المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن

شريف طه يونس

صفحة ٦ من ٩

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 81  وأخبر أيضا أنهسبحانه ق د ف صَّل الآيات؛ لتكون عونا للإنسان على الرجوع عن التقصير والمخالفات، فقال تعالى: {و ك ذ لِك نُفَصيلُ الآْي اتِ و ل ع لَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [الأعراف: 271]  وأخبر أيضا أنه سبحانه ق د ف صَّل الآيات؛ ليزداد يقين العبد بلقاء ربه ، فقال تعالى: {يُفَصيلُ الآْي اتِ ل ع لَّكُمْ بِلِق اءِ ر بيكُمْ تُوقِنُونَ } [الرعد: 0]  فكيف يستبين الإنسان أو يرجع أو يوقنإن لم يفهم تلك الآيات؟  وكيف يتعلل الإنسان بصعوبة فهم القرآن،بعد أن فَصال له الآيات ؟  وكيف يُق صِّي في التفهم أو اليقين أو الرجوع ، بعد أن فَصال له الآيات ؟ *ونُورِد هنا بعض النقولات عن العلماء فيما يتعلق بهذا الأمر:  ق ال ابْنُ ع بَّاسٍ "التَّفْسِيرُ ع لى أ رْب ع ةِ أ وْجُهٍ: و جْهٍ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلََمِهَا ، و ت فْسِيرٌ لاَ يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ ، و ت فْسِيرٌ ي عْل مُهُ الْعُل ما ءُ، وت فْسِيرٌ لا ي عْل مُهُ إِلاَّ الله"2  يقول الدكتور اللاحم "إن الصحيح والحق في هذه المسألة أن القرآن معظمه واضح و ب يني وظاهر لكل الناس"0. فأغلب القرآن من الوجه الذي تعرفه العرب من كلامها والسياق يوضح معناه؛ وذلك يتسق مع تيسير القرآن للذكر (تذكرا وفهما)؛ ومع افتَاض الله للتدبر، والافتَاض لا يكون إلا بمقدور ميسور. 2 تفسير الطبري2/72) 0مفاتح تدبر القرآن (ص22)

عدد الصفحات ٨١

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 82  قال الزَّرْك "ينقسم القرآن العظيم: إلى: ما هو بينيٌ بنفسه، بلفظٍ لا يحتاج إلى بيانٍ منه، ولا من غيره، وهو كثي ... وإلى: ما ليس ببينيٍ بنفسه، فيحتاج إلى بيا ن، وبيانُه إما فيه في آية أُخْرى، أو في السُّنَّةِ "2 والخطاب القرآنِّ، يتميز بكون السياق يساعد على فهم بعض الكلمات الغريبة، فحينما نقرأ قوله تعالى: {أ ل كُمُ الذَّك رُ و ل هُ الأُْنْث ى 02) تِلْك إِذ ا قِسْم ةٌ ضِيزَى } [02،00]كلمة"ضِيزَى " ربما يكون معناها "ظالمة" أو "جائرة" أو "غير عادلة"؛ وذلك فعلا هو معناها.  ورغم ذلك نقول لاينبغي اعتماد ما فهمناه بأنفسنا، بل لابد من الرجوع لكتب التفسير؛ لتسديد ما فهمناه واعتماده. وحينما نقرأ قوله تعالى: {ل ق دْ ك ان لِس ب إٍ فيِ م سْك نِهِ مْ آي ةٌ ج نَّت انِ ع نْ ي مِينٍ و شِما لٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ ر بيكُمْ و اشْكُرُوا ل هُ ب لْد ةٌ ط ييب ةٌ و ر بٌّ غ فُورٌ ( 25) ف أ عْر ضُوا ف أ رْس لْن ا ع ل يْهِمْ س يْل الْعَرِمِ و ب دَّلْن اهُمْ بِج نَّت يْهِمْ ج نَّت ينِْ ذ و اتي ْ أُكُلٍ خََْطر و أَ ثْلر و شي ْءٍ مِنْ سِدْرر ق لِيلٍ ( 23) ذ لِك ج ز يْن اهُمْ بِما ك ف رُوا و ه لْ نُج ازِي إِلاَّ الْك فُور } [25 - 27] لا نعرف على التعيين معنى"الْعَرِمِ " أو "خََْطر " أو"أَثْلر " أو "سِدْرر "، لكننا نفهم من السياق أنها أشياء سيئة تم مجازاتهم بها بسب ب كفرهم للنعمة وإعراضهم، ف ك لِ م ت ي "فَأَعْرَضُوا " ، "بَدالْنَاهُمْ " كانتا كافيتين في تفهيمنا سياق الآية. 2 البرهان0 /231- 231 (

