الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 40 هل هو نص مثل غيره من النصوص الأخرى؟ إذا كان القرآن نصـا مختلفـا، هـل نتعامـل معـ مـن خـلال نفــس الــوعي الــذي تشــكل عــبّ تــاريخ اللغــة العربيــة؟ ألــيس ثمــة إمكــان معــرفي آخــ ر يعــاد فيــ التفكــير في خصوصية الاستعمال القرآني للغة العربية من منطلق وعي العالم بقصد البحث عن نظام لغوي متناهي الدقة على شاكلة ما فعل فيدغنشتاين؟ 2. القرآن نص مختلف تفـــتح اللغـــة مجـــال الإنشـــاء فيهـــا إلى مـــا لا نّايـــة مـــن الاحتمـــالات، خاصـــة إذا مـــا تعلـــق الأمـــر بــالنص فهــو أعقــد بنــاء لغــوي توظــف فيــ جميــع آليــات اللغــة وتختلــف الكتابــة بــاختلاف أشــكال الــنظم والتــأليف. عنــد حـــديثنا عــن اللغــة العربيـــة، وفي خــلال وجـــود إمكانــات نصــية لا متناهيـــة، يــأي القـــرآن كأحــد هــذه الإمكانــات بمقابــل إمكانــات القــول العــربي عمومــا، وبمقابــل الشــعر بشــكل أخــص باعتبــاره أنوذج البلاغة العربية. ينفرد القرآن بمنطق بناء مختلف لطالما نظر إلي في تـاريخ اللغـة والتفسـير علـى أنـ أحســـن إمكـــان نصـــي وأبلغـــ ، فالقاضـــي أبـــوبكر ابـــن محمـــد بـــن الطيـــب بـــن البـــاقلاني (المتـــوفي في ســـنة 411هـــ) أفــرد كتابــا للموضــوع سمــاه "إعجــاز القــرآن" أبــرز فيــ "الفــرق بــين القــرآن والكتــب المنزلــة علــى الأنبيـــاء الآخـــرين، فهـــذه الكتـــب ليســـت معجـــزة بنفســـها، بـــل بوصـــف زائـــد عليها..."أمـــا القـــرآن فهـــو معجـــز بنفســـ ، ومكمـــن الإعجـــاز فيـــ أنـــ بـــديع الـــنظم عجيـــب التـــأليف، وأنـــ خـــارج عـــن نظـــام كـــلام العــرب، فــالقرآن لــيس شــعرا ولا ســجعا، ولــيس في كــلام العــرب مثيــل لــ ، وهــو علــى طولــ متناســب في الفصــاحة، ولا يتفــاوت ولا يتبــاين، بينمــا كــلام البلغــاء والشــعراء يتفــاوت..." (0) أمــا الجرجــاني في كتابــ 0- محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم ( الجزء الأول مركز دراسات الوحدة العربية 2118، ص068-060.
عدد الصفحات ٤٩الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 41 "دلائل الإعجاز" فيشرح خصوصية القرآن من وجهة نظر تقنية أي فيما يتعلق ببنية هذا النص وطريقة النظم في ، فيقول في معرض رده عن المشككين في إعجاز القرآن "...فقلنـا أعجـزتهم مزايـا ظهـرت لهـم في نظمــ ، وخصـــائص صــادفوها في ســـياق لفظــ ، وبـــدائع راعـــتهم مــن مبـــادئ آيــ ومقاطعهـــا، ومجـــاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل حجة وبرهان، وصفة وتبيان، وبهـرهم أنّـم تـأملوه سورة ، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانّا، أو لفظة ينكر شأنّا أو يـرى أن غيرها أصـلح هنـاك أو أشـب ..."(2). إن التصـور الـذي يقدمـ الجرجـاني لإعجـاز القـرآن هـو أشـب مـا يكــون بمــا نســمي اليــوم في اصــطلاحنا المعاصــر باســـم البنيــة أي أنــ يــرى مكمــن الاخــتلاف القـــائم في التأليف اختلافا في إمكانات الترتيب والربط بين مكونات اللغـة. مـن وجهـة النظـر هـذه لـيس الإعجـاز تغييرا في مدلولات الكلمات والأحرف وإنا في موقعتها داخل نسق علائقي متميز وغير ممكن التقليد. بهذا المنطق يصبح القرآن بالنسبة للإنسان العربي الا حتمال المستحيل أو بتعبير آخر الإمكان المعجز. إن القرآن كتاب مختلف في منطق نظم وفي طريقة تأليف ، إن يقدم عددا مـن الأنظمـة الدلاليـة والبنائية المتداخلة والمعقّدة والتي لم يعهدها العرب من قبل منها: ما يتعلق بالكلمة باعتبارها الوحدة الأساسية للبناء النصي: * اســتعمال عــدد منهــا دون الآخــر، فــالقرآن هــو أولا اســتعمال لعــدد مــن الكلمــات واســتبعاد لمــا بقي منها. إن القضية هنا هي قضية اختيار مقصود داخل مجموع مفردات اللغة العربية. * وجود تراتبية داخل الاصطلاح القرآني من خلال استعمال للكلمات بحسب درجة أهميتها. 2- عبد القادر الجرجاني، دلائل الإعجاز،0 موفم للنشر،0990 ص11-14.
