333م11/128 (4) الخطيب، مرجع سابق، 2/134.

عدد الصفحات ٣٤

[24] وقد أثر خوض المحاسبي في علم الكلام على علاقته بعلماء أهل السنة، مما باعد بينه وبين كثير من المحدثين في عصره ، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل من أبرز من كان يحذر الناس منه ومن أخذ العلم عنه(1). قال المروذي إن أبا عبد الله ذكر حارثا المحاسبي فقال: " حارث أصل البلية - يعني حوادث كلام جهم - ما الآفة إلا حارث، عامة من صحبه انبت إلا ابن العلاف فإنه مات مستورا حذروا عن حارث أشد التحذير. قلت: إن قوما يختلفون إليه . قال: نتقدم إليهم لعلهم لا يعرفون بدعته ، فإن قبلوا وإلا هجروا؛ ليس للحارث توبة؛ يشهد عليه ويجحد إنم ا التوبة لمن اعترف"(3). قال سعيد بن عمرو البرذعي: "شهدت أبا زرعة الرازي، وسئل عن المحاسبي وكتبه ، فقال: إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات عليك بالأثر تجد غنية، هل بلغكم أن مالكا والثوري والأوزاعي صنفوا في الخطرات والوساوس؟ ما أسرع الناس إلى البدع !"(2) قال ابن الأعرابي : "تفقه الحارث، وكتب الحديث، وعرف مذاهب النساك، وكان من العلم بموضع إلا أنه تكلم في مسألة اللفظ ومسألة الإيمان. وقيل: هجره أحمد، فاختفى مدة"(4.) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل: وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب ولهذا أمر أحمد بهجره وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث إنه رجع عن قوله(4)ـ (1) ابن أبي يعلى، أبو الحسين محمد بن محمد (المتوفى: 435هـ)، طبقات الحنابلة، تحقيق: محمد حامد الفقي (بيروت: دار المعرفة) 1/322. (3) المرجع السابق، 1/53. (2) الذهبي، مرجع سابق، السير، 13/113. (4) المرجع السابق، 2/488 (4) ابن تيمية، مرجع سابق، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط 3(الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1411ه-1221 )3/5.

عدد الصفحات ٣٥

[25] المبحث الخامس: مؤلفاته (0) وللحارث كتب كثيرة بلغت نحو مائتي كتاب كما قال الخطيب البغدادي فمن كتبه: آداب النفوس تحقيق: عبدالقادر عطا وحققه غيره. التوبة تحقيق: عبدالقادر عطا. أعمال القلوب تحقيق: عبدالقادر عطا. البعث والنشور تحقيق محمد عيسى رضوان. رسالة المسترشدين تحقيق: عبدالفتاح أبوغده. الرعاية لحقوق الله تحقيق: عبدالقادر عطا. وحققه غيره. شرح المعرفة وبذل النصيحة تحقيق صالح شامي. العلم تحقيق: محمد العابد. فهم القرآن ومائية العقل (طبعا معا) بتحقيق: حسين القوتلي. شرف العقل وماهيته تحقيق: عبدالقادر عطا. المسائل في الزهد تحقيق: عبدالقادر عطا. معاتبة النفس تحقيق: عبدالقادر عطا. وحققه غيره. المكاسب تحقيق: عبدالقادر عطا وغيره. الرزق الحلال (هو نفس كتاب المكاسب) تحقيق: محمد الخشت. النصائح والوصايا تحقيق: عبدالقادر عطا وحققه غيره. كتاب الخلوة والتنقل في العبادة ودرجات العابدين تحقيق: خليفة (إغناطيوس عبده) التوهم = رحلة الإنسان إلى عالم الآخرة تحقيق: أندريه رومان وحققه غيره. (8) أفدت في جمع مؤلفاته من: الخطيب، مرجع سابق، 2/134؛ وقوتلي، مرجع سابق، ص 52 ؛ والشلالي، مرجع سابق، ص55؛ وموقع مكتبة معهد الدراسات الشرقية بالقاهرة cairo.org/sommaire.php?lang=ar-http://www.ideo.