عدد الصفحات ٨٢

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 83 وتلك أمثلة ربما كانت فيها كلمات تحتاج إلى تبيين؛ لكن غالب القرآن في منتهى الوضوح كما أسلفنا، "وأقيموا الصلَة وآتوا الزكاة" ، "وللآخرة خي وأبقى" ، "كونوا مع الصادقين "، "ولا تقربوا الزنا ". فأين الإشكال أو الصعوبة في فهم هاتيك الآيات؟ وها هو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يؤكد أن المعنى الْجَالي أهم، ولا يضَه أن يغيب عنه معنى لفظة؛ ولايؤثر في الاتباع ، طالما أنه يفهم السياق العام؛ فعن أنس قال: قرأ عمر: {"و ف اكِه ة و أ بّا } فقال هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم قال: "مه نهينا عن التكلف". وفي لفظ: ثم قال "إن هذا لهو التكلف يا عمر، فما عليك ألا تدري ما الأب، اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب، واعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى عالمه"2 وع نْ مُع اذٍ أ نَّهُ ق ال : «أ مَّا الْقُرْآنُ ف م ن ارٌ ك م ن ارِ الطَّرِيقِ، وَلاَ يََْفَى عَلىَ أَحَدر »0. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية"و ل يْس فيِ الْقُرْآنِ ل فْظٌ إلاَّ مَقْرُونٌ بِماَ يُبَينيُ بِهِ المُْرَادَ . و م نْ غ لِط فيِ ف هْمِ الْقُرْآنِ ف مِنْ قُصُورِهِ أ وْ ت قْصِيرِهِ "1 2كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال0 /103) 0 مصنف ابن أبي شيبة3 /203) 1 مجموع الفتاوى02 /171)

عدد الصفحات ٨٣

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 84 الوهم الخامس: محاولة فهم القرآن حرام؛ لأنها "قول في القرآن بالرأي" وهو مُحَرَّم. وسبب ذلك الوهم؛ الخلط بين التفسير والفهم؛ فالتفسي فرض كفاية، ولايقوم به إلا من لديه أدوات التفسير من العلماء والمتخصصين؛ لكن الفهم فرض عين على كل قادر من المسلمين؛ ويعتبر التفسي وسيلة الفهم الرئيسية. فمن يريد تفهم القرآن؛ لا ينبغي أن تكون له علاقة بالخوض في تفسيره؛ أو القول فيه برأيه؛ وإنما يطالع التفسير لأجل الفهم؛ وعليه، فليس في حاجة لدراسة أصول التفسير أو علوم القرآن أو علوم اللغة أو البلاغة أو غيرها. وقد تسبب ذلك الخلط للَسف في تعويق كثير من المسلمين عن تفهم القرآن. قال ابن هبيرة: "من مكايد الشيطان: تنفيره عباد الله من تدبر القرآن لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر. فيقول: هذه مُاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعا"2 1 ذيل طبقات الحنابلة0 /253)

