المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قراءة في تمثلات أسماء الله الحسنى في القرآن

زرقة لطفي هشام

صفحة ٥ من ١٥

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 55 إن ما يقابل الإبستيمي في التراث الفكري الإسلامي ساحة من شب فارغة هي بمثابة حلقة الوصل المفقــودة بــين العقيــدة وتفاصــيل المعــارف حــول الطبيعــة والإنســان فــلا علاقــة مــثلا بــين مبــدأ التوحيــد في العقيـدة ونظرتنـا لتنـوع موجـودات هـذا العـالم، ومـا قـد يترتـب عنـ مـن روابـط وتمـاثلات خلقيـة بـين هــذه الموجودات. عدى ذلك يبقى أن العمل على القرآن ير، لا محالة، من خلال التعامل مع الرؤى الكليـة للمنظومــة الغربيــة بطريقــة واعيــة أو غــير واعيــة، ولا مجــال للقــول أن تفكيرنــا في القــرآن سيضــحى إعــادة إنتاج لذات هذه الرؤية واشتقاقاتها. قد يحدث بعض ذلك، ولكن أمثال هذه الخطابات مدعاة لإعادة إنتـاج فكـر عقـيم وطريـق إلى الشـلل الفكـري. إن الــدارس للقـرآن بحياديـة وإنصـاف يـرى أن التعامـل مــع هذا النص هو من قبيـل الحـوار والجـدل معـ فهـو لـيس مـادة سـلبية خاضـعة بـل لـ دور فاعـل في تحديـد التوجهات البحثية بدأ بالا صطلاح المستعمل إلى البنية النصية والطريقة التي تنتظم بها الدلالة. من هذا المنظور يصبح القرآن محور إنتاج مراكز الاهتمام و الأسئلة وحتى طرائق التفكير في موضوعات . إن لكل من القرآن والإبستي مي ديناميكيت الخاصة ولكنهما الاثنان يصبان في اتجاه تفعيـل العمـل علـى القــرآن. إن الإبســتيمي في خــلال تطــوره يســمح بارتــداد للــوعي والنقــد علــى ذاتــ ومنطلقاتــ مــن خــلال ذات المعـارف والأدوات الــتي أنتجهــا وهـو أمــر مفيــد للعامــل علـى القــرآن مــن حيـث الحــذر الــذي يكــن توخي ، ذلك أن كلما زاد وعينا بمنطلق الرؤية الغربيـة و منطقهـا كلمـا اسـتطعنا تحديـد موقفنـا منهـا. مـن جانبهــا ديناميكيــة العمــل علــى القــرآن، حــتى وإن تشــابكت مــع الرؤيــة الغربيــة ، فإنّــا مــن خــلال تبلورهــا تظهـــر شـــيء فشـــيء الرؤيـــة القرآنيـــة وكيفيـــة تفكيرهـــا وهـــذا الأمـــر هـــو كـــذلك مـــن محـــددات موقفنـــا مـــن

