المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن

شريف طه يونس

صفحة ٢ من ٩

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 17 وطالت الطقوسية (القيام) فأصبح في قواميسنا عبارة عن مجرد "تَارين لاختبار القدرة على الوقوف وإنجاز أكبر قدر من المقروء أو المسموع"، ولم ي عُد كما كان عند سلفنا "لحظات يخلو فيها القلب بالرب، يرتشف فيها من كؤوس المناجاة والقرب" ق ال () :"و رُبَّ ق ائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِ يَامِهِ الساهَرُ "2 وطالت الطقوسية (الصوم) فأصبح في قواميسنا عبارة عن مجرد "تجويع وتعطيش وحرمان "، ولم ي عُد "معراجا للروح وتهذيبا للنفس ووسيلة لتقوى الرحمن". أصبح الصوم فقط "إمساك عن المفطرات المباحات"، وغاب مقصوده الرئيس "الإمساك عن المؤذيات والمحرمات" قال الله: {ي ا أ يهُّ ا الَّذِين آم نُوا كُتِب ع ل يْكُمُ الصيي امُ ك ما كُتِب ع لى الَّذِين مِنْ ق بْلِكُمْ لَعَلاكُمْ تَتاقُونَ } [231] .وق ال ر سُولُ اللهَِّ () :«مَنْ لمَْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ف ل يْس للهَِِّ ح اج ةٌ فِِ أ نْ ي د ع ط ع ام هُ و شر اب هُ »0. و ق ال () أيضا: "رُبَّ ص ائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الجُْوعُ وَالْعَطَشُ "1 وطالت الطقوسية (الذِكْر والدعاء ) فأصبح في قواميسنا عبارة عن تعاويذ وتَتمات، ولم ي عُد برهانا على حب المذكور، وتحريرا وتطهيرا للقلب المأسور. وقد و صََّّ الله نبيه () و و صَّانا بحضور القلب عند ذكر ودعاء الرب؛ فقال {و اذْكُرْ ر بَّك فيِ ن فْسِك تَضََُّعًا وَخِيفَةً و دُون الِْ هْرِ مِن الْق وْلِ بِالْغُدُوي و الآْص الِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ } [025] . 2 مسند أحمد ط الرسالة21 /115) وصححه الأرناؤوط والألبانِّ في صحيح الِامع1122). وقال ابن عباس وغيره: "صلَة ركعتين في تفكر، خي من قيام ليلة والقلب ساه!" مجموع رسائل ابن رجب (2/150) 0 صحيح البخاري7 /235) 1 مسند أحمد ط الرسالة21 /115) وصححه الأرناؤوط والألبانِّ في صحيح الِامع1122)

عدد الصفحات ١٧

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 18 قال رسول ا() :"واعلموا أن ا لا يستجيب دُعاءً من قلبر غافلر لاهر "2 صريعُ الطقوسية ذاك الذي صلى ولم يُص لي، وقام ولم ي قُمْ، وصام ولم ي صُمْ، وذكر ولم ي ذْكُر، ودعا ولم ي دْعُ، هل تتخيل أنه سيبالي بأن يتحرر من الطقوسية ف تكون قراءته للقرآن قراءة عبودية؛ يتواطئ فيها قلبه مع لسانه ليفهم ويتدبر؟ وتلك الطقوسية التي طالت التعامل مع القرآن؛ فأضحت القراءة لمجرد القراءة، والسماع لمجرد السماع ، هي أبشع وأخطر مظاهر الطقوسية في حياة المسلمين على الإطلاق؛ لأن حُسن التعامل مع القرآن من شأنه أن يكون سببا في إصلاح كل العبوديات التي يؤديها الإنسان. لقد سيطرت الطقوسية فعلا على تعاملنا مع القرآن الكريم؛ وأغفلنا الكثير من جوانب العبودية لاسيما العبوديات القلبية. فرغم أننا جميعا على يقين أن الله إنما أنزل القرآن لنعمل به؛ إلا أن واقعنا يحكي متألما أن الكثير م نا لا يبالي بما أنزل الله القر آن لأجله؛ فمعظم اهتمامنا مُنْصَ بٌّ على المبانِّ (الألفاظ)؛ وهناك إهمال مُرَ ويع للمعانِّ ؛ فنحن تقريبا الأمة الوحيدة التي تقرأ كتابها المقدس للقراءة، رغم أن كل الناس يقرأون ليُ ح صي لوا العلم والعمل؛ بل إن الشيء الوحيد في حياتنا الذي نقرؤه للقراءة هو القرآن الكريم. نحن لا نقرأ لائحة العمل في مؤسساتنا ، ولا دليل استخدام سياراتنا لمجرد القراءة؛ لكن لم نتمكن من إقامة القرآن مقام مقالة في جريدة نقرؤها ونفهمها وأحيانا نحللها ونخرج منها بواجبات عملية. 2 السلسلة الصحيحة0 /21)