عدد الصفحات ٨٤

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 85 تساؤلات  التساؤل الأول ماذا تقول فيما ورد عن بعض الصحابة كعثمان رضِ الله عنه وغيهم من العلماء والصالْين كالشافعي رحَه الله، فيما يتعلق بسَّعة القراءة؟ أولا: يرى بعض أهل العلم أن هذا لا تصح نسبته إلى أغلبهم من ناحية الْسناد؛ فما جاء عن عثمان رضي الله عنه أنه كان يختم القرآن في ليلة مثلا، قد ض عَّف ه الشيخ الألبانِّ وغيره من أهل هذا الفن. فقد قال: "أحسن الإ مام التَمذي برواية هذا الخبر والذي بعده بصيغة التضعيف. لأن الركعة مهما طالت لا يمكن أن يقرأ فيها القرآن الكريم كاملا. فضلَ عما في ذلك من مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. في الركوع والسجود والقيام، وحاشا لسيدنا عثمان أن يفعل مثل ذلك"2 وقد قال التَمذي نفسه بعد إيراده لأثر عثمان رضي الله عنه بصيغة التضعيف "و التََّْتِيلُ فيِ القِر اء ةِ أَحَبُّ إِلىَ أَهْلِ العِلْمِ "2 ثانيا: لو ص حَّ ت نسبة ذلك إلى أولئك الأكارم، فخي الهدي هدي مُمدر ()؛ وقد نهى عن القراءة السريعة بلا فهم، ولم يفعلها فقد كانت قراءته متَسلة بطيئة. ذكر الذهبي أ نَّ أ ب ا ب كْرٍ بن ع يَّاشٍ م ك ث ن حْوا مِنْ أ رْب عِينْ س ن ة يخ ْتِمُ القُرْآن فيِ كُلي ي وْمٍ و ل يْل ةٍ م رَّة ؛ لكنه قال: "و ه ذِهِ عِب اد ةٌ يخُْض عُ له ا، وَلَكِنْ مُتَابَعَةُ السُّناةِ أَوْلىَ "1 . كما ذكر عن وكيع أنه كان يختم القرآن كل ليلة؛ ثم قال"ه ذِهِ عِب اد ةٌ يخُض عُ له ا، 1 ضعيف سنن التَمذي (ص157) 2 سنن التَمذي5 /227) 3 سير أعلام النبلاء ط الرسالة3 /521)

عدد الصفحات ٨٥

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 86 و ل كِنَّه ا مِنْ مِثْلِ إِم امٍ مِن الأ ئِمَّةِ الأ ث رِيَّةِ مَفضُولَةٌ ... وَمُتَابَعَ ةُ السُّناةِ أَوْلىَ "2 وقال في تعليقه على حديث عبد الله بن عمرو "ف أ ق لُّ م ر اتِبِ النَّهْيِ أ نْ تُكْرَهَ تِلََوَةُ القُرْآنِ كُليهِ فيِ أَقَلا مِنْ ثَلََثر، ف ما ف قِه و لا ت د بَّر م نْ ت لا فيِ أ ق لَّ مِنْ ذ لِك . و ل وْ ت لا و ر تَّل فيِ أُسْبُوْعٍ، و لا ز م ذ لِك ، ل ك ان ع م لا ف اضِلا ، ف الدييْنُ يُسرٌْ ... ف م ت ى ت ش اغ ل الع ابِدُ بِخِتْم ةٍ فيِ كُلي ي وْمٍ، فَقَدْ خَالَفَ الَْنِيْفِياةَ السامْحَةَ ... وَلاَ تَدَبارَ مَا يَتْلُوْهُ. ه ذ ا السَّييدُ الع ابِدُ الصَّاحِبُ ك ان ي قُوْلُ لم َّا ش اخ : ل يْت نِي ق بِلْتُ رُخْص ة ر سُوْلِ اللهِ () ... و كُلُّ م نْ لم ْ يُ لزِ م ن فْس هُ فيِ ت ع بُّدِهِ و أ وْر ادِهِ بِالسُّنَّةِ النَّب وِيَّةِ، يَنْدَمُ وَيَترََهابُ وَيَسُوْءُ مِزَاجُهُ، وَيَفُوْتُهُ خَيٌْ كَثِيٌْ "0. ثالثا هل جاء في تلك الآثار المروية عنهم أنهم كانوا يسرعون في القراءة ولا يفهمون، مَنْ الذي قال أنهم كانوا لايفهمون ما يقرأونه؟ وكيف يكون ذلك حجة للقراءة السريعة بلا فهم؟ لقد كانوا علماء يعرفون معنى ما يقرأون، ولاشك أن الإنسان إذا قرأ كلاما لا يفهمه أو لا يفهم شيئا منه للمرة الأولى فإنه يستغرق وقتا أطول بكثير من المرات التالية. قال ابن كثير: "وقد كره غي واحد من السلف قراءة القرآن فِ أقلَّ من ثلاثٍ، كما هو مذهبُ أبى عبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الخلف أيض ا ... فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف (يقصد: القراءة في أقل من ثلاث) محمول إما على أنه ما بلغهم فِ ذلك حديث مما ت ق دَّم ، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرءونه مع هذه السَّعة، والله سبحانه وتعالى أعلم"1. 1 سير أعم النبلاء ط الرسالة (2 /211) 2 سير أعلام النبلاء ط الرسالة1 /31) 3 فضائل القرآن لابن كثير (ص051 وما بعدها)

