المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن

شريف طه يونس

صفحة ٧ من ٩

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 97 لكنه رغم ذلك خاطبهم بالقرآن؛ لأنمراده من عباده يتجلى في المعانِّ وإن غابت القدرة الشخصية على التعامل مع المبانِّ. ولذلك فإن كثيرا ممن دخلوا في الإسلام بسبب قراءة القرآن ، وأحبوا القرآن، وامتثلوا ما و صََّّ الله به، لم يكونوا يعرفون العربية أصلَ، لكنهم فهموا معانِّ رسالة الله لهم التي جاءت في القرآن الكريم، وانشغلوا بالمعانِّ. فلَ ينبغي التعلل بحاجز اللغة أو عدم القدرة على القراءة في ترك تفهم القرآن وتدبره؛ وهذه وصية خاصة لإخواننا الأعاجم وم ن يُ ع لي مُ ونهم حين ين شغلون بإتقان العربية وإتقان التجويد وربما التحفيظ، قبل فهم القرآن.

عدد الصفحات ٩٧

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 98 عوائق الفهم العلم والعمل •نقص القوة العلمية (مشكلة مفاهيمية) [الأوهام التي تحول دون الفهم] •نقص القوة العملية (مشكلة مهارية) [عدم الإلمام بمهارات الفهم] العجز والكسل •العجز (اليأس، وغياب الثقة بما وهبه الله للنفس) •الكسل (قلة الحوافز، وكثرة الحواجز) الجبن والبخل •الجُبْن (الخوف من تَبِعات الفهم) •البخل (عدم الرغبة في التضحية والاستسلام للواقع) الهم والحزن •الهم (الانشغال بالقلق على ما هو آت) •الحزن (الانشغال بالتأسف على شيء فات) الغلبة والقهر •غلبة الد يْ ن •قهر الرجال

عدد الصفحات ٩٨

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 99 1- نقص القوة العلمية (مشكلة مفاهيمية). فالبعض لا يعرف أصلا أن الفهم مهم، أو أنه فرض، أو أنه أفرض وأهم من التلاوة والتجويد والحفظ. والبعض الآخر يعرف أن الفهم مهم، لكنه لا يدرك على الْقيقة أهميته ودوره العظيم في سعادة وفلاح الإنسان في الدنيا والآخرة. والبعض الآخر يعرف أن الفهم أهم ويدرك أهميته، لكن هناك أوهام وشبهات تحول بينه وبين تقدير (خطوة الفهم) حق قدرها، وإعطائها حقها. وقد ناقشنا - بفضل الله - أبرز وأه م هذه الأوهام والشبهات، التي يتخذها البعض غي قاصدين مسوغا للهروب من التفهم وهم يتعاملون مع القرآن. فالشبهات والأوهام تندفع وتتبدد بالعلم النافع، ويُرْجى أن نكون قد أوردنا فيما مضى من العلم النافع والمفاهيم السديدة، ما يبدد الغشاوة، ويُنِيُ البصية. والإنسان بِ ح اجة دائمة إلى (علم) يُبَصْيه ويهديه، ويكون له بمثابة فرقانر يُف ريق به بين الخطأ والصواب؛ ويؤكد ابن القيم رحمه الله أن كمال كل إنسان ومدار سعادته وفلاحه على وجود أمرين: علم يبصْه ويهديه، وهمِا ة تدفعه وترقيه 2، وقد عبر عن ذلك بما أسماه القوة العلمية والقوة العملية. ويقول أيضا: "للإْنْس ان قوتان: قُوَّة علمية نظرية، و قُوَّة عملية إرادية. وسعادته التَّامَّة م وْقُوف ة على استكمال قوتيه"0 6مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة 6 /46) 2الفوائد لابن القيم (ص68)

عدد الصفحات ٩٩

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 111 ويقول"السائر إلى الله تعالى والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد، لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية، وقوة عملية. فبالقوة العلمية يبصْ منازل الطريق، ومواضع السلوك فيقصدها سائرا فيها، ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل. وبالقوة العملية يسي حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية ... وكذلك السائر إلى ربه، إذا أبصِّ الطريق وأعلامها ، وأبصِّ المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها ، فقد حصل له شطر السعادة والفلَح، وبقى عليه الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرا فِ الطريق قاطعا منازلها منزلة بعد منزلة ... ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله تع الى، ورُ جِ يَ له النفوذ ، وقوى على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته"2 2- نقص القوة العملية [(مشكلة مهارية وفي رأيي أن هذا هو أقل عوائق الفهم (رغم أننا قد خصصنا له الفصل القادم كاملا)؛ وما ذلك إلا لأن الإنسان بالفعل ي فهم ويجتهد في اكتساب مهارات التفهم، لكن لأجل دنياه، بل هو على يقين أنه إذا أراد إنجاز شيء أو التميز فيه فإنه لا بد أن يفهمه جيدا. وليس هناك أحد إلا ولديه تجربة ناجحة لفهم كتاب أو محتوى إرشادي لأمر من أمور دنياه، كلُ ما هنالك أنه لو صرََ فَ قدرا يسيا من همته وخبرته في الحرص على الفهم لأمور الدنيا، لأجل أمر من أمور الآخرة ، واستعان بربه ، وأخلص له ، فسينجح نجاحا باهرا. 6طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص 682)