عدد الصفحات ١٨

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 19 إننا حين تصلنا رسالة ممن نثق في علمه وحكمته ممن يحبوننا ونحبهم من البشر؛ فإننا ننشغل بمعانيها أكثر من الانشغال بمبانيها؛ فنفهمها ونتدبرها ونعمل بما أوصانا به أولئك الذين يحبوننا. لكننا في الوقت ذاته لا نفعل ذلك مع أعظم رسالة في الوجود (القرآن الكريم) رسالة الله لنا. قال تعالى: {الَّذِين يُب ليغُون رِسَالاَتِ اللهاِ و يخ ْش وْن هُ و لا يخ ْش وْن أ ح د ا إِلاَّ اللهَّ و ك ف ى بِاللهَِّ ح سِيب ا } [12] أغلب مجهوداتنا - للَسف - منصِّفة للمبانِّ؛ فنُق ديم الْروف على الْدود، وننشغل بالرواية على حساب الدراية والرعاية ، ونهتم بالقرآن (التلاوة والتجويد وحفظ الرواية) على حساب الْيمان الكامل بالقرآن (الفهم والتدبر والعمل). إن حقوق مبانِّ القرآن تخضع لعملية (تهويل) رهيبة، أما حقوق المعانِّ فتتعرض لعملية (تهوين) عجيبة، وبين التهويل والتهوين، غابت الأولويات في التعامل مع كتاب رب العالمين، وصارت الدعوات المنادية بإعطاء كل ذي حق حقه، وإعادة الأمور إلى نصابها دعوات مُسْتهجنة من كثير من المسلمين ، بل أحيانا من كثير من المتخصصين والمتصدرين. لقد تعرضت حقوق المعانِّ لعملية سطو من حقوق المبانِّ، فاحتلت المبانِّ مساحات واسعة من تلك التي تخص المعانِّ، وياليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل تم إهمال المساحة المخصصة للمعانِّ. وبلغ السطو والاحتلال والتغرير أبشع صوره حين أصبحت المصطلحات التي تصف حقوق المعانِّ تُف سرَّ بعبارات تختص بالمبانِّ؛ فصار معنى (العمل بالقرآن ) "تلاوة ألفاظه "، وحدثت انتكاسة مفاهيمية مُفزعة ، وأُ رِ يْ ق ت على عتبات الم بانِّ المفاهيم السديدة لحقوق المعانِّ، وصارت غريبة غربة نوح في وسط قومه.

عدد الصفحات ١٩

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 21 وهذا ما جعل ابن مسعود رضي الله عنه يقول«أنزل عليهم القرآنليعملوا به فاتّخذوا درسه عملًَ ، إنّ أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتَته، ما يسقط منه حرف ا، وقد أسقط العمل به»2. ووافقه في توصيف تلك الفاجعة الْفُض يْلُ حين قال: "إِنَّما ن ز ل الْقُرْآنُ لِيُعْم ل بِهِ فَاتّاَذَ النااسُ قِرَاءَتَهُ عَمَلًَ "0. وأبو حازم حين أعلن متوجعا: «ر ضيِ النَّاسُ مِن الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ ، و ر ضُوا مِن الْفِعْلِ بِالْق وْلِ »1 . إننا– باختصار - نعانِّ اليوم من خلل في التصورات أفرز خللا في السلوكيات، جعلنا نهتم بالوسيلة على حساب الغاية، وننشغل بالأعراض على حساب الأمراض، ونُق ديم التَبية الكمية على التَبية الكيفية النوعية ، ونؤثر الإسراع والتعجل على التأنِّ والتمهل، فنجحنا في تشييد البنيان وأخفقنا في بناء إنسان الْيمان والعمران؛ لأننا ق دَّمنا الحضارة العمرانية على الحضارة الْيمانية. ودعونِّ أُ ل ـخي ص لكم سبب كل تلك الإشكاليات والانفصامات في عبارة واحدة "الْياد عما أوصى به الله في التعامل مع القرآن، ومخالفة المنهج النبوي في تعلم القرآن وتدبره والعمل به وتعليمه". فالعناية بمعانِّ القرآن (لا مجرد القراءة أو الْفظ) عصمة وهداية وسعادة؛ قال تعالى: {ف م نِ اتابَعَ هُد اي ف لا ي ضِلُّ و لا ي شْق ى } [201]، وقال سبحانه{ف م نْ تَبِعَ هُد اي ف لا خ وْفٌ ع ل يْهِمْ و لا هُمْ يح ْز نُون } [13]. واتباع منهج ال نبي () عصمة؛ قال تعالى: {و إِنْ تُطِيعُوهُ تهَْتَدُوا } [51]، وقال سبحانه{و أ طِيعُوا الرَّسُول ل ع لَّكُمْ تُرْحََُونَ } [53] 2 الِواهر الحسان في تفسير القرآن2/211) 0 اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي (ص73) 1 اقتضاء العلم العمل (ص32)

