المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قراءة في تمثلات أسماء الله الحسنى في القرآن

زرقة لطفي هشام

صفحة ٣ من ١٥

الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 25 الجمالي والأدبي، وإنا اقتضت ضروراتهم التخصصية والمنهجية التركيز على هذا الجانب وإفاضة القول في . أما الاتجاه الثاني فيعتبّ القرآن ن صا أدبيا لا غير مثلما يفعل أمين الخولي، محمد خلف الله ونصر حامد أبوزيد فهذا الأخير مثلا يرى أن القرآن "يجب أن يدرس باعتباره أحد النصوص الأدبية العالمية، تحليل وتأويل لابد أن يفتح لغير المسلم مثلما يفتح للمسلم من خلال مناهج التحليل الأدبي. إن القرآن بمثابة موضوع لغوي يشب في شكل كل النصوص الناتجة في نفس فضاءه وليس من الضروري في خلال دراست محاولة تطبيق "تأويل مقدس" بل يكن أن يدرس ويؤوّل وأن يكون موضوعا لنفس مناهج التأويل التي تطبق في دراسة أي نص من روائع النصوص"1). إننا عندما نناقش علاقة القرآن بالنص الأدبي نسلم بوجود بعد جمالي للنص كما يفعل الاتجاه الأول وإنا يهمنا مسائلة الاتجاه الثاني القائل بأدبية القرآن كطبيعة محايثة لهذا النص ، وتفكيك مقولات الضمنية التي يشتغل من خلالها . أ - مدار أسئلة النص الأدبي يجدر بنا قبل مناقشة العلاقة بين القرآن والنص الأدبي أن نعرّف بالحقل الأدبي و بمنطق عمل لنخلص، من خلال ذلك إلى رؤية أكثر وضوحا لطبيعة بنية النص القرآني. إن مدار السؤال في الحقل الأدبي حول موضوعات أساسية: معنى النص الأدبي، موضوع الأدب، خصائص الأسلوب الأدبي، وأخيرا حول المتلقي. إن مدار الحديث في كلّ موضوع من هذه الموضوعات مجموعة من الأسئلة يكن تلخيصها بالشكل الآي: 1- R. Benzine, Les nouveaux penseurs de l’islam, Albin Michel, 2114, p092.

عدد الصفحات ٣٣

الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 26 - تعريف النص الأدبي: ما هي طبيعت ؟ ما هي خصائص ؟ ما الذي ييّزه عن النص العلمي أو الفلسفي؟ ما هي وظيفة النص الأدبي؟ - موضوع الأدب: ما هي العلاقة بين النص الأدبي والعالم ؟ هل الأدب نسخة من الواقع أم هو فقط خيال خلاق؟ إذا كان الأدب نسخة من الواقع، ما هي خصائص هذه النسخة؟ - خصائص الأسلوب: فيما يتمثل الأسلوب الأدبي؟ ما هي خصائص المميزة؟ ما علاقة التر ادف الموجود بين الكلمات واختلاف أساليب الكتابة؟ عند مسائلة موضوعات هذا الحقل في الفكر الغربي والتفكير فيها، نلاحظ أول ما نلاحظ تعدد وجهات النظر و اختلافها إلى حد التناقض المفرط، فلا يستقر الباحثون في هذا الحقل إلى تعريف واضح عدى أصل اشتقاق الكلمة وبعض السمات الظاهرة منها، وتمي يزهم حدود هذا الحقل عن حدود الحقل الفلسفي أو العلمي. رغم ذلك، و بغية الحديث عن علاقة القرآن بهذا الحقل من الدراسة، نعمد في عجالة إلى محاولة رسم المعالم العامة لهذا الحقل وتوضيح بعض المقولات الضمنية المؤسسة لمختلف إشكالات . يبدأ ميلاد النص الأدبي من قصد الكاتب إلى التأليف بمقابل موجودات العالم، فيفتح أمام حقل الكتابة الأدبية الباب واسعا، ويكن أن يذهب ب إلى احتمالات ثلاثة: إما إلى إنشاء قصة من نسج الخيال أي من إبداع الكاتب ، ليس مهمّ ا في ذلك أن تكون لها مرجعية حقيقية وإن حدث وإن وجدت تكون بعيدة وبمثابة لاوعي يأخذ أصل بطريقة غامضة في أغوار النفس وثناياها . أما الاحتمال