عدد الصفحات ١٠٠

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 111 3- العجز (اليأس، وغياب الثقة بما وهبه الله للنفس). فالبعض يخوض محاولات للفهم أو للعناية بالمعانِّ؛ لكنها تكون محاولات قاصرة لا تّلو من خلل، ولذلك تكون نتيجة تلك ا لمحاولات الْخفاق، فيبدأ اليأس في التسَّب تدريجيا لقلب ذلك الإنسان، فإذا أخفق في محاولة قاصِة أخرى يَُييم على قلبه شبح الْحباط ويفقد ثقته فيما وهبه الله إياه من قدرات وإمكانيات، فإذا ح دَّث ه أحد في العناية بالمعانِّ والشروع في التفهم أو حتى ح دَّثته نفسه، ي تعلل بعجزه عن ذلك وعدم امتلَكه للمؤهلات المطلوبة للَمر. لقد وأد ما لديه من قدرات وإمكانيات وأعدمها، واستمر أ حالة العجز تلك، ونسي أنه قد خاض أكثر من ألف مُاولة ليستقيم (ماشيا) وهو طفل صغير، واليوم ييأس بعد محاولتين أو ثلاثة أو حتى عشرة محاولات. والعجز، أصله التأخر عن الشيء وحصوله عند عجز الأمر أي مؤخرته، وصار في التعارف اسما للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة2. فالعاجز مشكلته قدراته وإمكانياته؛ بينما مشكلة الكسول في همته وعزيمته. وَقد يكون الْعَجز ثَمَرَة الكسل فيلَم عَلَيْهِ أيضا؛ فكثيرا م ا يكسل المْ رْء ع ن الشيَّْء الَّذِي هُو ق ادر ع ل يْهِ وتضعف ع نهُ إرادته فيفضِ بِهِ إلى الْعَجز عَنهُ ، و ه ذ ا هُو الْع جز الَّذِي يلوم الله ع ل يْهِ ... و إِلاَّ فالعجز الَّذِي لم تخلق ل هُ قدر ة على د فعه و لا يدْخل معجوزه تح ت الْقُدْر ة لا يلام ع ل يْهِ 0. وقد عالج القرآن ذلك العائق ببث الأمل في النفوس وتذكيها بقدرة الله على إحياء الموات وحل المشكلات مهما عظمت. 1 التوقيف على مهمات التعاريف (ص632) 6 مفتاح دار السعادة (1 /113)