عدد الصفحات ٢٠

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 21 فهيا أيها الحبيب، عاهد الرحمن من الآن على تصحيح القاموس، ولتكن البداية من القرآن. و طين نفسك أنك حين تقرأ أو تس مع بلا فهم أو تدبر فكأنك لم تقرأ، وحين تفهم أو تتدبر بلا اتباع فكأنك لم تفهم أو تتدبر. ت أ مَّ ل معي، كيف كانت العاقبة لما أصاب القاموس الخلل عند الخوارج: فقد وصفهم الرسول ﷺ بقوله: "ق وْمٌ ي قْر ءُون الْقُرْآن بِأ لْسِن تِهِمْ لاَ يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ ي مْرُقُون مِن الديينِ ك ما ي مْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ "2. وقال أيضا«ي تْلُون كِت اب اللهَِّ لَيينًا رَطْبًا (سهلا يواظبون على قراءته ويجودونه)، لاَ يجَُاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ »0. قال النووي«أ يْ: ي تْلُون كِت اب اللهِ س هْ لِكَثْرَةِ حِفْظِهِمْ »1. وق ال«المُْر ادُ أ نهَُّمْ لَيْسَ لهَُمْ فِيهِ حَظٌّ إِلاا مُرُورَهُ عَلىَ لِسَانهِِمْ لا ي صِلُ إِلى حُلُوقِهِمْ ف ضْلا ع نْ أ نْ ي صِل إِلى قُلُوبهِِمْ لأِ نَّ المْ طْلُوب تَعَقُّلُهُ وَتَدَبُّرُهُ بِوُقُوعِهِ فيِ الْقَلْبِ »1. وقال الزركشي: "ذ مَّ هم بإحكام ألفاظه وترك التفهم لمعانيه"5 وت أ مَّ ل معي كيف كان معنى "العلاقة بالقرآن" في قاموس سلف الأمة: ففي قاموسهم ت ع لُّ م القرآن يساوي القيام بحقوقه كاملة، وحِ فْ ظ القرآن يساوي حِ فْ ظ المبانِّ (الرواية) والمعانِّ (الدراية) والعمل (الرعاية)؛ فقد قال ابن مسعود: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بِن"3 2 صحيح مسلم1 /223) 0 صحيح البخاري5/231). 1 شرح صحيح مسلم للنووي1/02.) 1 فتح الباري لابن حجر20/021.) 5 البرهان في علوم القرآن2 /155) 3 تفسير الطبري2/32)، وقال الشيخ شاكر"هذا إسناد صحيح. وهو موقوف ... ولكنه مرفوع معنى"

عدد الصفحات ٢١

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 22 وفي قاموسهم، م ن يقرأ ولم يتفهم ويتدبر فكأنه لم يقرأ؛ فقد ذُكِر لعائشة رضي الله عنها أ نَّ ن اس ا ي قْر ءُون الْقُرْآن فيِ اللَّيْل ةِ م رَّة ، أ وْ م رَّت ينِْ، ف ق ال تْ: "أُولَئِكَ قَرَءُوا، وَلمَْ يَقْرَءُوا "1،وقال علي رضي الله عنه: "لا خ يرْ فيِ عِب اد ةٍ لا عِلْم فِيه ا، و لا عِلْم لا فِقْه فِيهِ، وَلاَ قِرَاءَةَ لاَ تَدَبُّرَ فِيهَا "0 لـماَّ كانت قواميسهم صحيحة ، و طَّ نوا النفس على الصوا ب، فاهتدوا وهدوا، ورشدوا وأرشدوا. لو و طَّ نت نفسك على أنك لو قرأت بلا فهم ولا تدبر كأن لم تقرأ، ألن تفهم وتتدبر؟ لو و طَّ نت نفسك على أنك لو حفظت المبانِّ فقط كأن لم تحفظ، ألن تفهم المعانِّ وتعمل؟ لو ص حَّ حْ ت قاموس هجر القرآن، فأيقنت أن دائرة هجره تتسع لتشمل كل حقوقه؛ من تلاوة واستماع وضبط وحفظ وفهم وتدبر واتباع وتداوٍ وتحكيم ودعوة وتعليم، ألن تجتهد حينها في أن توفي القرآن حقوقه؟ ويحكي الغزالي في الإحياء عن بعض السلف قوله: "آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدخ لها ثوابًا "1. وما أروع هذا المبدأ في سياسةالنفس، والتحرر من الأوهام وما تتسبب فيه من حبس! فقد أ لْ ز م ذلك الصالح نفسه بالتدبر والتفهم، و و طَّ ن نفسه على أن قراءته لا ينبغي أن تنزل عن هذه الرتبة. 2 مسند أحمد ط الرسالة12 /255)، وصححه الأرناؤوط 0 الدارمي في المقدمة2 /222) برقم027)،تفسير القرطبي (21 /111.) 1 إحياء علوم الدين (0 /13)

