الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 129 وتجدر الْشارة إلى أن ما يُتاجه الْنسان لمباشرة التدبر والاتباع، والِواز إلى المراحل التالية في تدارس الآيات، هو الدائرة الأولى (الفهم الإجمالي)، وعلى أكثر التقديرات الدائرة الثانية (المفردات والتَاكيب)، لأن التدارس أولا لا بُدَّ أن يكون للتدبر والعمل كخطوات في طريق التحقق بالربانية، أما تفاصيل الفهم العميق والعالمية فتأتي بعد ذلك. ولا ننكر أن تلك التفاصيل الدقيقة في الفهم تجُ ويد التدبر والعمل (ولا نراها تدبرا أو عملا)، لكن ننبه أن الأنسب لِماهير المسلمين الاكتفاء بدائرة (المعنى الإجمالي) وتركيز الِهد على ما بعد الفهم الصحيح من التدبر والعمل، كما نحذر المتخصصين من الاكتفاء بها والوقوف عندها.
عدد الصفحات ١٢٩الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 131 *تفاصيلالآلية (الطريقة والخطوات العملية)* أوالتلَوة: وينبغي أن تكون بترتيل وتَهل وخشوع وتحسين للصوت كما جاء في السُّنَّة، والأفضل أن تكون القراءة جهرا. لا نريد قراءة للقراءة؛ وإنما نريد قراءة للَتباع ؛ نريد تلقيا للآيات بنفسية م ن يتلقى للتن فيذ والاتباع؛ وليس لمجرد الا طلاع والاستمتاع؛ فلا تنتهي العلاقة بالآيات بمجرد قراءتها؛ ولكن حين تصبح واقعا عمليا في حياتنا. ولا نريد تلك التلَوة الطقوسية ؛ بل نريد تلاوة تتجلى فيها العبودية؛ فنكون ونحن نتلو كأنما نطرق باب القلب؛ لتنكسر الأقفال التي تحول بين القلب وبين مباشرة معانِّ القرآن له. وهنا نوصي بالْكثار والتكرار مع التفهم ؛ قال البقاع ي: "والإكثار في تلاوته يزيد بصيرة في أمره، ويفتح كنوز الدقائق من علمه، وهو أكرم من أن ينيل قارئه فائده، وأجلّ من أن يعطي قياد فوائده، ويرفع الحجاب عن جواهره وفرائده في أول مرة، بل كلما ردده القارئ بالتدبر حباه بكنز من أسراره ، ومهما زاد زاده من لوامع أنواره، إلى أن يقطع بأن عجائبه لا تعد، وغرائبه لا تحد"2 ويقول البيضاوي "فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه"0 وقد كان أول ما أوصَّ الله به النبي إبَّان قيامه بوظيفة التعليم القرآن تلاوة الآيات تلاوة تذكير؛ {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ }. 2 نظم الدرر في تناسب الآيات والسور21 /117) 0 أنوار التنزيل وأسرار التأويل1 /223)
عدد الصفحات ١٣٠الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 131 و تِلا و تهُ ا: ذِكْرُه ا المْ رَّة ب عْد المْ رَّةِ لِترَْسَخَ فيِ النافْسِ وَتُؤَثيرَ فيِ الْقَلْبِ 2. (وهي) عِب ار ةٌ ع نْ تِلا و ةِ م ا فِيهِ بَيَانهَُا وَتَوْجِيهِ النُّفُوسِ إِلىَ الاِسْتِفَادَةِ مِنْهَا وَالاِعْتِبَارِ بَِِا 0، فهو ي قْر ؤُه ا ع ل يْهِمْ قِرَاءَةَ تَذْكِير 1. وقد كان منسنته العملية ترديد الآية؛ كما جاء في ترديده لآية: {إِنْ تُع ذيبهُْمْ ف إِنهَُّمْ عِب ادُك