عدد الصفحات ١٠١

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 112 كما يذكر القرآن بعضالوسائل التي تحصل بِا حياة القلوب وتحرر الْرادة من العجز، كالاستجابة لله، واتباع الوحي، والتفكر في آيات الله الكونية؛ يقول تعالى: {ي ا أ يهُّ ا الَّذِين آم نُوا اسْتَجِيبُوا للهِاِ وَلِلراسُولِ إِذ ا د ع اكُمْ لمِ ا يحُْيِيكُمْ و اعْل مُوا أ نَّ اللهَّ يح ُولُ ب ينْ المْ رْءِ و ق لْبِهِ و أ نَّهُ إِل يْهِ تحُْشر ُون } [01]{و مِنْ آي اتِهِ يُرِيكُمُ الْبر ْ ق خ وْف ا و ط م ع ا و يُن زيلُ مِن السَّما ءِ م اء ف يُحْيِي بِهِ الأْ رْض ب عْد م وْتهِ ا إِنا فيِ ذَلِكَ لآَيَاتر لِقَوْمر يَعْقِلُونَ } [01]{وَمِنْ آيَاتِهِ أ نَّك ت ر ى الأْ رْض خ اشِع ة ف إِذ ا أ نْز لْن ا ع ل يْه ا المْ اء اهْت زَّتْ و ر ب تْ إِنا الاذِي أَحْيَاهَا لمَُحْيِ المَْوْتَى إِنَّهُ ع لى كُلي شي ْءٍ ق دِيرٌ } [12] ويرى ابن القيم أن العجز أصل كل الشَّور ، فيقول: "و اللهُ ي لُومُ ع لى الْع جْزِ، و يحُِبُّ الْك يْس و ي أْمُرُ بِهِ، و الْك يْسُ: هُو مُ ب اشر ةُ الأْ سْب ابِ الَّتِي ر ب ط الله بهِ ا مُس بيب اتهِ ا النَّافِع ة لِلْع بْدِ فيِ م ع اشِهِ و م ع ادِهِ، ف ه ذِهِ ت فْت حُ ع م ل الخْ يرِْ، و أ مَّا الْع جْزُ، فَإِناهُ يَفْتَحُ عَمَلَ الشايْطَانِ، ف إِنَّهُ إِذ ا ع ج ز ع ماَّ ي نْف عُهُ، و ص ار إِلى الأْ م انِِّ الْب اطِل ةِ بِق وْلِهِ: ل وْ ك ان ك ذ ا و ك ذ ا، و ل وْ ف ع لْتُ ك ذ ا، ي فْت حُ ع ل يْهِ ع م ل الشَّيْط انِ، ف إِنَّ ب اب هُ الْع جْزُ و الْك س لُ، و لهِ ذ ا اسْت ع اذ النَّبِيُّ ( ) مِنْهُما ، وَهمَُا مِفْتَاحُ كُلي شرٍَّ، وَ يَصْدُرُ عَنْهُماَ الهْ مُّ، و الحْ ز نُ و الُِْبْنُ، و الْبُخْلُ و ض ل عُ الدَّيْنِ، و غ ل ب ةُ الريج الِ، ف م صْد رُه ا كُلُّه ا ع نِ الْع جْزِ و الْك س لِ، و عُنْو انهُ ا "ل وْ " ف لِذ لِك ق ال النَّبِيُّ ( « :)ف إِن"ل وْ " ت فْت حُ ع م ل الشَّيْط انِ »فَالمُْتَمَنيي مِنْ أَعْجَزِ النااسِ وَأَفْلَسِهِمْ، ف إِنَّ التَّم نيي ر أْسُ أ مْو الِ المْ ف الِيسِ، و الْع جْزُ مِفْت احُ كُلي شر ٍّ. وَأَصْلُ المَْعَاصيِ كُليهَا الْعَجْزُ، ف إِنَّ الْع بْد ي عْجِزُ ع نْ أ سْب ابِ أ عْما لِ الطَّاع اتِ، و ع نِ الأْ سْب ابِ الَّتِي تُبْعِدُهُ ع نِ المْ ع اصيِ، و تح ُولُ ب يْن هُ و ب يْن ه ا، ف ي ق عُ فيِ المْ ع اصيِ "2 1 زاد المعاد6 /362)

عدد الصفحات ١٠٢

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 113 ويزيد الأمر إيضاحا بحديثه عن الهم والْزن، فيقول عنهما: "و كِلا همُ ا مِن الْع جْزِ، ف إِنَّ مَا مَضَ لا يُدْف عُ بِالحُْزْنِ؛ ب لْ بِالريضى ، و الحْ مْدِ و الصَّبرِْ و الإِْيما نِ بِالْق د رِ، و ق وْلِ الْع بْدِ ق دَّر الله و م ا ش اء ف ع ل . وَمَا يُسْتَقْبَلُ لا يُدْف عُ أ يْض ا بِالهْ مي، ب لْ إِمَّا أ نْ ي كُون ل هُ حِيل ةٌ فيِ د فْعِهِ، فَلََ يَعْجِزُ عَنْهُ، و إِمَّا أ نْ لا ت كُ ون ل هُ حِيل ةٌ فيِ د فْعِهِ، فَلََ يجَْزَعُ مِنْهُ، و ي لْب سُ ل هُ لِب اس هُ، و ي أْخُذُ ل هُ عُدَّت هُ، و ي ت أ هَّبُ ل هُ أُهْب ت هُ اللاَّئِق ة بِهِ، و ي سْت جِنُّ بِجُنَّةٍ ح صِين ةٍ مِن التَّوْحِيدِ و التَّو كُّلِ، و الاِنْطِر احِ ب ينْ ي د يِ ا لرَّبي ت ع الى ، و الاِسْتِسْلا مِ ل هُ و الريضى بِهِ ر بًّا فيِ كُلي شي ْءٍ "2 4- الكسل (قلة الحوافز، وكثرة الحواجز). فالبعض يستثقل أن يفتح التفسير وينظر فيه، أو يسأل أهل العلم، أو يفكر في معنى الآية قبل مطالعة كتاب التفسير؛ رغم أن الله قد أعطاه القدرة التامة على كل ذلك لكنه لا يريد استعمالها في هذا الخي، بل إنه للَسف يستخدم تلك القدرات في فهم كل شيء إلا القرآن ؛ فتجده مجتهدا واعيا في كل ميدان، أما إذا جاء ميدان القرآن رأيته ي دَّعي من المعوقات والمثبطات ما لا يحيط به بيان . وهو إنما وقع في ذلك؛ لأنه استسلم للحواجز، ولم يُكَليف نفسه في البحث عن الْوافز ومعرفة الجوائز، إنه لا يدرك على الحقيقة قدر فهم القرآن، وما يستجلبه له من خير وإحسان، وما يتسبب له فيه من رضوان الرحمن. والكسل هو التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه 0. وهذا العائق قد عالِه القرآن بالمحفزات المتنوعة على الاجتهاد والنشاط، والمرهبات من الكسل والتثاقل. 1 زاد المعاد6 /363) 6 التوقيف على مهمات التعاريف (ص681)

