الفصل ال ول قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع الأسماء
عدد الصفحات ٨١الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 70 تمهيد عندما نتحدث عن المعرفة عموما فإننا نتحدث عن مجالات أو حقول تنتظم داخلها هذه المعرفة. تفتح العلوم الإنسانية والاجتماعية التفكير في هذا الموضوع من جانبين أحدهما إبستيمولوجي متعلق بمضمون المعارف والعلوم التي يرسم الحقل العلمي حدودها والآخر هو بمثابة مسائلة لعلاقة هذه المعارف بحيثياتها الاجتماعية والسياسية أو كما يسمي جورج غورفيتش G. Gurvitch "الأطر الاجتماعية للمعرفة". أما الوج الثاني من المسائلة فلا سبيل ل في موضوعنا، ذلك أن رهانات الاجتماعي والسياسي في تعلقها بموضوع من الموضوعات يحتاج، من الناحية المنهجية ، إلى حد أدنى من المعطيات الثابتة)*( لا تتوفر لدراسة طبيعة ممارسات تجد أصلها في القرون الأولى لتشكل التراث الإسلامي. بقي لنا الوج الأول للموضوع وهو ممكن الدراسة باعتبار أن النصوص التي وصلت إلينا هي معارف متعلقة بموضوعاتها وفي نفس الوقت هي سمات ودلائل يكن استنطاقها ومقارنتها بغيرها ليتبينّ منها منطق تكونّا وانتظامها، وهذا ما سنعمد إلي . من وجهة نظر ابستيمولوجية يكن أن نعتبّ الحقل العلمي تراكما وانتظاما لمادة معرفية حول موضوع من الموضوعات نتج من خلال منطق مسائلة لهذا الموضوع، منطق أساس مقولات ضمنية غير مراجعة في هذا الحقل وغالبا ما تكون غير واعية تعمل على إنتاج طريقة مخصوصة في أشكلة مواضيعها ومسائلتها وكذا في تحديد مجال الإجابات الممكنة، والأهم من ذلك تحديد معايير الصحة العلمية فيها (Critères de validité scientifique). إن تراكم المعارف في حقل من الحقول يخلق )*( طرق كتابة التاريخ تعتمد على آلية اقتطاع وترتيب لأولوية المعطيات التي تثبتها النصوص التاريخية. إن ما بقي لنا من التراث الإسلامي هو نصوص تتعلق بمضمون المعارف أكثر مما تتعلق بشروط إنتاجها.
عدد الصفحات ٨٢الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 71 مع خبّات الباحثين في تعاملهم مع موضوعات وبالتالي "تكوّن مجموعة عادات علمية قد تكون نافعة وصحية، تصبح مع مرور الوقت عائقا أمام البحث" 1) إن طول أمد البحث والاتفاق الذي قد يحصل داخل "الجماعة العلمية" من وجهة نظر توماس كوهنThomas Kuhns هو الذي يدّ في عهد الحقل العلمي، وهو في نفس الوقت أحد أسباب فنائ ، ذلك أن إعادة إنتاج المعارف بشكل مستمر يعتمد، أول ما يعتمد، على الاتفاق الحاصل بين الباحثين والعادات التي تتشكل مع ، وهو الشيء ذات الذي يعيق البحث بكل ما يخلف من وصفات علمية جاهزة، بداهة في التعاطي مع الموضوعات، ومقاومة لكل ما هو جديد ومغاير. 0. وصف حقل دراسة موضوع أسماء الله الحسنى عند الحديث عن الكتب التراثية التي تطرقت لموضوع "الأسماء الحسنى" نجد أنفسنا أمام نوعين أساسين منها: أولها تلك التي اختصت بموضوع "الأسماء" بطريقة مباشرة ومفصّلة وخصصت كل مباحثها لمدراسة جوانب متعددة من . ثانيها ك تب عرّجت على موضوع الأسماء و تطرّقت، في بعض مباحثها إلي ، دون أن يثّل البحث فيها المقصد الأول لها، وهي بدورها نوعان: كتب التفسير التي قاربت موضوع الأسماء في خلال التفسير الكلي للقرآن، فالأسماء تتخلل السياقات القرآنية المختلفة وتميّزها، وكتب علم الكلام في مباحث الأسماء والصفات وإشكالات التشبي والتنزي )*(. 0– Gastron Bachelard, la formation de l’esprit scientifique, Vrin, Paris, 1938. (*) يعرض دانيال جيماريDaniel Gimaret في كتابه "الأسماء الإلهية في الإسلام« Les noms divins en islam » Cerf، Paris،0966، قائمة مفصلة جدا لكل الكتب التراثية التي تحدثت عن الأسماء الموجودة منها والمفقودة. راجع الفصل الأول لكتابه (من ص 01 إلى ص11.)