عدد الصفحات ٨٦

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 87 ووافقه الألبانِّ في إحدى تعليليه، فقال"ولا يشكل على هذا ما ثبت عن بعض السلف مما هو خلاف هذه السنة الصحيحة، فإن الظاهر أنها لم تبلغهم"2 . أما نحن، فقد ب ل غ نا النهي عن الإسراع، ولا يستطيع الواحد منا أن يتفهم ويتفكر مع هذه السرعة. رابعا: من المعلوم أنهم كانت أوقاتهم أكثر بركة من أوقاتنا نحن لاسيما مع صلاحهم، وعمرانهم لأوقاتهم بالصالحات. وفي التعليق على حد يث [قال ابن حجر "و فيِ الحْ دِيثِ أ نَّ الْبرََكَةَ قَدْ تَقَعُ فيِ الزامَنِ الْيَسِيِ حَتاى يَقَعَ فِيهِ الْعَمَلُ الْكَثِيُ "0. و قال القاري: "و فِيه: الدّلا ل ة على أ ن الله ت ع الى يطوي الزامَان لمن يَشَاء من عباده "1 خامسا: أن م ا ورد عنهم في ذلك؛ لا يعني المداومة عليه، فقد يكون لاغتنام أمكنة أو أزمنة فاضلة، أو في حالات خاصة نادرة، لاسيما إذا كان ذلك الصحابي أو العالم لا يرى أن النهي على التحريم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "و لا ي لْز مُ إذ ا شرُِع فِعْلُ ذ لِك أ حْي ان ا لِب عْضِ النَّاسِ أ نْ ي كُون المُْد او م ةُ ع لى ذ لِك مُسْت ح بَّة ؛ وَلهَِذَا لمَْ يُعْلَمْ فيِ الصاحَابَةِ عَلىَ عَهْدِهِ مَنْ دَاوَمَ عَلىَ ذَلِكَ - أ عْنِي ع لى قِر اء تِهِ د ائِما فِيما دُون السَّبْعِ - و لهِ ذ ا ك ان الإِْم امُ أ حمْ د - ر حمِ هُ الله - ي قْر ؤُهُ فيِ كُلي س بْعٍ "1. 1 سلسلة الأحاديث الصحيحة5 /322) 2 فتح الباري لابن حجر3 /155) 3 عمدة القاري شرح صحيح البخاري23 /7) 4 مجموع الفتاوى21/127)

عدد الصفحات ٨٧

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 88 وقد مر بنا قول ابن الِوزي: "وقد لبس ع لى قوم بكثرة التلاوة فهم يه ُ ذُّ ون هذا من غي ترتيل ولا تثبت وهذه حالة ليست بمحمودة، و ق دْ روى ع نْ جماعة من السلف أنهم كانوا يقرأون القرآن فيِ كل يوم أ وْ فيِ كل ركعة ، وهذا يكون نادرا منهم ومن داوم ع ل يْهِ فإنه و إن كان جائزا، إلا أن الترتيل والتثبت أحب إِلىَ العلماء "2  التساؤل الثاني ماذا تقول في فتوى بعض العلماء بجواز الْسراع بالقراءة حتى وإن لم يكن الْنسان يفهم ما يقرأ؟ أولا: أنت بنفسك تقول (جواز)، فمعظم من يتكلم في ذلك من العلماء يتكلم في جواز (الإسراع في القراءة) في مقابل كلام من يقول بكراهة ذلك أو حرمته ، وبعضهم يتكلم في أفضلية الْسراع بالنسبة لمن لن يتمكن من الفهم بنفسه؛ لأنه ليست لديه أدوات الفهم لكتاب الله بنفسه، ولايتمكن من الفهم من خلال كتاب أو من خلال سؤال لغيره. لكن لا ينازع جَهورهم في أن القراءة المترسلة مع التفهم والتدبر أفضل وأنها (مُسْتَحَبة) ، يكفي أنها اتباع لسنة النبي () في القراءة، وأحب العمل إلى الله ما كان عليه رسول الله () .فما بال البعض يُصِْ على فعل (الجائز) الذي يراه بعض العلماء مكروها، ويترك الذي لا خلَف في استحبابه وأفضليته؟ قال الألبانِّ عن حديث النهي عن القراءة في أقل من ثلاث : "وهذا نص عام شامل لجميع الأشخاص ... فقد ذكر  أن كل من يقرأ القرآن في أقل من ثلاثلا يفقهه، ولا يفهمه الفهم المقصود من تلَوة القرآن ... 2 تلبيس إبليس (ص: 203)