عدد الصفحات ٣٤

الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 27 الثا فيعمد الكاتب في إلى المزاوجة في كتابت بين عناصر يأي بعضها من وقائع حقيقية والبعض الآخر من نسج الخيال أو يتم مزج نفس الوقائع الحقيقية بإضافات و تصرّ فات يقصد الكاتب إلى إحداثها بهدف الأثر الذي يرجو أن يجده القارئ المتلقي في نفسي ة. في كلتا الحالتين، رهان الكاتب ليس رهان الحقيقة (عكس الواقع كما هو) وإنا هو رهان الإبداع، فلا يهم أن هذه الشخصية قد فعلت كذا أو كذا... وإنا المهم هو البناء العام للقصة من خلال أولويّ ة التسلسل، الحبكة، والوقع في نفوس القارئين. بخلاف ذلك يأي الاحتمال الثالث ليفتح أمام قصدية الباحث احتمال محاولة البحث عن إمكانية أن تطابق كتابت واقعا يهدف إلى وصف ، أو ما تعارف على تسميت في الحقل الأدبي باسم المحاكاة Mimesis. إننا نرى أن هذا الا حتمال الثالث هو الأهم لموضوعنا ويحتاج إلى شيء من التفصيل. عند حديث عن فعل المحاكاة Mimesis، يعرفها بول ريكور Ricœur Paul"بأنّا صيرورة للتشبي والتّ مثل"1). إنّا محاولة لإعادة إنتاج الواقع داخل نظام سردي ordre narratologique من خلال آليات المحاكاة و المماثلة، أو أحيانا البحث عن المطابقة. لكن رغم ذلك فإن المحاكاة ليست مطابقة بسيطة كتلك التي نجدها بين الشيء وصورت في المرآة وإنا تلك التي "تربط بين وقائع التي بدونّا، تظهر فوضوية واعتباطية. إنّا تزيل النقاب عن بنية لمعقولية ا لحوادث، ومن خلال ذلك تقدم معنا للأفعال الإنسانية"2) إنّا بذلك نوع من المعرفة الخاص ة قد يصعب تمييز حدودها عن حدود 1- P. Ricoeur, Temps et Récit in A. Compagnon, Le Démon de La Théorie. Littérature et sens commun, Editions du Seuil, 1998, P151. 2- Opcit P149.

عدد الصفحات ٣٥

الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 28 المعرفة التاريخية أو الفلسفية أو العلمية. أمام هذه الواقعة الرابطة بين العالم والإنشاء الأدبي نجد موقف متعارضين حول إمكانيات المحاكاة التي يقترحها الإنشاء الأدبي وحول مكانت في إبداعات النص: الموقف الأول يعتمد التعريف المذك ور أعلاه ويرجع إلى استعمالات المصطلح عند أرسطو مبينا ثراءه ومحاولا تأمل وتأويل بما يتناسب مع الحقل الأدبي المعاصر ، وبالتالي الإبقاء علي وعلى العلاقة الأساسية بين الكتابة الأدبية والواقع (العالم). إن هذا الموقف يتأسس على أسبقية الواقع على النص ويأي هذا الأخير للتعبير عن بطريقة معقدة ودالة . أما الموقف الثاني فوظيفة الكتابة الأدبية في ليست مهمتها التمثّ ل، "إنّا عرض لا يزال يظهر لنا غامضا، لكن ليس بح ال من الأحوال نظاما للمحاكاة...الذي يحدث داخل السرد ليس، من وجهة نظر مرجعيت ، الواقع بحيثيات : لا شيء مما يحدث إنّا اللغة وفقط" 1). رغم قصد الكاتب إلى المحاكاة فإن النص الأدبي لا يتحدث أبدا عن الأشياء كما توجد في الخارج، وإنا عن أشياء كما توجد في النص. إن القضية بالنسبة لهذا الموقف ليست قضية أسبقية النص على الواقع أو العكس وإنا استحالة العلاقة أصلا بين الاثنين. من هذا المنطلق بالذات تصبح مرجعية النص الأدبي ليست إلا نصوصا أدبية أخرى سابقة علي أو ما تسمي جوليا كريستيفا Julia kristéva التناصL’intertextualité فالبنسبة لها "كل نص ينبني كفسيفساء من الاستشهادات. كل نص هو استيعاب وتحويل لنص أخر"2). إذن حيوية الكتابة الأدبية سواء قصد الكاتب إلى ذلك أو لم يقصد، هي في تفاعلها الدائم مع نصوص أخرى، في حوارها ومحاكاتها 1- R. Barthes, « Eléments de sémiologie » (1964), L’Aventure sémiologique, Seuil, Paris, 1985. 2- J. Kristiva, Séméiôtiké. Recherches pour une sémanalyse, Paris, Ed. du Seuil, 1969 ; réédition coll « Points »P126.