عدد الصفحات ٦٥

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 56 الإبســتيمي. إن الــديناميكيتان كــل في عملهــا ســواء تلــك الــتي تمكــن مــن مراجعــة الــذات الغربيــة أو تلــك الـــتي تحـــدد ملامـــح رؤيـــة جديـــدة مـــن خـــلال القـــرآن، تتجهـــان إلى الا لتقـــاء والتقـــاطع في تحديـــد العلاقـــة القائمة والمفروضة بين القرآن والمعرفة الغربية. ب . النظرية عنــدما ننتقــل في حــديثنا مــن الإبســتيمي إلى النظريــة ننتقــل مــن المفتــوح إلى المغلــق ومــن المتنــوع الغير متجانس إلى الأحادي المنظم. يرى أينشتاين A.Einstein أن الهدف من النظرية هـو ربـط عـدد كبــير مــن التجــارب المعزولــة ويعرفهــا بأنّــا "نســق مــن أفكــار الــتي غالبــا مــا تبــنى منطقيــا مــن خــلال عــدد قليل من القضايا الأساسية"(0). إن النظرية تقدم رؤية منظمة لموضوع ما، إنّـا محاولـة للتعمـيم بحيـث يشــذ أي مثــال أو "تجربــة معزولــة " مــن الرؤيــة العامــة الــتي تقــدمها، كمــا يتفــق أغلــب البــاحثين العــاملين على الموضوع من أمثـال دوهـايم Duheim و قرونجـرGranger أن أسـاس النظريـة ومنطلقهـا عـدد قليـل من القضايا الأساسية، فهي بذلك الرهان الأول والأصعب في النظرية. عند وجودها لا يبقى إلا تمثّ لها ضمن نسق علائقي بما تقتضي العلاقة من ضوابط منطقية ورياضية. أما السلطة التي تملكها النظرية في المعرفة المعاصرة فتستمدها من مبدأ إبستيمولوجي ضمني يحكم بأولويـة العقـلاني علـى الـواقعي وأسـبقيت في إنتـــاج المعرفـــة فبالنســـبة لغاســـتون باشـــلار G. Bachelard " يتجـــ الشـــعاع الإبســـتيمولوجي مـــن العقلاني إلى الواقع ولـيس العكـس"(2). مـن هـذا المنطلـق يبقـى الواقـع (الموضـوع) في موقـف سـلبي، فهـو 1- Opcit, P540. 2- P.Bourdieu & J.C. Passeron & J.C. Chamboredon, Le métier de sociologue, Mouton, P62.

عدد الصفحات ٦٦

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 57 لا يجيب إلا إذا سؤل وتنفرد النظرية برهان المعرفة الأول وا خير، ليس فقط رهـان السـؤال وإنـا كـذلك رهان الجواب، ذلك أن التفسير المقترح لموضـوع مـا لا يكـون إلا مـن جـنس سـؤال النظريـة. عنـد حديثـ عــن الموضــوع يشــرح روني طــوم R.Thom عمــل الفعــل العقــلاني باعتبــاره "ا ختصــارا للوقــائع في موضــوع محلــي بقصــد تفســيرها بشــكل فكــري" (0).إنــ مــن جهــة مــا، انتقــاء للخــاص وصــياغت بطريقــة عقلانيـــة وتعميم هذه الرؤية لبقية الوقائع الأخرى. ضـــد هيمنـــة النظريـــة تـــأي أصـــوات معارضـــة محاولـــة التأكيـــد علـــى الـــدور الفاعـــل للموضـــوع و"حقـــ في الــرفض" علــى حــد قــول جــون كلــود باســرون J.C.Passeron، فعنــد حديثــ عــن التفكــير السوســيولوجي يقــول "حــق الوقــائع في أن تختــار، مــن خــلال التفكــير السوســيولوجي، مــن بــين كــل النظريــات تلــك الــتي تسهّ ل وتعـدّ د لغتهـا الفـرص التقنيـة والاسـتدلالية للاعـتراض عليهـا مـن خـلال الملاحظـة"(2). أضـف إ ذلــك أن الممارســة البحثيــة في العلــوم الا جتماعيــة والإنســانية اليــوم تفــتح احتمــالات عــدة للتعــاطي مــع موضــوعاتها، ولا تتقيــد بالضــرورة بخيــار النظريــة أو قــد تنتقــي منهــا مقــولات أو مفــاهيم وتســتبعد أخــرى فهـــي قـــد تتعامـــل مـــع النظريـــة لـــيس كوحـــدة متماســـكة وإنّـــا كعناصـــر مترابطـــة يكـــن فصـــلها واســـتعمال الــبعض منهــا بحســب طبيعــة الموضــوع ومتطلبــات الب حــث. إن دراســة محققــة وجــادة في "الإ بســتيمولوجيا الجهويـــــة" لحقـــــل العلـــــوم الاجتماعيـــــة والإنســـــانية كمـــــا يســـــميها باشـــــلار يكـــــن أن يبـــــينّ ربمـــــا التنـــــوع 1- J.Hamel, Précis d'épistémologie de la sociologie, Montréal – Paris, L’ Harmattan 1997, P43 2- J.C.Passeron, L'espace mental de l'enquête(II), Revue Enquête, n°3, 1996, P1.

