الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 113 الحزن: بالضم،الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فوات محبوب في الماضِ. وقيل: انكسار الفؤاد لفوات المراد، وقيل: زوال قوة القلب لدوام وارد الكرب2. وقال الفروق: "الحْزن تكاثف الْغم وغلظه "0 وقال الهروي "الحُْزْنُ تَوَجُّعٌ لِف ائِتٍ، وَتَأَسُّفٌ ع لى ممُْت نِعٍ "1 يقول ابن القيم"و لم ْ ي أْتِ الحُْزْنُ فيِ الْقُرْآنِ إِلاَّ مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَوْ مَنْفِيًّا ... و سرُِّ ذ لِك أ نَّ الحُْزْن ... لاَ مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْقَلْبِ، وَأَحَبُّ شيَْءر إِلىَ الشايْطَانِ أ نْ يح ْز ن الْع بْدُ لِي قْط ع هُ ع نْ س يرِْ هِ، و يُوقِف هُ ع نْ سُلُوكِه "4 .ويقول: "الحزن يضعف القلب ويوهن العزم، ويضَ الْرادة ... فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره"5 والرب العلي سبحانه يؤكد أن المؤمنما ينبغي له أن ينحط إلى الحزن المقعد عن العمل والمصاحب للهوان؛ لأنه أعلى بإيمانه دوما من كل تلك السفاسف؛ فيقول تعالى: {و لا ته ِنُوا وَلاَ تحَْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين } [212] ويُب يني الله أن الشيطان يريد للحزن دوما أن يََُييم على حياة المؤمن ليعوقه عن العمل؛ لكن الرب الرحيم سبحانه يرشد عبده المؤمن لما يدفع به الحزن ويحصنه مما يجلبه من شر ألا وهو التوكل عليه سبحانه؛ فيقول تعالى: {إِنَّما النَّجْو ى مِنَ الشايْطَانِ لِيَحْزُنَ الاذِينَ آمَنُوا و ل يْس بِض اري هِمْ ش يْئ ا إِلاَّ بِإِذْنِ اللهَِّ و ع لى اللهَِّ فَلْيَتَوَكالِ المُْؤْمِنُون } [22] 1 التوقيف على مهمات التعاريف (ص131) 6 الفروق اللغوية للعسكري (ص623) 3 مدارج السالكين1 /103) 3 مدارج السالكين1 /101) 1 طريق الهجرتين (ص631)
عدد الصفحات ١١٣الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 114 ويعرض لنا القرآن مشهدا أطل فيه الحزن برأسه محاولا بث الإحباط و إشاعة القعود في نفس النبي ( ) وصاحبه أ بكر؛ ويرشدنا إلى أن الاستعصام بالله واليقين في معيته والتعلق به يبدد كل أوهام الْزن؛ فيقول تعالى: {إِلاَّ ت نْصُُِّوهُ ف ق دْ ن صِّ هُ الله إِذْ أ خْر ج هُ الَّذِين ك ف رُوا ث انِِّ اثْن ينِْ إِذْ همُ ا فيِ الْغ ارِ إِذْ ي قُولُ لِص احِبِهِ لاَ تحَْزَنْ إِنا اللهاَ مَعَنَا ف أ نْز ل الله س كِين ت هُ ع ل يْهِ و أ يَّد هُ بِجُنُودٍ لم ْ ت ر وْه ا و ج ع ل ك لِم ة الَّذِين ك ف رُوا السُّفْلى و ك لِم ةُ اللهَِّ هِي الْعُلْي ا و الله ع زِيزٌ ح كِيمٌ } [12]، فتأمل كيف كانت عاقبة الاستعصام بالله؟ وكيف كان مصي الْزن؟ وكيف تَ بَ دا ل سكينة وتأييدا ونصْا؟1 ويعرض لنا القرآن صورة أخرى لمنهج الأنبياء في دفع الْزن ورفعه؛ حينما يُدثنا عن يعقوب () لما قال: {إِنَّما أ شْكُو ب ثيي و حُزْنِِّ إِلى اللهَِّ و أ عْل مُ مِن اللهَِّ م ا ت عْل مُون } [33]فكان عاقبة ذلك أن بدد الله حزنه ورد إليه يوسف وأم موسى لما تيقنت في معية الله، واستعصمت به وحده، وأطاعت أمره، بَ دا دَ الله حزنها، وَ رَ دا لها وليدها، يقول تعالى: {و أ وْح يْن ا إِلى أُمي مُوس ى أ نْ أ رْضِعِيهِ ف إِذ ا خِفْتِ ع ل يْهِ ف أ لْقِيهِ فيِ الْي مي و لا تخ افيِ وَلاَ تحَْزَنِِّ إِنَّا ر ادُّ وهُ إِل يْكِ و ج اعِلُوهُ مِن المُْرْس لِين } [7]{ف ر د دْن اهُ إِلى أُميهِ ك يْ ت ق رَّ ع يْنُه ا وَلاَ تحَْزَنَ و لِت عْل م أ نَّ و عْد اللهَِّ ح قٌّ } [21 ] 1 يقول ابن القيم طريق الهجرتين (ص: 032:) "فإن من عرف الله أحبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وع مَّر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهانى والبشائر من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبدا ، ولهذا قال تعالى حكاية عن نبيه () أنه قال لصاحبه أبى بكر: {لا تح ْز نْ إِنَّ الله م ع ن ا } [12]لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه ف له وللحزن؟ وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له فعلى أى شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأ ى شيء يفرح؟"
