المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قراءة في تمثلات أسماء الله الحسنى في القرآن

زرقة لطفي هشام

صفحة ٧ من ١٥

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 85 الدلالـة اللغويـة وتبعاتهـا المنطقيـة علـى شـاكلة مـا فعـل الغـزالي في كتابـ . يبقـى أن نشـير أن هنـاك العديـد مــن التصــنيفات الــتي لم نوردهــا هنــا مثــل تصــنيف ع بــد الجبــار الــذي يعتمــد تصــنيف علــى التقســيم بــين أمرين : 0) أسماء وصفات الذات 2) أسماء وصفات الأفعال. تصـنيف كـذلك مشـهور يرجـع إلى الـرازي وهو يشب كثيرا تصنيف الغزالي إلا أن لا يفرق في بين أسماء الذات وأسماء الصفات. أ.4-1. التصنيف الدلالي للأسماء يقول الحاكم أبو عبـد الله الحسـينى ابـن الحسـن الحليمـي في "منهـاج الـدين" (نقـلا عـن البيهقـي) "في مــا يجــب اعتقــاده والإقــرار بــ في البــاري ســبحان وتعــالى عــدة أشــياء (أحــدها) إثبــات البــاري جــل جلال لتقع ب مفارقة التعطيـل. (الثـاني) إثبـات وحدانيتـ لتقـع بـ الـبّاءة مـن الشـرك. و(الثالـث) إثبـات أن ليس بجوهر ولا عرض، لتقع ب البّاءة مـن التشـبي و(الرابـع) إثبـات أن وجـود كـل مـا سـواه كـان مـن قبل إبداع ل واختراع إياه لتقع البّاءة من قول من يقول بالعلة والمعلول. و(الخامس) إثبات أن مـدبّر ما أبدع ومصرّف على ما يشاء لتقع ب البّاءة من قول القائلين بالطبائع، أو بتدبير الكواكب، أو تـدبير الملائكــة. ثم إن أسمــاء الله تعــالى جــدّه الــتي ورد بهــا الكتــاب والســنة، وأجمــع العلمــاء علــى تســميت بهــا، منقسـمة بـين العقائـد الخمــس، فيلحـق بكـل واحـدة مــنهنّ بعضـها وقـد يكـون منهــا مـا يلتحـق معنيــين، ويــدخل في بــابين أو أكثــر"1) إننــا نتصــور بنيــة كــل قســم مــن الأقســام الخمســة الخاصــة بهــذا التصــنيف بالشكل الآي: 0- البيهقي نفس المرجع ص6-ص9.

عدد الصفحات ٩٧

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 86 إثبات (صفة v فعل براءة (شرك، تشبيه، تعطيل...) أي أن هذا التصنيف يعمل بثنائية الإثبات والنفي، كل إثبـات لصـفة أو فعـل يقصـد إلى نفـي أجـزاء أو أوصاف أخرى من رؤية مغايرة. إن هذا التصنيف يعمل بمثا بة خطاب مضاد لكل مـا يحـاول أن ينفيـ ، بمعـنى أن الرؤيـة المضـمرة للأسمـاء هنـا هـي رؤيـة تشـكلت بمقابـل الـتراث الأسـطوري و الـديني السـائد في تلك المرحلة . يستوقفنا في هذا التصنيف الذي يقدم الحليمي القسم الثالث من أقسام الإثباتـات الخـاص بـبّاءة الله عز وجل من التشبي . إن هذا الصنف من الأسمـاء يتضـمن إشـكالية أساسـية حـول موضـوع الأسمـاء تتعلــق بعلاقــة الله عــز وجــل بالإنســان، فالأسمــاء تــأي داخــل اشــتراك لفظــي في الاســتعمال، فكثــير مــن الكلمـــات تســـتعمل في معـــرض الحـــديث عـــن الأسمـــاء الحســـنى وفي ذات الوقـــت تســـتعمل كأوصـــاف للإنسان. إن مدار الإشكال حول القضيتين يكن أن ينظر إلي كعناصر منفصلة: - قضية اشتراك أسماء بين الله و الإنسان وما هي معايير التفريق بينهما وطرائق الفصل في ذلك . - قضــية تنــتج مــن الســابقة وهــي الحــديث عــن حــظ الإنســان مــن الأسمــاء ســواء تلــك الــتي يشــترك فيها مع الله عز وجل أو تلك التي لا يشترك فيها . القضـية الأولى يفصـلها ابـن العـربي نقـلا عـن القـرطبي في كتابـ فيقـول "اعلمـوا وفقكـم الله، أن أسمـاء الله تعالى في جواز الإطلاق والإخبار بها لفظا عن وعن العباد على أربعة أضرب :