عدد الصفحات ٣٦

الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 29 لغيرها من النصوص. إنّا دينامكية داخلية تتم في إطار ما تقترح الممارسة السردية داخل الحقل الأدبي. إن بين الموقفين اختلافا أساسيا حول مرجعية الواقعة الأدبية وحول الا تصال أو الا نفصال الذي ييز علاقة المكتوب بالوجود، رغم ذلك وحتى عند التسليم بمرجعية الواقع في الموقف الأول، تبقى عملية المحاكاة شيء صعبا، ولا يتم الحديث عن مطابقة فعلية تعكس الوجود كما هو في ذات . إذا كان الأمر كذلك يتبادر إلى أذه اننا السؤال التالي: إذا كانت المحاكاة ليست مطابقة حقيقية، هل تتعدد أشكالها؟ وهل ثمة تراتبية تجعل هذا الشكل أحسن من ذاك؟ عند محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة نجد أنفسنا مضطرين للحديث عن "الأسلوب" كواقعة تلزم بال ضرورة، من خلال تسلسل التفكير، من حديثنا عن المحاكاة. عند التسليم بقدرتها على الربط بين الواقع واللغة يتوج نظرنا إلى النظام السردي والس يميائي الذي يولد داخل اللغة لنلاحظ أن نظام قد يأخذ أشكالا أسلوبية مختلفة. إن تعدد إمكانات الصياغة اللغوية بمقابل وحدة الح دث في الواقع هي ذاتها المقولة التي تؤ سس لمعنى الأسلوب "فلا يكن الحديث عن مسألة الأسلوب إلا إذا تو فرت ل دى الكاتب إمكانية الاختيار بين أشكال تعبيرية متمايزة" 1). إذن هنا نرجع إلى قصد الكاتب، فحتى عندما يقصد إلى محاكاة ما يوجد في الواقع يجد نفس أمام احتمالات لا نّائية لتحقيق محاكات ، ذلك أن الرصيد اللغوي وأشكال الصياغة والبناء ، الذي يجده 1- A. Compagnon, Opcit, P209. الواقعة واحدة تعدد الإمكانات الأسلوبية Mimesis Mimesis الواقعة واحدة تعدد الإمكانات الأسلوبية

عدد الصفحات ٣٧

الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 30 أمام، يفتح مجال الإمكان الإنشائي على مصرعي ، ولكن رغم ذلك يحدّ هذه الإمكانات مجال يتضمنها يتراوح بين المحاكاة ا لبسيطة (العادية) والمحاكاة المبدعة ولا يتضمن هذا المجال إمكان المطابقة ولو بشكل من الأشكال. إن داخل مجال إمكانات الكتابة تتحدد تراتبية أسلوبية رأس الأمر في ها معيار الجمال الذي بدوره يتشكل ويتغير بحسب الأطر الا جتماعية التي يتموضع داخلها. أن فعل المحاكاة هنا سيترك المكان إلى فعل جمالي، وتتحول قصدية الكاتب، في حال أراد المحاكاة، إلى البحث عن أحد إمكانات الكتابة في التراتبية الأسلوبية. إن تحوّ ل و انزياح من القصد إلى الحقيقة ، إلى القصد إلى الجمال. يكن تلخيص كل ما سبق بالمخطط الآي: موقف (0) موقف2) محاكاة محاكاة نسبية إستحالتها عدم المحاكاة إمكانيتها إمكانات أسلوبية إمكان واحد إختيار (معيارجمالي) قصد الكاتب