عدد الصفحات ١١٤الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 115 ويُن في رُ الله عباده من الحزن، بالتأكيد على أنه لايؤثر فقط في القلب ويكبل عزمه، بل يؤثر أيضا في الجسد حتى يعوقه، ويؤثر في النفس ويدخل عليها الغم والكرب، فيحدثنا عما أحدثه الحزن في يعقوب () وهو نبي، فما بالكم بمن هم دونه؟ فيقول تعالى: {و ابْي ضَّتْ ع يْن اهُ مِنَ الُْْزْنِ ف هُو ك ظِيمٌ } [31]مُب ال غ ةٌ لِلْك اظِمِ. و الْك ظْمُ: الإِْمْس اكُ النَّفْس انُِِّّ، أ يْ ك اظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ ب ينْ النَّاسِ، و ي بْكِي فيِ خ لْو تِهِ، أ وْ هُو ف عِيلٌ بِم عْن ى م فْعُولٍ، أ يْ مح ْزُونٍ ك ق وْلِهِ: و هُو م كْظُومٌ 2 . وقال في الِلال{"فهُو ك ظِيم } م غْمُوم م كْرُوب لا يُظْهِر ك رْبه "0 كما يُس ليي القرآن المسلم، ويُ بَ شَّي ه بذهاب الْزن في دار السعادة الأبدية بالاجتهاد في تجنبه هنا، ويدعوه إلى التعلق بالله ليدفع عنه الْزن؛ فيقول تعالى عن أهل الِنة: {و ق الُوا الحْ مْدُ للهَِِّ الَّذِي أَ ذْهَبَ عَناا الَْْزَنَ إِنَّ ر بَّن ا ل غ فُورٌ ش كُورٌ } [11]،قال ابن عاشور: "والحْ ز ن الأَْسَفُ "1، وقال ابن كث"و هُو الخَْوْفُ مِنَ المَْحْذُورِ، أ ز اح هُ ع نَّا، و أ ر اح ن ا ممَِّا كُنَّا ن ت خ وَّفُهُ، و ن حْذ رُهُ مِنْ همُُومِ الدُّنْ ي ا و الآْخِر ةِ "1 ويدعوربنا إلى اتباع هداه ، وفعل مايحبه ويرضاه ، ويذكر لنا جملة من الأعمال التي تعصم من الْزن وتعالج المصاب به؛ فمنها اتباع الوحي؛ فيقول تعالى: {ف م نْ تَبِعَ هُدَايَ ف لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ } [13]. ومنهاالْيمان والتقوى، يقول تعالى: {أ لا إِنَّ أ وْلِي اء اللهَِّ لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ (30) الَّذِين آمَنُوا وَكَانُوا يَتاقُونَ (31) له ُمُ الْبُشرْ ى فيِ الحْ ي اةِ الدُّنْي ا و فيِ الآْخِر ةِ } [30 - 31]. 1 التحرير والتنوير (13 /33) 6 تفسير الجلالين (ص312) 3 التحرير والتنوير66 /312) 3 تفسير ابن كثير2 /111)
عدد الصفحات ١١٥الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 116 ويقول سبحانه {و يُن جيي الله الَّذِين اتاقَوْا بِم ف از تهِِمْ لا ي م سُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ } [32]. ومنهاالتقوى والْصلَح، يقول تعالى: {ف م نِ اتاقَى وَأَصْلَحَ ف لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ } [15] . ومنها الْيمان والْصلَح، يقول جل جلاله: {ف م نْ آمَنَ وَأَصْلَحَ ف لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ } [13] . ومنها الْيمان والعمل الصالح؛ يقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِين آم نُوا و الَّذِين ه ادُوا و النَّص ار ى و الصَّابِئِين م نْ آمَنَ بِاللهَِّ و الْي وْمِ الآْ خِرِ وَعَمِلَ صَالًِْا ف ل هُمْ أ جْرُهُمْ عِنْد ر بهيِمْ و لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ } [30]. ومنهاالتوحيد والاستقامة، يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِين قَالُوا ر بُّن ا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا ف لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْ زَنُونَ } [21]. ومنها الْخلَص والاستسلَم والْحسان، يقول سبحانه: {ب لى م نْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهَِِّ و هُو مُُْسِنٌ ف ل هُ أ جْرُهُ عِنْد ر بيهِ و لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ } [220] ومنها إقامة الصلَة وإيتاء الزكاة، يقول جل جلاله: {إِنَّ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصاالَِْاتِ وَأَقَامُوا الصالََةَ وَآتَوُا الزاكَاةَ له ُمْ أ جْرُهُمْ عِنْد ر بهيِمْ و لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ } [077] . ومنهاالْنفاق في سبيل الله ليلَ ونهارا، سرا وجهارا، يقول تعالى: {الَّذِين يُنْفِقُونَ أ مْو اله ُمْ فيِ سَبِيلِ اللهاِ ثُمَّ لا يُتْبِعُون م ا أ نْف قُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى له ُمْ أ جْرُهُمْ عِنْد ر بهيِمْ و لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ } [030]{الَّذِين يُنْ فِقُونَ أ مْو اله ُمْ بِاللايْلِ وَالناهَارِ سرًِّا وَعَلََنِيَةً ف ل هُمْ أ جْرُهُمْ عِنْد ر بهيِمْ و لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ وَلاَ هُمْ يَُْزَنُونَ } [071]
عدد الصفحات ١١٦الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 117 9- غلبة الدين 11- قهر الرجال والعائقان التاسع والعاشر مشكلتهما الرئيسية في الانشغال اللَإرادي الشديد لصاحبهما، وسيطرتهما عليه بشكل كبير يجعلهما يبعثان في نفسه كراهية كل ما حوله، ورغبته في الهروب منه. فتلك العوائق الخارجية سواء كانت مادية أو مالية (القهر والضلع أو الغلبة)، تكمن مشكلتها الرئيسية في أنها ليست مشكلة خارجية محضة، بل لها شِقٌّ داخلي نفسي. فالديون تستجلب الهموم والغموم والأحزان، وربما أوقعت في مناكير. فقد كان ( )يستعيذ من المأثم والمغرم في الصلاة، ف ق ال ل هُ ق ائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ المَْغْرَمِ، ف ق ال : «إِنَّ الرَّجُل إِذ ا غ رِم حَداثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَ فَ »2. وقال () لأِ صْح ابِهِ "لاَ تُِّيفُوا أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِهَا "، ف قِيل ل هُ: ي ا ر سُول اللهِ و بِم نُخِيفُ أ نْفُس ن ا؟ ق ال : "بِالدَّيْن "0 أما القهر والظلم فإنه يستجلب الْسَّات والأحزان والهموم، ويجعل صاحبه أسير فكرة واحدة، وتتمحور حياته حول ما يتعرض له من قهر وظلم. 1 صحيح البخاري1 /123) 2 رواه أحمد(27153)، وح سَّنه الأرناؤوط، انظر: ص حِيح الِْ امِع (7052)
عدد الصفحات ١١٧الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 118 *الخطة التشغيلية لتبديد عوائق الفهم* ورغم أن هذه العوائق قد تبدو كبيرة؛ إلا أن الله أكبر، ورغم أنها قد تبدو كثيرة وخطيرة إلا أن الله أقوى وأقدر. وفي قاموس المسلم المستعصم بالله، لا وجود لكلمة صعب أو مستحيل؛ لأنه لا يجابه الصعاب أو المستحيلات بقوته هو بل بقوة ربه القوي، ولا بقدرته هو بل بقدرة ربه القدير، ولا بغناه هو بل بغنى ربه الغني؛ لأنه يدرك باختصار أنه (لا حول ولاقوة إلا بالله). فالرب القوي الذي ق وَّاه على الشيء الصغي، سيقويه على الشيء الكبي، والرب القدير الذي أعطاه القدرة على الشيء اليسي، سيعطيه القدرة على الشيء العسي. فالصغير والكبير، واليسير والعسير، تصنيفات الأمور بالنسبة لنا نحن، أما بالنسبة لربنا سبحانه فلَ شيء كبي، الكل صغير، ولا شيء عسي، الكل يسير، الكل عند ربنا