عدد الصفحات ١٠٣

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 114 ومن المناحي التي نحاها القرآن في علاج ذلك العائق ذم التكاسل والتثاقل والتنفي منهما؛ يقول تعالى: {ي ا أ يهُّ ا الَّذِين آم نُوا م ا ل كُمْ إِذ ا قِيل ل كُمُ انْفِرُوا فيِ س بِيلِ اللهَِّ اثااقَلْ تُمْ إِلىَ الأَْرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالَْْيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآْخِرَةِ ف ما م ت اعُ الحْ ي اةِ الدُّنْي ا فيِ الآْخِر ةِ إِلاَّ ق لِيلٌ ( 13) إِلاَّ ت نْفِرُوا يُعَذيبْكُمْ عَذَابًا أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيَْكُمْ و لا ت ضرُُّوهُ ش يْئ ا و الله ع لى كُلي شي ْءٍ ق دِيرٌ } [13،12.] ويقول سبحانه{ف رِح المُْخ لَّفُون بِم قْع دِهِمْ خِلا ف ر سُولِ اللهَِّ و ك رِهُوا أ نْ يجُ اهِدُوا بِأ مْو الهِِمْ و أ نْفُسِهِمْ فيِ س بِيلِ اللهَِّ و ق الُوا لا ت نْفِرُوا فيِ الحْ ري قُلْ نَارُ جَهَنامَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } [32.] والقرآن يُنَبيه على أن التكاسل والتثاقل، يوحي بكراهية الْنسان للأمر؛ لذا ربما كان سببا في عدم قبول الأعمال؛ فيقول تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ ن ف ق اتهُُمْ إِلاَّ أ نهَُّ مْ ك ف رُوا بِاللهَِّ و بِر سُولِهِ و لا ي أْتُون الصَّلا ة إِلاَّ وَهُمْ كُسَالىَ و لا يُنْفِقُون إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ } [51] 5- الجُ بْن (الخوف من تَ بِعات الفهم): كثيرٌ من الناس يهربون من الفهم خوفا مِا سيترتب عليه؛ لأنهم يعلمون أنهم لو فهموا رسالة الله إليهم؛ فإنها ستكون سببا في تركهم لكثي مِا يألفوه، وتجنبهم لكثي مِا يشتهوه، لذلك يهربون من الفهم كنوع من مقاومة التغيي. لو فهم الآيات، سيعلم أنه ينبغي أن يتَك لهو الحديث وهو لايريد ترك لهو الْديث، وينبغي أن ينفق من ماله ووقته وجهده وفِكْره ل كنه يريد أن يظل على ما هو عليه من بخل، وينبغي أن يعفو ويصفح لكنه لا يريد ذلك العفو والصفح. لذلك يتوقف عن الفهم؛ تحت زَ عْ م أنه لو فهم ينبغي أن يعمل بما فهمه، والعمل صعب وهو لا يقدر عليه الآن.

عدد الصفحات ١٠٤

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 115 فيهربلكن بطريقة يُاول أن يََُدير فيها ضميه الذي أصبح يطالبه بف هم القرآن، فيرتكس مرة أخرى، وينتكس سلوكيا رغم أنه قد صار يفهم الآن أولوية فهم القرآن، فَ يَ صِْْ ف كل جهده للمبانِّ تلاوة وحفظا، ويزعم أن ذلك أهم، وأنه باب خير أيضا، بل ويتهم مَنْ يدعوه للعودة للفهم بأنه يُثَبي طه عن التلاوة والحفظ، وي دَّعي أن الفهم قد عَطالَ ه عن التلاوة والحفظ. وما أبشع أن يجحد الإنسان أمرا استيقنته نفسه خوفا من تبعات القيام به، و جُ بْ ن ا عن النهوض بما يستلزمه !!! إنه داء الفراعين والمجرمين في كل زمان ومكان ، فاحذروا من تسربه إليكم يا معاشر الصالحين. فقد وقع فيه الفراعين، قال تعالى: {وَجَحَدُ وا بَِِا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْما و عُلُوًّا ف انْظُرْ ك يْف ك ان ع اقِب ةُ المُْفْسِدِين } [21]،ووقع فيه قوم عاد، قال تعالى: {و تِلْك ع ادٌ جَحَدُوا بِآي اتِ ر بهيِمْ و ع ص وْا رُسُل هُ و اتَّب عُوا أ مْر كُلي ج بَّارٍ ع نِيدٍ } [52]، ووقع فيه كفار مكة، قال تعالى: {ق دْ ن عْل مُ إِنَّهُ ل ي حْزُنُك الَّذِي ي قُولُون ف إِنهَُّمْ لا يُك ذيبُون ك و ل كِنَّ الظَّالمِِين بِآي اتِ اللهَِّ يجَْحَدُونَ } [11]. ما أبشع أن يتولى المرءُ بنفسه مُادعة نفسه، والتغرير بها، وتّديرها بأوهام هو الذي قام بنسج خيوطها!!! إنه مرض قد أهلك الكثير من المجرمين، فاحذروا منه يا معشر الصالحين؛ قال تعالى: {أ ف م نْ ك ان ع لى ب يين ةٍ مِنْ ر بيهِ كَمَنْ زُيينَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتابَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } [21] .احذروا من اتباع الظن والأوهام والتخرصات، يقول تعالى: {س ي قُولُ الَّذِين أ شرْ كُوا لَوْ شَاءَ الله مَا أَشرَْكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرامْنَا مِنْ شيَْءر ك ذ لِك ك ذَّب الَّذِين مِنْ ق بْلِهِمْ ح تَّى ذ اقُوا ب أْس ن ا قُلْ ه لْ عِنْد كُمْ مِنْ عِلْمٍ ف تُخْرِجُ وهُ ل ن ا إِنْ تَتابِعُونَ إِلاا الظانا وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاا تَّْرُصُونَ } [213].