عدد الصفحات ٨٣الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 72 إن النوع الأول منها هو الذي يهمنا في عملنا. إنّا تلك الكتب التي قصد الكاتب فيها إلى التفكير في موضوع الأسماء باعتباره موضوعا مستقلا على شاكلة ما يفعل الباحثون اليوم في دراسة موضوعات تحدّد وتفصل عن غيرها ليتم تعميق المسائلة لها. عند تعرّض لأشكال المقاربات التي نجدها في هذا النوع من الكتب، يقول دانيال جي ماري Daniel Gimaret: "يكن أن نفرق بين ثلاثة أنواع من المقاربات: الأولى معجمية صرفة، تهتم فقط بمعاني الأسماء واشتقاقاتها؛ الثانية، كلامية تهدف إلى تفسير الأسماء الإلهية في إطار نظرية عامة لصفات الله؛ وأخيرا الثالثة، والتي يكن تسميتها "روحية"، هي تلك التي يقدمها أساسا أتباع مدرسة التصوف. إنّا تتمثل في تأمل للأسماء الإلهية من منطلق العبادة والتوج نحو الله" 1) .رغم ذلك لا يكن فصل المقاربات بطريقة واضحة، وإنا أغلب الكتب هي جمع بين مقاربتين أو أكثر بطريقة معينة وبهذا الشكل تصبح هذه الكتب بمثابة نقاط تماس وا لتقاء لحقول بحثية مختلفة تعبّ عنها مقارباتها لهذا الموضوع. من زاوية نظر مغايرة، يكن النظر إلى هذه الكتابات باعتبارها، من ناحية ابستيمولوجية، مسار تكوين حقل للكتابة حول هذا الموضوع وتشكّل لقواعده وأعراف . إن ثمة لحظتين أساسيتين في هذا المسار: الأولى تأسيسية تّ فيها جمع عدد كبير من الآيات والأحاديث الخاصة بالموضوع، وطرح بعض الإشكالات الأولى والمواقف المبدئية. إن الكتب المعبّّة عن هذه اللحظة هي بمثابة رهان التأسيس لموضوع جديد يبحث مستقلا عن غيره من المواضيع، إنّا ترسم حدود الموضوع وتحدد إمكانات التفكير في . إنّا لحظة تشكل النواة الصلبة للمقولات الضمنية الأساسية ولآليات إنتاج 1- D. Gimaret, Les noms divins en islam, Cerf, Paris, 1988, P15.