عدد الصفحات ٣٨

الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 31 ب . المحاكاة بيـن القرآن والأدب عند الحديث عن القرآن وعلاقت بالنص الأدبي يكن الخلوص إلى عدد من القضايا الأساسية: - إن المحاكاة (Mimésis) بالنسبة لحقل الدراسات الأدبية هي نظام سردي يحكي نظام ا في وجود الأشياء وينتج معرفة حول تشب في شكلها العام النظرية العلمية فهي كذلك تعمل في اتجاهها إلى الواقع وبناء نسق منسجم من الأفكار حول . إن الأنظمة الدلالية إذا ما نظر إليها من منطلق معيار "الحقيقة" أو على الأقل الاقتراب منها فإن الأعمال التي يقدمها الأدب ترتّ ب، في سلّم المعارف عموما، بعيدا وراء النظرية العلمية. إن اعتبار القرآن نصا أدبيا هو التسليم مبدئيا بدونيت أمام النص الفلسفي أو العلمي. - إن الحديث عن المحاكاة في علاقتها بوقائع العالم يجب أن لا يترك على إطلاق بل أن نفكر في آخذين في اعتبارنا تعدد موجودات العالم و اختلاف مراتبها، فالحديث عن محاكاة موضوع من الطبيعة موجود أمام ناظري الكاتب ، غير المحاكاة التي تقصد إلى إعادة إنتاج التسلسل الزمني لحدث من الماضي أو لأمور غيبية بعيدة عن منالنا. إن فعل المحاكاة يتضمن وجود الشيء بطريقة فعلية فكلّ ما تجردت مواضيع الوجود كلما أصبح الانتقال من المطابقة إلى المحاكاة فعلا تخمينيا، وابتعد بذلك عن ماهيت الأساسية. إن فعل المحاكاة، في هذه الحالة، ييل أكثر إلى الخيال الأدبي من إلى تمثّل الأشياء في حقيقتها.

عدد الصفحات ٣٩

الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 32 - إن فعل المحاكاة يفترض أسبقية الواقع كموضوع يعاد إنتاج ضمن الوجود اللغوي. هذا أمر ينطبق بالضرورة على القرآن بل يجدر ربما التفكير في إشكال القر آن /العالم من منطلق التقابل والانسجام اللذان أتيا من مصدر واحد (خالق العالم/منزل القرآن) وسيأي تفصيل ذلك في الفصل اللاحق. - يوجد تعارض واضح بين النظام السردي الذي ينتج عن فعل المحاكاة وبين النظام السردي القرآني فهذا الأخير لا يتقيد بموضوع واحد يقوم بمحاكات بطريقة منعزلة، وإنا يندمج الموضوع ضمن نسق علائقي بمواضيع أخرى. بالإضافة إلى ذلك إن الموضوع ذات عندما يرد في سياق معين غالبا ما يتعرض لعملية انتقاء لعناصر من لينتظم في سرد خاص داخل نظام أكبّ من وهو نظام السورة. فمثلا قصة نوح علي السلام في القرآن ترد 0 مرات في القرآن. في كل ورود لها تنتق ى عناصر من القصة و كذا طريقة عرضها ضمن نسق علائقي مع مواضيع السورة لتشكل بذلك نظاما موحدا. إننا هنا نتحدث عن عملية أعقد من فكرة المحاكاة التي لا تنفك عنها معاني النسخة والمرآة كمعاني حسية لصيقة بها. جـ. الأسلوب بيـن القرآن والأدب إن منطق اللغة وسعة إمكانات الصياغة يفتح أمام الكاتب من حيث الأسلوب احتمالات لانّائية ويبقى التفريق بين هذا الأسلوب أو ذاك قضية أساسها معيار جمالي. إن النظر للأمر من هذا المنظار يجعل من الكتابة موضوعا يتجاذب ا تجاهان أحدهما إلى محاكاة (مراعاة الواقع) والآخر إلى