عدد الصفحات ٨٨

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 89 وقد نسب- عليه الصلاة والسلام - كل من خالف ذلك إلى عدم الفقه - كما هو ظاهر معنى الحديث المذكور باللفظ الثانِّ (يقصد: لا يفقه من يقرأه في أقل من ثلاث). فالحق أنه لا يجوز قراءة القرآن في أقل من ذلك. وهو اختيار الإمام أحمد وغيره من الأئمة"1. ثانيا: كثير من فتاوى العلماء تُ سْ ت خد م في التدليل على (جواز الإسراع)، وهي في الأساس في (جواز أن يكثر الإنسان من القراءة لا أن يُسْقِط تفهمها أو تدبرها أو يهذها)، فنجد الزركشي مثلا يقول عن مدة الختم: "و المُْخْت ارُ و ع ل يْهِ أ كْث رُ المُْح قيقِين أ نَّ ذ لِك يخ ْت لِفُ بِح الِ الشَّخْصِ فيِ النَّ ش اطِ و الضَّعْفِ وَالتادَبُّرِ وَالْغَفْلَةِ "0. في الوقت الذي يقول فيه: "تكره قراءة الْقُرْآنِ بِلََ تَدَبُّرر " و ذكر لذلك شواهد ا منها، ذم النبي () للْخ و ارِجِ ، ثم قال عنهم: "ذ مَّهُمْ بِإِحْك امِ أ لْف اظِهِ وَتَرْكِ التافَهُّمِ لمَِعَانِيهِ "1 . لذا لابد أن نجمع كلام العلماء إلى بعضه ونفهمه في سياق واحد، فكيف يكون العالم من القائلين باستحباب القراءة بالتَتيل والتفهم والتدبر، ومن الذامين لتَك ذلك، ثم هو يوصي بأن يُقْرأ القرآن بلا تدبر أو تفهم ؟ إن المنقول عن أولئك العلماء وكأنه إجابة سؤال: ما هو الك م الذي نقرؤه؟ فيرون حينها ألا بأس بالإكثار ولو أن يختم في ليلة ، طالما يراعي الترتيل والتفهم . فقد ق ال الثَّوْرِيُّ: "لاَ بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَهُ فيِ لَيْلَةر إِذَا فَهِمْتَ حُرُوفَهُ "1 1 أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم0 /502) 2 البرهان في علوم القرآن2 /172) 3 البرهان في علوم القرآن2 /155) 4 مصنف عبد الرزاق الصنعا1 /151)

عدد الصفحات ٨٩

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 91 فالخلط بين (المدة) أقصد: المدة التي يختم فيها القرآن أو كم المقروء، (والكيفية) أقصد: الكيفية التي يقرأ بها القرآن، هو الذي أوقع في هذا اللبس عند البعض. 2. فهناك م ن يرى أنهلاحَ دا للمدة أو الكَم المقروء، فله أن يختم في أي مدة، بأي كيفية المهم أن تكون قراءة، وهذا أندر الأقوال وأضعفها. 0. وهناك من يرى أنه لاحَدا للمدة أو الكَم المق روء، فله أن يختم في أي مدة، لكن ينبغي ألا تكون الكيفية هذاً أو هذرمةً، أي: لا تكون إسراعا يُسقط الحروف والأحكام. * ويلتحق بأصحاب هذا الرأي اختيار النووي مثلا لأولئك الذين لا يتمكنون من التفهم والتدبر؛ فيما يتعلق بمدة الختم، حيث يقول: "والاختيار أن ذلك يَتلف باختلَف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصِّ على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه ، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصِّ على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له ، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غي خروج إلى حد الملل والهذرمة"2 وهو كلام جامع في غاية النفاسة ، ربما كان أفضل ما قيل في الباب ، وقد أورده ابن حجر في الفتح أيضا واستحسنه0. في حين أنرأي النووي رحَه الله على العموم قد أفصح عنه بقوله: "و اتَّف قُوا ع لى كَرَاهَ ةِ الِْْفْرَاطِ فيِ الِْْسرَْاعِ و يُس مَّى الهْ ذُّ، ق الُوا: وَقِرَاءَةُ جُزْءر بِترَْتِيلر أَفْضَلُ 1 التبيان في آداب حملة القرآن (ص32) 2 فتح الباري لابن حجر2 /27)