عدد الصفحات ٨٤الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 73 المعرفة في هذا الحقل. أشهر الكتب المعبّّة عن هذه اللحظة كتاب "الأسماء والصفات" للإمام الحافظ ابي بكر أحمد ابن الحسني ابن علي البيهقي (المتوفي سنة 410هـ). ثاني لحظة يكن رصدها هي لحظة التصرف في النصوص المؤسسة والعمل عليها، يتم فيها التقيّد بالتقسيم العام الذي تفرض الكتب المؤسسة ولكنها تعمل في علاقتها باللحظة الأولى من خلال آلية معقدة يتم فيها استبعاد عناصر من النواة الصلبة لهذه الكتب واستبقاء أخرى، بالإضافة إلى إضافات كثيرة قد تصبح معها مض امين الكتب الأولى ثانوية إن لم نقل هامشية، فمثلا كتاب "المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى" لأبي حامد الغزالي، إذا ما قارنّاه بكتاب فإنّنا البيهقي نلاحظ كثرة الإستشهادات بالآيات والأحاديث عند البيهقي بمقابل ندرتها عند أبي حامد الغزالي، ونجد عملا تأمليا وذوقيا في الأسماء عند هذا الأخير لا نجده في غيره. يوجد كذلك نوع من كتب هذه المرحلة هي كتب تحاول أن تكون جامعة على شاكلة كتاب "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات " للأمام شمس الدين ابي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي فهو بمثابة موسوعة للأسما ء جمع فيها بين البيهقي وشيء من تأمل الغزالي بإضافة عدد من الإشكالات التي لا نجدها عند الاثنين. )*( 2. قراءة نقدية للنصوص التراثية حول موضوع الأسماء نقصد من خلال هذا المبحث القيام بقراءة نقدية لتلك الكتب التي اختصت بدراسة موضوع أسماء الله الحسنى من أمثال ما كتب البيهقي والرازي وغيرهما. إن هذه القراءة النقدية تتكوّن من )*( - إن ما نقدمه من وصف هنا ليس عاما وإنما ثمة دائما استثناءات كثيرة فالتصنيف كآلية منطقية غالبا ما يكون اختزاليا. يشذ عن هذا التصنيف مثلا كتاب "اشتقاق أسماء الله الحسنى" للزجاجي الذي لا يتقيد بالنموذج العام لا في منهجية كتابته ولا في أشكلته للموضوع.
عدد الصفحات ٨٥الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 74 مستويين: أوّلهما متعلق بطرائق الكتابة في هذا الموضوع و آليات إنتاج المعرفة بها، وثانيهما يعتمد على المستوى الأول، ويحاول موقعة هذه النصوص في علاقتها بالقرآن ومسائلتها بالنسبة ل . إن العمل على هاذين المستويين في بحثنا، هو محاولة للإجابة عن الأسئلة الأربعة الآتية: أـ ما هي أهم الإشكالات التي تقترحها هذه النصوص؟ وما هي المقولات المعرفية المضمرة التي تؤسّس لها؟ ب. ما هي آليات إنتاج المعرفة المولّدة لهذه الإشكالات؟ وكيف تكوّنت؟ جـ. ما هي طبيعة العلاقة بين هذه الإشكالات وما يقدم السرد القرآني في هذا المضمار؟ د. هل هذه الإشكالات قرآنية في عمقها؟ وهل هناك إشكالات قرآنية غائبة؟ إننا نحاول أن يكون مستويي القراءة النقدية متلازمين ومتكاملين، يقصدان إلى مراجعة عميقة لواقعة إنتاج المعرفة الإسلامية في إحدى مناحيها. إن عملنا على هاذين المستويين سيتخلل تشريحنا لبنية هذه النصوص ومن ثم المسائلة النقدية لها. للقيام بقراءة نقدية للنصوص التراثية اخترنا عينة منها متكوّنة من ثلاث كتب نراها أساسية وممثلة للعديد من الكتب الأخرى في موضوع الأسماء وهي: - كتاب "الأسماء والصفات" للإمام البيهقي. - كتاب "المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى " للإمام أبي حامد الغزالي. - كتاب "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات " للإمام القرطبي.