عدد الصفحات ٢٢

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 23 ولا ننكر أن القرآن كريم، لا يتصل به أحد بأي لون من الاتصال إلا عاد بفضل عظيم وخير عميم، لكن الفضل الأعظ م والخير الأعم لمن ارتقت صلته بالقرآن فاعتبر أنه إن لم يقم بحقوقه على مراد الله فكأنما هجره. ولذلك فإن المشكلة أن الشيطان يُ ص وي ر لنا ألا بأس في قراءة بلَ تفهم ولا تدبر، ولا ضير في حفظ بلا اتباع؛ فإذا تَكن عدو الله من تقرير هذه النقطة في النفس؛ ترقى في تزيينه ووسوسته إلى ما هو أبشع، فيزين للإنسان أن مجرد القراءة أهم وأكبر ثوابا من التفهم والتدبر، وأن مجرد الحفظ أهم وأعظم أجرا من الاتباع. قال ابن القيم: "الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به الم تكلم سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع أن يستعيذ بالله عز وجل منه ... وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتَاض الشيطان له أكثر"2 تلك أوهام كانت من نسج الشيطان؛ لأن مراده أن يهُلك الإنسان، وإن لم يتمكن من تزهيده في العمل، ناضل ليقلل انتفاعه به بأن يشغله بالمفضول عن الفاضل. لكن المشكلة الأكبر أن الإنسان نفسه صار يُص ديق تلك الأوهام وغيرها، وصار يتولى بنفسه إشاعتها والتنظير لها ، بل وأضاف لتلك الأوهام أوهاما أخرى، وصارت تلك الأوهام هي عقبته الكبرى. فما هي تلك الأوهام؟ وكيف نشأت؟ وكيف نتحرر منها؟ هذا ما نتعرف عليه في السطور القادمة إن شاء الله. 1 إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان2 /21)

عدد الصفحات ٢٣

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 24 الأوهام التي تَ حول دون فهم القرآن مسألة فهم القرآن في واقع المسلمين يكتنفها أوهام؛ تسببت في هروب الكثير من المسلمين من فهم القرآن؛ وأرى أن كلمة (هروب) تعبر تعبيرا دقيقا عن الحالة التي وصل إليها كثير من المسلمين اليوم في التعامل مع القرآن؛ إنه هروب عن عمد مع سبق الْصرار والترصد. وإنْ ت عْ ج ب من هروب جماهير المسلمين من تفهم القرآن مرة؛ فلابد أن تعجب من هروب كثير من المعتنين بالقرآن ألف مرة. وفي سبيل شرعنة ذلك الهروب أوقع الشيطان الكثير من المسلمين في أوهام حالت بينهم وبين الفهم؛ نحاول في السطور القادمة - إن شاء الله - تسليط الضوء عليها؛ ورصدها وعلاجها؛ ويمكننا تلخيص أبرز تلك الأوهام في الشكل التالي: الأوهام التي تحول دون فهم القرآن. (1 )ليست يناك مشكلة في أن نقرأ بلا فهم. (2 )القراءة السريعة بلا تاهم أعظم أجرا. (3 )ضعف القدرة الشخصية على الاهم أصلا. (4 )ليس من السهل فهم القرآن. (5 )محاولة فهم القرآن، تعتبر قولا في القرآن بالرأي ويو مُحَرَّم .

عدد الصفحات ٢٤

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 25 الوهم الأوللا بأس أن نقرأ ولا نفهم لطالما كنت أقول: ويلي! مَن ذا الذي خدعنا وأوهمنا أنه "لا بأس أن نقرأ ولا نفهم"؟!! ولماذا استجبنا لمن أوهمنا بذلك؟!! ولماذا تَ دَ نا ى طموحنا فيما يتعلق بالقرآن؛ فصِّنا نرضى بأن نفعل الِائز "القراءة بدون فهم "، ونترك الفرض أو المستحب على أقل التقديرات "الفهم"؟!! نحن لا تنقصنا "مهارات" أو "خبرات"؛ بقدر ما تنقصنا "الْرادات"، نحن باختصار: لانريد أن نفهم، لأننا قد توهمنا أنه لابأس بأن نقرأ بلا فهم، وتم التغرير - بدون قصد غالبا - بنا حين زعم البعض أن القراءة بلا فهم أعظم أجرا من القراءة بفهم. يقول ابن القيم متوجعا : "تركوا التدبر المأمور به، والتذكر والعقل لمعانِّ النصوص الذي هو أساس الإيمان وعمود اليقين، وأعرضوا عنه بقلوبهم، وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك، وظنوا أنها أنزلت للتلَوة والتعبد بِا دون تعقل معانيها وتدبرها والتفكر فيها"2. ويقول"حتى إن كثيرا من المنتسبين إلى السنة يعتقدون أن طريقة السلف هي الْيمان بألفاظ النصوص والْعراض عن تدبر معانيها وتفقهها وتعقلها"0 نحن- تقريبا – الأمة الوحيدة الآن في العالم التي تقرأ كتابِا المقدس "للقراءة"!!!! بل القرآن هو الكتاب الوحيد الذي نقرؤه للقراءة!!!! 2 الصواعق المرسلة0 /101) 0 الصواعق المرسلة1 /2211)