و إِنْ ت غْفِرْ له ُمْ ف إِنَّك أ نْت الْع زِيزُ الحْ كِيمُ } [223] كما يجوز ترديد السورة أيضا؛ فع نْ أ بيِ س عِيدٍ الخُدْرِيي، أ نَّ ر جُلا س مِع ر جُلا ي قْر أُ: قُلْ هُو الله أ ح دٌ يُرَديدُهَا ، ف ل ماَّ أ صْب ح ج اء إِلى ر سُولِ اللهَِّ ف ذ ك ر ذ لِك ل هُ، و ك أ ن الرَّجُل ي ت ق الهُّ ا، ف ق ال ر سُولُ اللهَِّ « :و الَّذِي ن فْسيِ بِي دِهِ إِنهَّ ا ل ت عْدِلُ ثُلُث القُرْآنِ »1 . وفي رواية: أ خْبر نِِّ أ خِي ق ت اد ةُ بْنُ النُّعْما نِ: أ نَّ ر جُلا ق ام فيِ ز م نِ النَّبِيي ي قْر أُ مِن السَّح رِ: قُلْ هُو الله أ ح دٌ لاَ يَزِيدُ عَلَيْهَا ، ف ل ماَّ أ صْب حْن ا أ ت ى الرَّجُ لُ النَّبِيَّ 5. ثانياالاستماع والْنصات: لانريد سماعا وإنما نريد استماعا؛ لأن الاستماع أكمل من السماع؛ لأنه افتعال فيه قصد وإنصات. ولا نريد سماع الجارحة، وإنما نريد سماع القلب، نريد سماعا بنفسية التلقي للتنفيذ، بنفسية المحب لربه الذي يريد أن يعرف ما يوصيه به ليمتثله. لذا كانت وصية الله لنا: {و إِذ ا قُرِئ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا ل هُ و أ نْصِتُوا ل ع لَّكُمْ تُرْحََُونَ } [021]. 2 تفسير المنار2 /133) 0 تفسير المنار1 /230) 1 التحرير والتنوير2 /701) 1 صحيح البخاري3 /232) 5 صحيح البخاري (3 /232)
عدد الصفحات ١٣١الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 132 فهذا وعد من الله بالرحمات، وما تتضمنه من إحسان وحنان وفتوحات، لذلك الذي يحقق (الاستماع) والإنصات. لذلك لابأس أن تكرر السماع أكثر من مرة؛ ليقع الكلام في قلبك، وكلما زاد السماع زادت فرصة التحقق بالرحمات؛ وزادت فرصة الفتح عليك بالفهم. واجتهد وأنت تسمع نفسك في أن تتهيىء لتخبر غيك بمضمون هذه الآية وبمعنى ما قاله الله فيها. ثالثاالضبط (التجويد): اجتهد في ضبط قراءتك لتكون كما أنزل الله، والأفضل أن يكون ذلك من خلال متخصص، وإن لم يتيسر فمن خلال متابعة القارئ والضبط بتَديد قراءته كما هي. وآثرنا تسميته الضبط ؛ لِ نُ ن بي ه أن دور هذه الخطوة تحقيق القراءة المنضبطة التي تعين على الفهم، وما ينبغي التوقف عندها كثيرا؛ لأنها وسيلة وليست غاية. رابعا: التهيئة والتجهيز (الاستثارة الذهنية للدراية): حاول أن تفكر أولا في معنى الآية كنوع من استثارة الذهن وتهيئته للتلقي؛ وقُل لنفسك لو أن واحدا من الذين لا يحسنون القراءة سألني: ماذا يقول الله لنا في هذه الآية؟، قُلْ لنفسك: كيف ستكون إجابتي حينه ا؟ ماذا سأقول له؟ مع مراعاة أنه لايريدك أن تخبره بما ينبغي عليه فعله، وإنما يريد منك أن تخبره بمعنى ما قاله الله، وهو سيحدد ما ينبغي عليه فعله. وتَذاكر أنك تخاطب رجلا بسيطا؛ يحتاج لعبارة سهلة واضحة؛ ويضيق كثيرا بالتطويل والتفصيل. اكتب في ورقة خارجية ما ستقوله لذلك الرجل؛ لتتمكن من العودة إليه لتقويمه وتسديده بعد ذلك.