عدد الصفحات ٩٨

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 87 ما لا يجوز أن بها عن العبد بحال كقولنا: الله، والرحمان، ولهذا قال "قل ادعـوا الله أو ادعـو الرحمـان أيا ما تدعوا فل الأسماء الحسنى" 1) على ما يأي بيان الثاني :ما يكون من صفة الله تعالى واجبا وفي صفة العبد جائزا. كالعالم والقادر وقد تقدم هذا . الثالث :ما يكون في حـق الله حقـا وفي حـق العبـد بـاطلا كقولنـا: الجبـار المتكـبّ، وإنـا كـان كـذلك لأن الجبّية والكبّياء تناقض حال العبد وتضاده فلم تكن ل بحال. الرابــع :مــا يخــبّه بــ عــن الله تعــالى وعــن العبــد كالخــالق، فإنــ جــائز في حــق الله بمعــنى، ويكــون في حــق المخلــوق جــائزا بمعــنى آخــر يســتحيل ذلــك المعــنى علــى الله تعــا تكشــف لــك ســرا عظيما من أسرار أسماء الله تعالى، وتكشـف لـك عـن دقيقـة في حـق افـتراق الاشـتراك في الإطـلاق علـى الله سبحان وعلى العبد في ألفاظ الأسماء ومعانيها"2). أما القضية الثانية فيجعـل منهـا الغـزالي محـورا أساسـيا في رؤيتـ لموضـوع الأسمـاء، فهـي تتخلـل تقريبـا كـل تعريفـات الأسمــاء. إنـ يــرى أن مــن بـين وظــا ئف الأسمــاء بنـاء النمــوذج الأمثــل للأخـلاق (الصــورة المثاليــة عن الله عز وجل) وضرورة أن يحاول الإنسان الحصول على حـظ منهـا ولهـذا الغـرض يفـرد بابـا في كتابـ سمـاه "في بيـان أن كمـال العبـد وسـعادت في التخلـق بـأخلاق الله تعـالى، والتحلـي بمعـاني صـفات وأسمائـ بقدر ما يتصور في حق " 3) ويقول في بحظ العبد من "السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات 0- القرآن الكريم، "سورة الإسراء، "الآية 110. 2- القرطبي، نفس المرجع، ص66. 1- الغزالي، نفس المرجع، ص41.

عدد الصفحات ٩٩

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 88 والتخلق بها والتحلي بمحاسنها"1) .لقد خصص الغـزالي في آخـر شـرح كـل اسـم مـن أسمـاء الله الحسـنى جانبا لحظ العبد من كل اسم واجتهد في البّهان على شرعية هذه النظرة تارة بمنطق الفقي وتارة بمنطق الصوفي. تشترك نظرة ابن العربي والغزالي في كونّما تتطرقان للموضـوع مـن منظـور ثنائيـة فقهيـة (مـا يجـوز /مـا لا يجوز) ولكن تختلفان في مبدأ توظيف مبحث الأسماء فالغزالي يبحث، بعد وظيفة تعرّف العبد على ربّـ سبحان ، عن توظيـف جديـد للأسمـاء وعـن اسـتعمال قيمـيّ لهـا. هنـا يكـن التسـائل عـن وظيفـة مبحـث مثـل "الأسمـاء" في المعرفــة الإسـلامية، ذلــك أن ثمـة وظيفـة أصـلية وضــرورية هـي التعريــف بالـذات الإلهيــة وهي أمر تعبدي، ووظائف ممكنة قد توسع مجال استثمار هذا المبحث. أ.4-2. التصنيف الصوري للأسماء سـبق وأن ذكرنـا أن عمليـة التصـنيف هـي محاولـة لاختـزال الكثـرة داخـل القلـة المعـبّة عنهـا وعنـد تعاملـ مـع تعـدد الأسمـاء وكثرتهـا حـاول الغـزالي اقـتراح نـوذج تصـنيف مبـدع في طريقتـ . يقـول في ذلـك "لعلك تقـول: هـذه أسمـاء كثـيرة، وقـد منعـت الـترادف فيهـا وأوجبـت أن يتضـمن كـل واحـد معـنى آخـر، فكيـف يرجـع جميعـا إلى سـبع صـفات؟ فـاعلم أن الصـف ات إن كانـت سـبعا فالأفعـال كثـيرة والإضـافات كثـيرة والسـلوب كثـيرة، ويكـاد يخـرج جميـع ذلـك عـن الحصـر. ثم يكـن التركيـب بـين مجمـوع صـفتين، أو صفة وإضافة، أو صفة وسـلب أو سـلب وإضـافة. ويوضـع بإزائـ اسـم، فتكثـر الأسـامي بـذلك"2) إن 0- الغزالي نفس المرجع ص48. 2- الغزالي نفس المرجع ص010.