عدد الصفحات ٦٧

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 58 واختلاف الذي قد نجـده فيمـا نصـطلح علـى تسـميت بالنظريـة، فقـد يكـون منطـق بناءهـا ومـا تقتضـي من شروط العلمية وخصائصها غير مطابق تماما لما هو علي الشأن في حقول معرفي ة أخرى. لــيس الهــدف مــن مناقشــتنا لواقعــة النظريــة في المعرفــة المعاصــرة الفصــل في خــلاف إبســتيمولوجي فــذلك بعيـــد المنــال، وإنـــا نقصـــد إلى تحديــد طبيعـــة العلاقــة بـــين القـــرآن و النظريــة، ونتصـــورها في أمـــرين إثنــين: أولهمــا إعطــاء الأوليــة في العمــل علــى القــرآن إلى الممارســة النصــية بــوعي معاصــر باعتبارهــا علاقــة مباشـــــــرة وعميقـــــــة مـــــــع الـــــــنص. نقصـــــــد بالممارســـــــة النصـــــــية هنـــــــا فعـــــــلا فينومينولوجيـــــــا ( Acte Phénoménologique) يتمثـل في "حـدس مباشـر، عـام وتجـري (0) يحـدد طبيعـة المواضـيع ومكوناتهــا، ووجهة نظر لمسائلتها، تكون كلها مستقاة من تفاعل مكثف مع النص. إن هذا الفعل الفينومينولوجي يصــدر عــن ذات واعيــة تبحــث في دلالات نصــية مــن خــلال ذهنيــة تعــبّّ عــن تجربــة الإنســان مــع العــالم وتعريف ل . إنّا تجربة بالضرورة حديثة ومعاصـرة بكـل مـا تحملـ هـذه الكلمـات مـن معـان عميقـة. ثانيـا إن علاقـــة القــــرآن بالنظريـــة هــــي علاقـــة برؤيــــة ممكنــــة ضـــمن حقــــل متنـــوع يتم تــــع بحيويـــة نقديــــة داخليــــة حقيقية. أن معيار ومحددات التعامل مع النظرية تأي مـن ذات الممارسـة النصـية (علـى شـاكلة مـا يفعـل باســرون مــع الظــاهرة السوســيولوجية باعتبارهــا الحكــم والفيصــل) وبــذلك تنفــتح علاقــة القــرآن بالنظريــة على الإمكانات التالية: 0- رفـض النظريـة لتعارضـه ا الظـاهر مـع الممارسـة النصـية 2- اسـتبقاء النظريـة لتجاور الممارسة النصية وتثريها، أي التعاطي مع النظرية ليس باعتبارها سلطة معرفيـة، وإنـا وجهـة نظـر 1- Alex Mucchielli (Sous la direction d'), Dictionnaire des méthodes qualitatives en sciences humaines, 2ème édition Armand Colin, 2004, P191.