عدد الصفحات ١٣٢الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 133 خامساالتنفيذ (مطالعة التفسي "تسديد الدراية"): طالع كتب المفسرين 2، واقرأ بتَكيز شديد، ثم قُم بتسديد ما كتبته أو فهمته سابقا، فإن كان كله صحيحا فاحمد الله على نعمته، وإن كان هناك شيء ناقص فانتبه له جيدا، وإن كان هناك شيء خطأ فاحمد الله على أنك عرفت الصواب. ونؤكد على أنه لابد من مطالعة كلَم المفسَّين أو الرجوع لمن له دراية بالتفسي؛ وإلا يأثم الواحد منا بأن يفهم القرآن من عند نفسه وبرأيه الشخصي؛ لأن هناك الكثي من كلمات القرآن التي سنظن أننا نعرف معناها وهي ليست كذلك. 1 وننصح في البداية (بالتفسي الميسَّ لمجمع الملك فهد )، وهو تفسير إجمالي متميز لمعانِّ الآيات بعبارة سهلة ومحكمة ومُتصِّعلى هامش المصحف، الآية التي جاءت في سطر، لايكاد تفسيرها يتجاوز سطرا. وهو متوفر ضمن برنامج إلكترونِّ رائع للهواتف وأجهزة الكمبيوتر ننصح به أيضا، اسمه (آيات). ومطالعته لن تستهلك وقتا طويلا ففي تجربة أجريناها وجدنا أن (ختمة الفهم) من (الميسر) تستغرق (من 75 إ22) ساعة تقريبا ومِا يصلح بديلَ للتفسي الميسَّ (والبعض يُفضيله)، كتاب ( المختصْ في التفسي) من إنتاج مركز تفسير، وهو متوفر ضمن برنامج إلكترونِّ رائع للهواتف وأجهزة الكمبيوتر ننصح به أيضا، وهو برنامج (آية). ونوصي أيضا لمن كانت لديه قدرة أن يطالع مع أحد هذين التفسيرين الإجماليين (تفسي السعدي) رحمه الله، وهو تفسي متميز للغاية، وللسعدي فيه نفس تدبري وعملي وإيمانِّ لا تكاد تجده في غيره على وجازته. ومِا نوصي به من التفاسي كمرحلة تالية لمن أراد التوسع قليلَ: أيسر التفاسير للجزائري رحمه الله، عمدة التفسير لأحمد شاكر رحمه الله، مُتصِّ الطبري لبشار عواد معروف. فإذا أراد مزيدا من التوسع: محاسن التأويل للقاسمي، تفسير البغوي، فتح القدير للشوكانِّ، تفسير الطبري. ومن التفاسي الرائعة لكنها لم تستوعب القرآن كله: تفسير المنار لرشيد رضا - أضواء البيان للشنقيطي. ولا يَفى فضل تفاسي أخرى: كتفسير القرطبي، والتحرير والتنوير لابن عاشور، والبسيط للواحدي، وتفسير ابن عطية، وتفسير اللباب لابن عادل. ومن خلَل تجربتي مع التفاسي أرى أنه لايكاد تفسير يغني عن الآخر؛ وليس معنى عدم ذكري لتفاسي أخرى كالكشاف أو مفاتيح الغيب أو الكشف والبيان أو غيرها أن تلك التفاسير غير نافعة، إنما كان تركيزي على ذكر الأنسب للقارىء الغي متخصص، وهذا رأيي الشخصي الذي قد يخالفني فيه غيري، والأمر واسعٌ إن شاء الله.
عدد الصفحات ١٣٣الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 134 فكلمةج ابُوا ) في قوله تعالى: {و ث مُود الَّذِين ج ابُوا الصَّخْر بِالْو ادِ } [2]، يعتقد الواحد منا طبقا لما اشتهر عرفا أن معنى (ج ابُوا ) أحضروا الشيء أو أتوا به؛ رغم أن معناها هنا (ق طَّعوا). لكن لماذا لم نبدأ بمطالعة التفسي؟ 2. لأن الإنسان إذا استثير ذهنه، يكونأكثر استعدادا لتلقي المعلومة، وانتباها لها، وهذا أمر جاءت به الشريعة كثيرا، فقد استخدم القرآن هذا الأسلوب، واستخدمه النبي كثيرا في التعليم. علاوة على أن المختصين يؤكدون على أهمية هذا الأسلوب في التعليم، ولولا ضيق المقام ل ف صّلنا ذلك تفصيلا، وأ صَّ لناه تأصيلا (انظر كتابنا: دليل التدارس الشخصي لمشروع القرآن علم وعمل). 0. لأنمساحة الانتفاع بالمعلومة تزداد كثيا مع هذا الأسلوب، ف القارئ أو السامع إما أن يكون يعرف المعلومة معرفة كاملة، أو ينقصه شيء، أو لايعرف أصلا، أو لديه معرفة لكن غير صحيحة. فمَن كانت لديه معرفة كاملة ستكون تلك الأسئلة وسيلة لتعاهد المعلومات لديه وتنشيطها والتأكد منها. ومَن كان لديه شيء ناقص، فسيساعده ذلك الأسلوب على الانتباه لذلك الشيء الناقص وإكماله. ومَن كان لا يعرف أصلَ، فسيكون أكثر تشوقا لأن يعرف لاسيما وقد أوقفه ذلك الأسلوب على عدم معرفته بالشيء مما زاد حماسته للتعرف عليه. أما مَن كان يظن أنه يعرف الصواب رغم أنه ليس كذلك، فسيساعده ذلك الأسلوب على التعرف على خطئه والانتباه إليه.