عدد الصفحات ١٠٠

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 89 هذا المقطع من كـلام الغـزالي يبـين الديناميكيـة القائمـة علـى التعـدد اللافـت في الأسمـاء، وهـو بعـد ذلـك يقدم تصنيفا يتعرّض للأسماء ليس فقط من حيث مضامينها الدلالية وإنا كذلك من خلال ربط ذلـك بمتغــيرات ( في اصــطلاحنا المعاصــر) وتحليـــل الاســم وتفكيكــ إلى العناصــر المكونـــة لــ ، وهــي نوعـــان: عناصر أساسية إما الذات أو إحدى الصفات (مثل العلم) وعناصر مكملة تحدد دلالة الأسماء وتفسـر التغــاير والتنــوع الموجــود فيهــا وهــي متغــيري الإضــافة والســلب. هــاذان الأخــيران عنصــران متناقضــان قــد يعمــلان مســتقلان عــن بعضــهما الــبعض وقــد يلتقيــان في اســم واحــد ليكمــل أحــدهما الآخــر)*(، أي يضاف للذات ما يسلب من سـواها والعكـس صـحيح. هنـا دينامكيـة (الإضافة/السـلب) تعمـل بمقابـل موضــوع الوجــود، فــلا يكــون الســلب بالضــرورة خاصــا بالــذات أو الإضــافة خاصــة بهــا كــذلك مــثلا في مثال اسم الله "الملك" هناك سلب للاحتياج عن الذات وإضافة لاحتياج ما سواها لها. إن هذه الرؤيـة تعبّ عن الموضوع بالشكل التا لي: موضـوع هـو : (ذات v صـفة vصـفة فعـل) + علاقـة تقابـل (إضـافة v سـلب v معـا) مـع الموجـودات وهـــي رؤيـــة تختلـــف عـــن النظـــرة الأرســـطية للموضـــوع والمحمـــول وعـــن أساســـها الأنطولـــوجي مـــن جـــوهر وعرض. )*( لا تلتقي الإضافة والسلب إلا في الذات وليس في الصفة.

عدد الصفحات ١٠١

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 90 يكن تلخيص التصنيف المعقد الذي يقدم الغزالي على الشكل الآي: ذات الله ذات + سلب الغني: المسلوب عن الحاجة ذات + إضافة العلي: الذات التي فوق سائر الذوات ذات + سلب + إضافة الملك: ذات لا تحتاج إلى شيء ويحتاج إليها كل شيء صفة العليم صفة + سلب لا يقدم ل مثالا صفة + إضافة الخبير: يدل على العلم مضافا إلى الأمور الباطنة صفة فعل الخالق صفة فعل + إضافة مجيد: يدل على سعة الإكرام مع شرف الذات صفة فعل + سلب لا يقدم ل مثالا إن هـذا التصـنيف يفـتح المجـال للتفكـير في موضـوع الأسمـاء بطريقـة مجـردة وشـب رياضـية . مـا يكـن أن نلاحظــ هنــا هــو انفصــال مباحثــة الأسمــاء الحســنى عــن ســياقاتها النصــية فالأسمــاء غالبــا مــا تــرد في علاقــات مــع أسمــاء أخــرى مثــل "علــيم حكــيم" و"غفــور رحــيم " وهكــذا. ومــن منطلــق التصــنيف الــذي يقترح الغزالي تظهر بعض الإشكالات في فهم الأسماء:

عدد الصفحات ١٠٢

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 91 أ - من منطلق هذا التصنيف ثمة في كثير من الأحيان ذات صـفة + إضـافة. إذا ربطنـا هـذا التصـنيف بالعلاقـات الممكنـة بـين الأسمــاء فقـد يحـدث أن يقــع تكـرار مثلمـا هـو الأمــر مـثلا بـين"علـيم" و "خبير" فهما بالشـكل الـذي يقدمـ الغـزالي: " علـيم خبـير" هـي صـفة +نفـس الصـفة + إضـافة. نلاحـظ تكـرار نفـس صـفة. يـدفعنا ذلـك إلى التسـاؤل عـن الرؤيـة الـتي ينبـني عليهـا هـذا التصـنيف ودلالة التكرار في التعريف با لذات الإلهية. ب - كــذلك مــن منطلــق هــذا التصــنيف إذا مــا فكّــر فيــ مــن خــلال اســتعمالات الأسمــاء في القــرآن (خاصـة الاسـتعمالات الزوجيـة) لا تتضـح لنـا طبيعـة العلاقـات الموجـودة بـين الأسمـاء الـتي تختلـف في دلالتها. ربما ثمة إمكـان آخـر في التصـنيف يتجـ مـن الاسـتعمال القـرآني للأسمـاء ويحـاول بلـورة تصـنيف آخـذا في الاعتبــار ســياقات ورود الأسمــاء وخصائصــها الســردية، فمــثلا يكــن تصــور تصــنيف بمعيــار علائقــي أي يرتبط الاسم مع غيره أم لا ثم في حال الارتباط ما هي الأسمـاء الـتي يـربط بهـا ونـذهب إلى مسـائلة لهـذا الموضــوع مــن منطلــق الــنص القــرآني ذاتــ . عمومــا يكــن أن نلاحــظ علــى مختلــف التصــنيفات الخاصــة بالأسماء كونّا "تستلزم بالضرورة قسطا، قلّ أو كثر، من الاعتباطية. أن يختار كل واحد (من المصنفين) مقولـة مـا يفـرض بالضـرورة اختيـار تأويـل معـين، الـذي لا يكـون دائمـا بـديهيا، بـل أبعـد مـا يكـون عـن ذلك.1) إن معايير الذات/الصـفة، الـذات/الفعل هـي معـايير تحتـاج إلى مسـائلة مـن الاسـتعمال القـرآني ذات . إن هذه المعايير تتأسس ضمنيا على مقـولات خاصـة بالإنسـان ومـن خـلال آليـة المماثلـة نسـحبها 1- D. Gimaret, Opcit, P 105.

عدد الصفحات ١٠٣

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 92 لنجعل منها طريقة تنظيم الأسماء الحسنى. أضف إلى ذلك أن الهدف من هذه التصـنيفات لـيس إلا تجاوز إشكال الكثرة فهـي لا تقصـد إلى أبعـد مـن ذلـك. هنـا يكـن ملاحظـة، أن التصـنيف مـن ناحيـة منهجيـــة، لا يقصـــد لذاتـــ وإنـــا هـــو حلقـــة مـــن حلقـــات البحـــث، لهـــا مـــا يســـبقها مـــن مســـائلة محـــددة للموضـــوع المـــدروس، ومـــا تقصـــد إلى إظهـــاره مثـــل أن يخـــتص كـــل صـــنف بمنطـــق معـــين يحـــدد فهمنـــا للموضوع وهكذا . ب. القسم الثاني :تعريفات الأسماء الجــزء الثــاني الموجــود في النصــوص الدّارســة لموضــوع "أسمــاء الله الحســنى" والــذي نجــده في كلهــا تقريبـا، يعمـل علـى شـرح الأسمـاء واحـدا واحـدا بحسـب القائمـة الـتي يتبناهـا الكاتـب لهـذه الأسمـاء وهـي قوائم، كما سبق ذكر ذلك، متعددة ومتنوعة. إننـا هنـا نقـدم نوذجـا لشـرح اسـم مـن الأسمـاء الحسـنى لنعمـد بعــد ذلـك إلى تحليلــ واسـتخراج أهـم مــا يتضــمن مـن آليــة لإنتـاج الدلالــة ومحاولـة فهــم منطقهــا، وأخيرا نعمد إلى التفكير في علاقتها بالقرآن الكريم . وقـع اختيارنـا علـى كتـاب "الأسـنى في شـرح أسمـاء الله الحسـنى " للإمـام القـرطبي (حـول اسـم الله "الكبير") وذلك لأن هذا الكتاب متأخر عن أكثر الكتب الأخرى (البيهقي، الغزالي، الرازي...) وهـو تركيب لما تتضمن ويعبّ عن خلاصة لطريقة الاشتغال على الموضوع شاملة لسابقي ومكملة لها. يقـول الإمـام القـرطبي في شـرح لاسـم الله "الكبـير" "ورد في التنزيـل فقـال " فـالحكم لله العلـي الكبـير" (غـافر: 12) وقال "الكبير المتعال" (الرعد:9) وجاء في حديث أبي هريرة، وأجمعت علي الأمة. وروي عـن ابـن