عدد الصفحات ٥٠الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 42 * إضافة دلالات جديدة للعديد مـن الكلمـات المتعلقـة بسـياقات نصـية معينـة، وانـدراجها ضـمن حقول سيميائية معقّدة. ومنها ما يتعلق بمنطق ترتيب الآيـات وموضـوعاتها، أو مـا يكـن تسـميت بالسـرد القـرآني فغالبـا مـا يظهـر الاستعمال القرآني تعددا للمواضيع وعدم وجود تعامل منفرد مع مو ضوع من أوّل إلى أخره وإنـا وجـود حركــــــة ســــــردية معقّــــــدة بــــــين موضــــــوعات الإنســــــان والطبيعــــــة والغيــــــب،... وحــــــتى داخــــــل نفــــــس هــــــذه الموضوعات. أضف إلى ذلك وضع حدود مؤطرة كجزء من البناء النصي تحت مصطلح "سورة". إن هـــذا المســـتوى مـــن البنـــاء النصـــي يعـــبّّ عـــن "خـــط مميـــز للبلاغـــة العربيـــة التقل يديـــة واهتمامهـــا المفـــرط بالوحدات النصية الصغيرة، الكلمة أو الجملة. إنّا (أي البلاغة) لم تولي اهتماما للنظـام العـام لمختلـف الأجـزاء المكوّنـة للخطـاب، الشـيء الـذي تدرسـ البلاغـة اليونـان-لاتينيـة تحـت عنـوان ترتيـب الخطـاب Disposition du discours .إن الجرجـاني عنـدما يتحـدث عـن الـنظم، فـإن ذلـك لا يخـص إلا تركيـب الجملـة "(0) يؤكـد ذلـك أن الإمـام الزركشـي مـثلا، في كتابـ "البّهـان في علـوم القـرآن" لا يخصـص لهـذا المبحث إلا باب من سبع عشرة صفحة بعنوان "معرفة المناسبات بين الآيات". أيّــــا يكــــن، فإننــــا إذا عــــدنا إلى النظــــر في النســــب الموجــــود في الــــتراث الإســــلامي بــــين القــــرآن والإمكانــات النصــية الأخــرى نجــد أنــ يســتند إلى مســلمتين ضــمنيتين: أولهمــا القــول بــأن القــرآن أحســن الإمكانـــات النصـــية العربيـــة هـــو قـــول بتماثـــل الطبيعـــة النصـــية بـــين القـــرآن وغـــيره مـــن النصـــوص، إذ أن أحسن إمكان لا يختلف في جنس عن غير ه، بل أن ثمة تشابها جوهريا بينهما. أن قضية إعجاز القرآن 1- M. Cuypers (sous direction), Dictionnaire du Coran, Robert Laffont, Paris, 2007, P 758.
عدد الصفحات ٥١الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 43 بقيت حبيسة المقارنة الدائمة مع النصوص الأخرى ولم تطرح البتة من جهة انفراد هـذا الـنص عـن غـيره مــــن النصــــوص بإمكــــان مخصــــوص واســــتثنائي في طريقــــة تعبــــيره عــــن العــــالم. ثانيهمــــا تنــــتج مــــن الأولى بالضـــرورة، والـــتي مفادهـــا أن الـــوعي اللغـــوي الـــذي يـــدرس بـــ القـــرآن هـــو ذات الـــوعي الـــذي تعامـــل بـــ العرب مع نصوصهم، وهو الأساس الأول الذي تنبني علي آليات إنتاج المعرفـة حـول القـرآن. إن حقـل أصول الفق وخاصة من مبحث الدلالة يتأسس كل على " تطبيق القواعد العربية المصطلح عليها عنـد العرب في دلالات الألفاظ وربطها بمعاني ، والأصول المتبعة في توسيع نطـاق المـدلولات [... ]ذلـك لأن هذا الكتاب الإلهي، إنا أنزل بلغة عربية خالصـة، وخوطـب بـ – بشـكل مباشـر- العـرب، فكـان لابـد مــن تحكــيم الأصــول والقواعــد العربيــة في تحديــد المعــاني المــرادة مــن هــذا الكتــاب" (0). إن الــوعي اللغــوي الخاص باللغة العربية تشـكل مـن خـلال الممارسـة والا سـتعمال داخـل سـياق معـين، الشـيء الـذي يجعـل محاولات الفهم الحديثة للقرآن تتوقف، لامحالة، عند الآليات والمسلّمات المضمرة التي تأسس ل . إننــا هنــا أمــام المفارقــة القائلــة، إن القــرآن معجــز في لغتــ وبنــاءه ، ولكنــ في نفــس الو قــت يــدرس ويفهــم بــنفس الــوعي اللغــوي العــربي وقواعــده ســواء مــا تعلــق منهــا بدلالــة الكلمــات أو تلــك الــتي تتعلــق بأشكال التـأليف الملازمـة لـ . إننـا نظـن أن إمكانيـة تجـاوز هـذه المفارقـة يكمـن في مسـائلة عميقـة لماهيـة الإعجــاز و كيفيتــ ، أي عــوض أن ينظــر لموضــوع الإعجــاز فقــط مــن جهــة تقاب لــ مــع نصــوص أخــرى، يكـــن أن يفكـــر في ماهيـــة الاســـتعمال القـــرآني للغـــة العربيـــة. إن الســـؤال هنـــا لـــيس فقـــط هـــل يســـتطيع الإنسان العربي الإتيان بمثل وإنا كذلك لماذا لا يستطيع ذلك؟ 0- البوطي، محمد سعيد رمضان، أصول الفقه مباحث الكتاب والسنة، جامعة دمشق، 0968-0960، ص21.