عدد الصفحات ٤٠

الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 33 التأثير المتوقع في نفسية القارئ. إن الإشكال هنا هو إشكال أولوية المضم ون (الدلالة) أم الشكل (الأسلوب) في قصد الكاتب. من زاوية نظر مختلفة يربط الجرجاني في كتاب "دلائل الإعجاز" بين المعاني والألفاظ ويجعل من الأولى أساس الثانية "فليس حد الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوج ا لذي اقتضاه العقل، وكيف يتصور أن يقصد ب إلى توالي الألفاظ في النطق، بعد أن ثبت أن النظم يعتبّ في حال المنظوم بعض مع بعض"1) ، إن الجرجاني لا يؤكد فقط على أولوية المعنى على اللفظ وإنا يربط جمال نظم الألفاظ بصحة ترتب المعاني ، ذلك أن "العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق"2). من خلال هذه الرؤية التوفيقية بين المضمون والشكل يكننا القول أن أجمل أسلوب أصدق ، والعكس صحيح، أن ترتيب المعاني بمراعاة المطابقة مع الواقع هي بالضرورة أجمل الأساليب. إن ه ذه الفكرة بالذات تنطبق، في رأينا على القرآن وتعبّّ عن خصائص ، ليس ب اعتباره أحد الإمكانات الأسلوبية وإنا باعتباره الإمكان الأوحد: إمكان المطابقة والبلاغة، الإمكان المختلف في طبيعة وجوده سنعمد في الفصل اللاحق إلى إظهار رؤيتنا العامة للقرآن كنص مختلف وسيتم ا لنظر إلي كمقابل للعالم وليس فقط كمقابل لنصوص أخرى . 0- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، موفم للنشر،0990، ص88. 2- نفسالمرجع، ص 89.

عدد الصفحات ٤١

الفصل الثاني القرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلف ة

عدد الصفحات ٤٢

الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 34 يــأي هـــذا الفصــل ليقـــدّم رؤيـــة فلســفية عامـــة تحـــاول هــذه الرســـالة رســـم ملامحمهــا. مـــن منطلـــق اختلاف القرآن عن النصوص الأدبية التي كثيرا ما يقارن بها، ومـن منطلـق تسـاؤلات كثـيرة حـول ماهيـة هذا النص وتميّـزه، عمـدنا إلى رؤيتـ مـن وجهـة نظـر مختلفـة. إن بحثنـا هنـا يقصـد إلى التفكـير في القـرآن، لــيس مــن خــلال مســائلة منفــردة لــ أو مســائلة لــ بمقابــل نصــوص أخــرى، وإنــا مــن خــلال النظــر إليــ داخل ثنائية النص/ العالم. إنّا مسائلة بالتقابل الممكن بين وجودين مختلفين، من جهة الوجود اللغـوي في أعقــد إمكانــات التــأليف فيــ ، ومــن جهــة أخــرى الوجــود الحقيقــي في كليتــ ، ومــا قــد ينبثــق عــن هــذا التقابل مـن رؤى عامـة تؤ سـس لأنـاط مختلفـة مـن المعرفـة. إن حـديثنا هنـا ينـدرج ضـمن مـا يسـمي كلـود أجــاج Claude Hagége "نظــام الكلمــات ونظــام العــا(0) فوجهــة بحثنــا هــي تفكــير في القــرآن مــن جهة أن نظام لغوي معبّ عن العالم بطريقة مخصوصة نقصد إلى فحصها . إن ثمة مستويين للتفكير في هذا التقابل بين النص و العالم، أولهما أنطولوجي يبحـث في طبيعـة كــل مــن اللغـــة والعــالم، ومـــدى التشــاب أو الاخـــتلاف القــائم بـــين وجــودين متمـــايزين ، وثانيهمــا مســـتوا إيبستمولوجي يسائ ل تشـكل حقلـين معـرفيين حـول هـاذين الموضـوعين مـن حيـث المسـلمات، الآ ليـات والخصــــائص المميــــزة لكــــل منهمــــا. إن بــــين هــــاذين المســــتويين علاقــــة وثيقــــة، قــــد يصــــبح فيهــــا التعريــــف الأنطولوجي بطبيعة هذا الوجود أو ذاك مسلمة إ يبسـتمولوجية أو مقولـة ضـمنية تأسـس لآليـات خاصـة للممارسة المعرفية. عند المسائلة الأنطولوجية لثنائية النص / العالم تبّز قضيت ان أساسيتان: 0 - يفرد كلود أجاج في كتابهL'homme de paroles contribution linguistique aux sciences humaines, Folio 1985 فصلا كاملا للحديث عن العلاقة بين اللغة و العالم وطريقة انتظام كل منهما (من صفحة 214 إلى ص249)