عدد الصفحات ٣٦

[26] بدء من أناب إلى الله تحقيق: مجدي السيد فهم الصلاة تحقيق: محمد عثمان الخشت. الدماء رسالة في التوحيد الصحابة أخلاق الحكيم الغيبة فهم السنن كتاب العظمة وكتاب أحكام التوبة المحبة المسائل في الزهد وغيره من أعمال القلوب والجوارح

عدد الصفحات ٣٧

[27] الفصل الثاني: التعريف بالكتاب وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول : تحقيق اسم الكتاب وتوثيق نسبته لمؤلفه. المبحث الثاني : القيمة العلمية للكتاب والمآخذ عليه. المبحث الثالث : منهج المؤلف في الكتاب. المبحث الرابع : وصف النسخ الخطية.

عدد الصفحات ٣٨

[21] المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب وتوثيق نسبته لمؤلفه لم يذكر الحارث المحاسبي اسما لكتابه هذا في مقدمته، وقد كتب الناسخ في اللوح الأول من المخطوط "كتاب فهم القرآن ومعانيه تأليف أبي عبدالله الحارث بن أسد لمحاسبي البصري رحمه الله" ولم أجد هذه التسمية في الكتب والفهارس والتراجم. وقد نص على تسمية كتابه بـ "فهم القرآن" الذهبي وابن تيمية. قال الذهبي: وبين – يعني ابن كلاب - أن علو الله تعالى على عرشه ومباينته لخلقه معلوم بالفطرة والأدلة العقلية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وكذلك ذكرها الحارث المحاسبي في كتاب " فهم القرآن "(1). وقد ناقش المحاسبي في كتابه أهل الكلام في مسألة العلو في كتابه هذا. وفي السير قال الذهبي أيضا: وصنف في التوحيد، وإثبات الصفات، وأن علو الباري على خلقه معلوم بالفطرة والعقل على وفق النص، وكذلك قال المحاسبي في كتاب (فهم القرآن )(3). أما شيخ الإسلام ابن تيمية(2) فقد نقل عنه في مواضع كثيرة من كتابه فهم القرآن منها قوله: "وقال الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب فهم القرآن لما تكلم على ما يدخل في النسخ وما لا يدخل فيه النسخ، وما يظن أنه متعارض من الآيات"(4) و موضع آخر قال: "وابن كلاب أحدث ما أحدثه لما اضطره إلى ذلك من دخول أصل كلام الجهمية في قلبه، وقد بين فساد قولهم بنفي علو الله ونفي صفاته، وصنف كتبًا كثيرة في أصل (1) الذهبي، مرجع سابق، تاريخ الإسلام، 4/281؛ والسير،11/174. (3) الذهبي، مرجع سابق، السير، 11/174. (2) ابن تيمية، مرجع سابق، درء التعارض، 3/44. (4) المرجع السابق

عدد الصفحات ٣٩

[29] التوحيد والصفات، وبين أدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية، وبين فيها أن علو الله على خلقه، ومباينته لهم، من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وكذلك ذكرها الحارث المحاسبي في كتاب (فهم القرآن ) وغيره"(1.) وقال في موضع آخر: وقد حكى القولين عن أهل السنة - في الإرادة والسمع والبصر أبو عبدالله الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب " فهم القرآن ". (8) ابن تيمية، مرجع سابق، شرح حديث النزول، ط 1، (بيروت: المكتب الإسلامي،1227هـ1277م)،1/173.

