تحقيق وتعليق د آمال حسين علوان - د. علي خضير حجي .................... (81 ) وتهجينهم بذلكَ المثل البديع (2) (2 )يقول الدكتور الصغ وهذا المشهد الحاشد بضخامة التمثيل الغني بهول التصوير المتكامل بروع الصدمات قد انصب في مناخ جديد يسرد البعـد النفسـ لـذلك الفـراغ القاتـل في إضراب المنـافقين وحيرتهم فهم في كظة وشدة كمن قذفته السماء بوابل طوفاني من المطر المتدافع بظلمات كثيفة حالكة عاصـفة بأصـوات الرعـد القاصـف واشـعاع الـبرق المتقـاطر والمتسـارع والمخيف ولم يهتدوا لشـيء سوى أن يضعوا الأنامل في الآذان تحاشيا لارتجاج الصواعق التي تخلع القلوب فتقرب من الموت وهم يحذرون الموت حيث لا ينفع الحذر فهـم في أضواء مرعبـة وظلـمات قاسـية ظلمـه الغـمام المتـدافع وظلمـة المنـاخ المتقلـب وظلمـة الأبحاش والذعر فانحجب عنهم النور وتلاشى الأمان فبالغوا في إدخال أصابعهم في آذانهم نتيجة اصطكاك الصواعق بأجرام السـحاب ومـا يحدثـه مـن هـزّ ات وأصـوات وتهاويل وهم يحذرون الموت من خلال ذلك ولات حين مناط والمفاجئـة الكـبرى أن أحاط الله بهم من كل جانب فأين يذهبون ؟ وهم في ظل هذه الحـيرة لا يملكـون مـن أمرهم شيئا فإذا أضاء لهم البرق ساروا واستقاموا وإذا سكن وتقلص وتلاشى ارتجى عليهم وثبتوا في مكانهم .
عدد الصفحات ٨٢(82) ................................................. محاضرات في آي القرآن الكريم هذا شانهم في تأرجحهم بين الدين والبراءة منه فهم مـن الإسـلام عبـى طـرفي نقـيض فكلما فتح الإسلام فتحا ودرّ بالغنائم تلبسّ وا بالدين رغبـة بالمـال وإذا أصـابهم الـبلاء الإمتحاني وتعرضوا المواطن التجربة فروا من الدين فهم بين كر وفر يعيشون حقيقتين متقابلتين . ولو أراد الله أن يذهب بأسماعهم بـدويّ الرعـد وبأبصـارهم بـوميض الـبرق لـذهبت أسماعهم وانطمست أبصارهم ولكان الاستظهار عليهم عاجلا لا آجلا ولـو شـاء الله لأظهر العالمين على كفرهم لأنه لا سواه على كـلّ شيء قـدير .نلمـس في هـذا العـرض القرآني تصوير حياة المنافقين السائبة بضـرب الأمثال في مشهدين حسيّ ين يمثل صورتين بائستين : الأولى : أستيقاد النار لمن لم ينتفع بسـنائها وهـي تضيـء ولم تسـتثمر هـذه الإضـاءة في حـال فكانت الصورة أن ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات متراكبة لا عودة معها للهداية ولا اهتداء الى النور الكاشف فهم صمّ بكم عمي وكفى . ثــمّ تــبرز الصــورة البائســة الثانيــة في المثــل القــرآني اللاحــق لنــراهم فيــه في حــيرة متناهيــة واضطراب نفس مرير يكشف عن الدخائل الباهتة ويوحي بزلزلة الضمير المتهافت فيعيش كل فرد منهم في جحيم من الكآبة والاستفزاز لما أصابه من تلك الظلمات الفوقية الهابطة من السماء في رعد قاصف وبرق خـاطف ولا سـبيل الى الخـلاص مـن هـذه المنازلـة ألا بجعـل