عدد الصفحات ٤٣

الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 35 الأولى أسبقية العالم على النص وتعلق الثاني بالأول من جهة التعبير عن " فالأحداث هي التي تجعل اللغة ممكنة"(0). إن تطور اللغة، عبّ تاريخها، جـاء في محاولـة محاكـاة مـا هـو موجـود، ذهابـا مـن التمثيـل الحسّ ي إلى التعبير الرمزي، إنّا محاولة جاهـدة للمطابقـة بـين وجـودين متمـايزين. إن التقابـل بـين الاثنـين يأخذ هنا طابع الأصل / النسخة التي يسبق فيها الأصـل النسـخة بالضـرورة. يبقـى أن الممارسـة اللغويـة عنــد تعلقهــا بالعــالم تعمــل بمنطــق أولويــة التعبــير والتواصــل علــى المعرفــة والتفســير، فلــيس يشــترط المعرفــة المطلقــة بالشــيء ليــتم التعبــير عنــ ، فهــي ترمــز إليــ مــن خــلال بعــض المعطيــات والعلامــات المستكشــفة فقــط. إن الممارســة اللغويــة هــي في الآن ذاتــ ، تعبــير عــن مجهــول ومحاولــة للتعريــف بالوقــائع داخــل منطــق اللغة. إن ثمَة دائما، متعلقات مجهولة بالمواضيع التي يحاول الإنسان التعبير عنها. الثانية: استقلالية العالم عن الإنسان بمقابل ارتباط النص بـ ، فالعـالم موجـود خـارج إرادة الإنسـان فهـو لا يخلق (يبدع ) ولا يكن ل أن يغيرَه إلا في حدود ما يسمح بـ نظـام هـذا العـالم ومنطقـ . في مقابـل ذلـــك تـــأي اللغـــة عمومـــا والواقعـــة النصـــية خصوصـــا كإبـــ داع مـــن الإنســـان تتغـــير في خـــلال الاســـتعمال (usage) ولـــيس لهـــا مـــن نظـــام ســـوى ذلـــك الـــذي يتكـــون في خـــلال الممارســـة التواصـــلية والتفاعـــل مـــع العـالم. ذلــك مــا يــؤدي مــن جهــة إلى تشــكل القواعــد المتعــارف عليهــا والــتي تصــبح مــع مــرور الــزمن محــل إتفـاق هنــا أوهنـاك، ومــن جهــة أخـرى إلى تعــدد النصــوص وكثرتهـا بمقابــل أحاديــة العـالم . إن الفــارق هنــا هـــو فـــارق في الســـلطة الـــتي قـــد يؤتاهـــا الإنســـان أو يحرمهـــا عنـــد التصـــرف في مواضـــيع اللغـــة أو مواضـــيع الوجود. 1- G. Deleuze, La logique de sens, Gallimard, Paris 1972, P86.

عدد الصفحات ٤٤

الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 36 تقــدم لنــا هــاتين القضــيتين فكــرة حــول فــرقين أساســين بــين الوجــود اللغــوي والوجــود الحقيقــي مــن حيــث الأسبقية (فارق في الزمن و المكانة) ومن حيث الاستقلالية أو الارتباط (فـارق في السـلطة). إن هـاذين الفــرقين همــا اللــذان ينــتج عنهمــا فــرق جــوهري آخــر هــو مــن قبيــل الفــروق الإبســتمولوجية، فــرق يتعلــق بـــالوعي العـــام(*) أو العقلانيـــة الـــتي تتأســـس حـــول كلـــى الموضـــوعين كـــل علـــى حـــدة، وعيـــا يحـــدد طبيعـــة المسائلة لهذا الموضوع أو ذاك ويكوّن تقاليد الممارسة الخاصة بكل حقل. إن موجــودات العــالم، رغــم تعــددها، تنتمــي لوجــود واحــد يتعامــل معــ الإنســان ويحــاول فهمــ ، الشيء الذي يحقق تراكها للمعرفة حول . يتأتى من تجربة الإنسان مع العالم عقلانيـة عامـة تحـدد طبيعـة هذا الموضوع الكلي، أنواع المسائلات المشروعة، الأجوبة الممكن ة، وخاصة وعيا عاما ومشـتركا يتعـارف علي كل من يعمل على مواضيع الكون ب اختلاف أنواعها. إن هــذا الــوعي هــو الــذي يرســم حــدود مــا هــو علمــي أو بمعــنى آخــر مــا يكــن أن نســتبقي في حقـل المعرفـة ومـا يجـب أن نسـتبعده منهـا. إن المســلمَة الضـمنية والعميقـة لهـذا الـوعي تتمثـل في التســليم الضـــمني بوجـــود نظـــام في ال عـــالم مـــن حولنـــا، يحـــاول الإنســـان الاقـــتراب منـــ والتنظـــير لـــ . إن مـــن أمثـــال تجليـــات هـــذا الـــوعي مـــا نجـــده عنـــد العـــالم في بحثـــ عـــن النظـــام الكـــوني فالمســـافة بـــين الشـــمس والأرض ليســت، في نظــره، مســافة اعتباطيــة بــل مقــدارا دالا يعــبّ عــن قــانون دقيــق هــو بمثابــة أحــد شــروط الحيــاة فـوق الأرض وأمثلـة مــن هـذا نــوع لا تنتهـي في حقـل المعرفــة العلميـة. لنــا أن نفـترض هنـا، ولــو مـن بــاب الإمكان، أن هذا الفيزيائي لا يتعامل مع عالم واحد وإنا مع عوالم متعـددة أقـل نظامـا مـن عالمنـا، أيـن (*) قصدنا إلى استعمال كلمة "وعي" للتعبير عن المنطق العام الذي يحدد وجهة نظر عميقة عند التعامل مع موضوع من الموضوعات، فظاهر أن الحديث هنا ليس عن مقابلة بين قوانين العالم وقواعد اللغة وإنما بين منطقي وجودين مختلفين.