عدد الصفحات ٢٥

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 26 فلا تجد أحدا منا يشتَي كتابا يحمل عنوانا يجذبه؛ ويقرؤه للقراءة، بل لا نجد أحدا يقرأ مقالا في جريدة ثم تسأله عن مضمون ما كان يقرأ؛ فيكون جوابه: "إنما كنت أقرأ للقراءة". إنها مفارقات عجيبة؛ فمتى ننتقل في التعامل مع القرآن من "الطقوسية" إلى "العبودية"؟ متى نرتفع عن التعامل مع القرآن وكأنه ترانيم أو تعاويذ؟ ونقدره حق قدره، فنفهم معانيه، ونتدبر ما فيه؟ أولا: القرآن يؤكد على أهمية وضرورية الفهم:  لقدذ مَّ الله عزوجل اليهود لكونهم قد حَلوا أمانة المبانِّ وأهملوا المعانِّ؛ بل لم يعتبرهم قد حملوا الأمانة أصلا؛ فقال تعالى: {م ث لُ الَّذِين حمُيلُوا التَّوْر اة ثُما لمَْ يَُْمِلُوهَا ك م ث لِ الحِْما رِ يح ْمِلُ أ سْف ار ا بِئْس م ث لُ الْق وْمِ الَّذِين ك ذَّبُوا بِآي اتِ اللهَِّ و الله لا يه ْدِي الْق وْم الظَّالمِِين } [5 .] ومعنى (حمُيلُوا التَّوْراة كلفوا علمها والعمل بِا، (ثُمَّ لم ْ يح ْمِلُوها) ثم لم يعملوا بِا، فكأنهم لم يحملوها1. وقال أهل المعانِّ: وهذا المثل يلحق من لم يفهم معانِّ القرآن ولم يعمل به وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه0. يقول القرطبي "و فيِ ه ذ ا ت نْبِيهٌ مِن اللهَِّ ت ع الى لمِ نْ حم ل الْكِت اب أَنْ يَتَعَلامَ مَعَانِيَهُ وَيَعْلَمَ مَا فِيهِ ، لِئ لاَّ ي لْح ق هُ مِن الذَّمي ما لحق هؤلاء "3 2الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل1 /512) 0 التفسير البسيط02 /152) 1 تفسير القرطبي23 /21)

عدد الصفحات ٢٦

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 27 ويقول ابن كث"و ك ذ لِك ه ؤُلا ءِ فيِ حم ْلِهِمُ الْكِت اب الَّذِي أُوتُوهُ، حَفِظُوهُ لَفْظًا وَلمَْ يَفْهَمُوهُ وَلاَ عَمِلُوا بِمُ قْتَضَاهُ ، ب لْ أ وَّلُوهُ و ح رَّفُوهُ و ب دَّلُوهُ، ف هُمْ أ سْو أُ ح الا مِن الحْ مِيرِ؛ لأِ نَّ الحِْما ر لا فهم ل هُ، و ه ؤُلا ءِ له ُمْ فُهُومٌ لم ْ ي سْت عْمِلُوه ا "1  ويذم القرآن م ن نصيبه من القرآن؛ التلاوة فقط بلا تفهم؛ فيقول تعا {و مِنْهُ مْ أُمييُّون لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاا أَمَانِِّا و إِنْ هُمْ إِلاَّ ي ظُنُّون } [73.] فَيََ ى معظم المفسَّين (كمكي بن أبي طالب والماوردي والبغوي والزمُشري وابن عطية وابن الِوزي والقرطبي والبيضاوي والخازن وأبو السعود والشوكانِّ والآلوسي وص ديق حسن والقاسمي ورشيد رضا وغيرهم0) أن التمني في هذا الموضع يأتي بمعني (القراءة). فقد قال مكي: "فهم لا يعلمون منه إلا التلاوة ولا يفهمونه ولا يعملون به"1، وقال البغوي: "و هِي جم ْ عُ الأُْمْنِيَّةِ و هِي التيلا و ةُ ... و قِيل : ي عْل مُون هُ حِفْظ ا و قِ ر اء ة لاَ يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ. و ق ال ابْنُ ع بَّاسٍ: ي عْنِي غَيَْ عَارِفِينَ بِمَعَانِِّ الْكِتَابِ "1، وقال القرطبي: "و الأْ م انُِِّّ جم ْعُ أُمْنِيَّةٍ و هِي التيلََوَةُ ... و مِنْهُ ق وْلُهُ ت ع الى : "إِلاَّ إِذا تَ نَّى أ لْق ى الشَّيْطانُ فيِ أُمْنِيَّتِهِ " أ يْ إِذ ا ت لا أ لْق ى الشَّيْط انُ فيِ تِلا و تِهِ "5 . 2 تفسير ابن كث3 /227) 0 انظر: تفسير ابن عطية2 /232)، تفسير الماوردي2 /252)، زاد المس2 /32)،تفسير الزمُشري (2 / 257)، تفسير الخازن2 /53)، وكلام الباقين يأتي بمراجعه بعد 1 الهداية الى بلوغ النهاية2 /102) 1 تفسير البغوي2 /221) 5 تفسير القرطبي0 /3)