عدد الصفحات ٥٢الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 44 عند النظر في تطرق القرآن ذات لهذه المسـألة يكـن أن نلاحـظ أمـرين اثنـين: أولهمـا أنّـا تـأي في معـ رض التحدي للمشـركين مـن جهـة عـدم قـدرتهم علـى تـأليف مـا يشـبه " (*) قـل لـئن اجتمعـت الإنـس والجـن علـى أن يــأتوا بمثـل هــذا القــرآن لا يـأتون بمثلــ ولـو كــان بعضــهم لـبعض ظهــيرا" (0) إن الإعجـاز مــن هــذا المنظور هو عدم قدرة العربي على الإتيان بمثل . إن مضمون الإعجاز لا تشرح الآيات وإنا تقصد إلى إظهار استحالة تحقيق مـا يشـب الإمكـان اللغـوي الـذي يـرد في القـرآن. هـذه الاسـتحالة يطرحهـا القـرآن من خلال اصطلاح "المثلية" وهو ذات الاصطلاح الذي يعبّ ب الله عزّ وجـلّ عـن ذاتـ عنـدما يقابلهـا بغيرهــا "لـــيس كمثلــ شـــيء وهـــو الســميع البصـــير" (2). إن إعجــاز القـــرآن يكـــن أن ي أشــكل هنـــا داخـــل المقابلــة بــين:(الله / إنســان) (قــول الله/قــول الإنســان) فكمــا تنتفــي المماثلــة بــين الله والإنســان فكــذلك الحــال بالنســبة للمماثلــة بــين كــلام الله و كــلام الإنســان. إن الفــرق هنــا هــو فــرق بــين مــن يعــبّّ عــن عــالم خلق وبين من اللغة جزء فقط من تجربتـ الوجوديـة يحـاول مـن خلالهـا مقاربـة عـالم مسـتقل عنـ وخـارج عــن إر ادتــ . ثــاني الأمــور الــتي يكــن ملاحظتهــا في هــذه المســألة أن كلمــة "عــربي" عنــدما تــرد في معــرض الوصف للقرآن فإنّا بم ثابة استعمال نصي معقد فكثيرا ما ترتبط مفردة "عربي" بـ "مبين" " وهذا لسـان عــــربي مبــــين"(0)،"بلســــان عــــربي مبــــين"(2) أو بتحديــــد آخــــر مثــــل "قرآنــــا عربيــــا غــــير ذي عــــوج لعلّهــــم يتقــون"(1). كمــا قــد يــرتبط وصــف اللســان أو القــرآن بـــ "عــربي" بواقعــة "الكتــاب" مثــل "كتــاب فصــلت (*) هناك العديد من الآيات التي تأتي في معرض التحدي وكلها تقابل القرآن بالنصوص الأخرى من خلال فكرة "المثلية" منها (البقرة 21) (يونس16) (هود01) 0- القرآن الكريم، "سورة الإسراء،" الآية66. 2- المصدر نفسه، "سورة الشورى،" الآية00. 0- المصدر نفسه، "سورة النحل،" الآية011. 2- المصدر نفسه، "سورة الشعراء،" الآية28. 1- المصدر نفسه، "سورة الزمر،" الآية26.