كما قال سبحانه عن نفسه {هُوَ عَليَا هَينيٌ } [2]. لذلك فقد و صََّّ الله عباده بالتوكل عليه وحده؛ فقال تعالى حوالي سبع مرات في كتابه الكريم: {وَعَلىَ اللهاِ ف لْي ت و كَّلِ المُْؤْمِنُون }. فإذا توكل المسلم على ربه في إزالة تلك العوائق وتبديدها والتحصن منها، يكفيه الله إياها ويبلغه ما أراده من السلامة منها ؛ قال ربنا: {و م نْ ي ت و كَّلْ ع لى اللهَِّ ف هُو حَسْبُهُ إِنَّ اللهَّ بَالِغُ أَمْرِهِ } [1]. وليس هذا ف حسب بل يكفيهبتمام العزة والْكمة؛ فلا يعجزه سبحانه شيء ولا يستعصي عليه شيء، ويضع الشيء في موضعه، ويعز المتوكلين عليه، ويمنحهم الحكمة؛ قال تعالى: {و م نْ ي ت و كَّلْ ع لى اللهَِّ فَإِنا اللهاَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [12]
عدد الصفحات ١١٨الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 119 والتوكل يستلزم صدق اعتماد القلب على الله في دفع المرهوبات وطلب المرغوبات، مع استفراغ الوسع في الأخذ بالأسباب التي تبدد تلك العوائق2 . ومن الأسباب الشَّعية الدعاء؛ وقد صحت عن الحبيب ()أدعيةكان يكثر منها في أوراد الصباح والمساء وغيها، أعتقد أنها كافية في تبديد تلك العوائق والإجهاز عليه. الأول: "ي ا ح يُّ ي ا ق يُّومُ بِر حمْ تِك أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ ليِ ش أنِِّ كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إلى ن فْسيِ ط ر ف ة ع ينٍْ "، في أذكار الصباح والمساء0. فت أ مَّ ل كيف يتسبب ذلك الدعاء في استجلَب ولاية الله للعبد وعونه له! ت أ مَّ ل ما فيه من افتقار إلى الله، وتوكل عليه، واستغاثة به لإصلاح الشأن كله. والثانِّ: "اللهمَّ إِنِّي أ سْأ لُك عِلْماً ن افِع ا، و رِزْق ا ط ييب ا، وَعَمَلًَ مُت ق بَّلا "، في أذكار الصباح والمساء1. فهذاالدعاء كفيلٌ بتبديد نقص القوة ( العلمية)؛ حيث يطلب الإنسان فيه (العلم)، وكفيل بتبديد نقص القوة ( العملية)؛ حيث يطلب الإنسان فيه ( الرزق الطيب، والعمل المُتَقَبال)، ويطلب أن يكون علمه (نافعا)، والعلم النافع هو الذي يدفع صاحبه للعمل به؛ فإن لم يعمل به لا يكون نافعا. والثالث: «اللهمَّ إِنيى أ عُوذُ بِك مِن الهَْمي وَالَْْزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالجُْبْنِ، وَضَلَعِ الدايْنِ، وَغَلَبَةِ الريجَالِ »1 . 1 انظر: الفوائد لابن القيم (ص83) 2 رواه الحاكم (0222)، انظر: ص حِيح الِْ امِع (5302) 3 رواه أحمد (0377)، وحسنه الألبانِّ في تَام المنة(ص011) 3 صحيح البخاري61/131 .)
عدد الصفحات ١١٩الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 121 ووصف أنس هذه الدع وات بعدة أوصاف 2 منها أن ا لنبي () كان(يُكْثِرُ أ نْ ي قُوله ا)، ومنها أنه () كان (لاَ يَدَعُهُنا ). وكان () يدعو في أذكار الصباح والمساء: "ر بي أ عُوذُ بِك مِنْ الْكَسَلِ ، و الهْ ر مِ ، و سُوءِ الْكِبر ِ ، و فِتْن ةِ الدُّنْي ا ، و فِتْن ةِ الدَّجَّالِ "0 .ومما كان () يدعو به بعد الصلَة : "اللهمَّ إِنِّي أ عُوذُ بِك مِنْ الْبُخْلِ ، و أ عُوذُ بِك مِنْ الجُْبْنِ ، و أ عُوذُ بِك أ نْ أُ ر دَّ إِلى أ رْذ لِ الْعُمُرِ ، و أ عُوذُ بِك مِنْ فِتْن ةِ الدُّنْي ا ، وفِتْن ةِ الدَّجَّالِ ، و أ عُوذُ بِك مِنْ ع ذ ابِ الْق برِْ "1 وهذه الأدعية كفيلةٌ بتبديد العوائق الثمانية التي جاء ذكرها والإجهاز عليها؛ فقد قال ابن القيم : "ف الهْ مُّ و الحْ ز نُ أَخَوَانِ، و الْع جْزُ و الْك س لُ أَخَوَانِ، و الُِْبْنُ و الْبُخْلُ أَخَوَانِ، و ض ل عُ الدَّيْنِ و غ ل ب ةُ الريج الِ أَخَ وَانِ، ف إِنَّ المَْكْرُوهَ المُْؤْلمَِ إِذ ا و ر د