عدد الصفحات ٢٧

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 28 وقال البيضاوي"إلا ما يقرءون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره"2. وقال أبو السعود: "يتلقَّوْنه قدْر ما يُتلى عليهم فيقْب لونه من غي أن يتمكنوا من التدبر فيه"0. وقال الشوكا"و قِيل : الأْ م انُِِّّ: التيلََوَةُ ... أ يْ: لا عِلْم له ُمْ إِلاَّ مجُ رَّدُ التيلا و ةِ مِنْ دُونِ ت ف هُّمٍ و ت د بُّرٍ "1. وقال الآلو "وقيل: إلا ما يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره ... وإما على سبيل الأخذ من الغير فكثيرا ما يقرؤون من غي علم بالمعانِّ، ولا بصور الحروف"1. وقال صديق حسن"أي لا علم لهم إلا مجرد التلاوة من دون تفهم وتدبر، وقراءة عارية عن معرفة المعنى"5. وقال القاسمي"لا يعلمون الكتاب، لكن يتلقونه قدر ما يتلى عليهم؛ فيقبلونه من غي أن يتمكنوا من التدبر والتأمل فيه"3. وقال رشيد رضا: "و ق دْ و ر د التَّم نيي بِم عْن ى الْقِرَاءَةِ ... و ه ذ ا النَّوْعُ مِن التَّم نيي ق دْ ب ر ز فِيهِ المُْسْلِمُون ح تَّى س ب قُوا م نْ ق بْل هُمْ، ف ق دْ أ مْس وْا أ كْث ر الأُْم مِ تِلا و ة لِكِت ابهِِمْ، وَأَقَلاهُمْ فَهْماً لَهُ وَاهْ تِدَاءً بِهِ "7 ويقول ا لِوهري في سر تسمية القراءة (أمنية): "والتلاوة سُمييت: أُمنية، لأنّ تالي الْقُرْآن إِذا مرخ بِآيَة رَحََْة تَنخاها، و إِذا مرّ بِآي ة ع ذ اب تَنخى أ ن يُوقّاه"3 2 تفسير البيضاوي2 /32) 0 تفسير أبي السعود2 /222) 1 فتح القدير للشوكا2 /200) 1 تفسير الألو2 /120) 5 فتح البيان في مقاصد القرآن2 /027) 3 تفسير القاسمي2 /117) 7 تفسير المنار2 /023) 3 تهذيب اللغة25 /131)

عدد الصفحات ٢٨

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 29 ومعظمأولئك المفسَّين يرى أنها تحتمل معانِّ أخرى (بالإضافة لمعنى القراءة)؛ كالأكاذيب أو التمنيات أو التقدير. في حين لم يذكر البعض الآخر إلا (القراءة) فقط كالواحدي والسعدي؛ فقد قال الواحدي: "والأمنية في هذه الآية: التلَوة"2، وقال السعدي: {"لا ي عْل مُون الْكِت اب إِلا أ م انِِّ } أي: ليس لهم حظ من كتاب ا إلا التلَوة فقط"0. وقال الرازي: "وَقَالَ الأَْكْثَرُونَ: حََْلُهُ عَلىَ الْقِرَاءَةِ أَوْلىَ ... و لأِ نَّ حم ْل هُ ع لى الْقِر اء ةِ أ لْي قُ بِط رِيق ةِ الاِسْتِثْن اءِ لأِ نَّا إِذ ا حم لْن اهُ ع لى ذ لِك ك ان ل هُ بِهِ ت ع لُّقٌ ف ك أ نَّهُ ق ال : لا ي عْل مُون الْكِ ت اب إِلاَّ بِق دْرِ م ا يُتْلى ع ل يْهِمْ ف ي سْم عُون هُ و بِق دْرِ م ا يُذْك رُ له ُمْ ف ي قْب لُون هُ، ثُمَّ إِنهَُّمْ لا ي ت م كَّنُون مِن التَّد بُّرِ و التَّأ مُّلِ، و إِذ ا حمُِل ع لى أ نَّ المُْر اد الأْ ح ادِيثُ و الأْ ك اذِيبُ أ وِ الظَّ نُّ و التَّقْدِيرُ و ح دِيثُ النَّفْسِ ك ان الاِسْتِثْن اءُ فِيهِ ن ادِر ا "1 وبعد أن ذكر ابن عاشور المعانِّ المحتملة لكلمة (الأمانِّ) رجح أن معناها هنا (التمنيات)؛ فقال: "و ق دْ قِيل الأْ م انُِِّّ الْقِر اء ةُ أ يْ لا ي عْل مُون الْكِت اب إِلاَّ ك لِ ما ت يحفظوها و ي دْرُسُونه ا لا ي فْق هُون مِنْه ا م عْن ى ك ما هُو ع اد ةُ الأُْم مِ الضَّالَّةِ إِذْ تَقْتَصُِْ مِنَ الْكُتُبِ عَلىَ السَّاْدِ دُونَ فَهْمر ... و عِنْدِي أ نَّ الأْ م انَِِّّ هُن ا التامَنييااتُ و ذ لِك نهِ اي ةٌ فيِ و صْفِهِمْ بِ الِْ هْلِ المُْر كَّبِ أ يْ هُمْ ي زْعُمُون أ نهَُّمْ ي عْل مُون الْكِت اب و هُمْ أُمييُّون لا ي عْل مُون هُ و ل كِنَّهُمْ ي دَّعُون ذ لِك "1 2 التفسير البسيط1 /33) 0 تفسير السعدي (ص53) 1 تفسير الرازي1 /531) 1 التحرير والتنوير (2 /575)