عدد الصفحات ١٣٤الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 135 3. فتاوى العلماء الذين أجازوا ذلك: قال الشيخ العثيمين رحمه الله عن طريقة د راسة التفسير: "تفكر أنت أولاً في معنى الآية، قبل أن تراجع الكتب، فإذا تقرر عندك شيء فارجع إلى الكتب، وذلك لأجل أن تَرن نفسك على معرفة معانِّ كتاب الله بنفسك، ثم إن الإنسان قد يفتح الله عليه من المعانِّ ما لا يجده في كتب التفسير، خصوصا إذا ترعرع في العلم وبلغ مرتبة فيه فإنه قد يفتح له من خزائن هذا القرآن الكريم ما لم يجده في غيره"2 ولكيلا يشغب البعض على ذلك بأن الشيخ يريد طلاب العلم فقط؛ فإنواقعه العملي في دروسه العامة أن كان يسأل قبل أن يتكلم هو ويسدد السامعين، وهاهي ذي فتوى تخص طلاب المدارس (وهم ولاشك ليسوا طلاب علم). يقول الشيخ رحمه الله : "إذا كان طالب علم وتكلم بمعنى الآية عند من هو أعلم منه على أساس أنه سيشده إذا أخطأ فلَ بأس ومن ذلك ما يلقى في الاختبارات مثل فسر الآية كذا وكذا ويكون الطالب ليس عنده في تلك الساعة استحضار لمعناها فهل يفسرها بما عنده نقو ل نعم لأن هذا يَتبر وإذا أخطأ فعنده من سينبهه"0 فقد جعل الشيخ رحمه الله الضابط في الِواز أن الشخص سياجع من ينبهه لخطئه، وكذلك ما يجري في الحلقات أو ما يفعله المرء نفسه حين يراجع التفسير ليسدد فهمه. 1 لقاء الباب المفتوح33 /03) 2 شرح رياض الصا1 /312)
عدد الصفحات ١٣٥الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 136 ولقد سألت بنفسي الشيخ (المنجد) حفظه الله في مجلس خاص عن ذلك، فقال: "لا أرى به بأسا"، فقلتُ له: سأنقل ذلك عنكم شيخنا، فقال: انقله. 1. التجربة الواقعية لنا في هذا الباب، أفرزت شكوى سمعناها كثيرا مفادها أن القارئ أو السامع إما أن ينسى المعلومات بسرعة كبيرة، أو يكتشف بعد وقت أنه لم ينتبه لِزء منها، أو يكتشف أنه قد فهم بعض المعلومات بصورة خاطئة. وإنما كان معظم ذلك لأنه لما كان يقرأ أو يسمع كان يتوهم أن ه يعرف هذه المعلومات، فيمر سريعا ولا يتأكد من ذلك، فلن يتمكن حينها من التعرف على مواطن القصور أو الخطأ. لكن لما ج رَّ بْ نا تلك الطريقة كان الأمر أفضل كثيرا بفضل الله ؛ فإ ن الشخص حينما يطرح على نفسه التساؤلات ويفكر، فإنه يختبر ما لديه، ويفتش عما هو عنده، فإذا طالع الصواب تنبه للقصور وتقرر لديه الصواب. وخروجا من الخلَف والجدل، فإنني أقول: م ن وجد في نفسه حرجا في أن يسأل نفسه عن معنى الآية ثم يطالع كتب التفسير، فَليس الأمر بمُ لزِمر له، وهو أمر واسعٌ إن شاء الله، وهو من باب الوسائل، التي راعينا فيها الضوابط الشرعية والحمد لله، واستندنا على أدلة وفتاوى مرعية. لكن الغاية (حصول الفهم)، فإن كان الفهم الِيد ينعقد بمطالعة كتب التفسير أو سماع التفسير أولا، فلا بأس، المهم أن يكون ما ف همه المرء واستقر عليه هو ما قاله المفسَّون لا رأيه الشخصي أو تصوراته الذاتية. لكنني أوصي للتأكد من الفهم واختباره بأن يجري المتفهم تلك الاستثارة الذهنية بعد مطالعة التفسي على الأقل؛ ليتفقد فهمه من خلال تخيله لكونه يشرح هذه الآية ببساطة لغيره.