عدد الصفحات ٦٨

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 59 ممكنة للموضوع يكن أن تحقق قيمة بحثية Valeur heuristique. إن ثمةاختلافا ظاهرا بـين الاعتمـاد علــــى النظريــــة ومحاولــــة تطبيقهــــا و اختــــزال الــــنص إلى مجيــــب عــــن ســــؤال النظريــــة، وبــــين اســــتلهام القــــدرة التفسيرية للنظرية في عمومها وداخل إطار رؤية تف رضها الممارسة النصية من خـلال الأ سـئلة المنبثقـة مـن الـــنص. إن القضـــية هنـــا هـــي قضـــية مـــا نعتـــبّه مركزيـــا ومـــا نعتـــبّه ثانويـــا. إن عمليـــة البحـــث لا تخلـــو مـــن الأحكــام المســبقة والإديولوجيــات واعيــة كانــت أو غــير واعيــة، وهــذا لــيس مــبّرا للتخلــي عــن النظريــات وإنـــا التفاعـــل الـــدائم مـــع النظريـــة يســـاهم في تشـــكيل وعـــي نقـــدي يتبلـــور مـــن خـــلال تفكـــير الباحـــث وممارســت التقنيــة. 1- اســتعمال أجــزاء مــن النظريــة (مقولــة، مفهــوم) وإدراجهــا ضــمن بنــاء عــام غــير بنــاء النظرية، شريطة تحقق شرط الا نسجام بين ما نستفيده مـن النظريـة كـأجزاء منفصـلة وبـين الرؤيـة المرتكـزة على الممارسة النصية. جـ. القرآن والتقنية: تجسيد للوعي المعاصر سبق أن أكدنا علـى الأهميـة الـتي تكتسـبها "الممارسـة النصـية" في العمـل علـى القـرآن باعتبارهـا المصــدر الأول للتفكــير في الــنص وهــي بهــذا تكــون الحكــم الأول إذا مــا تعلــق الأمــر بالمعرفــة الغربيــة. إن الحـديث عــن الممارســة النصــية يحتــاج إلى شــيء مــن التفصــيل يكــن مــن خلالــ أن نتبــين العلا قــة القائمــة بــين القــرآن والتقنيــة. إن أحــد الإشــكالات الأساســية المتعلقــة بالممارســة النصــية هــو كــون القــرآن وحــدة ســردية كليــة وم ركبّــة، واســتجابتنا لهــذه الواقعــة النصــية المميــزة يكــون مــن وجهــين، فمــن جهــة نســلم بــأن التفكير في القرآن يبدأ من كما هو، باعتبـاره منظومـة علائقيـة معقـ دة وانتظامـ بهـذا الشـكل دال مثلمـا

عدد الصفحات ٦٩

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 60 أن انتظــام الوقــائع كمــا هــي في العــالم دالــة بــذاتها، وينتهــي إليــ كمــا هــو في آخــر المطــاف. إن الممارســة النصية، من هذا المنظور، هي حدس لأناط البناء النصي في عموم وما قد يتشكل من هذا البناء مـن تحديــدات موضــعية وأنســاق علائقيــة. ومــن جهــة أخــرى نعتــبّ أن ا عتمــاد طريقــة التعامــل مــع القــرآن في كليتــ وبشــكل مباشــر لا تكفــي، فالممارســة النصــية العامــة قــد تحجــب عــن الرؤيــة خصوصــية جزئيــات الـنص و أهميتهـا والــتي بـدورها تحــدد الرؤيـة الكليــة بشـكل أفضــل. أضـف إلى ذلــك، أن انفتـاح الممارســة النصية على إمكانات التصرف البحثـي في الـنص(*) مثلمـا يفعـل التفسـير الموضـوعي عنـدما يجمـع عـددا مـــن الآيـــات وكيـــف يتشـــكل مـــن خلالهـــا موضـــوع للدراســـة، أو ك مـــا تفعـــل بعـــض الدراســـات مـــن تتبـــع الاستعمال القرآني لمفردات وملاحظة خصوصيتها، هو حلقة الوصل بين القـراءة الحدسـية الأولى للقـرآن وما قد تنتهـي إليـ مـن رؤيـة كليـة وتفصـيلية، في نفـس الوقـت، لموضـوع مـن موضـوعاتها ويكـن تلخـيص هذه الفكرة في الشكل التالي: (*) نقصد بالتصرف البحثي عملا تحليليا على القرآن من خلال الوسائل المنطقية والمنهجية المستعملة في كل البحوث العلمية على اختلاف حقولها، والمتمثلة في: التصنيف، الترتيب، التجميع، المقارنة والنمذجة وغيرها من الوسائل التي تساعد على إنتاج فهم جديد للنص.