ع لى الْق لْبِ ف إِمَّا أ نْ ي كُون س ب بُهُ أ مْر ا م اضِي ا، ف يُوجِبُ ل هُ الُْْزْنَ، و إِنْ ك ان أ مْر ا مُت و قَّع ا فيِ المُْسْت قْب لِ أ وْج ب الهَْما، وَتََّلافُ الْعَبْدِ عَنْ مَصَالِِْهِ و ت فْوِيتُه ا ع ل يْهِ، إِمَّا أ نْ ي كُون مِنْ ع د مِ الْقُدْر ةِ، و هُو الْعَجْزُ، أ وْ مِنْ ع د مِ الإِْر اد ةِ، و هُو الْكَسَلُ، وَحَبْسُ خَيِْهِ وَنَفْعِهِ ع نْ ن فْسِهِ، و ع نْ ب نِي جِنْسِهِ، إِمَّا أ نْ ي كُون م ن ع ن فْع هُ بِب د نِهِ ف هُ و الجُْبْنُ، أ وْ بِما لِهِ ف هُو الْبُخْلُ، وَقَهْرُ النااسِ لَهُ، إِمَّا بِح قٍّ ف هُو ضَلَعُ الدايْنِ، أ وْ بِب اطِلٍ ف هُو غَلَبَةُ الريجَالِ. ف ق دْ ت ض مَّن الحْ دِيثُ الاِسْتِعَاذَةَ مِنْ كُلي شرٍَّ "1. هذا جزء يسير من الأذكار، فما بالكم بب قية الأذكار؟ وما بالكم ببقية أوراد الْنسان من صلاة ودعاء وتلاوة قرآن وغيرها؟ 1 انظرصحيح البخاري (7 /73)،سنن النسائي (3 /057)، وصححه الألبا. 2 صحيح مسلم 71، 75 - (0701)، وصحيح ابن حبان (231)، وصححه الأرناؤوط. 3 صحيح البخاري (3221،0337) 4 زاد المعاد1/222)
عدد الصفحات ١٢٠الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 121 كيف نفهم القرآن؟ هذا سؤال لا أعتقد أننا بِ ح اج ةٍ إليه؛ لكنني مُ ضْ طَّ ر للإجابة عليه. أما ا لماذا أعتقد أننا لَ سْ نا بِ حَ اجةر إليه؟ فلَنني أؤمن أن المفروضات مَ قْ دورات ميسورات، وأن الله طالما افتَض علينا أمرا، فكل ما نحتاج إليه من قدرات - بل ومهارات - قد آتانا الله إياه على أكمل صورة؛ فقد قال تعالى: {لا يُك ليفُ الله ن فْس ا إِلاَّ مَا آتَاهَا } [7] بل إنني أرى أن كل أمر أمر نا الله به؛ فإنه سبحانه قد أعطانا من القدرة عليه قدرا أوسع بكثي مِا يُتاج إليه الأمر لِ ي ت مي على أكمل حال، وهذا ما أفهمه من قوله تعالى {لا يُك ليفُ الله ن فْس ا إِلاَّ وُسْعَهَا } [033] .وقال ابن حزم "فلولا أن في وسعكم الفهم لأحكام القرآن ما أمَ رَ كم بتدبره ... فليت شعري كيف ق صُِّ ت عقولكم عن فهم ما افتَض الله تعالى عليكم تدبره والأخذ به ... وقد أ يْ ق نَّ ا أن الله عز وجل لا يأمرنا بشيء إلا وقد سَ با بَ لنا طُ رَ قَ الوصول إليه وسَ ها لَ هَ ا وبَ يي نَ ها"2. وفي رأيي أنما آتانا الله إياه من قدرات يَ سَ عُ ما وَ صا انا به مِ نْ تكليفات، ونسبة ما تحتاجه الت كليفات من قدرات ، بالنسبة لما آتانا الله إياه من قدرات ، ربما كانت كالحلقة بالنسبة للصحراء الواسعة. وهذه مسألة مهمة لابد من الإيمان بها أولا؛ ليُو طين كل واحدٍ منا نفسه على أن يكون منهجه مع ما أمره الله به {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [035] أن الله طالما ك لَّفه ، فهو ولاشك سبحانه قد آتاه ما يقدر به على الإتيان بهذا التكليف على أكمل وجه، بل آتاه ما هو أكبر من هذا التكليف من ناحية القدرة والاستطاعة. 1 الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم3 /210)
عدد الصفحات ١٢١الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 122 القضية باختصار، أننا ينبغي أن نعتَف أن المشكلة ليست في أننا تنقصنا قدرات أو مهارات أو خبرات؛ فإ ن كل ذلك النقص ينجبر بسهولة بإذن الله، المشكلة الْقيقة أننا تنقصنا (إرادات)، تنقصنا الدافعية (الهِمَّة القوية، والعزيمة الحديدية ) التي تجعلنا نتخطى العقبات، ونتجاوز المشكلات، ونأخذ الأمر بحقه. *كيف تتولد الدافعية (الهمة القوية، والعزيمة الحديدية)؟