عدد الصفحات ٥٣الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 45 آيات قرآنا عربيا لقـوم يعلمـون" (4). أمـا في الحـالات القليلـة الـتي تـرد فيهـا كلمـة "عـربي" بـدون تحديـدات أخــرى فأغلبهــا يعــبّ عــن آليــة الإرســال في بعــدها الــوظيفي التقــني حيــث جــاءت مــن الله إلى الإنســان، لذلك نجدها تستعمل أفعالا مثل "أنزلناه"، "أوحينا" ، "جعلناه". إن بــين انتفــاء "المثليــة" عــن القــول الإلهــي والتحديــدات الــتي تــلازم "عربيــة" القــرآن خيطــا رفيعــا يحيــل إلى خصوصية الاستعمال الإلهي للّ غة، استعمال في مستويات متعددة من الدقة والتعقيـد، قـد لا يـرى فيهـا الإنسان العربي فرقا واضحا بين استعمال و القرآن، لكن رغم ذلك يشعر بعجزه أمام . 1. القرآن كاستثناء الثنائية نص/عالم ســـبق لنـــا أن تحـــدثنا عـــن اخـــتلاف وقـــائع الوجـــود الحقيقـــي عـــن تلـــك الـــتي تعـــبّّ عنهـــا في مجـــال الوجـــود اللغـــوي، الآن وعنـــد تأمـــل القـــرآن كـــنص داخـــل هـــذه الثنائيـــة، هـــل تنطبـــق قواعـــد الثنائيـــة علـــى القــرآن أم إعجــاز هــذا الــنص هــو مــن جهــة مــا تجــاوز للفــروق الأساســية بــين من طــق وجــوديين مختلفــين وإحالة إلى شكل مختلف من العلاقة بينهما؟ إننا عندما ننظـر إلى علاقـة القـرآن بالعـالم مـن حيـث المبـدأ الأول (مبـدأ أسـبقية العـالم علـى الـنص) نجـد أن حال القرآن ليس متأخرا عن العالم وليس مفصـولا عنـ . إن القـرآن نسـخة (*) عـن العـالم تختلـف عـن غيرها من محاولات المحاكاة ( Mimesis) التي نجدها في غيره من النصوص. إن الإنسان يعبّّ عن العـا 4- المصدر نفسه، "سورة فصّلت،" الآية40. )*( نستعمل هنا معنى النسخة بطريقة مخصوصة. إنها ما ينتج عن آلية المحاكاة فهي عملية بناء نموذج للنظام اللغوي أو بنية لمعقولية الأحداث. أنظر أنطوان كوبنيون Antoine Compagnon كتابهLe démon de la théorie. Littérature et sens commun, Seuil 1998 . إنه يخصص فصلا كاملا لعلاقة الأدب بالعالم من حيث إختلاف المواقف النظرية حول الموضوع وكذا من حيث أهم الإشكالات الإبستيمولوجية التي تطرحها فكرة المحاكاة (Mimesis.)
عدد الصفحات ٥٤الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 46 ويستكشف من خلال اللغة باعتبارها في الآن ذات معبّّا عن العالم وآلية لإعـادة إنتاجـ ، والـتي في ذات الوقت، قد تكون هي الحجاب الأول عن . بخلاف ذلك يأي القـرآن كـنص يعـبّّ فيـ الله عـزّ وجـلّ عـن عالم هو خلق ول كامل الإحاطة بـدقائق حيثياتـ وبـذلك يصـبح القـرآن هـو الاسـتعمال الأصـدق للّ غـة من حيث أنّا معبّّة عن معلوم واضح. إن هـــذا التعبـــير الاســـتثنائي الـــذي ييّـــز القـــرآن كـــنص بمقابـــل العـــالم، يقتضـــي تميـــزه ببنيـــة منطقيـــة وأنطولوجية تتوافـق مـع النظـام القـائم في العـالم، لـذلك لـيس مـن قبيـل الصـدفة أن مصـطلح ا مركزيـا مثـل "أيــة" ينــدرج ضــمن الا ســتعمال القــرآني في ســجل الحــديث عــن موجــودات العــالم كمــا عــن القــرآن ذاتــ ، فالآية هـي في الآن ذاتـ "العلامـة الظـاهرة، وحقيقتـ (الحـديث هنـا عـن "أي") لكـل شـيء ظـاهر، وهـو مــلازم لشــيء لا يظهــر ظهــوره، فمــتى أدرك مــدرك الظــاهر منهمــا علــم أنــ أدرك الآخــر الــذي لم يــدرك بذاتـ ... وكـل جملــة مـن القــرآن دالـة علــى حكـم آيــة" (0). إن تعبـير القــرآن عـن العلاقــة بـين الأشــياء الواقع يقتضي تأليفا لغويا دقيقا يعبّّ في الرابط اللغـوي عـن العلاقـة بطر يقـة مخصوصـة هـي الوحيـدة الـتي يتحقق فيها التوافق المنطقي والأنطولوجي بين المعبّق والمعبّل عن على حد قول فيدغنشتاين . المبــدأ الثــاني الــذي ييّــز ثنائيــة النص/العــالم هــو كــون العــالم مســتقلا عــن الإنســان وكــون اللغــة في المقابــل، مرتبطــة بــ . كــذلك عنــد الحــديث عــن هــذا المبــدأ، فــإن القــرآن اســتثناء لــ ، ذلــك أن لغــة القــرآن تتعلق بعربية الإنسان العربي وفي نفس الوقت تتجاوزها. إن أسـاس الا سـتثناء هنـا هـو فـرق في اسـتعمال اللغــة والتعــاطي معهــا بــين الله (الاســتعمال الإلهــي) والإنســان (الاســتعمال العــادي)، هــو فــرق بــين مــن 0- الراغب الأصفهاني، مفرادت ألفاظ القرآن، دار القلم، دمشق،0990، ص010.