عدد الصفحات ٧٠

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 61 ممارسة نصية0)عامة ممارسة نصية2) تفصيلية ] حدس ضبابي للوحدة الكلية للقرآن [ ] انفتاح على إمكانات التصرف البحثي[ ممارس نصية جامعة ] تحديد مجال معين للدراسة[ ]الربط بين الممارسة 0) و2)[ يــأي الحــديث عــن التقنيــة عنــد الحــديث عــن المرحلــة الوســطى الــتي يكــن تلخصــيها بقولنــا: هــي ممارســة نصية منفتحة على إمكانات التصرف البحثية، وهذه الإمكانات تتحقـق مـن خـلال التقنيـة فهـي بمثابـة الأداة التي تسـاعد علـى الولـوج إلى مسـتوى مـن المعرفـة لم ي كـن ممكنـا نيلـ إلا مـن خلالهـا ولتبيـين ذلـك نقدم نقدا لإحدى المحاولات التقنية للعمل على القرآن، ففي ستينات القرن الماضي قامت مجموعة من البـاحثين الفرنسـيين (*) بتكــوين أداة بحثيـة حــول القـرآن تسـمى "بالتحليــل المفهـومي للقــرآن" Analyse conceptuelle du Coran، وهــي عبــارة عــن ســجل لــلأوراق المثقوبــة بالإضــافة إ 0) شــفرة 2 ) تعليقــات هنــاك 411 ســجل، كــل واحــد منهــا هــو عبــارة عــن مفهــوم والثقــوب الموجــودة علــى ورقــة كــل مفهــوم تحيــل كــل واحــدة منهــا إلى آيــة مــن القــرآن مــن أمثــال المفهــوم مــثلا الموجــودات الخارقــة (مــا بعــد (*) Allard (M.), Elzière (M.), Gardin (J.C.), Hours (F.), Analyse conceptuelle du Coran sur carte perforées, Paris, La Haye,Mouton & Co., 1963, Tome1, Code, 110p ., Tome2 Commentaire.

عدد الصفحات ٧١

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 62 الطبيعةD) ا0D) القوى عموما2D)، الآلهة الأخرى 1D)، الملائكة4D)، الشياط1D)، الجـــن (8D )]ملاحظـــة: كـــل مـــن DوD1... هـــي شـــفرات هـــذا المفهـــوم[. يســـتعمل هـــذا التحليـــل المفهـــومي بطريقـــة تقنيـــة و منظمـــة ويســـمح بمقاربـــة الـــنص مـــن خـــلال تصـــرف بحثـــي يحـــدد محـــاور عامـــة وأساسية لـ "الفاعلين" و"الموضـوعات" ويبـين التفكـير فيهمـا مـن خـلال توظيـف مختلـف الأوراق المثقوبـة (المعـــبّة عـــن الآيـــات) والـــربط فيمـــا بينهـــا. إن هـــذا النـــوع مـــن المحـــاولات يفـــتح آفاقـــا جديـــدة للممارســـ ة النصــية غــير أن ثمــة ملاحظــات حــول مثــل هــذه الطريقــة التقنيــة في العمــل علــى الــنص منهــا : ( 0) أن تكوين مفاهيم التقنية يخضع إلى معايير ليست بالضـرورة متوافقـة مـع الا سـتعمال النصـي، فالمثـال أعـلاه حــول موجــودات مــا بعــد الطبيعــة، هنــاك مســاواة بــين عناصــر نصــية مختلفــة في مكانتهــا، في ثــراء أو قلــة اســتعمالاتها، وكـــذا أهميــة دلالاتهـــا، ووضــعها في مجموعـــة واحــدة فمـــثلا الاســتعمال النصـــي حـــول "الله" مركزي جدا في القرآن وتتولد عن دلالات أساس ية في الرؤية القرآنية، بخلاف الا سـتعمال النصـي لةلهـة الأخرى أو للملائكة الذي يأي قلـيلا وغـير محـوري في بنـاء الرؤ يـة القرآنيـة. ثانيـا أن العلاقـات بـين هـذه المفـــاهيم تبـــنى بطريقـــة تقنيـــة عـــوض أن تبـــنى علـــى تماســـك الســـرد القـــرآني ومنطـــق الـــترابط بـــين وحداتـــ ، فالعلاقة بين مواضيع النص هي كذلك موضوع نصي يحتاج إلى دارسة وبحث. جاءت هذه المحاولة التقنية لإرساء أسس ممارسة نصية مجددة في وقـت لم يشـهد فيـ العـالم بعـد الثورة الإعلامية والحاسوبية وما رافقها من تقدم هائل. لقـد فتحـت هـذه ا لثـورة المجـال أمـام سـائر العلـوم لا كتشاف إمكانات بحثية متعددة، واستعملت، من بين ما استعملت، محركات البحث الـتي تمكـن مـن