عدد الصفحات ١٠٥

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 116 ويقول تعا{و م ا ي تَّبِعُ أ كْث رُهُمْ إِلاَّ ظ نًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِن الحْ قي ش يْئ ا إِنا اللهاَ عَلِيمٌ بِماَ يَفْعَلُونَ } [13]،وقال سبحانه: {إِنْ ي تَّبِعُون إِلاَّ الظَّن وَمَا تهَْوَى الأَْنْفُسُ و ل ق دْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِيِمُ الهُْدَى } [01] وما يُدْ رِ ك أولئك أنهم إنما يَدعون أنفسهم، ويدفنون رؤوسهم في الرمال، لأن الله يعلم أنهم يقدرون على الفهم، و هُ مْ بهروبهم هذا يزيدون المشكلة؛ لأن تركهم للعمل بالآيات خطيئة، وتركهم لتفهمها خطيئة أخرى. ف ب د لا من أن يتخلصوا من واحدة من الخطيئتين، ويسددوا أحد الدَّيْن ينْ، ويستعينوا بالله على التخلص من الخطيئة الثانية، نجدهم يتَكون ما يقدرون عليه (الفهم)، وَهمَْاً منهم أن ذلك سيكون سببا في عدم مؤاخذتهم بالمعجوز عنه (العمل)، وما علموا أنهم لو شرعوا في المقدور عليه، فإن الله يُيَسَّي لهم المعجوز عنه، ولو فعلوا الممكن اليوم، يصير المستحيل غدا بعون الله ممكنا. فالُِ بْ نُ هيئة ... بِا يُُْ جِ م عن مباشرة ما ينبغي2 .ومن الوسائل التي يعالج القرآن بها الِبن؛ طمأنة الْنسان، وتذكيه بما أعده الله له من العون والكفاية؛ يقول تعالى: {أ ل يْسالله بِكَافر ع بْد هُ و يخُ ويفُون ك بِالَّذِين مِنْ دُونِهِ } [13.] ويقص القرآن على الإنسان العديد من قصص الذين كانت لديهم تخوفات ومعوقات، لكنهم لما توكلوا على الله تبددت وما عاد لها وجود. كما يبين القرآن لذلك الِبان؛ أن الذي يخوفه هو الشيطان، وأنه لا يجبن إلا ذاك الذي تولى الشيطان؛ فيقول تعالى: {إِنَّما ذ لِكُمُ الشايْطَانُ يََُويفُ أَوْلِيَاءَهُ ف لا تخ افُوهُمْ و خ افُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين } [275.] 1 التوقيف على مهمات التعاريف (ص161)