عدد الصفحات ١٠٤

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 93 عباس أن رسول الله صلى الله علي وسلم كان يعلمهم في الأوجاع والحمى "باسم الله الكبير نعوذ بالله العظيم من شرّ عرق نعّار ومن شـرّ حـرّ النّـار" ويجـوز إجـراؤه علـى العبـد وصـفا منكـرا كمـا تقـدم. فأمـا "الله أكبّ" وإن ورد مطلقا فهو يتضمن الإبانة وذلك دليل جريان علـى العبـد. وكبـير: علـى وزن فعيـل. مثــل طريــف. والماضــي منــ : كــبّ – بكســر العــين – يكــبّّ – بفتحهــا في المســتقبل – إذا أريــد بــ كــبّ السنّ... والكبّّ – بكسر الكـاف وفـتح البـاء- مصـدر الكبـير والكبـار. تقـول : رجـل كبـير، وكبـار بـينّ الكـبّ. وفي التنزيــل : "إمــا يــبلغن عنــدك الكــبّ أحــدهما أو كلاهمــا " (الإســراء: 21) والكــبّ والكبّيــاء؛ مــا يجده المتكبّ منا في نفس ، وهو جماع يعروه تعاظم مع استصغار لمن تكبّ علي ، قال الله عزو جل "إن في صـدورهم إلا كـبّ مـا هـم ببالغيـ " (غـافر:18) وكـبّ الشـيء أيضـا: معظمـ . قـال الله تعـا : "والـذي تولى كبّه " (النور: 00 )وقد يكون كبير من كبّ بضم العين في الما ضي والمستقبل ول معنيـان: أحـدهما: كـبّ القـدر والعظمـة ويرجـع ذلـك إلى كمـال الصـفات وعظمـة الـذات والتقـدم في المرتبـة وبـالمنزل والرتبـة والســـبق في الفضـــل وإلى الرفعـــة، كتقـــدم الآمـــر علـــى المـــأمور، والمالـــك علـــى المملـــوك، والفاضـــل علـــى المفضــول. ومنــ قــول العــرب: فــلان أكــبّ قــدرا وأعظــم ســلطانا مــن فــلان. وهــذا المعــنى هــو الــذي يليــق بجلال الله سبحان من كبّ القدر والخطـر والرتبـة في الأسمـاء الحسـنى و اسـتحقاق الصـفات العلـى، وعلـى هذا قول تعالى: "ولذكر الله أكبّ" (العنكبـوت: 41 .)والمعـنى الثـاني : كـبّ الحجـم وعظـم الجـرم والجثـة، تقــول: هــذا الجســم أكــبّ مــن هــذا، ومنــ قولــ تعــالى "لخلــق الســموات والأرض أكــبّ مــن خلــق النــاس" (غـافر:10) وهـذا محـال في حـق الله تعـالى وإنـا الـذي يليـق بجـلال الله سـبحان ، المعـنى الأول. فـالكبير على هذا وصف ذاي ل بالإضافة إلى رتب الموجودات كلها وأقدارها المعنويـة، فكـل موجـود في الوجـود

عدد الصفحات ١٠٥

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 94 ســوى الله تعــالى فهــو صــغير القــدر والرتبــة، والله ســبحان الكبــير علــى الإطــلاق وحــده، أي الموصــوف بالعظمـة والجــلال وكــبّ الشـأن، فصــغر دون جلالــ وعظمتــ كـل كبــير... فيجـب علــى كــل مكلــف أن يعلـم: أن الله سـبحان هـو الكبـير علـى الإطـلاق الـذي لا شـيء أكـبّ منـ ، وينزهـ عـن صـفة الأجسـام والأجرام كما نزّه تعالى بقول الحق"الكبـير المتعـال" (الرعـد:9) فـأخبّ أنـ الكبـير واقتضـت الألـف والـلام الحصر، ثم قال: "المتعال" فنـزّه نفسـ سـبحان عمـا تكـبّ بـ الأجسـام، وتعظـم بـ الأجـرام. ومـن اعتقـد ذلك فهو مشب بجسم، مشرك. ثم علي أن يتخلق بالأخلاق الحسنة الجميلـة والسـجايا الرفيعـة الكريـة الجليلة، حـتى يكـون كبـير قومـ وشـريف أهـل زمانـ وقرنـ ، ويتصـاغر لكبّيائـ ويـترك الإبـاء عـن المسـارع ة في طاعت وترك الاستكبار على ما يأي بيان عند اسم "المتكبّ" إن شاء الله، ثم يثني علي بهذا الوصف بلسـان متابعـا بـذلك عقـد جنانـ ، فحينئـد ينشـرح بنـور الله صـدره ويكـبّ قـدره، فيكـون كبـيرا في الأرض والسماء بما رزق من معرفة حقائق الأسماء "1) . إن تعريــف القــرطبي وطريقــة شــرح لهــذا الاســم هــي نفســها الــتي نجــدها في شــرح كــل الأسمــاء الأخــرى ويكـن أن نقـدم تصـميما عامــا ونوذجيـا يعـبّّ عــن طريقـة شـرح الاسـم والعناصــر الدلاليـة المكوّنـة لــ في الشكل الآي: - ذكر آية أو آيات يرد فيها الاسم - ذكر حديث أو أحاديث يرد فيها الاسم 0- القرطبي نفس المرجع ص 091-091. [بهدف إثبات وجود الاسم ]