عدد الصفحات ٧٢

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 63 التعامــل مــع المعطيــات بطريقــة أكثــر نجاعــة مــن جهــة توضــيحها ، تجميعهــا وإظهــار العلاقــات الموجــودة بينهــا تســهيلا لتحقيــق الوظــائف البحثيــة المطلوبــة. إن ثمــة ذهنيــة جديــدة ترافــق هــذه الثــورة هــي أبعــد مــا تكـــون عـــن الذهنيـــة التراثيـــة. إن استحضـــار مختلـــف اســـتعمالات مفـــردة في القـــرآن يـــتم الآن مـــن خـــلال محركات بحث بسيطة وفي وقت قياسي، سمح ذلك لـب عض البـاحثين كتابـة معـاجم لكـل مفـردات القـرآن بمختلف استعمالاتها وكذا تحديد مواقعها (*)، الشـيء الـذي اسـتحال علـى المفسـرين فعلـ ولا عجـب في ذلك فالتقنية هنا مستحدثة. إن هـــذه المعـــاجم هـــي أدوات بحـــث مفيـــدة جـــدا خاصـــة إذا مـــا اســـتعملت في مقاربـــات مقارنـــة فمثلا كلمتي "كتاب" و "قـرآن" تأخـذان في التفسـير القـديم دلالات متقاربـة جـدا تصـل حـد الـترادف، لكننـــا إذا عمـــدنا إلى تقنيـــة محركـــات البحـــث وألقينـــا نظـــرة علـــى المفـــردتين في المعـــاجم المفهرســـة ووضـــعنا اســـتعمالات المفـــردتين جن بـــا إلى جنـــب، نـــرى بوضـــوح اخـــتلاف الا ســـتعمال القـــرآني للمفـــردتين وعـــدم اشــتراكهما إلا في بعــض الأوصــاف العامــة. يبقــى أن هــذه المعــاجم تقــدم اســتعمالات مفــردة في القــرآن مفصـــولة عـــن ســـياقات ورودهـــا، وتحتـــاج إلى عمـــل معقـــد حـــتى تـــرتبط الكلمـــات مـــع بعضـــها في نســـق علائقي داخل السرد القرآني. إن المثالين اللذين قدمناهما يبيّ نان من جهـة أهميـة الجانـب التقـني في الممارسـ ة النصـية باعتبـار أنـ يكــن مـــن إنتـــاج معرفــة جديـــدة حـــول الــنص (دلالات، علاقـــات...) لم تكـــن ممكنــة بدونـــ . إن رهـــان (*) بين أيدينا معجمين عملا على هذه المهمة : الأول لمحمود فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مطبعة نويد إسلام، قم ، 0901. والثاني لحسين محمد فهمي الشافعي، الدليل المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دار السلام، القاهرة،2116. ما يضيفه المعجم الثاني هو فهرسته للحروف المستعملة في القرآن.