عدد الصفحات ١٠٦

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 117 6- البخل (عدم الرغبة في التضحية والاستسلام للواقع. بعض الناس يتصور أنه لكي يقوم بالأمر لابد ألا يُضَحي بشيء من وقته أو جهده أو ماله أو ملذاته وشهواته، بل يشترط أن يجد في الأمر الذي نريد منه مباشرته مزيدا من الراحة والمتعة، وإلاَّ ت و قَّ ف فورا. رغم أن ذلك الإنسان، لا يبخل بشيء من وقته أو جهده أو ماله أو فِكْره على شيء يريد الْصول عليه من أمور الدنيا، ويضرب في سبيل الحصول عليه أروع الأمثلة في التضحية وعدم الاستسلام للواقع، ويكابد في سبيل أمور الدنيا أصنافا من التعب، ويقاسي ألوانا من النصب. لا يبخل بشيء من ماله أو جهده أو وقته ليفهم شيئا يَص سيارته أو هاتفه أو منزله أو دراسته، لكنه يبخل ببضعة جنيهات أو لحظات أو مجهودات يبذلها ليفهم شيئا من القرآن. يُض حي كثيرا - بنفس راضية - بجزء من راتبه، أو وقته، أو جهده، سيكون ثمنا لفهمه لمرض يهدد الأبدان، ويتأسف كثيرا على جزء من ماله ، أو وقته، أو جهده، ضَحاى به ليفهم آية أو سورة كانت تناقش مرضا يهدد الْيمان. وإن لم يتأسف أو يحزن وقع في الافتخار، ومَنا ببذله من وقته أو ماله أو جهده. ألا يستحق القرآن أن نُضحي لأجله بأموالنا، ونبذل لأجله من أوقا تنا، ولا نبخل في سبيل خدمته بشيء من جهودنا وأفكارنا؟!!! واهمٌ ذلك الذي يظن أن الراحة تُن ال بالراحة، وأن النعيم يُدْر ك بالنعيم، وأن السعادة من نصيب من آثر الوسادة، وأن المكارم يُت و صَّل إليها بلا مكاره. م نْ طلب العلا سهر الليالي، وم ن يخطب الحسناء لم يُ غْلِها المهر العالي.

عدد الصفحات ١٠٧

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 118 قال ابن القيم"المْص الح والخيرات و اللَّذَّات والكمالات كلهَا ، لا تن ال إِلاَّ بحظ من المْ ش قَّة ، و لا يعبر إِل يْه ا إِلاَّ على جسَّ من التاعَب. و قد أجَع عقلَء كل أمة على أ ن النَّعيم لا يدْرك بالنعيم ، و إِن من آثر الرَّاح ة ف ات تْهُ الرَّاح ة ، و إِن ه بِح سب ركُوب الأْ هْو ال وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، ف لا فرحة لمن لا هم ل هُ ، و لا ل ذَّة لمن لا ص بر ل هُ ... و لا ر اح ة لمن لا ت عب ل هُ ، بل إِذا تَعب العَبْد قَلِيلَ استراح طَويلَ، وَإِذا تحمل مشقة الصابرْ سَاعَ ة قَادَهُ لْياة الأَْبَد ، وكل م ا فِيهِ أهل النَّعيم المُْقِيم ف هُو صَبر سَاعَة ... و كلما ك ان ت النُّفُوس أشرف والهمة أعلى ، ك ان ت عب الْبدن أوفر ، وح ظُّ ه من الرَّاح ة أقل " 2 والبخل هو إمساك المقتنيات عما لا يُل حبسها عنه . والبخيل من يكثر منه البخل، و البخل ضربان: بخل بقنياته ، وبخل بقنيات غيره، وهو أكثرها ذما. والبخل شرعا منع الواجب0. وقيل: البخل؛منع الفضل والْمساك عن البذل1. ومما يعالج به القرآن البخل؛ التأكيد على أن البخل يضر البخيل ولا ينفعه، فهو شر له، وما يظنه من كون البخل خير له مَُْضُ وَهْمر لا حقيقة له، ويكفي أن بخله يكون سببا لعذابه في الآخرة، فيقول تعالى: {و لا يح ْس ب نَّ الَّذِين ي بْخ لُون بِما آت اهُمُ الله مِنْ ف ضْلِهِ هُو خ يرْ ا له ُمْ بَلْ هُوَ شرٌَّ لهَُمْ سَيُطَواقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ و للهَِِّ مِير اثُ السَّما و اتِ و الأْ رْضِ و الله بِما ت عْم لُون خ بِيرٌ } [232.] 1 مفتاح دار السعادة0 /25) 6 التوقيف على مهمات التعاريف (ص36) 3 معجم لغة الفقهاء1 /163)