عدد الصفحات ١٠٦

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 95 - الدراسة اللغوية  تحديدا الاشتقاق من الناحية الدلالية  تحديد الصي الصرفية (موضعة الاسم داخلها )  اقتراح الدلالات الممكنة ومناقشتها من خلال استشهادات القرآن  السنة  الشعر  أقوال الأخرى  الترجيح واستناجات - التــأطير العقائــدي للاســم بمنطــق فقهــي ثنائية يجوز/لا يجوز؟) - توظيف الكاتب للاسم بقصد (جانب صوفي، قيمي، العقائـدي)  مثـال حـظ العبـد منـ تفصـيل إشكال معين. إن ثمة بعض الملاحظات حول هذا التصميم نعمد إليها قبل تعميق المسائلة ل وهي كالآي: - إن الترتيـب الـذي تـأي بـ النصـوص لمختلـف محـاور التصـميم قـد تختلـف في بعـض الأحيـان مـن كاتـــــب إلى آخـــــر ولكـــــن الـــــراجح هـــــو مـــــا قمنـــــا بتفصـــــيل بهـــــذه الطريقـــــة، فغالبـــــا مـــــا يبـــــدأ

عدد الصفحات ١٠٧

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 96 بالإستشهادات (القرآن والسنة) فهذا عنصر ثابت وكذلك غالبا ما ينتهي الكاتـب عنـد شـرح للاســم لمــراده مــن ذلــك أي إلى الحــديث عــن الإشــكال الــذي يســتغل في عملــ علــى الأسمــاء (صوفي- قيمي-...) - لا تتقيــد كــل النصــوص بفصــل واضــح بــين محــاور التصــنيف فقــد يتحــدث الكاتــب في محــور ثم يعمد إلى آخر ثم ير جع إلى المحور الأول وهكذا. - إن التصميم الذي نقدم هنا هو أعقد تصميم، ذلك أن يضم تقريبا كل العناصـر والمحـاور الـتي نجـدها. إن الكثـير مـن النصـوص في تعريفهـا بالأسمـاء لا تعمـد إلى كـل هـذه المحـاور فقـد تختصـر محـورا (مـثلا اعتمـاد دلالـة لغويـة مباشـرة عـوض طـول التحليـل والإستشـهاد) أو قـد يحـذف محـور بكليت مثل ما يفعل الغزالي في كتابـ حيـث لا يستشـهد بالآيـات أو الأحاديـث لإثبـات شـرعية الاسم وإنا يعمد إلى قائمة في الجزء الأول من كتاب ويكتفي بذلك . بعــد التوضــيحات الخاصــة بالتصــميم الــذي قــدمناه أعــلاه ســنحاول مناقشــت وتحليلــ مــن خــلال ثلاثــة قضــايا أساســـية. أولهــا تحليـــل التمفصــل الموجـــود بــين جزئـــي الكتــاب، الجـــزء الأول وأهـــم الإشـــكالات المتعلقــة بالموضــوع وكيفيــة تأثيرهــا في طريقــة تحليــل الأسمــاء واســتخراج مضــامينها الخاصــة بــالجزء الثــاني. ثانيهــا مناقشــة التصــميم في ضــوء علاقتــ بــالقرآن ومــدى توظيــف هــذا الأخــير في إنتــاج د لالــة الأسمــاء. وأخيرا ندرس حركة إنتاج الدلالة عموما في التعريف بالأسماء، ديناميكيتها و حدودها .