عدد الصفحات ٥٥الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 47 يعبّّ عن عالم هو آية لوجوده و امتداد لغيبـ وبـين مـن اللغـة جـزء مـن تجربتـ الوجوديـة يحـاول مـن خلالهـا مقاربـة عـالم مسـتقل عنـ وخـارج عـن إرادتـ . إن لمـن البـديهي أن الخطـاب الإلهـي جـاء ليفهمـ الإنسـان عموما، لكن فهم في خلال مستويات متعددة للنص قد لا يرى فيها القارئ الفروق الدقيقة بين الفهم الأولي الـذي قـد يتــأتى لـ وبـين المنطــق العميـق للـنص، حالــ في ذلـك حـال النــاظر إلى الكـون، لـيس لــ من فهم أولي سوى مجموع الا نطباعات الحسّية المعبّّة عن ، هي فقط بداية الطريق نحو عقلانية حقيقيـة لوقــائع العــالم. إن القــرآن، في هــذا الم ضــمار، جمــع بــين حــاجتين أساســيتين: حاجــة الإفهــام العــام للنــاس بمختلف السياقات التي تربط بالقرآن، وحاجة التعريف بالعالم بطريقة مخصوصة و استثنائية جدا. مـــن خـــلال النظـــر في موقـــع القـــرآن داخـــل ثنائيـــة النص/العـــالم نخلـــص إلى أن القـــرآن اســـتعمال إلاهي للغة يحقق إمكانية إنتاج الدلالة/المعنى المعبّّ عن العالم بالكيفية الأصدق م ع فـارق الوجـودين في الطبيعة وتماثلهما في المنطق والنظام. إن القرآن ا ستعمال مخصـوص للغـة العربيـة توظـف فيـ اللغـة للتعبـير عــن مواضــيع يهــيمن عليهــا العلــم الإلاهــي. إنّــا تكيّــف وترقــى لتحمــل مضــامين دقيقــة ولتحقــق علاقــة استثنائية بين النص/العالم أي تمام تعبير الأول عن الثـاني. إن هـذه العلاقـة الاسـتثنائية ليسـت ممكنـة إلا بشـرط وجــود تشــابهات عميقــة في منطــق بنــاء وجــودي اللغـة العربيــة والعــالم، وتحديــدا تمــاثلا جوهريــا بــين القرآن والعالم يعبّّ من وج هة نظر عقائدية على وحدة مصدر الا ثنين. 4. القرآن ووعي العا إن موضعة القرآن داخل ثنائية النص/العالم أظهر لنا خصوصيت من جهتين: أولا: تعبير القرآن عن العالم يقتضي تشابهات بنائية بين الا ثنين.
عدد الصفحات ٥٦الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 48 ثانيا: تعبير القرآن عن العالم يتم ضمن ال لغة العربية ولكن في نفس الوقت ا ستعمال مخصـوص لهـا، هـو اســتعمال يحقــق الخاصــية الأولى وهــو في نفــس الوقــت علامــة دالــة عليهــا. إننــا إذ نتحــدث عــن الخاصــية الأولى نقصــــد إلى تأســــيس شــــرعية توظيــــف وعــــي العــــالم وعقلانيتــــ في فهــــم القــــرآن باعتبــــاره اســــتعمالا استثنائيا للّ غة العربية. إن وعـــي العـــالم، كمـــا ســـبق وأن رأينـــا، يتأســـس علـــى فكـــرة "النظـــام" الموجـــود في العـــالم ويحـــاول مقاربتــ ، وعنــد ما نفكــر في القــرآن مــن خــلال هــذا الــوعي فإننــا نســلم بــأن القــرآن يتضــمن نظامــا لغويــا نصيا درجة تعقيده تقترب أو تتسـاوى ودرجـة التعقيـد المسـلّم بهـا في موضـوعات العـالم. إن هـذا النظـام النصــي يشــب نظــام العــالم مــن جهــة أن كــل وقائعــ اللغويــة دالــة بطريقــة دقيقــة(الموقع، الكلمــة، ارتبــاط المواضــيع...)، ويختلــف عنــ في خصوصــيت كوجــود لغــوي. إن مبــدأ الســببية مــثلا يكــون فيــ الســبب في الواقع دائما قبل النتيجة ولكنها قد تكون كذلك في الصيا غة اللغوية وقد لا تكون، كأن تسبق النتيجـة سببها، وليس هذا اعتباطا. إن تقديم السبب أو تأخيره في الاستعمال القرآني يحتاج إلى مسائلة دقيقة، فليست القضية قضية جمالية فحسب بل معبّّة عن دلالة مقابلة في منطق السببيّ ة في الواقع. إن هــذا الـــوعي الـــذي نريـــد توظيفـــ في فهـــم القـــرآن هــو في الأصـــل توجـــ نحـــو العـــالم يحقـــق أفـــق انتظـــار (Horizon d'attente) لمــا يجــب /يكــن أن يكــون عليــ الموضــوع المقــا رب، إنــ مــن وجهــة نظــر مجــردة منطــق تجربـــة الإنســـان مـــع العـــالم وتعريفـــ لـــ . إن هــذا الـــوعي عنـــد توظيفـــ في محاولـــة فهـــم القـــرآن فإننـــا مبدئيا نحدد أفق انتظار راق، أبعد بكثير عن ذلـك الأفـق الـذي يحـدده الـوعي اللغـوي منفـردا. مـن هـذا المنظــو ر ســيكون ثمــة لقــاء بــين وعــي صــارم وفعــال وبــين اســتعمال إلهــي يعــبّّ عــن العــالم، يحــاول ف يــ هــذا
عدد الصفحات ٥٧الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 49 الوعي اقتفاء أثر خصوصية هذا الاستعمال للغة. إننا نتصور ملامـح هـذا اللقـاء يثمـر وعيـا لغويـا قرآنيـا تصبح في الكلمة موضوعا دقيقا ومعقدا(*) "فما من كلمة إلا ولها دلالتها المتميّزة ولو بدت مترادفة أو مشتركة" (0). إن التشاب الذي قد يظهـر بـين دلالات الكلمـات في الاسـتعمال القـرآني أو بـين كلمـة في القــرآن وأخــرى في اللســان العــربي إنــا يــدرس بغيــة إظهــار الفــروق الموجــودة والحــدود اللازمــة لخصوصــية الدلالــة الــتي تنفــرد بهــا كــل كلمــة عــن غيرهــا. إن التقــارب الــذي قــد يظهــر بــين الكلمــات، يصــبح مــن خــلال الفحــص والمقارنــة أحــد العوامــل الحيويــة في بنــاء الدلالــة وإثرائهــا نحــو مفهمــة جديــدة للمصــطلح القــرآني. مــن ميــزات هــذا اللقــاء كــذلك إعــادة التفكــير في آليــات البلاغــة المســتعملة في القــرآن (المجــاز، الاســتعارة، التشــبي ...) باعتبارهــا، لــيس فقــط ذات طبيعــة جماليــة، وإنــا وقــائع دا لــة بطريقــة دقيقــة علــى موضــوعات العــالم والــتي قــد تســاعدنا في تعرفهــا. إن محدوديــة اللغــة بمقابــل لا ا نتهــاء وقــائع نصّــية العــالم يفرض لا محالة استعمال آليات البلاغة، لكن اختيار القرآن تعبيرا مخصوصا لا شتراك واقعتين من وقـائع العالم في وج شب مثلا، قد يحيل إلى منطق خلق م شترك يحتاج إلى مسائلة عميقة وجادة. تـأي محاولـة بلورة وعي لغوي قرآني كذلك من خلال تأمل الروابط والعلاقـات الموجـودة بـين موضـوعات هـذا الـنص وطريقـــة انتظامهـــا فـــيمكن مـــثلا تصـــور دراســـة حركـــة المواضـــيع واتصـــالها ببعضـــها (العقيـــدة، القصـــص، التشريع، الطبيعة...) في السرد القـرآني ومحاولـة التعـرف علـى منطقهـا واسـتخراج مبحـث خـاص بقواعـد التأليف القرآني وأنساق العلائقية. (*) ليس مقابل منطق الشيء في الوجود منطق الكلمة التي تعبر عنه وإنما المقصود هنا أن منطق الكلمة في الاستعمال القرآني منطق معقد يتم التفكير فيه بنفس الوعي الذي يتأسس عليه منطق الشيء في الوجود. 0- محمد أبو القاسم حاج حمد، العالمية الإسلامية الثانية، جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، المجلد2 Bristish West Indies، 0998، ص082.
عدد الصفحات ٥٨الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 50 إنفصــلنا هــذا يقصــد، أول مــا يقصــد، إلى تثــوير مســائلة للقــرآن مــن موقــع مختلــف، ومــن جهــة نظر فلسفية تسـتوحي مـن الـدرس الفيدغنشـت ايني وعيـا بالارتبـاك الحاصـل في الوجـود اللغـوي عنـد تعبـيره عن العالم وتحاول إظهار استثناء لذلك ولـو مـن قبيـل الإمكـان فقـط، اسـتثناء يصـبح فيـ القـرآن مقـابلا مباشرا للعالم ويعاد استكشـاف كواقعـة نصـية مغـايرة مـن خـلال الا سـتعانة بـوعي "النظـام" الـذي تشـكل في تاريخ المعرفة المتعلقة بموضوعات العالم. في الفصل القادم سنحاول مناقشة القضايا المنهجيّـة الـتي تثيرهـا العلاقـة بـين القـرآن و المعـارف النظرية المعاصرة.