عدد الصفحات ٨٦الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 75 3. وصف بنية النصوص التراثية إن الأمر الأول اللافت للانتباه والذي يواج القارئ لعدد من هذه النصوص أنّا مبنية ومبوبة بنفس الطريقة، فهي غالبا ما تتكون من جزئين أساسين: الجزء الأول منها يتضمن أهم الإشكالات التراثية حول الأسماء سواء منها اللغوية، الفقهية أو العقائدية والجزء الثاني مختص بتعريف كل اسم من الأسماء الحسنى على حدة)*(. أخذا في الاعتبار منهجية الكتابة المجزئة بهذا الشكل فإن تحليلنا سيتتبع بالنقد كل جزء على حدة بالإضافة إلى مسائلة طبيعة العلاقة بين هذين الجزئين. إنّنا ابتداء نقدّم مختصر فهرس أحد هذه الكتب ليتسنى للقارئ الحصول على رؤية واضحة حول طريقة انتظام محاورها ومعرفة أهم إشكالاتها، وليكن هذا الكتاب هو كتاب الإمام الغزالي: "محتويات الكتاب الموضوع مقدمة المؤلف صدر الكتاب الفن الأول – في السوابق والمقدمات وفي فصول أربعة: الفصل الأول، في بيان معنى الاسم والمسمى والتسمية الفصل الثاني، في بيان الأسامي المتقاربة في المعنى )*( رغم أن أبا حامد الغزالي و فخر الدين الرازي يبوبان في الظاهر بطريقة مختلفة ] وجود 1 أجزاء الأول في السوابق والمقدمات الثاني في المقاصد والغايات الثالث اللواحق والتكميلات[ إلا أن مرده ا إلى الجزئين المذكورين أعلاه فالسوابق واللواحق ليست سوى الجزء الأول الخاص بأهم الإشكالات المتعلقة بالموضوع والمقاصد والغايات هي تعريفات الأسماء الواحد تلو الآخر.
عدد الصفحات ٨٧الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 76 الفصل الثالث، في الاسم الواحد الذي ل معاني مختلفة الفصل الرابع، في بيان أن كمال العبد وسعادت في التخلق بأخلاق الله الفن الثاني- في المقاصد والغايات وفي فصول ثلاثة: الفصل الأول، في شرح معاني أسماء الله التسعة والتسعين الله الرحمن الرحيم... الفصل الثاني، في بيان وج رجوع هذه الأسامي الكثيرة إلى ذات وسبع صفات، على مذهب أهل السنة الفصل الثالث، في بيان كيفية رجوع ذلك كل إلى ذات واح دة، على مذهب المعتزلة والفلاسفة الفن الثالث- في اللواحق والتكميلات وفي فصول ثلاثة: الفصل الأول، في بيان أن أسماء الله تعالى من حيث التوقيف غير مقصورة على تسعة وتسعين الفصل الثاني، في بيان فائدة الإحصاء والتخصيص بتسعة وتسعين الفصل الثالث، في أن الأسامي والصفات المطلقة على الله، عز وجل، هل تقف على التوقيف أم تجوز بطريق العقل؟"1) 0- أبو حامد الغزالي، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، دار ابن حزم،2111، ص061.