عدد الصفحات ٩٠

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 91 مِنْ قراءة جزءين فيِ قَدْرِ ذَلِكَ الزامَنِ بِلََ تَرْتِيلر . ق ال الْعُل ما ءُ: و التََّْتِيلُ مُسْت ح بٌّ لِلتَّد بُّرِ و لأِ نَّهُ أ قْر بُ إلى الإِْ جْلا لِ و التَّوْقِيرِ وَأَشَدُّ تَأْثِيًا فيِ الْقَلْبِ؛ و لهِ ذ ا يُسْت ح بُّ التََّْتِيلُ لِلَْ عْج مِيي الَّذِي لا ي فْه مُ م عْن اهُ "2. وقال "ويحصل له أصل القراءة بقراءة الآيات القليلة، والمطلوب القراءة بالتدبخر والخشوع والخضوع"2 1. وهناك م نْ يرى أنه لاحَدا للمدة أو الكَم المقروء ، فله أن يختم في أي مدة، لكن ينبغي أن تكون الكيفية بالترتيل والتمهل والترسل ومراعاة التفهم والتدبر، وعليه يحُ م ل كلام معظم م ن أجاز عدم التقيد بالثلاثة أيام في الختم. * ويلتحق به أيضا قول ابن رجب في جواز عدم التقيد بالأيام الثلاثة في الختم في المواسم الفاضلة، حيث يقول: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك ، فأما في الأوقات المفضلة ... أو في الأماكن المفضلة ... فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما ... وعليه يدل عمل غيرهم"1 رغم أن رأيه على العموم قد أفصح عنه بقوله "و أ مَّا النَّصِيح ةُ لِكِت ابِ اللهَِّ، ف شِدَّةُ حُبيهِ و ت عْظِيمُ ق دْرِهِ، إِذْ هُو ك لا مُ الخْ الِقِ، وَشِداةُ الراغْبَةِ فيِ فَهْمِهِ، وَشِداةُ الْعِنَايَةِ لِتَدَبُّرِهِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ تِلََوَتِهِ لِطَلَبِ مَعَانِِّ مَا أَحَبا مَوْلاَهُ أَنْ يُفْهِمَهُ عَنْهُ، أَوْ يَقُومَ بِهِ لَهُ بَعْدَ مَا يُفْهِمُهُ "1. 2 المجموع0/222-222) 0 الِواهر الحسان في تفسير القرآن (2/205) 3 لطائف المعارف لابن رجب (ص272) 1 جامع العلوم والحكم2 /002)

عدد الصفحات ٩١

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 92 وقوله"وكان السلف يوصون بإتقان العمل وتحسينه دون الْكثار منه، فإن العمل القليل مع التحسين والإتقان، أفضل من ال كثير مع الغفلة وعدم الإتقان"2 1. وهناك م نلا يرى أنه يجوز له أن يَتم في أقل من ثلَثة أيام كما جاء في الحديث، ويؤكد طبعا على أنه لايجوز له أن تكون الكيفية بغي الترتيل والتمهل والتَسل ومراعاة التفهم والتدبر. وهو قول الجمهور كما نقله غير واحد، وهو ما نختاره هنا في الكتاب. ثالثا: أعتقد أن الأفضل للإنسان أن يكون في الأمان، فهل من السهل أن يُعَريض الْنسان نفسه للذم الوارد في القرآن والسُناة وكثير من كلام الصحابة والعلماء، ويتشبث بكلام م ن يقول بالِواز من العلماء مع تَام الاحتَام والتقدير لهم؟ هل من السهل أن يؤد ي الْنسان العبادة بصورة لم يؤدها بِا رسول الله ()؟ هل من السهل أن يعارض الإنسان هدي النبي () العملي والقولي بكلام أحدٍ من الناس كائنا من كان؟ كان الشافعي رضوان الله عليه يقول: "أجَع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ()؛ لم يكن له أن يدعها لقول أحد"0  التساؤل الثالث أليس كلما قرأ الْنسان عددا أكبر من الْروف حَصال كَماا أكبر من الْسنات، فالْرف بحسنة والْسنة بعشَّ أمثالها؟ 1 مجموع رسائل ابن رجب2 /150) 2 مدارج السالك0/113)