* وتلك الدافعية (أو الهِمَّة) ترتكز في توليدها وتأسيسها على ركيزتين أساسيتين؛ لا غنى لها عنهما في البداية، بل لا غنى لها عن استصحابهما حتى النهاية. الركيزة الأولى (النِياة)، وأنا أعني ما ذكرته حرفيا، النِياة وليست الأمنية؛ لأن الأمانِّ لن تغني عن الإنسان شيئا، فال كل يتمنى، بل ربما ساعده الشيطان على التمني؛ ليقع في الاغترار؛ فيُس ويف ويُطِيل الأمل، رغم أنه يُسيء العمل. قال تعالى عن الشيطان: {ي عِدُهُمْ وَيُمَنييهِمْ و م ا ي عِدُهُمُ الشَّيْط انُ إِلاَّ غُرُور ا } [202]، وذك ر ر بُّ ن ا أن بعض أهل النار لـماَّ يستغيثوا يُق الُ لهم: {و غ رَّتْكُمُ الأَْمَانُِِّّ ح تَّى ج اء أ مْرُ اللهَِّ و غ رَّكُمْ بِاللهَِّ الْغ رُورُ } [21]. وأورد ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن جماعة من العلماء كابن المبارك والفضيل وغيرهما أنهم قالوا: «أ وَّلُ الْعِلْمِ النيياةُ »2 أنا أُص دي قُ ك في أنك تتمنى أن تفهم القرآن كله؛ لكنني لابد أن أُح ذي رك، وأخبرك أن أمنيتك وحدها لا تكفي؛ لذا إذا أردنا تحويل تلك الأمنية إلى نيّة؛ فلابد أن تستوفي رغبتنا هذه شروط (النية)، أو السمات المُم ييزة للنية وهي باختصار، أن تكون النية (صافية، صالْة، صادقة) 2 جامع بيان العلم وفضله2 /173)
عدد الصفحات ١٢٢الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 123 (1 )صافية أي خالصة لله وحده لاشريك له، قد تم تخليصها من أي غرض أو مقصد آخر. باختصار، أن تكون إرادتك أن تفهم القرآن لسبب واحد (أن يرض الله؛ لأنه يحب ذلك ، وقد أمر به)، وأن ت تخلص تَاما من الأغراض الأخرى ، كالرغبة في أن تفهم لتتميز بين الآخرين وتفتخر بذلك، أو ليكون حفظك أمتن فتسبق غيرك وتستعلي عليه، أو لتبين لمن يتهمونك بأنك تحفظ بلا فهم أنك تفهم مثلهم وأفضل منهم. ف ع نْ أ بيِ أُم ام ة الْب اهِليِي رضي الله عنه ق ال : ج اء ر جُلٌ إِلى النَّبِيي ف ق ال : أ ر أ يْت ر جُلا غ ز ا يَ لْتَمِسُ الأَْجْرَ وَالذيكْرَ ، م ال هُ؟ ف ق ال ر سُولُ اللهِ :"لاَ شيَْءَ لَهُ "، ف أ ع اد ه ا ث لا ث م رَّاتٍ ، ي قُولُ ل هُ ر سُولُ اللهِ : "لا شي ْء ل هُ ". ثُمَّ ق ال ر سُولُ اللهِ :"إِنَّ الله لا ي قْب لُ مِنْ الْع م لِ إِلاَّ م ا ك ان خَ الِصًا لَهُ ، وَابْتُغِيَ بِهِ وَ جْهُهُ "2 و ع نْ أ بيِ هُر يْر ة - رضي الله عنه - ق ال : ق ال ر جُلٌ: ي ا ر سُول اللهِ، ر جُلٌ يُرِي دُ الِِْه اد فيِ س بِيلِ اللهِ ، وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا ؟ ف ق ال ر سُولُ اللهِ :"لاَ أَجْرَ لَ هُ "، ف أ عْظ م النَّاسُ ذ لِك و ق الُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِر سُولِ اللهِ ف ل ع لَّك لم ْ تُفْهِمْهُ . ف ق ال : ي ا ر سُول اللهِ، ر جُلٌ يُرِيدُ الِِْه اد فيِ س بِيلِ اللهِ و هُو ي بْت غِي ع ر ض ا مِنْ ع ر ضِ الدُّنْي ا ، ف ق ال : "لا أ جْر ل هُ "، ف ق الُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِر سُولِ اللهِ ف ق ال ل هُ الثَّالِث ة ، ف ق ال ل هُ: "لا أ جْر ل هُ "0 2 ص حِيح التََّْغِيبِ و التََّْهِيب 2112) 0 ص حِيح التََّْغِيبِ و التََّْهِيب 2102)
عدد الصفحات ١٢٣الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 124 وقد قال رسول الله : "م نْ ت ع لَّم عِلْما ممَِّا يُبْت غ ى بِهِ و جْهُ اللهِ - عز وجل - لا ي ت ع لَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّ نْيَا، لم ْ يج ِدْ ع رْف الِْ نَّةِ ي وْم الْقِي ام ةِ "2 وقال أيضا"م نْ ط ل ب الْعِلْم لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُل ما ء ، أ وْ لِيُماَرِيَ بِهِ السُّف ه اء ، أ وْ لِيَصِْْفَ وُجُوه النَّاسِ إِل يْهِ أ دْخ ل هُ اللهُ النَّار "0 (2) صالْة، ونقصد بذلك أن تكون النية مشَّوعة، أي قد