عدد الصفحات ٨٨الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 77 أ - القسم الأول: الإشكالات العامة حول موضوع الأسماء أ.0. الإشكال الأول "الاسم" وما تعلق به إن أحد أهم الإشكالات المتعلقة بموضوعنا هو إشكال "الاسم" وما تعلق ب من تعريفات ودلالات، فهو المقولة الأساسية والافتتاحية عند الحديث عن "أسماء الله الحسنى". رغم ذلك لا نجد الحديث عنها في كل النصوص المتعلقة بالموضوع، وإنا البعض منها فقط يفرد لها بابا مقتضبا غ البا ما نخصّ الحديث في عن أصل اشتقاق الكلمة "اسم" و مذاهب اللغوين في ذلك ونقدم للقارئ نوذجا للحديث عن هذا الباب من كتاب "اشتقاق أسماء الله" لأبي القاسم عبد الرحمان بن اسحاق الزجاجي (المتوفي سنة 141هـ) ففي باب "القول في اشتقاق الاسم" يقول "أجمع علماء البصريين، ولا أعلم عن الكوفيين خلافا محصلا مستندا إلى ما يوثق ب أن اشتقاق "اسم" من سموت أسمو: أي علوت كأن جعل تنوينها بالدلالة على المسمى لما كان تحت فأصل "يسمو" على وزن حمل، و يحذق و قنو وحنو. الدليل على ذلك قولهم في الجميع أسماء كما قيل: أقناء، وأحناء، وأحمال. وفي التصغير "سم ي" كما قيل: حني، وقني، وقد جمع الجمع فقيل أسماء وأسام وهذا بينّ واضح. وقد حكي أن بعضهم يذهب إلى أن أصل من "وسمت" كأن جعل سمة للمسمى، وحسب القائلين بهذا القول ذهبوا إلى ظاهر المعنى ولم يعنوا النظر في مقاييس العربية لأ ن في الظاهر لائق ب أن يكون الا سم سمة للمسمى يعرف بها لأن أصل ليس السمة لأن السمة من "وسمت" فاء الفعل منها واو و"اسم" من
عدد الصفحات ٨٩الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 78 السمو ولام الفعل من واو 1). أيًّا يكن الفصل في هذه القضية اللغوية، هذا كل ما تقول النصوص في هذا المجال، أو قد تزيد شيء قليلا لا يغير من حاصل هذ ه القضية. في كل الأحوال تبقى المقولة المؤسسة لهذا المبحث محل لبس كبير فكلى الاحتمالين اللغويين (سمو-وسم) يبقيان دون تفصيل ودون توابع منهجية في فهم هذا الإشكال. إذا كان أصل كلمة "اسم" من السمو ما هي تبعات أصل الاشتقاق هذا في رؤيتنا للأسماء الحسنى: سمو بالنسبة لماذا؟ هل هي مرتبة وجودية للاسم على شاكلة ما يقول الصوفية؟ إذا كان أصل كلمة "اسم" من "الوسم" أليس ثمة ضرورة للتفكير في دلالة الـم عبّ والفروق الموجودة بين وبين كلمات مجاورة في الاستعمال القرآني مثل آية – علامة... حقل المعرفة الإسلامية في مدراست لموضو ع "الأسماء" يعمل بمقولة ضبابية ولا يثورها معرفيا. هنا كذلك لا نجد لمفردة "اسم" في الاستعمال القرآني أيّ دارسة مفصّلة وبقي التفكير في الموضوع تفكيرا صرفيا بحثا. إن دراسة خاصة لاستعمال المفردة في القرآن قد تساعدنا على الفصل في هذا الإشكال وربما اقتراح اتجاهات بحث جديدة، ليس هناك مجال الحديث فيها. إن مبحث الاسم في هذه النصوص يخلوا كذلك من مسائلة لدلالة ترتبط ب بطريقة وثيقة ألا وهي دلالة "الحسنى"، فعدى بعض الإشارات هنا أو هناك ورغم مركزية هذه المقولة في الرؤية الإسلامية وثراء الاستعمالات المرافقة لها من قبيل "الحسن" "الإحسان" "المحسن" لا نجد تفاصيل كثيرة حول هذا الوصف باعتباره عماد تصور جمالي في القرآن. إننا في هذا الإطار لا نجد أسئلة من قبيل 0– الزجاجي ، إشتقاق أسماء الله، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية0968 ص211.