عدد الصفحات ١٣٦الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 137 *ترتيب الأولويات: وفي رأيي أن الانتهاء من ختمة كاملة للقرآن بطريقة الفهم الْجَالي هذه أولا، أولى وأفضل من أن يتعمق في التفسير المتعلق بآية أو سورة واحدة؛ لأنه مطالب بفهم القرآن كله إجَالا طالما أن لديه القدرة، وذلك سيجود ولا شك تلاوته واستماعه وحفظه للقرآن وعمله به. ثم لابأس أن يعود بعد ذلك فيزيد فهمه عمقا وأ ل ق ا بمزيد المطالعة والمدارسة. وتجدر الإشارة إلى أنه لا ينبغي الغوص في لطائف التفاسير، والتوسع في الأقوال، فالمراد تسديد الفهم وإدراك المعنى الْجَالي الصحيح المطلوب ل تحصيل الفهم السديد؛ فلسنا في هذا المقام مفسرين إنما متفهمين. وأرى أيضا أن الأولى أن يبدأ الْنسان بفهم السور والآيات التي يستخدمها في العبادات والأذكار الموظفة كثيا؛ لأنها أولى بالعناية، ثم يشرع في المفصل ثم بقية القرآن بعد ذلك . ومن السور والآيات التي يكثر ترد ادها في الأوراد اليومية أو الأسبوعية، ووردت لها فضائل مُصوصة (الفاتحة – الإخلاص – المعوذتين – الكافرون – العصِّ – النصِّ -– الزلزلة - الأعلى – الغاشية – الإنسان – الملك – الواقعة – ق – القمر - السجدة – الكهف – خواتيم البقرة – آية الكرسي). وتلك الآيات والسور ما شرع تكرارها إلا لأنها تحتوي على معانِّ ه ي الأهم ويُتاج الْنسان إلى دوام تذكي نفسه بِا لأثرها البالغ في علَج مشكلتي الغفلة والنسيان اللتين ابتُلي بهما الإنسان واللتين تنعكسان على استقامته. قال الله: {و ل ق دْ ع هِدْن ا إِلى آد م مِنْ ق بْلُ فَنَسيَِ و لم ْ ن جِدْ ل هُ ع زْم ا } [225]؛لذا فإن تلك الآيات والسور شرُِ ع ت كأذكار ليحصل بِا التذكر والتأثر.
عدد الصفحات ١٣٧الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 138 سادسا: التعزيز (التمهيد للرعاية): ومما يزيد خطوة الفهم أو الدراية هذه قوة وثباتا، ويُ م هي د أيضا لخطوة ال رعاية التالية، أن يجتهد الإنسان في استخراج الوصية العملية التي توصي بها الآية التي فهمها. ويساعده على ذلك إجابة مجموعة من الأسئلة: ما هوأبرز ما ينبغي عليخ فعله بعدما فهمت الآية؟ لماذا قال لي ا ما قاله في هذه الآية؟ ما هيالمشكلة التي تعالجها هذه الآية؟ ما هيالكلمة أو الكلمات المحورية أو المفتاحية في هذه الآية؟ وينبغي الانتباه أن التوجيه المباشر في القرآن (افعل ولا تفعل) أقل بكثير من التوجيه غي المباشر؛ فكل آية قرآنية هي عبارة عن وصية عملية، لكن لا يشتَط أن تكون الوصية دائما (افعل أو لا تفعل) مثل (أقيموا الصلاة)، (لاتقربوا). لأن القصص مثلا كأسلوب من أساليب التوجيه غير المباشر التي جاء بها القرآن تصل مساحتها لحوالي ثلث القرآن ، بالإضافة إلى غيرها من الأساليب والتي تربو على عشرين أسلوب. فإذا تقرر ما سبق، فإنه من الضروري استشعار أنك المخاطب بالآيات وتلقيها بهذه النفسية، قال ابن القيم: "ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته - أي القرآن - وتضَمُّنِه له، ويظنونه في نوعر وفي قومر قد خَلَوا من قبلُ ولم يُعَقيبوا وارثاً ، وهذا هو الذي يُول بين القلب وبين فهم القرآن"2 . 2 مدارج السالك2/111.)