شرعها الله، وفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونية فهم القرآن مشروعة والحمد لله، ودرجة مشَّوعيتها الوجوب على القادر. (3) صادقة؛ ونقصد بذلك أن يستفرغ الْنسان وسعه في الأخذ بالأسباب المشَّوعة؛ ليكون الْال موافقا للمقال، أو يمكننا القول بعبارة أخرى، أن الصدق هو بذل أقصى الجهد في اتباع النبي في الأمر الذي تنوي إتَامه؛ لأن ما فعله النبي هو أقصِّ وأكمل الطرق للوصول إلى المقصود فلا يكفي في النية التي تنفع صاحبها مجرد الإخلاص بل لابد من الصدق؛ لأنه هو البرهان العملي، والدليل الفعلي ، وهو الخطوة الأساسية في تحقق مايريده الإنسان ويتمناه؛ لأن سُنَّة الله اقتضت أنك ( إنْ تَصْدُق الله، يَصْدُقك ). أما الركيزة الثانية، فهي (الأهمية والْتمية)؛ لأن الإنسان كلما زاد إدراكه لأهمية وحتمية الشيء كلما زادت دافعيته للعناية به؛ ولذلك لابد من الاستحضار الدائم لأهمية وحتمية وضرورية وفرضية (فهم القرآن)، ويكفي في ذلك أن نعلم أن أكثر ما أمر الله به فيما يتعلق بكتابه هو (تفهمه). 2 ص حِيح الِْ امِع 3252) 0 ص حِيح الِْ امِع 5212 ،3253 ،3130)
عدد الصفحات ١٢٤الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 125 وذلك لأن كل الأوامر بتدبر القرآن، وتعقله، والتفكر فيه، والتبصِّ به، والاعتبار به، والاتعاظ به، والانزجار به، والتذكر به، واتباعه ، والتزكي به، والاستمساك به، والاعتصام به، وتحكيمه، والاستشفاء به، وتعليمه والدعوة إليه، كل تلك الأوامر أوامر ضمنية بتفهم القرآن؛ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ قال الطبري: "مُالٌ أن يُقال لمن لا يفهمُ ما يُقال له ولا يعقِل تأويل ه: اعتبرْ بما لا ف هْم لك به ... إلا على معنى الأمر بأن يفهمَه ويفقَهَه، ثم يتدبَّره ويعتبر به. فأما قبل ذلك، فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وهو بمعناه جاهل "2 إخوانِّ وأخواتي! وا إن فهم القرآن الكريم، هو باب عظيم من النعيم، لا يُفَريط فيه إلا خاسر مُروم. فإن الواحد منا إذا قرأ كتابا لأحد المخلوقين، يتحدث فيه عن نفسه، ويوصي القراء فيه ببعض الوصايا النافعة، فإنه يزداد لذلك الكاتب حبه، ويزداد قربه من قلبه، ويزداد تعظيمه له وتقديره حق قدره. وإذا تأملنا فيما جعل ذلك الإنسان يخرج بتلك الأشياء من قراءته للكتاب؟ نجد أن السبب بلا نزاع أنه قد فهم الكتاب ووعى ما جاء فيه. فما بالكم إذا فهم المسلم كتاب الله، ووعى مافيه! كيف سيكون حُ بُ ه لِ ر بي ه؟ كيف سيكون ت ن عُمُه بِ قُ رْ بِ ه؟ كيف سيكون قدرُ ر بي ه في قلبه؟ يقول شيخ الإسلام : "و ه ذ ا أ مْرٌ يج ِدُهُ المُْؤْمِنُ إذ ا تُلِي تْ ع ل يْهِ الآْي ا تُ ز اد فيِ ق لْبِهِ بِفَهْمِ الْقُرْآنِ وَمَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ مِنْ عِلْمِ الإِْيما نِ م ا لم ْ ي كُنْ؛ ح تَّى ك أ نَّهُ لم ْ ي سْم عْ الآْي ة إلاَّ حِين ئِذٍ و يح ْصُلُ فيِ ق لْبِهِ مِنْ الرَّغْب ةِ فيِ الخْ يرِْ و الرَّهْب ةِ مِنْ ال شرَّي م ا لم ْ ي كُنْ؛ ف ز اد عِلْمُهُ بِا للهَِّ و مح بَّتُهُ لِط اع تِهِ وَهَذِهِ زِيَادَةُ الِْْيماَنِ "2 2 تفسير الطبري2 /30) 0 مجموع الفتاوى7 /003)