عدد الصفحات ٨٣تحقيق وتعليق د آمال حسين علوان - د. علي خضير حجي ................... (83 ) ثمّ أرادَ سبحانه في هذه الآية أن يمثلّ ه م بصورة ثانية شوهاء ساخرا بجهله م وكاشفا عَ ن السرّ في نفاقه م وتمرده م على الحق ففي الآية الأولى كانَ ي مثلّ هم تعالى بالمستوقد النار حيث طَ لبَ وا الإسلامَ وَ قَ دحَ وا زند الاستضاءة بنوره ,فلماّ أضاءَ لهم وَ فَ تَ ح لهَ م بابَ الهداية ورتاجهما(2) الأصابع في الآذان – لو نفع ذلك – من ضجيج تلك الصواعق حذر المـوت فـما هـي هـذه الصواعق ؟ وكيف نتصورها ؟ وكيف يقابلها هذا الجمع في شدّ تها وغلظتها وانفجارها؟ أنه الشبه القاتل والمشهد الصارخ وأمامهم المفاجأة الكـبرى أن يحـيط الله بهـم إحاطـة السـوار بالمعصم إن صح التشبيه والمراد به تلك الإحاطة الشاملة التي لا محيص عنهـا!! وهـم بـين ذلك في خضم من الخطف والعصف وفي بحر هائج من الحيرة وعدم الاهتداء. وهكذا نجد المثلين يحكيان حياة المنافقين بين القلق النفس والاضطراب العقلي ولا سـبيل للاستقرار العام .ظ:التفسير المنهجي للقران العظيم :قيد الطبع (2) الرتاج : الباب المغلق . الزبيدي , تاج العروس7/790
عدد الصفحات ٨٤(84) ................................................. محاضرات في آي القرآن الكريم للدخول فيه عمّ وا عن الحق وضلّ وا فذهبَ الله بنوره م وأعمى قل وبهم وتَ رَ كَ ه م وشأنهم في ظلمات الجهل يَ تخبط ون أما هذه الآية: فيريد فيها أن يمثلهم حيث عاف وا الإسلامَ وترك وا مواهبه العميقة وآياته النيرّ ة , ولماذا ترك وه وصمّ وا عن آياته ومواعظه فيجب أن نوضح الآية فنقول : لاشك أن الإسلام وافرة خيراتَ ه عَ ميم النعماء , ه و يَ صرخ بأعلى صَ وته داعيا إلى الحق نذيرا من( يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون) (2) فانتحلَه المنافقون لخيره الوافر ولكن لدعوته إلى السعادة بإعلاء كلمته انتبذوه قَ ص يا , عجزا عن منازل ة الشدائد والاصطبار على مقارعة الخطوب , ثمّ بَ عدَ ذلكَ حسدا لإهله وشنئانا فصم وا عَ ن صوت الحق العالي وتَ غافَ لوا عن استماع زواجره ونواهيه وتوعيده بالعذاب خوفا من (2 )سورة الشعراء: الاية33
عدد الصفحات ٨٥تحقيق وتعليق د آمال حسين علوان - د. علي خضير حجي ................... (85 ) أليم العقاب وعاقبة الخسران فكان تصامهم جهلا منهم لا يغنيهم في الجزاء فتيلا(2) فشأن الإسلام معهم وشانهم معه يمثله: ما لو تلبدَ السحاب مرخيا عز اليه بخيرات الأرض ليجعل من كل شي حيا , مع ماله من هذه البركات فيه ظلمات تلازم تلبد السحاب ورعد وبرق لا ينفكان عن صوب الأمطار . والطائش بجهله غير الموطن نفسه على احتمال الشدائد لتحصيل وفره ومغنمه , يرتعد خوفا (2 ) اي مقدار تلك السحاة التي في شق النواة . الزبيدي, تاج العروس10/200. وقـد وردت هذه اللفظة في القران الكريم في ثلاثة مواضع : 2- سورة النساء الاية09 :"ألم تر الى الذين يزكون انفسهم بـل الله يزكـي مـن يشـاء ولايظلمون فتيلا" 1- من سورة النساء الاية11:" قل متـاع الـدنيا قليـل والاخـرة خـير لمـن اتقـى و تظلمون فتيلا" 1- سورة الاسراء الاية12:"يوم ندعوا كل أنـاس بأمـامهم فمـن أوتي كتابـه بيمينـه فاولئك يقرؤون كتابهم ولايظلمون فتيلا "