عدد الصفحات ١٠٨

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 97 ب1. إشكالات حقل "الأسماء" وتعريفاتها إن أول ما نلاحظ عند الحـديث عـن تـأثير إشـكالات حقـل "الأسمـاء" في أي إنتـاج لدلالـة الأسمـاء أنّـا صـنفان منهـا المسـتثمرة وغـير المسـتثمرة. فأمـا المســتثمرة منهـا فهـي إشـكالات خصـص لهـا الكتّــاب أبوابـا في الجـزء الأول مـن نصوصـهم ونجـد لهـا وقعـا، قـل أو كثـر، في تحليـل الأسمـاء في الجـزء الثـاني مـن نصوصهم وأهمها: إشكال التصنيف الذي يعتمده هذا الكاتـب أو ذاك لموضـوع الأسمـاء فكثـيرا مـا نجـد طريقـة تقســيم فهــر س موضــوعات الكتــاب عبـارة عــن أجــزاء هــي ذاتهــا أنــواع الأسمــاء الــتي اقترحهــا الجــزء الأول من الكتاب. وإذا لم نجـدها كـذلك، فغالبـا مـا نجـد الإشـارة إليهـا في تنايـا تحليـل كـل اسـم بموقعتـ داخل الصنف الخاص ب (كأسماء الذات، أسماء الصفات،...) كما فعل ذلك البيهقي في كتاب عندما اعتمــد تصــنيف الحليمــي في تبويبــ للأسمــاء. أضــف إلى هــذا الإشــكال إشــكال قائمــة الأسمــاء المعتمــدة فالفصل فاختيار هذه القائمة أو تلك يحدد عدد الأسماء المدروسة وماهيتها. أمـا الإشــكالات غـير المســتثمرة فهــي كثـيرة أهمهــا إشــكال "الاسـم والتســمية والمســمى" الـذي أطيــل فيــ الحـديث في الأجـزاء الأولى لنصـوص القـدماء ولا نجـد لـ أثـرا فعليـا في تحليـل الأسمـاء، أو ذاك الخـاص "بالاسم" واشتقاقات . إن المتمعّن في العلاقة بين إشكالات حقل الأسمـاء يـرى أن بينهـا وبـين التحليـل الفعلـي للأسمـاء فراغا كبيرا فهي مـن جهـة لا توظـف إلا في بعـض الأمـور التقنيـة (مثـل التصـنيف) الـتي ليسـت بالضـرورة مهمة في تحديد دلالة الاسم المدروس، ومن جهة أخرى حـتى وإن افترضـنا القصـد إلى توظيفهـا لا نـرى

عدد الصفحات ١٠٩

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 98 كيــف يكـــن أن تغــيرّ طريقـــة العمــل علـــى الأسمــاء. إن إشـــكالات حقــل " الأسمـــاء" غــدت، مـــع مـــرور الوقــت، عــادات علميــة لا يعــاد التفكــير في أهميتهــا وغــير مســائلة عنــد الكتــاب التراثيــين إلا باعتبــار مضمونّا وموقف كل واحد من ذلك، وليس باعتبار أهمية هذا الباب أو ذاك للتفكير لموضوع الأسماء . ب2. القرآن وإنتاج دلالة الأسماء يكـن لنـا أن نفصّـل علاقـة القـرآن بـالجزء الثـاني مـن النصـوص قيـد الدراسـة مـن وجهـين أحـدهما تشريح لطبيعة استعمال القرآن وتوظيفـ في إنتـاج دلالـة الأسمـاء والآخـر حـول إمكانـات بحثيـة لا نجـدها في طريقة عمل علماء التراث كان يكن من خلالها إثراء البحث في موضوع الأسماء . عند الحديث عن توظيف آي القرآن في تحليل الأسماء نجد أمامنا احتمالات عدة أهمها:  عدم الرجوع إلى القرآن إ لا نادرا على شاكلة ما يفعل الغزالي في كتاب .  اســتعمال آيــات مــن القــرآن لإثبــات شــرعية الاســم وقابليتــ للتحليــل وهــذا مــا يفعلــ أغلــب الكتــاب لــيس فقــط مــع القــرآن وإنــا كــذلك مــع الحــديث الشــريف فغالبــا مــا يســتندون إلى أحاديــث ذكــر فيهــا الاســم قيــد الدراســة. هنــا يتســاوى القــرآن مــع الســنة في وظيفــة إثبــات وجــود الا ســم وإعطــاء شــرعية العمــل عليــ . غالبــا مــا تســتعمل هــذه الإستشــهادات في أول الحديث عن "الاسم" لكنها ليست منطلقا للتفكير في .مثلا عند حديث البيهقي عن اسم "الله الغني" يقول: "ومنها الغني قال الله عـز وجـل (والله الغـني وأنـتم الفقـراء) وروينـاه في خـبّ الأسامي] قال الحليمي في معنى الغني: إن الكامل بما لـ وعنـده فـلا يحتـاج