عدد الصفحات ٧٣

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 64 التقنية هنا رهان كبير فغالبا ما يسبق التجديد التقـني والإنجـازات الكبـيرة في هـذا المجـال الثـورات العلميـة الكبّى. من جهة تجدر الإشارة إلى أن التقنية ليست بال ضرورة أداة حيادية، وإنا تبنى على رؤيـة واعيـة أو غير واعية تحدد طريقة ا قتطاع المـادة النصـية إلى وحـدات الدالـة، تراتبيـة الموضـوعات وطريقـة تجميعهـا وما إلى ذلك من آليات ومعايير العمل الخاصة بها. هنا يكن القول أن الممارسة النصية تعتمد بالضرورة على التصرفات البحث ية الناتجة عن التقنية، شريطة ألا تتعارض مع انتظـام السـرد القـرآني كوحـدة كليـة فمنـ تبـدأ الممارسـة النصـية وإليـ تنتهـي، وأن يبقـــى هـــو المرجـــع الأول في العمـــل التقـــني. إن مـــا نق ولـــ هنـــا لـــيس أمـــرا يســـير التحقيـــق وإنـــا هـــو علاقـــة جدلية معقدة بين تقنية ونص يكن أن تسير، في أحسن الأحوال، إلى تحقيق تقنية معقدة للعمل علـى القرآن تتوافق مع ويكون أساس الرؤية فيها استلهاما عاما من الممارسة النصية الحدسية ذاتها . نخلــص مــن خــلال تعرضــنا للعلاقــة بــين القــرآن والمعرفــة الغربيــة إلى التأكيــد علــى طبيعــة المشــروع الفكــري الــذي نقصــد إليــ ، مشــروع للقــرآن كــنص مؤســس لرؤيتنــا للعــالم ولــيس موضــوعا فقــط مــن موضــوعات المعرفــة الغربيــة. رغــم ذلــك يعتمــد ارتقــاء فهمنــا للقــرآن لا محالــة علــى التعامــل مــع المعرفــة الغر بيــة في كــل وقائعها الإبستمولوجية (الإبسـتيمي، النظريـة والتقنيـة) فـلا منـاص مـن ذلـك، و إلا بقينـا حبيسـي نظـرة تراثية للنص بكل ما تحمل من سلبيات ومعوقات. إن التعامل مع المعرفة الغربية يعتمـد، في رأينـا، علـى مقولــة أساســية هــي مركزيــة الممارســة النصــية والمباشــرة مــع القــرآن وهامشــية المعرفــة الغربيــة بالنســبة لــذلك فالعلاقــة المباشــرة مــع القــرآن هــي مــورد الا هتمامــات، الأســئلة و منطــق التفكــير الــلازم إبداعــ للتأســيس

عدد الصفحات ٧٤

الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 65 لرؤيــة قرآنيــة للعــالم. إن العلاقــة مــع المعرفــة الغربيــة هــي علاقــة ا نفتــاح وحــوار و ربمــا أيضــا علاقــة اســتفزاز واستثارة من الجانبين.

عدد الصفحات ٧٥

الباب الأول 66 خلاصة الباب الأوّل خلص عملنا في هذا الجزء الأوّل من إلى جملة قضايا أهمها: يسلّم عملنا بحفظ القرآن وبأصالة مصدره. إن التصديق بإلاهية مصدر القرآن الكريم وحفظ ليس فقط مبدأ عقائديا وإنا هو مقولة ذات قيمة مثوّرة للبحث يلزم منها الفصل في العديد من القضايا المعاصرة حول القرآن، وكذلك التأسيس لتعامل جدّي مع هذا النص باعتباره نصّا مختلفا يقتضي تعاملا مختلفا. اختلاف هذا النّص عن غيره من النصوص التاريخية والأدبية يقتضي التعامل مع بطريقة مختلفة وبوعي مغاير. لأجل ذلك حاولنا النظر للقرآن ليس كمقابل لنصوص أخرى فقط، وإنا كمقابل للعالم من منطلق إشتراك الواقعتين في وحدة المصدر وفي قصد الدلالة علي . من خلا ل هذا المنظور يصبح القرآن إستعمالا مخصوصا للّغة العربية، هو بمثابة نظام نصي معقّد درجة تعقيده تماثل درجة التعقيد المسلّم بها في موضوعات العالم. لأجل ذلك يوظف وعي العالم وتجربة الإنسان مع في محاولة تشكيل وعي لغوي قرأني تصبح في كل وقائع اللغوية دالة وبطر يقة دقيقة (الموقع، الكلمة، إرتباط المواضيع، التقديم، التأخير، التكرار...) كما أن وقائع العالم دالة بشكل متناهي الدقة والنظام. إن اختلاف القرآن كنص يقتضي تعاملا منهجيا خاصا مع يبدأ في أصل من تصوّر القرآن موضوعا مختلفا للمعرفة النظرية فهو موضوع يحاورها، يستفيد منها ليتجاوزها في خلال صيرورة