عدد الصفحات ٥٩الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة الفصل ال ثالث القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة
عدد الصفحات ٦٠الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 51 في خضم الحضارة المعاصرة يعترض حديثنا عن القرآن سؤال مفروض، هو سؤال القرآن والمعرفة المعاصـــرة، فـــلا يكـــن فصـــل هـــذا الـــنص عـــن الحاضـــر، ولا جـــدوى مـــن محاولـــة الانغـــلاق علـــى الـــذات الإسلامية والاستغناء عن منتوج فكري هو إنساني قبل أن يكون شرقيا أو غربيـا. إننـا بـدأ نسـلم بفكـرة أن أي إثراء أو تفعيل للـنص، مـن خـلال أي توجـ إبسـتيمولوجي، يعتـبّ شـي ء إيجابيـا للـنص يجعـل منـ مركز اهتمام وبحث، ويخلق حول دينام يكية تعدد الخطابات والمحاولات وهـي ذاتهـا أول الطريـق نحـو بنـاء وتأصيل رؤيـة للعـالم مـن خـلال القـرآن. إن البعـد الرسـالي للقـرآن جـاء مـن جهـة أنـ رسـالة لتقـرأ وتفهـم وتعــاو ولــيس "مقــدس الأقــراح" يســمع في الجنــائز ويتــبّك بــ الأوليــاء. لقــد حجبــت قداســة هــذا الــنص التفاعـل الحقيقــي للإنسـان معــ و تّ تقييــد العمـل عليــ بمعـايير مؤسســاتية واســتبعد بـذلك مــن مركزيتــ في الرؤية الإسلامية ذاتها. 0. مبدئيـن مؤسسيـن للعلاقة بيـن القرآن والمعرفة الغربية إن الحــديث عــن العلاقــة بــين القــرآن والمعرفــة الغربيــة قبــل أن يكــون حــديثا عــن تفاصــيل ومعــايير هذه العلاقة هو حديث عن طبيعة المشـروع الفكـري الـذي ينـاقش داخلـ هـذا الإشـكال والمقصـد منـ . إن المشروع الغربي يعتبّ القرآن أحد موضوعات الدراسة مثل في ذلك مثـل الموضـوعات الأخـرى، يختـبّ مـن خلالــ نظرياتـ وقــدراتها التفســيرية في سـياقات غــير ســياقات نشـأتها. مــن هــذا المنطلـق، يــأي الرهــان الأول متعلقــا بالمعرفــة الغربيــة كأســاس لرؤيــة الغــرب للعــالم. أ ن المنطلقــات العامــة، الخلفيــات الإديولوجيــة والمســلمات الأساســية الــتي تحــدد حقــل التفكــير الغــربي في القــرآن تحــدد، بطريقــة ضــمنية، ســقف النتــائج
عدد الصفحات ٦١الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 52 المنتظرة من مقاربة القـرآن .L'horizons d'attente إن نظريـة مـا عنـدما تقـارب . القـرآن كموضـوع مـن موضوعاتها تبحث أن تجد في منطقا (نظام علاقات، دلالات معيّنة، تـأويلات...) لا يرقـى إلى منطـق بناء النظرية ذاتها التي تباحث . في مقابل ذلـك، تـأي نظرتنـا للقـرآن مـن داخـل منظومتنـا الإسـلامية. إنّـا وجهة نظر مختلفة تماما عن الأولى، لـيس القـرآن فيهـا موضـوعا مثـل غـيره مـن الموضـوعات ولـيس الرهـان هنـــا رهـــان نظريـــة أو نـــوذج ، وإنـــا رهـــان رؤيـــة للعـــالم أساســـها الحيـــوي القـــرآن ذاتـــ . إن تســـمية القـــرآن والتفكـير فيــ مـن خــلال كلمـة "موضــوع" قـد تخــلّ بمـا نقصــد إلى تبيينـ لمــا قـد تتضــمن هـذه الكلمــة مــن سلبية وتقبل لما قد تفرض الذات المتفاعلة مع . لا يكون القـرآن، في هـذه الحالـة، موضـوعا وفقـط وإنـا : أولا موضــوعا للمعرفـــة الغربيــة مـــن خـــلال تصــور معقـــد ومشــروط وثانيـــا تصـــوّر كونــ موضـــوعا ضـــمن صــيرورة تحولــ إلى رؤيــة، الهــدف منهــا تجــاوز التصــور الموجــود اليــوم في المعرفــة المعاصــرة وكــل مــا يقتضــي ذلك من تغير في منطق مسائلتنا للعالم ومن فلسفة يكن أن تنتج عن ذلك. غالبا ما يشوب الغموض والتسرع الحديث عن القـرآن والمعرفـة الغربيـة، وتنـاقش العلاقـة بينهمـا بطريقــة كلّيــة وغــير محــددة، خاصــة إذا مــا تعلّــق الأمــر بالجــدالات الــتي تنشــأ داخــل منظومتنــا الإســلامية فيأخـذ الأمـر بمجملـ ســواء بـالرفض أو القبـول. ســبق وأن حـددنا طبيعـة المشــروع الفكـري الـذي ننــاقش من خلال العلاقة بين القرآن والمعرفة الغربية، يبقى أن ثمـة بعـض التوضـيحات الـتي تفـرض نفسـها عنـد الحــديث عــن المعرفــة الغربيــة، أولهااا: أن هــذه المعرفــة متنوعــة مــن حيــث الوقــائع الإبســتمولوجية المندرجــة داخلها، فعلى الرغم من التركيز حول موضوع النظرية إلا أن الحـديث عنهـا إنـا يـأي مـن بـاب الحـديث