عدد الصفحات ٨٦(86) ................................................ محاضرات في آي القرآن الكريم من أهوال أصواته ويخيل له من فرط اضطرابه أن سيفر عن نوازله فيضع أصابعه في أذنيه إبعادا لهول المصاب من حذر الموت(2). ولان كان ما يخافه حقا وواقعا فحيلته الباردة وفراره إلى ضلال وهو محيط به مهما حاول لجهله أن لا يستمع لتلك الصواعق والأصوات الهائلة . وذلك كمن لجأ إلى الفرار من الأسد بسد عينيه عن رويته , أو أذنيه عن استماع زعقاته. هكذا كان المنافقون تجاه الإسلام وآياته فهو لهم صيب فيه لهم الخيرات ويدر عليهم بالبركات فيط معون فيه , ولكن يعافونه لشدائده ويضمرون له لسوء حسدا أو بغضا , فيتغافلون عن استماع مواعظه والالتفات إلى زواجره ووعيده الشبيهة بقصف الرعد في شدته ووقعه (2 ) عدّ البلاغي ون هنا في هذا الموضع من انواع المجاز المرسل من باب تسمية الجزء باسم الكل ولك ان تعبر عنه بأطلاق اسم الكل على الجزء في قوله تعالى: "يجعلون اصابعهم في اذانهم " والمراد هو وضع الانامل وهو جزء من كل الاصابع في الاذان والاشارة الى انهم يدخلون اناملهم في اذانهم بغير المعتاد فرارا من الشدة فكأنهم جعلوا الاصابع .ظ: د.محمد حسين الصغير, اصول البيان العربي: 63
عدد الصفحات ٨٧تحقيق وتعليق د آمال حسين علوان - د. علي خضير حجي ................... (87 ) عالإسماع تخوفا من العذاب واليمه, وفيه ظلمات مخيفة و تلك سبله الكأداء إلى الحق والحق مر إلاّ لمن ذاق حلاوته وعرف نصيحه وتذوق سلوكه. ولكن يا ترى : هل كان تصاممهم هذا وتغافلهم يجديهم نفعا في الفرار عن عذاب الله الواقع وناره الحامية ؟ ((والله محيط بالكافرين)) هيهات ثم هيهات . فما ابدع هذا التمثيل وأوقعه في النفوس إذ شبه الإسلام بالصيّب وشبه زجره ووع يده بالرعد والبرق وطرقه المرة السلوك بالظلمات وشبه المنافقين المتغافلين عن زواجره فرارا بمن وضع أصابعه في أذنيه لئلا يستمع فرارا من الموت . وفي هذا التشبيه من الإهانة والتحقير ما لا يقوم به كل تمثيل (2) (2 )ظ: محمد جواد البلاغي : آلاء الرحمن2 10 , الطبري : جامع البيان2 /120
عدد الصفحات ٨٨(88) ................................................ محاضرات في آي القرآن الكريم نَ ظم الآية: ولعليّ الآن أوقفتكَ عَ لى حقيقة تركيب الآية وأسلوبه ا وإن وَ قَ عَ القوم في (حيص وبيص) (2) , فليسَ الغرض تشبيه المنافقين بالصيب , ولا تشبيههم بأصحاب الصيب على حذف مضاف . فإنّ ك لّ هذا مما يفت بعضد البلاغة , ويضع م ن علو البيان وإنّ ما التشبيه كما أعتقد لمجموع القضية الواقعة بمجموع قصة المثل المضروب , وذكر الصيب وما يلحق به كتمهيد للمقصود من المثل .(1) , وه و بيان حال فرار هم من العذاب تبصامهم عن استماع المواعظ الزاجرة وتركهم التدبر في الآيات المنذرة , بتلك السخرية المضحكة , ولابدّ لبيانها من هذا التمهيد . ولمّ ا ذَ كرَ سبحان ه ذلك التمهيد الذّ ي هو (2 )الحيص والبيص: الشدة والضيق , يقال : وقع فلان في حيص وبيص اي في اختلاص لامحــيص منــه وقيــل في شــدة مــن امــر لا مخــــ رج لهــم منــه . الزبيــدي, تــاج العــروس: 21/701 (1) ظ: الزمخشري , الكشاف109 وفيه بيان استعمل مما ذكره الشيخ المظفر من ورود التشبيهات
عدد الصفحات ٨٩تحقيق وتعليق د آمال حسين علوان - د. علي خضير حجي ................... (89 ) أحد أجزاء المثل أو شروط ه عَ دَ لَ عن تتمة المثل بذكر حالة الممثّ ل إيجازا وإبداعا كالآية السابق ة لبيان وجه الشبه مستغنيا عن ذكر تمام المثل , فاستعار لتغافلهم جعل الأصابع في الآذان تمثيلا حسيا لتصاممهم وجريا على المثل المضروب , مشبها الزواجر الإلهية بالصواعق , والعذاب الواقع بالموت (والصواعق هي: الرعود القاصفة والأصوات المروعة).