عدد الصفحات ٩٠الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 79 لماذا لا تنعت الأسماء بنعوت أخرى من قبيل "العظمى" "الكبّى" مثلا؟ ما دلالة ارتباط الأسماء ببعد جمالي لصيق بها؟ إلى كل ما سبق ذكره، يجدر أن نضيف إشارة حول "الاسم" تأي من الاستعمال القرآني لهذه المفردة وهي أن مقولة "الاسم" كثيرا ما تأي كمقولة وسيطة بين إسمي "الله" و "رب" وبين أجزاء أخرى من السرد القرآني والشواهد على ذلك كثير من قبيل "بسم الله الرحمان الرحيم" "سبح اسم ربك الأعلى" "اقرأ باسم ربك الذي خلق". من منطلق رؤية وظيفية يكن أن نتساءل عن الوظيفة الدلالية التي يؤديها الاسم في السياق القرآني. من كل ما سبق تظهر هامشية هذا المبحث في النصوص الخاصة بالأسماء، رغم مركزيت في تشكيل رؤية حقيقية للموضوع. بالإضافة إلى انحراف البحث في إلى الجانب اللغوي الصرفي وانحصاره في ولا نجد دراسة لإشكالات أساسية في الاستعمال القرآني. يعبّ هذا المبحث، من جهة، عن آلية لإنتاج المعرفة الإسلامية تعمل باستبقاء مواضيع والتركيز عليها واستبعاد أخرى، آلية تعمل غالبا خارج النص أو على الأقل من خلال أولوية الإشكالات الخاصة بحقول هذه المعرفة على إشكالات القرآن كنص مؤسس لها. أ.2. الإشكال الثاني تحديد الأسماء والتعرف عليها لقد ثار جدال كبير في النّصوص الدّارسة لموضوع الأسماء عن تحديد عدد هذه الأسماء وعن ماهيتها وتعقد الإشكال بوجود أحاديث في هذا المضمار وأصبحت الأسئلة المطروحة حول هذا الإشكال من قبيل: هل نعتمد الحديث القائل بوجود تسع وتسعين اسما؟ ماهي هذه الأسماء التسع
عدد الصفحات ٩١الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 80 وتسعون؟ هل توجد أسماء أخرى للذات الإلاهية؟ ما هي؟ يقول الإمام القرطبي متحدثا عن الموضوع أن "لم يذكر الله تعالى لأسمائ في كتاب عددا مسمى..." 1) أما عن الأحاديث الواردة في ذلك فأشهرها وأوثقها الثابت عن النبي صلى الله علي وسلم أن قال "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، الله وتر يحب الوتر من أحصاها دخل الجنة" رواه البخاري ( 2018) ومسلم2800) ونذكر هنا الحديث المروي عن أبي هريرة والمخرج لدى الترمذي رقم ( 1110) في كتاب الدعوات، 61 ) باب أسماء الله الحسنى: قال رسول الله صلى الله علي وسلم "هو الله الذي لا إل إ هو، الرلحمن، الرّحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبّ، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الوليّ، الحميد، المحصي، المبدىء، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأوّل، الآخر، الظّاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البّ، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور."2) لقد أثار هاذين الحديثين ارتباكا وجدالا حول تحديد أسماء الله الحسنى وذلك من وجهين: 0- القرطبي، الأسنى في شرح إسماء الله الحسنى وصفاته، مكتبة العصرية، بيروت،2118، ص0. 2- نفس المرجع ص14.