عدد الصفحات ٤٠

[30] المبحث الثاني: القيمة العلمية للكتاب والمآخذ عليه القيمة العلمية للكتاب كتاب فهم القرآن من الكتب الأصيلة التي تعتبر مصدرا متقدما ومهما من المصادر العلمية للمتخصصين في القرآن وعلومه؛ فقد عده بعض الباحثين من أول ما دون في علوم القرآن حيث إنه شمل جملة من علوم القرآن (1) وب عليه غيره ممن دون في علوم القرآن . وقد شمل الكتاب الكلام على فهم القرآن وتدبره والمكي والمدني والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وأساليب الخطاب إلى غير ذلك من الأبواب. كما يمتلئ الكتاب بالمباحث الكلامية التي يناقش فيها المحاسبي المعتزلة والروافض والجهمية ويرد عليهم ويفند أقوالهم(3). وأما من ناحية التصوف فلا تخلو مؤلفات المحاسبي بشكل عام من التأصيل للتصوف المتصل بعلم الكلام كما أسلفت(2) المآخذ على الكتاب أبرز المآخذ على المحاسبي في كتابه فهم القرآن خوضه في علم الكلام مما أدى لوقوعه في مخالفات لعقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل أوضحها في العناوين التالية: كلامه في الإيمان المحاسبي كما أسلفنا على طريقة الكلابية في الإيمان وهو أنهم يرون أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وقد أشار المحاسبي إلى هذا المعنى في قوله: "وقال عز وجل: ‌ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭙ ﭚ ﭛ ﮊ(4)‌فكل من أقر فقد آمن". (1 ) الطيار، مساعد بن سليمان، المحرر في علوم القرآن، ط 3، (جدة: مركز الدراسات والمعلومات القرآنية، 1432ه-3338م)، ص42. (3 ) انظررده على المعتزلة في ص 112 وكلامه عن مرتكب الكبيرة ص 115 وما بعدها. (2) انظرص33 من هذا البحث. (4 )سورة الحديد، الآية: 12.

عدد الصفحات ٤١

[38] ولاشك أن الإقرار المجرد هو عين قول المرجئة، أما أهل السنة والجماعة فيرون أن الإيمان يثبت لصاحبه بمكوناته الثلاثة وهي: القول والفعل والاعتقاد، وأن الإقرار وحده لا يكفي لوصف المقر بالإيمان بل لابد من قول اللسان واعتقاد الجنان وعمل الجوارح، وعلى هذا أجمع أئمة أهل السنة والجماعة. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه الله: "سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار - حجازا وعراقا وشاما ويمنا - فكان من مذهبهم: الإيم ان قول وعمل يزيد وينقص"(1).‌ وقال الإمام البخاري رحمه الله: "لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم؛ أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر، لقيتهم كرات قرنا بعد قرن ثم قرن بعد قرن أدركتهم وهم متوافرون أكثر من ست وأربعين سنة ... فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل، وذلك لقول الله: ﮋ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮦ ﮧ ﮨ ﮊ (3) وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقوله: ﮋ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮊ(2) . كلامه في تأويل الأسماء والصفات مع إقرار المحاسبي -رحمه الله- بإثبات صفات الله سبحانه على وجه الإجمال، ومع مخال فته للمعتزلة والجهمية في نفيهم وتعطيلهم لصفات الله جل وتقدس؛ إلا أنه لم يسلك مسلك أهل السنة في الإثبات بل سار على طريقة عبدالله بن كلاب في إثبات بعض الصفات وتأويل البعض الآخر. (1 )اللالكائي، هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، تحقيق:‌أحمد سعد الغامدي، ط4، (الرياض : دار طيبة، 1415هـ-1224م)1/127. (3) سورة البينة، الآية:4. (2) سورة الأعراف، الآية: 44. اللالكائي، مرجع سابق، 1/122.