عدد الصفحات ٩٢

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 93 أو م نْ الذي قال أن الذي يقرأ ويُر كيز في فهم ما يقرأ لا ينال ذلك الثواب أيضا؟ ولعلك تقول لي: لكن الكم الذي سيقرؤه سيكون أقل. أقول: نعم، هذا في المرة أو المرات الأولى لكن بعد مرة أو أكثر سيكون قد فهم الآيات وتَ رَّن على أن يقرأ وهو يفهم. ثانيا: أيهما أكبر، ثواب النافلة أم ثواب الفريضة؟ القراءة بلا فهم أحسن أحوالها أنها نافلة، أما الفهم فهو فريضة، ووسيلة إلى غيره من الفرائض ، وبين النافلة والفرض كما بين السماء والأرض؛ فقد قال الله في الحديث القدسي "و م ا ت ق رَّب إِلي َّ ع بْدِي بِشي ْءٍ أ ح بَّ إِلي َّ ممَِّا افْتَ ضْتُ ع ل يْهِ "2، وقالتعالى: {أ مَّنْ هُو قَانِتٌ آن اء اللَّيْلِ س اجِد ا و ق ائِما يَُْذَرُ الآْخِر ة وَ يَرْجُو ر حمْ ة ر بيهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الاذِينَ يَعْلَمُونَ وَالاذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكارُ أُولُو الأْ لْب ابِ } [2] ثالثا حتى بِ لُ غ ة الأرقام، فإن ثواب عبوديات القلب، أعظم من ثواب عبوديات الجوارح، والفهم والتدبر والتفكر وا لتذكر وغيرها عبوديات للقلب، فلحظة (إخلاص ورحمة) انعقدت في قلب امرأة بغي سقت كلبا كانت سببا في غفران ذنوبها ونجاتها. فما بالكم بلحظات حياء أو خشية أو شوق أو رجاء انعقدت في قلب إنسان تفهم وتدبر ما يقرؤه ففاضت عينه؟! رابعا: إبِام ثواب العبادة لايعني أنها أقل قدرا، بل على العكس يعني أنها أرفع قدرا، فما لم يُصِّ ي ح بثوابه، فثوابه أعظم مما صُِيح به. إذا سألتك عن قيام الليل فستذكر لي من ثوابه الشيء الكثير، أما إذا سألتك عن ثواب صلاة الظهر فلن تجد في جعبتك الكثير لتخبرنِّ به، فهل معنى ذلك أن قيام الليل أفضل وأعظم ثوابا؟ 1 صحيح البخاري3 /225)

عدد الصفحات ٩٣

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 94 ولأنالمفروضات مقدورات ميسورات للجميع، فلا نجد ترغيبا عليها كذلك الذي نجده على المُستحبات أو النوافل؛ لأنها ليست في مقدور الِميع وإلا لِعل الله المستحبات أو النوافل فرائض. ولذلك فإنني أسأل: قد أخبرتَونا بثواب قراءة آية، فما هو ثواب فهمها؟ ما هو ثواب تدبرها؟ ما هو ثواب العمل بِا؟ ل ستُ بحاجة إلى إجابة لأنني أوقن أن ه ولاشك أكبر من ثواب القراءة بأضعاف مضاعفة. فلا تسمحوا للشيطان أن يشغلكم بالمفضول عن الفاضل، ويُغ رير بكم ويحرمكم من الثواب الكامل، تلك الحسنات المتَتبة على مجرد القراءة كالتمرة أو كوب العصي الذي يُقَدام للضيف بين يدي الوليمة العظيمة. قال ابن هبيرة: "من مكايد الشيطان: تنفيره عباد الله من تدبر القرآن لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر"2 وقال ابن القيم: "الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع أن يستعيذ بالله عز وجل منه"0  التساؤل الرابع هل معنى ذلك أن الذي يقرأ ولا يفهم، يأثم؟ 1 ذيل طبقات الحنابلة0 /253) 2 إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان2 /21)