عدد الصفحات ١١٠

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 99 معـ إلى غـيره، وربنـا جـل ثنـاؤه بهـذه الصـفة لأن الحاجـة نقـص والمحتـاج عـاجز عـن مـا يحتـاج إليــ إلى أن يبلغــ ويدركــ ..."1) وينتهــي شــرح الاســم بكــلام الحليمــي، هنــا لــيس لةيــة إلا وظيفة إثبات الاسم وغير ذلك من عمليات التحليل والتأويل يبقى لأقوال السلف.  توظيــف لآيــات مــن القــرآن داخــل مــتن الشــرح للاســم عنــد الحاجــة إليهــا لتوضــيح فكــرة أو الفصل في اتجاه للموضوع، مثلها في ذلك مثـل الأحاديـث النبويـة، الشـعر والأقـوال السـلف، وغالبـا مـا تتقـدم أقـوال السـلف الإستشـهادات الأخـرى لتحـدّد هـي مـواطن الخـلاف وترســم حـدود الموضـوع. عنــد شـرح لاســم الله "المصـور" وفي خــلال متنــ يقـول: "قــال ابـن العــربي: قال علماؤنا في أربع عبارات: الأولى: الذي أنشأ خلق على صـور مختلفـة وهيئـات متغـايرة . الثانيـــة: أنـــ الممثـــل، والصـــورة التمثـــال . الثالثـــة: المركـــب، والصـــورة التركيـــب. الرابعـــة: المهيـــ للشيء المخلوق إلى غايت ، كما يقال: صار الأمر إلى غايت . قال ابـن الحصـار: ليسـت هـذه كلهــــا تفســــيرا "للمصــــور" بــــل كــــل واحــــدة منهــــا تخــــتص بمعــــنى، وهــــذا الاســــم يشــــعر بجميــــع الصفات التي لا يتم الفعل إلا بها من الاقتدار والعلم والاختيار، ويتضمن مع ذلك الحكمة البالغـة، والخـبّة قبـل الإيجـاد، إلى غـير ذلـك مـن الصـفات الـتي يفتقـر إليهـا التصـور والاخـتراع والتقديم والتصوير مرتب على الخلق والبّاية وتابع لها كمـا تقـدم، وقـد قـال تعـالى: "خلقنـاكم ثمّ صـــوّرناكم" (الأعـــراف:00 .)وقـــال النابغـــة: الخـــالق البـــارئ المصـــور في الأرحـــام المـــاء حـــ يصـير دمـا قـال الخطـابي: "المصـوّر" الـذي أنشـأ خلقـ علـى صـور مختلفـة ليتعـارفوا بهـا ومعـنى 0- البيهقي، نفس المرجع، ص18.

عدد الصفحات ١١١

الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 100 التصـوير التخطـيط والتشــكيل، وخلـق الله الإنســان في أرحـام الأمهــات ثـلاث خلــق: جعلـ علقــة، ثم مضــغة، ثم جعلــ صــورة وهــو التشــكيل الــذي يكــون بــ صــورة وهيئــة يعــرف بهــا، ويتميــز عــن غــيره بســمتها فتبــارك الله أحســن الخــالقين"1) نلاحــظ كيــف أن الآيــة تتخلــل الحــديث عــن الموضــوع المتعلــق بالاســم وتــأي بــين إستشــهادات مــن أقــوال الســلف إن هــذه الأخيرة هي التي تحدد اتجاه الموضوع وتفاصيل العمل علي . إن العامـل المشــترك بــين كـل هــذه الاحتمــالات الــتي يوظـف فيهــا القــرآن في موضـوع "الأسمــاء" هــو عــدم وجــود تفعيــل حقيقــي للقــرآن في توليــد دلالات جديــدة أو إنتــاج أســئلة دقيقــة حــول الموضــوع فهــو إمــا يســتعمل فقــط للإستشــهاد ولإضــفاء الشــرعية وإمــا يســتعمل في ثنايــا التحليــل للاســم اســتعمالا ثانويــا حيث تحدد بنية الموضوع بأقوال السلف. أما الحديث عن علاقة القرآن بتحليل الأسماء من جهة الإمكانات البحثية التي لم تستثمر فقـد عمـل الأقـدمون علـى الأسمـاء باعتبارهـا وحـدات منفصـلة عـن بعضـها الـبعض، الشـيء الـذي تضحضـ القــراءة الأوليــة لهــذا الــنص، فــالكثير مــن الأسمــاء، إن لم نقــل أغلبهــا، تــرد في علاقــات مــع غيرهــا مثــل "عليم حكيم" "غفور رحيم " وهكذا. إننـا لا نجـد حـديثا في نصـوص الـتراث عـن طبيعـة هـذه العلاقـات بين الأسماء باعتبارها استعمالات نصية لافتة. لقد كان جزء من التفكير منصبا فقـط علـى التفريـق بـين الأسماء المتشابهة في دلالتها مثل عليم – خبير وما إلى ذلك، ولم ينظر إليها من منطلـق علائقـي، سـواء 0- القرطبي، نفس المرجع، ص111.

عدد الصفحات ١١٢