عدد الصفحات ١٠٨

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 119 وفي الوقت الذي يتوهم البخيل أنه إنما يبخل لنفسه، يؤكد له القرآن أنه إنما يبخل عنها لا لها، فقد بخل عن نفسه بالأجر، وكل ما رتبه الله من ثواب على الخي، وحَ رَ مَ ها من فضل الغني سبحان ه، وعَ را ضَ ها لزوال النعمة؛ فيكون بذلك قد ضر نفسه ولم ينفعها، يقول تعالى: {ه ا أ نْتُمْ ه ؤُلا ءِ تُدْع وْن لِتُنْفِقُوا فيِ س بِيلِ اللهَِّ ف مِنْكُمْ م نْ ي بْخ لُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِناماَ يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ و الله الْغ نِيُّ و أ نْتُمُ الْفُق ر ا ءُ و إِنْ ت ت و لَّوْا ي سْت بْدِلْ ق وْم ا غ يرْ كُمْ ثُمَّ لا ي كُونُوا أ مْث ال كُمْ } [13.] ويهدد الله البخلاء الزاهدين في الاستغناء با، بتعسي أمورهم، وحرمانهم من التوفيق، والتردي في المهالك في الدنيا والآخرة؛ فيقول تعالى: {و أ مَّا م نْ ب خِ ل و اسْت غْن ى ( 3) و ك ذَّب بِالحُْسْن ى 2 )فَسَنُيَسَّيُهُ لِلْعُسََّْى (22) و م ا يُغْنِي ع نْهُ م الُهُ إِذ ا تَرَداى } [3 - 22] كما يذُ مُّ البخلاء ويبين أن البخل قد يوقع صاحبه في النفاق والعياذ بالله؛ فيقول تعالى: {و مِنْهُمْ م نْ ع اه د ا ل ئِنْ آت ان ا مِنْ ف ضْلِهِ ل ن صَّدَّق نَّ و ل ن كُون نَّ مِن الصَّالحِِين (75) ف ل ماَّ آت اهُمْ مِنْ ف ضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ و ت و لَّوْا و هُمْ مُعْرِضُون ( 73 )فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فيِ قُلُوبِِِمْ إِلى ي وْمِ ي لْق وْن هُ بِما أ خْل فُوا ا للهَّ م ا و ع دُوهُ و بِما ك انُوا ي كْذِبُون } [75 - 77 ] 7- الهم (الانشغال بالقلق على ما هو آت). بعض الناس تجده يقلق من أن يتسبب انشغاله بالفهم عن التمكن من ختم القرآن تلَوة أو حفظا؛ رغم أن ما هو فيه أولى وأهم مِا هو قَلِقٌ عليه؛ إننا نقلق من انقضاء العمر أو الوقت المتاح وما انتهينا من ختمة تلاوة أو تجويد أو حفظ، ولا نقلق من فوات فرصة الانتهاء من ختمة تفهم أو تدبر أو اتباع، عجبا لنا نقلق على المبانِّ، ولا نقلق على المعانِّ!

عدد الصفحات ١٠٩

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 111 المهم أن نموت في داخل الطريق؛ لأننا لا نأمن أن نصل إلى آخره، فهل نتَك ما و صَّ انا الله بتقديمه من العناية بالمعانِّ تفهما وتدبرا واتباعا، زاعمين أن ما دفعنا لذلك هو القلق على المبانِّ؟! وهناك من الناس م نْ يحول بينه وبين الشروع في التفهم والاستمرار فيه، الخوف من انقضاء الفرصة أو انتهاء العمر، متوهما أن الانشغال بالمبانِّ أكثر أجرا وأسرع في تحصيل المنازل العالية. لكن بعيدا عن تلك الهموم المتعلقة بالقرآن، هناك هموم أخرى تتعلق بحياة الْنسان؛ حيث يؤخر الشروع في ختمة الفهم أو يوقفها؛ بسبب قلقه وانشغال باله ووقته بأمر ينتظره أو يشغله في الوقت الحالي من عمل أو دراسة أو ظروف اجتماعية، ف ي ضْعُ ف ع زْمُه، وت فْتَُ همَِّتُه عن أي شي نافع. ويغفل هذا المسكين عن أن القرآن هو أقرب الطرق لتفريج الكروب وتبديد الهموم وتيسي الأمور. فتجد المسكين يعيش فريسة للهموم والأشغال، فتسأله عن تقصيره في تفهم القرآن، يتعلل بِمومه وانشغالاته ، ويَ عِ دُ ك بأن يشرع فورا في تفهم القرآن بعد انقضاء تلك الهموم والانشغالات، ولا يكاد الهم الأول يلفظ أنفاسه الأخير، حتى يُوْل د هم جديد ، ولا يدرك المسكين أن الهموم والانشغالات لا تنتهي أبدا طالما أنه على قيد الحياة، وتلك اللحظة التي ينتظر فيها أن يتفرغ لن تأتِ أبدا ، فلابد من مزاحَة وتبديد تلك الهموم والانشغالات بالهم بالقرآن والانشغال به. والهم بالفتح: أول العزيمة، وعقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر، والْزن والقلق2 . 1 التوقيف على مهمات التعاريف (ص: 333)