عدد الصفحات ٦٢الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 53 عــن الخــاص الــذي لا يعــبّ بالضــرورة عــن العــام. إن ســجلّ مفــردات الوقــائع الإبســتمولوجية يحفــل بعــدد لابأس ب من الاصطلاحات مثل الإبسـتيمي L'Epistémé، النمـوذجParadigme، النظريـة، المقاربـة، المنهج، المفهوم، التقنية... إن التفكـــير في مضـــمون العلاقـــة الممكنـــة بـــين القـــرآن والمعرفـــة الغربيـــة يتـــأثر بهـــذا التنـــوع ويصـــبح الأمر أكثر تعقيدا بحيث لا نتحدث عن علاقـة بـالمفرد بـل عـن علاقـة بـالجمع تحتـاج كـل واحـد ة منهمـا إلى دراسة، وينفتح المجال على احتمالات كثيرة تتراوح ربما لـيس بـين نقيضـي الـرفض والقبـول، وإنـا بـين إمكانات القبول المشروط لهذا المفهوم والرفض النسبي لهذه النظرية، والتجريب الحذر لهذه المقاربة... ثانيها: أن هذه المعرفة تنتظم وقائعها بطريقة معقـدة وضـمن حيويـة نقديـة داخليـة، فمـن الخطـأ تصـورها كبنـــاء واحـــد متجـــانس وجامـــد، بـــل الأحـــ رى تصـــورها بمثابـــة خطابـــات وخطابـــات مضـــادة، تجـــد فيهـــا التعارض الذي قد يصل إلى التناقض، وهذا ما يجعل هذه المعرفة ثرية ومفتوحة ومتجددة. ترافق القـرآن في علاقت بالمعرفة الغربية هذه الحيوية ذاتهـا الـتي تفـتح أمامـ إمكانـات معرفيـة ليسـت مطلقـة وإنـا تقـدم كل واحدة منها نفسها كواحدة من بين احتمالات متعددة. 2. القرآن والوقائع المعرفية الأساسية من خلال تحديد طبيعة الموقع الذي يتموضع داخل القرآن باعتباره أساس مشروع فكـري وكـذا منطلقي التفكير في أساس العلاقة بين القرآن والمعرفة الغربية ، نذهب إلى تفصيل مضـمون هـذه العلاقـة من خلال مسائلة تحليلية لثلاثة وقائع معرفية أساسية: الإبستيمي Epistémé، النظرية و أخيرا التقنية
عدد الصفحات ٦٣الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة 54 أ . الإبستيمي ظهر مفهوم الإبستيمي في ستينات القرن الماضي مـع ميشـال فوكـو Michel Foucault و بـالتزامن مع كذلك أسـس تومـاس كـوهن Thomas Kuhns لمفهـوم النمـوذجParadigme... عنـد حديثـ عـن الإبستيمي يعرف ميشال فوكو بأن "كل ظواهر الربط بين العلـوم أو بـين مختلـف الخطابـات العلميـة الـتي تشــكل، مــا أسميــ ، إبســتيمي حقبــة معينــة"(0) و إجابــة عــن الانتقــادات الــتي وجهــت إليــ حــول اعتبــار الإبســتيمي كنســق مغلــق، متجــانس وأحــادي يضــيف فوكــو شــارحا ومفصــلا طبيعــة هــذه الواقعــة قــائلا "الإبســـتيمي لـــيس شـــكلا مـــن النظريـــة الكـــبّى المضـــمرة، إنـــ فضـــاء للفـــروق Dispersion، أنـــ حقـــل مفتوح […]، أن ليس جزءا من التاريخ المشترك لكل العلوم. إن لعبة Simultané de rémanences spécifiques"(2) لنا أن نلاحظ هنا، أن هذه الواقعة تتميـز بـالعموم والانفتـاح ومضـمونّا متنـوّع وغـير متجـانس فهـي لا تفــرض رؤيــة واحــدة للأشــياء، وإنـــا تقــترح إمكانــات مختلفــة وثريـــة. لــيس الإبســتيمي أمــرا واضـــحا و واعيا يكن تحديد موقف من وإنا جانب عميق وغير واع في الرؤيـة الغربيـة للعـالم. إن حقـولا كثـيرة مـن المعرفة الغربية المرتبطة بالتاريخ، الفلسفة، الأ نتربولوجيا تبحث هـذا المسـتوى القاعـدي والمؤسـس للمعرفـة وتحاول استكشاف . 1- Michel Foucault, Les problèmes de la culture, Un débat Foucault- Preti : Il bimestre N°22-23 Septembre –Décembre in Vocabulaire des philosophes, Ellipses 2002 p868. 2- Opcit, P869 – 870.
عدد الصفحات ٦٤