عدد الصفحات ٩٢الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 81 أولهما من حيث سنده فالبيهقي مثلا يرى أن الحديث الثاني "ضعيف عند أهل النقل... ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، ولهذا الاحتمال ترك الشيخان إخراج حديث الوليد في الصحيح"1) ثانيهما: أن ثمة أسماء ذكرت في القرآن ولم تذكر في الحديث وعكس ذلك أيضا فهناك أسماء لم تذكر في القرآن وذكرت في الحديث، أضف إلى ذلك أسماء ذكرت في أحاديث أخرى مثل "يا حنان يا منان" ولم تذكر في هذا الحديث. إن هذا الارتباك الحاصل في التعرف على أسماء الله الحسنى أثّر حتى في القناعة الأولى أن عدد الأسماء تسعا وتسعين، وأثيرت تبعا لذلك قضايا متعلقة بعدد الأسماء الحسنى، فذهب أغلب الكتاب إلى أن عدد الأسماء غير محدد. وتوجد أحاديث أخرى تضيف لهذا المتن قائمة من تسعة وتسعين اسما. إنّ ا أحاديث ذات أسانيد مختلفة وبقوائم مختلفة من الأسماء (لهذه القوائم أجزاء كبيرة مشتركة). القائمتين "الأكثر ظهورا، واللتان يتحدث عنهما البغدادي معا (في تفسيره) والبيهقي (بعد الحطابي والحليمي) هما رواية الوليد ابن مسلم ورواية عبد العزيز... ولكن هناك قائمتين أخرتين. القائمة الثالثة منها ترجع إلى زهير ابن محمد التميمي وهي بدورها تروى بطريقتين مختلفتين والقائمة الرابعة للشيعة الامامية تصل إلى على ابن ابي طالب عن طريق سليمان ابن مهران. )*( 0- البيهقي، كتاب الأسماء والصفات، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص6. (*) لدانيال جيماريDaniel Gimaret فصلان في الموضوع يقدمان نظرة تقنية وتفصيلية جيدة في هذا الإشكال : الفصل الأول "حديث لـ 99 اسما والقوائم المتنوعة" والفصل الثاني : القوائم التقليدية والقرآن (بين ص 10 إلى ص61)
عدد الصفحات ٩٣الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 82 إن عدد تسع وتسعين ليس ملزما، فلهذه القضية أفرد البيهقي بابا سماه (باب بيان أن لله جل ثناؤه أسماء أخرى) وقال في أن "ليس في قول النبي صلى الله علي وسلم تسعة وتسعون اسما نفي غيرها وإنا وقع التخصيص بذكرها لأنّا أشهر الأسماء وأبينها معاني" 1) وذكر عددا من الأسماء ال وردت في بعض الأحاديث على سبيل الإثبات. المشكل هنا أن قناعة تجاو ز عدد الأسماء التسعة والتسعين لم يدفع بأغلب الكتاب إلى استقراء حقيقي لعددها في القرآن، بكل ما تقتضي هذه العملية من صرامة ومن قدرة على إنتاج المعرفة، بغرض الحصول على قائمة واضحة ودقيقة عدى ما ذكر القرطبي عن ابن العربي الفقي ، أن استقرأ الأسماء الحسنى وعده ا فانتهت إلى ستة وأربعين ومائة. هنا إحدى البؤر المعبّة عن آليات إنتاج المعرفة الإسلامية عموما وحقل الأسماء خصوصا، ذلك أن مصدر الإشكال هنا وآليات التفكير في تعتمد على أولوية السنة على القرآن فمثار الجدل كل جاء حول أحاديث في هذا المضمار وليس حول عمل مباشر وتعاط استقرائي مع القرآن. إن اتجاه التفكير في هذه القضية ذهب كذلك إلى فتح المجال للفرق الإسلامية لكي تخوض في أسماء قد تقترحها هذه الفرقة أو تلك مثلما فعلت الحشوية في تسميتها لله عز وجل "إيانا" أو القدرية "دليلا". لقد ت التعامل مع هذه القضية بالثنائية الفقهية (يجوز – لا يجوز) على شاكلة ردود الإمام أبي الحسن الأشعري في كتاب . ما يلاحظ على هذا الاتجاه في الدراسة للموضوع أن حدد الإشكال كل في مقولة العدد ( حساب العدد + تحديد الأسماء) ولم يتعدى الأمر إلى أسئلة، قد تكون قريبة في هذا الباب ولازمة من ، مثل سؤال التعدد: أن يكون عدد الأسماء تسعة وتسعين أو أقل أو أكثر، 0- نفس المرجع،ص8.