عدد الصفحات ٢٩

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 31 أما الطبري فيرى أن "التمني" في هذا الموضع، هو "تّلق الكذب وتّرصه وافتعاله"2. ونقل ابن كثير نقولات عن الط ي بما فيه ترجيح الطبري ولم يذكر معنى (التلاوة)0. ثانيا: الرسول يؤكد على أهمية وضرورية الفهم بأقواله وأحواله  ولقد نهى  عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام؛لتعارضه مع الفهم، ومنه يتبين تأكيده على الفهم وأهميته؛ فقد قال  لعبد الله بن عمرو "ف اقْر أهُ فيِ ث لا ثٍ، و لا ت زِدْ ع لى ذ لِك ، ف إنَّهُ م نْ ق ر أ الْقُرْآن فيِ أ ق لَّ مِنْ ث لا ثٍ لمَْ يَفْقَهْهُ "1. و رواية: "لمَْ يَفْقَهْ م نْ ق ر أ الْقُرْآن فيِ أ ق لَّ مِنْ ث لا ثٍ "1. وفي رواية أنه  قال له «ف اقْر أْهُ فيِ س بْعٍ وَلاَ تَزِدْ عَ لىَ ذَلِكَ »5 قال العظيم آبادي "(لا ي فْق هُ) أ يْ لا ي فْه مُ م ع انِِّ الْقُرْآنِ و لا ي ت د بَّرُ فِيه ا و لا ي ت ف كَّرُ ... وَهَذَا نَصٌّ صرَِيحٌ فيِ أَناهُ لاَ يََْتِمُ الْقُرْآنَ فيِ أَقَلا مِنْ ثَلََثَةِ أَياامر "6 قال ابن كث "وقد كره غي واحد من السلف قراءة القرآن فِ أقلي من ثلاثٍ، كما هو مذهبُ أبى عبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الخلف أيض ا "7. 2 تفسير الطبري0 /030) 0 تفسير ابن كث2 /122) 1 رواه أحمد3515) وصححهالألبانِّ والأرناؤوط. وأورده عبد الرزاق في مصنفه (1 /153) بلفظ«م نْ ق ر أ هُ فِيما دُون ث لا ثٍ لمَْ يَفْهَمْهُ » 4 رواه التَمذي0212)، وصححه الألبانِّ،انظر الصحيحة (0133) 5 صحيح البخاري3 /227) 6 عون المعبود1 /237) 7 فضائل القرآن لابن كثير (ص051 وما بعدها)، فتح الباري لابن حجر (2 /27) .قال المباركفوري تحفة الأحوذي (3 /023) :"و المُْخْت ارُ عِنْدِي م ا ذ ه ب إِل يْهِ الإِْم امُ أ حمْ دُ و إِسْح اقُ بْنُ ر اهْو يْهِ و غ يرُْهمُ ا "