عدد الصفحات ١٣٨الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 139 وقد ذكر رحمه الله آيات من سورة المؤمنون تبدأ بقوله تعالى: {ب لْ قُلُوبهُُمْ فيِ غ مْر ةٍ مِنْ ه ذ ا } [31]، ثم قال "و النَّاصِحُ لِن فْسِهِ. الْع امِلُ ع لى ن ج اتهِ ا: ي ت د بَّرُ ه ذِهِ الآْي ات ح قَّ ت د بُّرِه ا. و ي ت أ مَّلُه ا ح قَّ ت أ مُّلِه ا. وَيُنْزِلهَُا عَلىَ الْوَاقِعِ : ف ير ى الْع ج ب . وَلاَ يَظُنُّهَا اخْتَصاتْ بِقَوْمر كَانُوا فَبَانُ وا. فَالَْْدِيثُ لَكِ. وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ "2 2 مدارج السالك0/137) تفاصيل آلية الفهم (الطريقة والخطوات العملية) (أولا) التلاوة. (ثانيا) الاستماع. (ثالثا) التجويد. (رابعا) التهيئة والتجهيز (الاستثارة الذينية للدراية). (خامسا) التنايذ (مطالعة التاسير) "تسديد الدراية" (سادسا) التعزيز (التمهيد للرعاية)
عدد الصفحات ١٣٩الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 141 قبل الرحيل أخي الغالي! أختي الغالية! يسعدنِّ أن أقول لكم في نهاية هذه الرحلة: أهلا بكم في ع الم ي، بل: أهلا بكم في عَ المَ كم الذي ينبغي أن تكونوا فيه. إن عَ المَ ي وعَ المَ كم واحد، [ا القرآن الكريم] عالم ين مُتلفين حقيقة ، قد كان بعضنا يعيش في عَ المَ المبانِّ، وكان البعض الآخر يعيش في عَ المَ المعانِّ. لكن ع الم القرآن الذي كان ينبغي أن نعيش فيه هو [المَ المعانِّ والمبا؛ ولأن بعضكم كان يعيش في ع الم المبانِّ، فاسمحوا لي أن أُرَّحِب به م في ع الم المعانِّ. أهلا بكم في ع الم المعانِّ، أهلا بكم في كوكب أهل القرآن والْيمان والْحسان، أهلا بكم في بساتين الهدى والسعادة، والتميز والريادة، هنيئا لكم بع الم كم الِديد، استمتعوا بهذا الكوكب الِديد، وتنقلوا بين هذه البساتين الماتعة. لا تتخيلون حجم سعادتِ بمجرد أن ينوي الواحد منكم بعد هذا الكتاب، أن يتحرر من الأوهام التي كانت تحول بينه وبين الفهم، وأن يتوقف فورا عن الهروب من الفهم، وأن يشرع فورا في (ختمة فهم) لكتاب الله. دعونِّ أُلخيص لكم ما أردته في هذا الكتاب ، أردتُ: أن تفهموا رسالات الله التي أرسلها إليكم في القرآن، وأن تُفْسِ حوا المجال لمعانِّ القرآن لتباشر قلوبكم، وأن تجعلوا لذلك الأولوية. أردتُ: أن يَتفي من قاموسكم المفاهيمي والسلوكي، أنه لا بأس أن نقرأ ولا نفهم، ولا مشكلة أن نسمع ولا نعي، ولاضير أن نحفظ ما لا نفهمه.