عدد الصفحات ٩٤الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 83 هذه أعداد كبيرة من الأسماء تقتضي التفكير في ماهية كثرتها وتعددها. لماذا هي كثيرة بهذا الشكل اللافت؟ ما هي دلالة ذلك؟ ما هي العلاقات الموجودة بينها؟ هل تنتظم كلها في رؤية كلية؟ ما هي دلالة ذلك عقائديا وفلسفيا؟ وما إلى ذلك من الأسئلة التي كان يكن أن تكون امتدادا لهذا الإشكال. إن الأهم في هذا الإشكال ليس تحديد قائمة ظهر الارتباك فيها وإنا بناء موضوع والتفكير في من منطلق قرآني. أ.1. الإشكال الثالث : الاسم، المسمى والتسمية هذا أحد الإشكالات التي استحدثت بعد الكتابات الأولى حول الأسماء، فالبيهقي مثلا لم يتطرق لهذه المسألة، وأصبح هذا الإشكال ملازما للكتابة حول موضوع الأسماء ومرتبطا ب ارتباطا وثيقا. لقد اختلف في هذه المسألة من حيث أهميتها وجدواها )*( فالغزالي، وبعد مناقشة مطولة لهذا الموضوع ينهي كلام بقول "فهذا القدر يكفيك في كشف هذه المسألة وإن كانت المسألة، لقلة جدواها، لا تستحق هذا الإطناب. ولكن قصدنا بالشرح تعليم طريق التعرف لأمثال هذه المباحث، لتستعمل في مسائل أهم من هذه المسألة، فإن أكثر تطواف النظر في هذه المسألة حول الألفاظ دون المعاني والله أعلم."1) ويخالف الغزالي في موقف القرطبي وابن العربي دون بيان لأصالة هذا الإشكال هكذا موضوع. )*( إن ما نقصده هنا وهو ما يسميه الإبستمولوجيون اليوم القيمة (Valeur Heuristique) أي ما تضيفه مسألة أو إشكالية لحقل الممارسة العلمية، والأهمية التي تكتسبها في ذلك. 0- أبو حامد الغزالي، نفس المرجع، ص19.
عدد الصفحات ٩٥الفصل الأول: قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع "الأسماء 84 إن أصل الإشكال حول مطابقة الاسم للتسمية وكذا الاسم للمسمى، ونستعمل هنا مع المطابقة للحديث عن مبدأ منطقي حول مدار النقاو وإن لم يظهر جليا وهو مبدأ الهوية؛ فهل الاسم هو التسمية أم لا؟ وهل الاسم هو المسمى أم لا؟ وحول معنى "الهوية" وفهمها اختلفت الرؤى فمن مطابق بينها كلها إلى مفرّق بينها كلها تعددت المواقف وتباينت أوج الاستدلال عليها. اللافت هنا أن كل النقاشات تنحو منحا لغويا بحثا عدى الغزالي الذي ناقش مبدأ الهوية من وجهة نظر فلسفية من خلال تفريق بين مراتب الوجود ( الوجود العيني أو الحقيقي، الوجود الذهني والوجود في اللسان كما يسمي ) وحدد لكل من الاسم، التسمية والمسمى مواقع وجودها فهي وإن كانت متصلة ببعضها فهي لا تنتمي لذات الوجود فالمسمى من قبيل الوجود العيني (الحقيقي ) والاسم تجريد ذهني ينتزع من ملاحظة الوقائع أو تصورها، وأخيرا التسمية خاصة بالوجود في عالم اللسان فهي انتزاع لكلي عقلي حول واقعة الربط بين الاسم والمسمى. أ.4. الإشكال الرابع: إشكال التصنيف لقــد اهتمــت الكتــب التراثيــة بإشــكال التصــنيف في محاولــة لتجــاوز صــعوبة التعامــل مــع كثــرة الأسمـاء و تنوّعهـا فوضـعت لـذلك عنـاوين رئيسـة ومحـاور كـبّى تجمـع تحتهـا عـددا كبـيرا مـن الأسمـاء. إن مـدار مختلــف محـاولات التصــنيف علــى أمـرين: أولهمــا تصــنيف للأسمـاء باعتبــار دلالتهــا علـى شــاكلة مــا فعل الإمام الحسين ابن الحسن الحليمي في كتاب "منهـاج الـدين "وأعتمـد هـذا التصـنيف مـن بعـده مـن قبل كثير من الكتاب في الموضوع .ثانيهمـا تصـنيف للأسمـاء باعتبـار بناءهـا الصـوري، تصـنيفا يـربط بـين
عدد الصفحات ٩٦