عدد الصفحات ٩٤

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 95 نحن لا نقول بذلك، بل نرجو لكل م ن اتصل بالقرآ ن أي اتصال مشروع أن يكون مأجورا إن شاء الله، فالقرآن كتاب كريم، ولا يخلو المتصل به من بعض آثار كرمه من الخير والأجر. لكننا نخشى على ذاك الذي يستطيع أن يفهم وقد استبانت له أهمية وضرورية الفهم ثم هو يصِّ على تركه. ونقول في ذلك الباب ما يقوله الْمام أحَد رحَه الله؛ فقد ق ال ح رْبُ: س أ لْتُ أ حمْ د ع نْ السرُّْع ةِ فيِ الْقِر اء ةِ فَكَرِهَهُ إلاَّ أ نْ ي كُون لِس انُ الرَّجُلِ ك ذ لِك أ وْ لا ي قْدِرُ أ نْ ي تَ سَّل ، قِيل : فِيهِ إثْمٌ؟ ق ال أ مَّا الإِْثْمُ فَلََ أَجْترَِئُ عَلَيْهِ 2. إن كان أحمد رحمه الله – وهو م ن هو - لا يجتَىء عليه، فكيف نجتَىء عليه نحن أو غيرنا؟  التساؤل الخامس هناك أوقات تَر بي لا أستطيع فيها التفهم أو التدبر أو التركيز في القراءة، فهل أتوقف عن القراءة؟ بالعكس نحن نوصي دائما ألا نتوقف عن القراءة أبدا لأجل ذلك، بل نعتبر ذلك من مداخل الشيطان؛ فإنه يحاول بكل قوته أن يحول بينك وبين أي أجر، فيوهمك أنك لن تستطيع الفهم أو التدبر أو التَكيز الآن فلا تقرأ. لأنه يعلم أنك مأجور بمجرد القراءة، وأنك مأجور على الفهم بنيتك التفهم والتدبر طالما جاهدت وصدقت وإن لم تتمكن من ذلك، بل ويعلم أنك ما إن تشَّع في القراءة حتى تتحرر من وسوسته ومن كل ما أشغلك وصِفك فتنفتح لك المغاليق، وتتبدد العوائق ببركة الاتصال بالقرآن. 2 الآداب الشرعية والمنح المرعية (0/122)

عدد الصفحات ٩٥

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 96 وهذا هو الواقع فعلا، فما إن تشرع في القراءة حتى تأتيك الفتوحات؛ لأنمن بركات الْسنة الْسنة بعدها، والقرآن من أعظم أسباب يقظة القلب ونشاطه. قال ابن القيم: "الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخي، أو يدخل فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه ... وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له أكثر"2  التساؤل السادس هل معنى كلَمك أن الذي لا يُسن تفهم القرآن لايقرأ أو يسمع؟ بالعكس نحن نوصي دوما بالاتصال بالقرآن بأي طريقة مشَّوعة، وكُلُ ذلك خي، فطالما أنه لن يتمكن من الفهم يكثر من القراءة والسماع وما يستطيعه من صور الاتصال المشروعة بالقرآن وهو مأجور على كل ذلك إن شاء الله. لكننا نوصيه بألا يستسلم ويتوهم أنه لن يقدر على الفهم، فحتى لو كان لا يقرأ ولا يكتب العربية، فبإمكانه سماع التفسير الصوتي وهو متوفر الآن والحمد لله، وبإمكانه سؤال العلماء والدعاة وطُلاَّب العلم. إنني أتصور أن تكون هناك مشكلة عند البعض في القراءة أو التجويد؛ لكنني لا أتصور أن تكون هناك مشكلة عند أحد في أن يفهم رسالة الله إليه بسؤال غيره أو بسماع شرحها، فلا أعتقد أن اللغة أو القدرة على القراءة تعتبر عذرا للإنسان في ترك فهم رسالة الله إليه. لأن ربنا يوم أنزل القرآن بالعربية يعلم أن من عباده مَن لا يعرفونها، وأن منهم أجيال ستأتي من بعد لن تعرفها، وأن منهم من سيعيش حياته كلها لا يعرف كلمة عربية واحدة. 1 إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان2 /21)

عدد الصفحات ٩٦