عدد الصفحات ٧٦

الباب الأول 67 معقّدة يصبح فيها رؤية للعالم لا تنتج فقط المواضيع وإنا كذلك مفاهيمها الخاصة لتعقلها. من هذا المنطلق تعطى الأولوية في العمل على القرآن إلى ما أسميناه "الممارسة النصية بوعي معاصر" بدون نفي التعامل المفتوح مع النظريات والاستعمال المهم للتقنيات العلمية المميزة لعصرنا.

عدد الصفحات ٧٧

الباب الثاني الفصل الأول : قراءة نقدية في آليات التفكير في موضوع الأسماء الفصل الثاني: اسم "العليم" بين التحديدات المعجمية والاستعمالات القرآنية الفصل الثالث: العلاقات بين الأسماء: البنية ومتغيراتها

عدد الصفحات ٧٨

الباب الثاني 68 تمهيد جاء هذا الجزء الثاني من عملنا لمباشرة موضوع "أسماء الله الحسنى" بالدراسة و التحليل آخذين كأساس لذلك الرؤية العامة التي حاولنا استيضاح ملامحها في الجزء الأول من هذه الأطروحة. في الفصل الأول من هذا الجزء ذهبنا إلى قراءة ما استطعنا إيجاده من كتب تراثية جعلت من "أسماء الله الحسنى" موضوعا منفردا لها قصدت إلى الكتابة في ، فعمدنا إلى تحليل آليات عملها وإلى استجلاء المسلمات المضمرة التي تتأسس عليها، فكان بذلك فصلنا الأول بمثابة قاعدة نقدية جعلتنا نستثير العديد من الإشكالات التي نظنّها ذات جدّة في هذا الموضوع. جاء الفصلان اللذان بعدها لمحاولة التفكير في هذه الإشكالات. استعنّا في الفصل الثاني بقراءات حول واقعة "الدلالة " ومتعلّقاتها اللغوية بمختلف وحداتها بهدف التفكير في الأسماء الحسنى من منظور دلالي باعتبارها تعريفات بالذات الإلهية داخل السرد القرآني. أهمّ ما احتجنا إلي في ذلك هما مبحثا المدلولية L’onomasiologie والدّاليةSémasiologie اللذّان يعدان بعض أهم ما تهتم ب السيميائية في جهدها للتقعيد لمنطق الدّلالة ولآليات عمل . قصدا منا للدّقة والعمق عمدنا إلى دراسة مادة معجمية واحدة (مادة الحسنى في السرد القرآني وهو اسم الله "العليم". لقد باشرنا بالتحليل كل الاستعمالات القرآنية المنتمية لمادةخير باعتباره جزءا داخل نظام استعماليّ معقّد يتعرّف بها وتتعرّف ب .

عدد الصفحات ٧٩

الباب الثاني 69 أمّا الفصل الأخير من هذا الجزء فهو فصل تعلّقات الأسماء ببعضها البعض داخل السرد القرآني خاصة منها تلك التي تأي أزواجا في أواخر العديد من آي القرآن سواء في معرض التعريف بالذات الإلهية أو ك تعقيب على مواضيع مختلفة في سياقات قرآنية معيّنة. لقد تمثلنا هذه الأزواج الإسمية بمثابة بنيات معقّدة قمنا بتحليلها إلى متغيرات ثلاثة "الاسم" و "الرابط" و"الموقع" وقصدنا إلى محاولة استخراج قواعد لاستعمالاتها تتعلّق، ليس فقط بجانبها المنطقي، وإنا كذلك ذاك المتعلق بواقعة الدّلالة.

عدد الصفحات ٨٠