عدد الصفحات ١٤٠الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 141 فَمِ ن الآن أعلنوها للعالم كله، سنفهم ما نقرؤه، وسنعي ما نسمعه، وسنفهم قبل أن نحفظ؛ فلن تكون قراءتنا لمجرد القراءة، ولن يكون سماعنا لمجرد السماع، ولن نحفظ شيئا لا نفهمه. فأسألُ الله أن يكتب لي أجر ما نويت، وأن يُ ب لي غ نِ ي ما أردت، وأن يبلغني بنيتي وأملي، ما ق صُِّ عن الوصول إليه جهدي وعملي. قال ابن القيم: "فما أشدها من حسرة! وأعظمها من غ بْ ن ة! على من أفنى أوقاته في طلب العلم ، ثم يخرج من الدنيا وما فَ هِ م حقائق القرآن ، ولا بَ اشرَ قَ لْ بُ ه أسراره ومعانيه"2. فكيف بحسرة م ن لم يطلب علما، ولم يباشر قلبه معانِّ القرآن؟ ولا تحسب أن قرارك بالعناية بتفهم المعانِّ هو نهاية طريق العناية بالقرآن أو حتى بالمعانِّ، وإنما (التفهم) هو بداية الطريق وسُلَّم الوصول إلى الوصول إلى العناية الكاملة بالقرآن؛ لتكون من أهله من الدرجة الأولى (الربانيين أو خيركم). فلا تتوقف عند خطوة الفهم؛ لأن الطريق قد أصبح ممهدا أمامك الآن لتكمل منظومة العناية بالمعانِّ، فانتقل بعد الفهم سريعا إلى بستان (التدبر)، ثم إلى بستان (الاتباع)، ثم اشرع في العناية بالمبانِّ (ضبطا واستظهارا)، ثم اشرع في التَقي إلى أعلى الدرجات وادخل بستان الربانيين (العالمين العاملين المعلمين)0. سواء انتفعت بالكتاب أم لم تنتفع،فلَ تحرم نفسك من أن تكون سببا في أن يصل هذا الخي لغيك؛ ف رُبَّ مُب لَّغٍ أوعى من سامع . 1 بدائع الفوائد2 /221) 2 ونوصيك بإكمال المسيرة وتدعيمها بمتابعة مشروعنا(القرآن علم وعمل)، والذي يهدف إلى إحياء المنهج النبوي المتكامل في التعامل مع القرآن تفهما وتدبرا وعملا وتعليما، تأصيلا وتفعيلا.
عدد الصفحات ١٤١الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 142 ولعل الله ينفع به غيرك فيكونبداية عهد جديد في التعامل مع كتاب الله، بل في التنعم بدنياه وأخراه. ولقد ك لَّ ف ك الله بحمل أمانة معانِّ القرآن حين ذم لك اليهود الذين حملوا الأمانة كما أرادوا لا كما أمرهم الله، وك لَّف ك ربك أيضا بأن يكون لك دور في تبليغ رسالاته إلى خلقه ولو بالنشر والتوزيع؛ فقال تعالى: {الَّذِين يُبَليغُونَ رِسَالاَتِ اللهاِ و يخ ْش وْن هُ و لا يخ ْش وْن أ ح د ا إِلاَّ اللهَّ و ك ف ى بِاللهَِّ ح سِيب ا } [12]. واعلم أنه لن يجيرك من الله أحد، ولن تجد م ن تَيل إليه ليدفع عنك عقابه بسبب تفريطك في حق تبليغ كتابه؛ فها هو ذا رسول الله يقول {إِنِّي ل نْ يجُِير نِِّ مِن اللهَِّ أ ح دٌ و ل نْ أ جِد مِنْ دُونِهِ مُلْت ح د ا ( 00 )إِلاا بَلََغًا مِن اللهَِّ و رِس الا تِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهاَ وَرَسُولَهُ ف إِنَّ ل هُ ن ار ج ه نَّم خ الِدِين فِيه ا أ ب د ا } [00،01] ولا تقل"هذا الرسول وهو مُك لَّف بالبلاغ، أما أنا ف ل ستُ مُك لَّفا ". فأين أنت حبيبي من قول رسول الله : «بَليغُوا ع نيي وَلَوْ آيَةً »2؟ فهذا هو النصاب الذي بعده لا يبقى لأحدر عذر في ترك تبليغ الرسالات القرآنية، فَ كَ مْ آية تعرف معناها، وتعرف مبناها؟ ولقد قمنا بتدشين (الْملة القومية لمكافحة الهروب من الفهم) والحمد لله، ف ب ادِ ر بالانضمام إليها؛ وَ لْ يَ كُ ن أول ما تفعله أن تكافح أنت أولا (الهروب من الفهم) في نفسك وأن تتخلص منه، وأن تساهم في نشَّ هذا الكتاب لمساعدة غيرك على أن يكافح (الهروب من الفهم) في نفسه وفي غيره. *** ألا هل بلغت، اللهم فاشهد *** 1 صحيح البخاري1/272)
عدد الصفحات ١٤٢الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 143 *الفهرس نبض الكتاب ........................................................................... 1 سر العنوان ........................................................................... 1 صَحِّحِ القاموس ...................................................................... 21 الأوهام التي تَ حول دون فهم القرآن ............................................... 01 الوهم الأول: لا بأس أن نقرأ ولا نفهم ................................................. 