عدد الصفحات ٩٠(91) ................................................. محاضرات في آي القرآن الكريم ك ل ذلك تتميما للمثل بصفة أخرى هي للم مثل ثم قال تعالى( 0 وا محيط بالكافرين)) أي: بعذابه لا لو اذا ولا معتصم , والذّ ي يشعر بإنّ المرادَ الإحاطة بالعذاب تخصيصا بالكافرين والموت كما يقوله البعض :لا اختصاص لديهم(2) النجف الاشرف محمد رضا المظفر (2 )ذكر ابن أبي حاتم الرازي فيه وجهان : الوجه الأول :وجه عن أبي عباس ( والله يحيط بالكافرين) يقول الله : والله منزل ذلك بهم من النقمة – أي محيط بالكافرين اخبرنا علي بن المبارك فيما كتب أي , ثنا زيد بن المبارك , ثنا ابن ثور عن ابن جريح عن مجاهد في قوله والله محيط بالكافرين , قال : جامعهم يوم القيامة في جهنم الوجه الثاني : حدثنا الحسن بن الصباح , ثنا شبابة , ثنا ورقاء ابن أبي نجيع , عن مجاهـد والله محيط بالكافرين– يعني يوم القيامة 0 حدثنا أ بي , ثنا احمد بن عبد الرحمن الدشنكي , ثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن انس ( والله محيط بالكافرين ) يبعثهم الله من بعد الموت , فيبعث أولياءه أعداءه فينبئهم بأعمالهم , فذلك قوله تعالى : ( والله محيط بالكافرين) ( تفسير القرآن العظيم : 2 /70
عدد الصفحات ٩١تحقيق وتعليق د آمال حسين علوان - د. علي خضير حجي .................... (91 )
عدد الصفحات ٩٢(92) ................................................. محاضرات في آي القرآن الكريم
عدد الصفحات ٩٣تحقيق وتعليق د آمال حسين علوان - د. علي خضير حجي ................... (93 ) المحاضرة الخامسةُ
عدد الصفحات ٩٤(94) ................................................. محاضرات في آي القرآن الكريم
عدد الصفحات ٩٥تحقيق وتعليق د آمال حسين علوان - د. علي خضير حجي .................... (95 ) الْحاضة ْالخاينسةْ ]اقفاسر ن[ ال ذ ينَ يَن ق ض ونَ عَه دَ الله م ن بَع د م يثَاق ه وَيَق طَع ونَ مَا أَمَرَ الله ب ه أَن ي وصَلَ وَي ف س د ونَ في الأ َر ض أ ولَئ كَ ه م الخ َاسر ونَ (2) هذا وصف للفاسقين في الآية المتقدمة الذين حَ صرََ الإضلال بهم والغرض منه تعريف الفسق بيبان أسبابه وذكر أشياء ثلاثة . ]السبب الاول[: نقضهم لعهد الله من بعد ميثاقه . النقض (1) (2) سورة البقرة, اية11 (1 ) النقض في البناء والحبل , والعهد وغـيره ضـد الابـرام كالانتقـاض والتنـاقض و و المحكم : النقض : افساد مـا ابرمـت مـن عقـد أو بنـاء ونقـض البنـاء هدمـه , وجعـل الزمخشري نقض العهد من المجاز . الزبيدي, تاج العروس: 29 /33 وعلى هذا المعنى اللغوي بنى القرطبي قوله حيث قال: النقض افساد ما ابرمته مـن بنـاء أو حبل او عهد , وانتقاضه من حبل الشعر والمناقضة في القول : ان تتكلم بما تناقض . القرطبي, الجامع لاحكام القران: 2/106.
عدد الصفحات ٩٦(96) ................................................. محاضرات في آي القرآن الكريم : النكث ضد العهد وضد الإبرام لا نقيضَ الإبرام فلا يصح النقض (2) إلاّ لما كانَ مبرما وليس خاصا بنقض الحبل وحلّ فتله حتى يكون ه نا استعارة كما قيل , بل إبطال ك ل ما هو ثابت مبرم نقض له ويقابله العهد . فكلّ ما ذَ كَ رَ لَ ه من معان مرجعها واحد هو ضد النقض واقرب ما يعبرّ عنه هو الإبرام فعهد الوصية أبرامها وعهد الإمارة أبرامها للمؤمر والتقدم للمرء في شيء أبرامه إلى غير ما ذ كر م ن المعاني كرعاية الحرمة والأمان والذمة واليمين. والمرجع واحد والاختلاف في (2 )قال الطسي : النقض : نقيض الإبرام , والعهد : العقد , والعهد , المرفق 0 والعهد : الإلقاء , وهو قريب العهد بكذا , وعهد الله وصيته وأمره0 يقال : عهد الخليفة أي فلان بكذا أي : أمرهوأوصاه به , ومنه قوله تعالى ( الم اعهد اليكم يا بني آدم ) , والميثاق : ما وضع التوثيق به كما إن الميقات : ما وضع التوقيت به 0 يقال فلان ثقة يستوي فيه الواحد والجمع , والمذكر والمؤنث ( مجمع البيان : 2 /219 + ظ: الألو تفسير الألوسي : 2 /120
عدد الصفحات ٩٧