عدد الصفحات ٤٢

[32] ومن كلامه في هذا الباب قوله: " لأن قائله دائم لا يفنى ولا يتغير ولا ينقص ولا يحدث به الحوادث"(1). ومرد كلامه في هذا الباب هو إنكاره للصفات الاختيارية لاعتقاده بنفي الحوادث عن الخالق جل وتقدس. ومصطلح "حدوث الحوادث" بالرب سبحانه من المصطلحات التي يكثر ذكرها في كتب المتكلمين قديما وحديثا، مع أن لفظ الحدوث لفظ مجمل يحتمل معنى صحيحا وآخر باطلا: فالمعنى الصحيح هو: نفي أن يكون الخالق جل وتعالى أو صفاته العلية قد حدثت وأوجدت مثل سائر المحدثات المخلوقة بل إنه جل وتقدس أول بلا ابتداء، وآخر بلا انتهاء وقد سمى نفسه فقال ﮋ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﮊ(3). المع الثاني: هو المتعلق بأفعال الرب سبحانه وهو: نفي الصفات التي تقوم على الإرادة والاختيار؛ فينفون عن الرب جل وتقدس أن يتكلم بما شاء متى شاء، وهكذا النزول والاستواء والإتيان والضحك والرضى والغضب والسمع والبصر وغيرها من صفات الحق سبحانه التي ثبتت بالكتاب والسنة، وحجتهم أن كل متغير حادث والله منزه عن الحوادث(2) . والحارث المحاسبي رحمه الله يقصد هذا المعنى الباطل الذي سار عليه المتكلمون وهو ظاهر من مذهبه رحمه الله ومما يؤكد أنه يقصد هذا المعنى الباطل قوله: "وكذلك قوله عز وجل : ﮋ ﯩ ﯪ ﯫ ﮊ(4) ليس معناه إحداث سمع ولا تكلف لسمع ما يكون من المتكلم في وقت كلامه. وإنما معنى ﮋ ﯩ ﯪ ﯫ ﮊ ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﮊ(4) أي المسموع والمبصر لن يخفى على سمعي ولا على بصري، أن أدركه سمعا وبصرا لا بالحوادث في الله جل وعز وتعالى عن ذلك. (1) وقد تكرر نفيه للحوادث في مواضع من كتابه: انظر الصفحات: 74 ،24 ،27 ، 132. (2) سورة الحديد، الآية:2 (2) ينظر: ابن تيمية، مرجع سابق، الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال، (القاهرة: مطبعة المدني، 1432هـ - 1282م) ص 44؛ وابن تيمية، مرجع سابق، الصفدية، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط3(القاهرة مكتبة ابن تيمية، 1435هـ1/354. (4) سورة الشعراء، الآية: 14. (4) سورة التوبة، الآية: 24.

عدد الصفحات ٤٣

[33] وكذلك قوله: ﮋ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﮊ(1) لا يستحدث بصرا ولا لحظا محدثا في ذاته تعالى عن ذلك). فهو ههنا يثبت السمع لله جل وتعالى وينفي الإرادة كما ينفي تجدد الحدوث مرة بعد مرة و يسوق قول أهل السنة على أنه القول الثاني في المسألة وليس لهم فيها إلا قولا واحدا يخالف قول ابن كلاب الذي رجحه. يقول المحاسبي -رحمه الله- : " وقد ذهب قوم أن لله جل وعز استماعًا حادثا في ذاته فذهب إلى ما يعقل من الخلق أنه يحدث فيهم علم لسمع ما يكون من قول عند سمعه للقول؛ لأن المخلوق إذا سمع الشيء حدث له عنه فهم عما أدركته أذنه من الصوت، وكذلك ذهب إلى أن رؤية تحدث له(3) قال أبوعبد الله: وهذا خطأ وإنما معنى ﮋ ﭣ ﮊ و ﮋ ﯩ ﯪ ﯫ ﮊ أن المسموع والمبصر لم يخف على عيني ولا على سمعي أن أدركه سمعًا وبصرًا، لا بالحوادث في الله جل وعز، ومن ذهب إلى أنه يحدث له استماع مع حدوث المسموع، وإبصار مع حدوث المبصر، فقد ادعى على الله عز وجل ما لم يقل وإنما على العباد التسليم كما قال" وهو يؤكد ههنا المعنى الباطل الذي يعتقده حيث يثبتها جامدة أزلية لا تحدث ولا تتجدد! وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات ما أثبته الله من الصفات دون تعطيل أو تكييف أو تشبيه أو تمثيل، مع نفي مشابهة المخلوقين كما قال عن نفسه العلية: ﮋ ﭡ ﭢ ﭣ ﭥ ﭦ ﭧ ﮊ(2). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فصل في الصفات الاختيارية : وهي الأمور التي يتصف بها الرب عز وجل فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته؛ مثل كلامه وسمعه وبصره وإرادته ومحبته ورضاه ورحمته وغضبه (1) سورة التوبة، الآية: 134. (3) هذا اللازم الذي ذكره هنا من أن الاستماع ينتج عنه تعقل يحدث عن الاستماع؛ وهو مبني على اعتقاد التشبيه الذي فر منه إلى التعطيل وإنما كان يكفيه أن يثبت بلا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل وهي طريقة الأئمة من أهل السنة رحمهم الله. (2) سورة الشورى، الآية: 11