عدد الصفحات ١١٠

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 111 وقال في الفروق"الهْم هُو الْفِكر فيِ إِزَالَة المَْكْرُوه واجتلَب المحبوب "2، ويقول ابن القيم: "المَْكْرُوهُ الاذِي يَرِدُ عَلىَ الْقَلْبِ، إِنْ ك ان لمِ ا يُسْت قْب لُ أ وْر ث هُ الهْ مَّ "0 ف الهْ مُّ و الحْ ز نُ لا ي نْف ع انِ الْع بْد الْب تَّة ، ب لْ م ضر َّتهُُما أ كْث رُ مِنْ م نْف ع تِهِما ، ف إِنهَُّ يُضْعِف انِ الْع زْم ، و يُوهِن انِ الْق لْب ، و يح ُولا نِ ب ينْ الْع بْدِ و ب ينْ الاِجْتِه ادِ فِيما ي نْف عُهُ ، و ي قْط ع انِ ع ل يْهِ ط رِيق السَّيرِْ، أ وْ يُن كيس انِهِ إِلى و ر اءٍ، أ وْ ي عُوق انِهِ و ي قِف انِهِ، أ وْ يح ْجُب انِهِ ع نِ الْعِلْمِ الَّ ذِي كُلَّما ر آهُ ش مَّر إِل يْهِ، و ج دَّ فيِ س يرِْهِ، ف هُما حَِْلٌ ثَقِيلٌ عَلىَ ظَهْرِ الساائِرِ 1. ومما يعالج القرآن به الهم؛ التأكيد على أن الهموم تنتحر على بوابة الطاعات، وأن السكينة والطمأنينة تتنزل على المجتهدين في الصالْات؛ فيقول تعالى: {ف أ نْز ل الله سَكِينَتَ هُ ع ل يْهِ و أ يَّد هُ بِجُنُودٍ لم ْ ت ر وْه ا و ج ع ل ك لِم ة الَّذِين ك ف رُوا السُّفْلى و ك لِم ةُ اللهَِّ هِي الْعُلْي ا و الله ع زِيزٌ ح كِيمٌ } [12]{هُو الَّذِي أ نْز ل الساكِينَةَ فيِ قُلُوبِ المُْؤْمِنِين لِي زْد ا دُوا إِيما ن ا م ع إِيما نهِِمْ و للهَِِّ جُنُودُ السَّما و اتِ و الأْ رْضِ و ك ان الله ع لِيما ح كِيما } [1 .] كما يحول القرآن بين النفوس وبين تسرب أدنى هم إليها بالتأكيد على أن الله يتولى أهل طاعته ويبدلهم من بعد همهم سعادة وطمأنينة وفرحا وسكين ة؛ فيقول جل جلاله: {و م ا ج ع ل هُ الله إِلاَّ بُشََّْى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنا قُلُوبُكُمْ بِهِ و م ا النَّصُِّْ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهَِّ الْع زِيزِ الحْ كِيمِ } [203] .ويحض القرآن على بعض العبادات التي تدفع الهم وتبعث الطمأنينة، كذكر الله سبحانه؛ فيقول تعالى: {الَّذِين آم نُوا وَتَطْمَئِ نُّ قُلُوبُُِمْ بِذِكْرِ الله أ لا بِذِكْرِ اللهَِّ ت طْم ئِنُّ الْقُلُوبُ } [03] 1 الفروق اللغوية للعسكري (ص622) 6 مدارج السالكين1 /101) 3 زاد المعاد6 /363)

عدد الصفحات ١١١

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 112 8- الحزن (الانشغال بالتأسف على شيء فات). نجد حزن بعض الناس على أنه أمض الكثي من وقته أو جهده بعيدا عن القرآن، يدفعه أحيانا لأ ن يهتم بالمبانِّ ويهمل المعانِّ ؛ لتوهمه أن المبانِّ أسرع في تعويض خسارته التي تحزنه كثيا كلما تذكرها. وهذا مدخل من مداخل الشيطان نجح من خلاله في صِ ف تلك الرغبة الِامحة في تعويض الخسارة إلى أمر نافع لكنه ليس الأنفع، ورائع لكنه ليس الأروع؛ لأنه يعلم أنه لو اعتنى بالمعانِّ فسيكون الأجر أكبر، والأثر أظهر، والعاقبة أفضل؛ لأنه سيفوز بالمعانِّ والمبانِّ معا. وهناك أحزان، لا علَقة لها بالقرآن، أحزان بسبب إخفاقات ، أو أموات، أو فوات مرغوبات، وتظل تلك الأحزان عائقا عن الشروع في تفهم القرآن أو الاستمرار فيه؛ حيث يخُ ييم الْحباط على ذلك الحزين، ويتَكه وَ اهِ نَ العزيمة، فَاتِر الهمة، زاهدا في أي شيء آخر غير ذلك الذي أحزنه فواته. وإذا دعوته للعناية بمعانِّ القرآن تعلل بأحزانه وأوجاعه وابتلاءاته، ووعد بأن يشرع في العناية بمعانِّ القرآن بعد جلاء تلك الأحزان، ولا تكاد نار حزنٍ تنطفئ في القلب حتى تبدأ شرارات نار حزنٍ جديد في الظهور؛ لأن الأحزان لا تنتهي والدنيا دار كدر، وم نْ انتظر يوما لا أحزان فيه كأنما ينتظر يوم وفاته. ويغفل ذلك المسكين عن أن القرآن هو جلَء الأحزان؛ فقد نجح الشيطان في هزيمته مرتين: الأولى: يوم أحزنه وأقعده وأحبطه. والثانية: يوم صِ ف ه عن معانِّ القرآن التي تنجلي بها تلك الأحزان.

عدد الصفحات ١١٢