25 أو القرآن يؤكد على أهمية وضرورية الفهم ........................................... 03 ثانيا الرسول يؤكد على أهمية وضرورية الفهم بأقواله وأحواله ....................... 12 حِرْ صُ ه () على الفهم ........................................................... 10 ثالثا الصحابة والعلماء يؤكدون على أهمية وضرورية الفهم ............................. 11 الوهم الثانِّ: القراءة السَّيعة بلَ تفهم أعظم أجرا (التكثي أم التحسين؟) ............... 41 أو القرآن يوصي بتقديم التحسين على التكثير ........................................ 12 ثانيا النبي () يوصي بتقديم التحسين على التكثير بلسان الحال والمقال ..................11 ثالثا الصحابة يوصون بتقديم التحسين على التكثير بأقوالهم وأحوالهم .................. 52 رابعا ن ق ل غير واحد أن هذا قول الِمهور وحكى بعضهم الإجماع عليه ................. 51 خامسا التابعون وتابعوهم بإحسان يوصون أيضا بتقديم التحسين...................... 55 ومن أحوال العلماء التي تؤكد تقديمهم للتحسين على التكث .................. 37 سادسا علماء القراءات أنفسهم يوصون بتقديم التحسين على التكثير ................... 33 الوهم الثالث: ضعف القدرة الشخصية على الفهم ...................................... 70 الوهم الرابع: ليس من السهل فهم القرآن .............................................. 72 الوهم الخامس: مُاولة فهم القرآن حرام؛ لأنها"قول في القرآن بالرأي"................. 31 تساؤلات ............................................................................. 35 عوائق الفهم ......................................................................... 23
عدد الصفحات ١٤٣الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 144 2- نقص القوة العلمية (مشكلة مفاهيمية) ............................................ 22 0- نقص القوة العملية [عدم الإلمام بمهارات الفهم]مشكلة مهارية) ............... 222 1- العجز (اليأس، وغياب الثقة بما وهبه الله للنفس) ................................. 222 1- الكسل (قلة الحوافز، وكثرة الحواجز) ............................................ 221 5- الُِبْن (الخوف من ت بِعات الفهم) ................................................. 221 3- البخل (عدم الرغبة في التضحية والاستسلام للواقع) ............................. 225 7- الهم (الانشغال بالقلق على ما هو آت) ............................................ 223 3- الحزن (الانشغال بالتأسف على شيء فات) ....................................... 220 2- غلبة الدين ...................................................................... 227 22- قهر الرجال ................................................................. 227 الخطة التشغيلية لتبديد عوائق الفهم .................................................. 223 كيف نفهم القرآن؟ ................................................................. 202 كيف تتولد الدافعية (الهمة القوية، والعزيمة الْديدية)؟.............................. 122 لماذا الاضطرار؟ ..................................................................... 126 مُلاخَص ما نحتاج إليه .......................... 127 تفاصيل الآلية (الطريقة والخطوات العملية...................... 130 أو التلاوة ......................................................................... 212 ثانيا: الاستماع والإنصات ............................................................ 212 ثالثا الضبط (التجويد) .............................................................. 210 رابعا: التهيئة والتجهيز (الاستثارة الذهنية للدراية) ................................... 210 خامسا التنفيذ (مطالعة التفسير "تسديد الدراية") ................................... 211 سادسا: التعزيز (التمهيد للرعاية) .................................................... 213 قبل الرحيل ......................................................................... 212
عدد الصفحات ١٤٤