عدد الصفحات ٤٤

[34] وسخطه؛ ومثل خلقه وإحسانه وعدله؛ ومثل استوائه ومجيئه وإتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة. - فالجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته شيء من هذه الصفات ولا غيرها. - والكلابية ومن وافقهم من السالمية وغيرهم يقولون: تقوم به صفات بغير مشيئته وقدرته؛ فأما ما يكون بمشيئته وقدرته : فلا يكون إلا مخلوقا منفصلا عنه لا يقوم بذات الرب . - وأما السلف وأئمة السنة والحديث فيقولون: إنه متصف بذلك؛ كما نطق به الكتاب والسنة(1). (8‌)‌ابن‌تيمية،‌مرجع‌سابق،‌جامع‌المسائل،‌تحقيق:‌رشاد‌سالم،‌ط8،‌(الرياض:‌دار‌العطاء،‌8422ه- 2008م)‌2/3.

عدد الصفحات ٤٥

[35] المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب جمع الحارث المحاسبي في كتابه بين المنهج الأثري في الاعتماد على الروايات والمنهج العقلي الكلامي في الرد على المخالفين ومناقشة أراءهم والانتصار للمسائل التي يختارها. ويمكن توضيح منهجه في الكتاب من خلال النقاط التالية : 8. بدأ المحاسبي كتابه بمقدمة عن القرآن ومنزل ته وفضائله وتناول فيها وجوب تدبره وتفهمه، وسبل ذلك، وحدد موانع الفهم له وحذر من عواقب مجافاته. 2. اعتمد في استدلاله على المسائل على الكتاب والسنة وآثار السلف والاستلال العقلي. 3. في اعتماده على الكتاب كان يفسر الآيات التي يستدل بها لا بفهمه فحسب بل يحشد الروايات التي تعضد تفسيره. 4. عند استدلاله بالحديث فإنه يسند الحديث غالبا عمن رواه عنه من مشيخته إلا في مواضع يسيرة يذكر الأثر بلا إسناد. 5. يتعقب أحيانا أقوال المخالفين ويبين ترجيحه. 6. اعتمد على النقاش العقلي مع المتكلمين وألزمهم اللوازم الباطلة لكلامهم ودحض أقوالهم في مسائل كثيرة. 7. يستطرد كثيرا في الرد على المعتزلة مما يوضح وقوفه الشديد ضد شبهاتهم وحشده الأدلة العقلية والنقلية في رد آراءهم. 1. وضح أثر المتكلمين عليه حيث ناله أيضا شيء من مجانبة الصواب في مسائل عدة. 9. تناول المحاسبي جملة من أبواب علوم القرآن لكن تفاوت تناوله لها لاختلاف مقصده منها ؛ فقد كان يقصد المباحث التي تؤثر في فهم القرآن الكريم فقدمها وفصلها لاسيما باب الناسخ والمنسوخ.

عدد الصفحات ٤٦

[36] المبحث الرابع: وصف النسخة الخطية اعتمدت في بحثي على النسخة الوحيدة الفريدة، الموجودة في المكتبة السليمية، بمدينة أدرنة غرب تركيا، وقد اعتمد عليها د. حسين قوتلي في تحقيقه للكتاب، وقد ذكر في مقدمة التحقيق عن المستشرق الألماني جوزيف فان إس أنها النسخة الوحيد. وبتوفيق الله حصلت على المخطوط حيث يقع ضمن مجموع برقم 241. وصف المخطوطة عدد الألواح : اثن ان وخمس ون لوحا، كل لوح فيه صفحتان، تحتوي الصفحة على ثلاثة وعشرين سطرا، ومتوسط عدد الأ سطر في الصفحة اثنتا عشر ة كلمة. كتب المخطوط بخط نسخ جميل وواضح، وعليه علامات المقابلة، ويوجد كثير من الإ ضافات التصحيحية على الهوامش.

عدد الصفحات ٤٧

[37] صفحة العنوان للمخطوطة

عدد الصفحات ٤٨