عدد الصفحات ٣٠

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 31 قال الألبا"وهذا نص عام شامل لجميع الأشخاص ... فقد ذكر  أن كل من يقرأ القرآن في أقل من ثلاث لا يفقهه، ولا يفهمه الفهم المقصود من تلَوة القرآن ... وقد نسب - عليه الصلاة والسلام - كل من خالف ذلك إلى عدم الفقه - كما هو ظاهر معنى الحديث المذكور باللفظ الثانِّ (يقصد: لا يفقه من يقرأه في أقل من ثلاث). فالْق أنه لا يجوز قراءة القرآن في أقل من ذلك. وهو اختيار الإمام أحمد وغيره من الأئمة"1.  ونهى الرسول  عن الاستَسال في العبادة التي لافهم معها؛ فقال« :إِذ ا ق ام أ ح دُكُمْ مِن اللَّيْلِ، ف اسْت عْج م الْقُرْآنُ ع لى لِس انِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ ، ف لْي ضْط جِعْ »0 .قال ابن هُب يرْ ة "لا ينبغي للإنسان أن يقرأ حتى يعلم ما يقرأ؛ لأن المراد من القراءة تدبرها؛ فإذا غلب النوم حال بين التالي وبين المقصود"1  وكان يشدد عالقارئ في فهم ما يقرأ لكيلا يقع في خطأ، فقد قال: "إِنَّ ه ذ ا الْقُرْآن أُنْزِل ع لى س بْع ةِ أ حْرُفٍ، ف اقْر ءُوا و لا ح ر ج ، و ل كِنْ لاَ تَّْتِمُوا ذِكْرَ رَحََْةر بِعَذَا بر، وَلاَ ذِكْرَ عَذَابر بِرَحََْةر "1. 1 أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم0 /502) 0 صحيح مسلم2 /511) 1 الإفصاح عن معانِّ الصحاح5 /033) 1 انظر: الصَّحِيح ة 2037) .قلتُ: وفي هذا الحديث وما يليه دليل على ذم ذلك التنطع والتشديد الْاصل من البعض في تعليم تلَوة القرآن وتجويده؛ الفرض هو ألا يلحن لحنا جليا، والمطلوب ألا يخطىء خطئا فاحشا. فينبغي أن نتعامل مع الأمر بلَ تهوين، ولاتهويل؛ لأن الله قد أنزله على سبعة أحرف تيسيا على الناس، فما بال بعض إخواننا وأخواتنا يعسرونه على الناس، ويقنطونهم من إحسان تلاوته؟!!!!! فما بالهم يُلْزِمون الناس بما لم يلزمهم به الله، ويضيقون ما و سَّ عه سبحانه؟!!!!

عدد الصفحات ٣١

الهروب من الفهم الأوهام التي تحول دون فهم القرآن 32 وقال يوما"ي ا عُم رُ، إِنَّ الْقُرْآن كُلَّهُ ص و ابٌ مَا لمَْ يجُْعَلْ عَذَابٌ مَغْفِرَةً أَوْ مَغْفِرَةٌ عَذَابًا "2  وأنكر تقديم الناس للَجمل صوتا رغم علمهم أنه الأقل فهما وفقها؛ فق ال ر سُولُ اللهَِّ  :"بادِرُوا بِالمْ وْتِ سِتًّا: إِم ار ة السُّف ه اءِ، و ك ثْر ة الشرُّ طِ، واسْتِخْف اف ا بِالدَّمِ، و ق طِيع ة الرَّحِمِ ، و ن شْئ ا ي تَّخِذُون الْقُرْآن م ز امِير ، يُق ديمُون الرَّجُل لِيُغ نيي هُمْ وَإِنْ كَانَ أَقَلاهُمْ فِقْهًا "0 حِرْصُه () على الفهم قال تعالى: {لا تحُ ريكْ بِهِ لِس ان ك لِتَعْجَلَ بِهِ (23) إِنَّ ع ل يْن ا جم ْع هُ و قُرْآن هُ 27 ) ف إِذ ا ق ر أْن اهُ ف اتَّبِعْ قُرْآن هُ 23) ثُمَّ إِنَّ ع ل يْن ا ب ي ان هُ } [23 - 22] قال الزمُشري«فأمر بأن يستنصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه، حتى يقضى إليه وحيه، ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه ... كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جَيعا، كما ترى بعض الحراص على العلم»1 وقال الرازي"الآْي ةُ ت دُلُّ ع لى أ نَّهُ () ك ان ي قْر أُ م ع قِر اء ةِ جِبرِْيل () وَكَانَ يَ سْأَلُ فيِ أَثْنَاءِ قِرَاءَتِهِ مُشْكِلََتِهِ، وَمَعَانِيَهُ لِغَايَةِ حِرْصِهِ عَلىَ الْعِلْمِ ، ف نُهِي النَّبِيُّ () ع نِ الأْ مْر يْنِ جم ِيع ا، أ مَّا ع نِ الْقِر اء ةِ م ع قِر اء ةِ جِبرِْيل ف بِق وْلِهِ {ف إِذا ق ر أْناهُ ف اتَّبِعْ قُرْآن هُ }، و أ مَّا ع نْ إِلْق اءِ الأْ سْئِل ةِ فيِ الْب ي انِ ف بِق وْلِهِ: {ثُمَّ إِنَّ ع ل يْنا ب يان هُ }1 2 مسند أحمد23121) وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن 0 ص حِيح الِْ امِع 0320)، والصحيحة272) 3 الكشاف(4 /666)، وكذا قال القاري عمدة القاري شرح صحيح البخاري ( 6/16.) 4 تفسير الرازي 03 /127)

عدد الصفحات ٣٢