عدد الصفحات ١٢٥الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 126 *لماذا الاضطرار؟* فإذا كان الأمر كما مضى، فلماذا إذن، أ جِ دُ نفسي مضطرا للإجابة على سؤال: كيف نفهم القرآن؟ أولا: لأنني لا أنكر ولا أنفي أن هناك من المسلمين، م ن ليست لديه أزمة مفاهيمية، ولديه دافعية قوية، ونية صادقة حقيقية، لأن يفهم القرآن، لكنه تنقصه بعض المهارات والخبرات. ثانيا: لأنني كذلك أتَنى على الله أن تكون الصفحات التي مرت من الكتاب قد حررت البعض من أزمتهم المفاهيمية فيما يتعلق بفهم القرآن، وقد بددت الأوهام التي كانوا ينسجونها حول هذه المسألة، وقد أوقفت رحلة الهروب الكبير من الفهم التي قد شرعوا فيها. كما أتَنى على الله أن تكون الصفحات الماضية قد أسهمت في توليد دافعية قوية لفهم القرآن، وقد تسببت في استحضار نية صافية صالحة صادقة، وقد أبرزت أهمية فهم القرآن وضروريته. ولو م نَّ الله على البعض بالتحرر من الأزمة المفاهيمية، واستشعار الدافعية القوية؛ فإنه سيكون بحاجة ولاشك لبعض الخبرات العملية والخطوات المهارية. ثالثا: لأنني باختصار أريد لإخوانِّ وأخواتي أن يبدأوا من حيث انتهينا نحن؛ لِ نُ و في ر لهم وقتا وجهدا وفكرا ليكونوا أكثر تَيزا في هذا الميدان؛ لأننا نضع بين أيديهم حصاد تجربة عمرها يربو على عشَّ سنوات من التأصيل والتفعيل، والتحرير والتأطي، ألا وهي تجربتنا في مشروع (القرآن علم وعمل) والذي يهدف إلى إحياء المنهج النبوي في التعامل مع القرآن تفهما وتدبرا واتباعا وتعليما (علما وعملا). ولن ن عْرِض هنا إلا الشق المتعلق بخطوة (الفهم) وما يتعلق بها في المشروع.
عدد الصفحات ١٢٦الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 127 *مُلَّخَص ما نحتاج إليه * فإذا استقر ما م رَّ؛ فإنني يمكنني تلخيص ما نحتاج إليه لفهم القرآن في هذه الكلمات (تسديد النية)، (واستشعار الأهمية)، (وتحديد المنهجية)، (ومعرفة الآلية)، (والاقتداء بالنماذج الواقعية)، (والحرص على التعاهد والاستمرارية). النية والأهمية: ولقد سبق الحديث عن (النية)، (والأهمية)، حينما تحدثنا عن ضرورة استحضارهما واستصحابها دوما لتدوم الدافعية. النماذج الواقعية: إن الإنسان الذي يريد فهم القرآن، ينبغي أن يضع بين عينيه دوما ما كان عليه أنبياء الله في التعامل مع الوحي، وما كان عليه النبي فيما يتعلق بالتعامل مع القرآن وخصوصا ما يتعلق بمسألة فهم القرآن، ويضع بين عينيه أيضا ما كان عليه الصحابة الكرام والسلف الصالْين فيما يتعلق بفهم القرآن، وقد أسلفنا فيما مضى من صفحات هذا الكتاب ما يغني عن إعادته هنا. مُلَخَص ما نحتاج إليه للفهم (1) النية. (2) الأيمية. (3 ) المنهجية. (4 )الآلية. (5 )النماذج الواقعية (6 ) الاستمرارية
عدد الصفحات ١٢٧الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 128 الاستمرارية وقضية التعاهد والاستمرارية، قضية في غاية الأهمية؛ لأنه ينبغي أن يعلم المسلم أن حاجته للفهم عن الله ، لا ينبغي أن تفارقه إلا إذا فارق الحياة . ففهم القرآن مستويات ودوائر تتفاوت في القوة والعمق، ف كلما فرغ العبد من دائرة شرع في الدائرة التي بعدها حتى يكون أكمل الناس فهما عن الله. المنهجية: فهم الآيات فرض عين على كل قادر، أما تفسيرها فهو فرض كفاية لايقوم به إلا المتخصصون من المفسرين. وعليه يكون التفسي هو الوسيلة التي يستخدمها أي مسلم للفهم، فهو لايستقل بالفهم بنفسه بل يطالع كتب المفسرين المعتمدين أو يراجع المتخصصين؛ ليفهم من خلال ذلك كلام الله، وإن انعقد له فهم في آية قبل المطالعة أو المراجعة، فلا يعتمده حتى يطمئن لصحة فهمه بمطالعة كتب المفسرين المعتمدين، أو مراجعة المتخصصين. لكنا الفهم مستويات، وف هم واحد من المتخصصين، لا شك يكون أعمق من فهم واحد من جماهير المسلمين. لذا فإننا نُق سيم خطوة الفهم في مشروعنا إلى دوائر أو مستويات تتدرج في العمق، فنجعل الدائرة الخارجية (للمعنى الإجمالي أو الِملي) والتي تليها للداخل (للمفردات والتَاكيب)، والتي تليها للدا خل (للطائف والنكات)، والتي تليها للداخل (للآيات والكلمات المعاونة في السياق القرآنِّ).
عدد الصفحات ١٢٨