عدد الصفحات ٤٥

الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 37 المســافة بــين الأشــياء مــثلا ليســت لهــا بالضــرورة دلالــة دقيقــة أو ربمــا دلالتهــا لا تقتضــي تبعــات حقيقيــة ومـــؤثرة في نظـــام الأشـــياء. هـــل يســـمح تعـــدد العـــوالم بتكـــون نفـــس الـــوعي الموجـــود في مدارســـة موضـــوع الفيزيــاء؟ هــل ســتكون، في هــذه الحــال، حــدود مــا هــو علمــي وشــروط هــي ذات الحــدود الــتي يفرضــها التعامل مع عالمنا الأوحد؟ لقــد تشــكلت في خــلال تــاريخ المعرفــة العلميــة عقلانيــة محــددة أساســها وعــي عــام بطبيعــة هــذا العالم وخصائص الأساسية. لكن لا يجب أن يفهم من هذا الكلام أن ثمة اتفاقا عاما وإجماعا على ما قد تعني مفاهيم "النظام" و"العقلانية"، فظاهر أن ثمة اختلافات في هذا الشـأن لكنهـا تتوحـد كلهـا في قصد بحثها عن نظام محكم ودقيق "يكن تسمية حدوده المثالية بالحقيقة الموضوعية"(0). بمقابــل وعــي العــالم نجــد وعــي الــنص الــذي تبلــور داخــل الممارســة اللغويــة باعتبارهــا محاكــاة للعــالم وتعبــيرا عنـ ، وعيـا غـير مسـتقل عــن ذات الإنسـان المبدعـة والـتي تمتلــك إمكانيـة التصـرف في موضـوع اللغــة. إن وعي النص هو عقلانية الوجود اللغوي بكل ما تتضمن من منطق الدلالة باختلاف وحداتها (الكلمة، الجملة، الـنص) ومـا يقتضـي هـذا المنطـق مـن حـدود ضـابطة تحـدد قواعـد الممارسـة اللغويـة، فمـثلا دلالـة الكلمة تتحدد من خلال استعمالاتها في مختلف السياقات النصية، وليس من خلال البحث عن نظـام سابق لها يراد اكتشاف مثلما هو الحال في م وضوعات العالم، يأي هنا مبدأ الاسـتعمال في اللغـة بمقابـل مبدأ النظام في العالم. 1- A. Einstein et L. Infeld, L'évolution des idées en physique. Des premiers concepts aux théories de la relativité et des quanta, petite bibliothèque Payot, P17.

عدد الصفحات ٤٦

الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 38 إننا إذا أقمنا المقارنة بين عقلانية النص وعقلانية العالم نجـد أن الأولى دون الثانيـ ة بكثـير، ذلـك أن منطــق الوجــود اللغــوي لا يقتضــي كــل شــروط الدقــة والصــرامة الــتي تفرضــها العلــوم الدقيقــة ولــيس لــ نفس الوعي العام الذي يفترض لكل موضوع دلالة محددة ودقيقة، فالكلمة قد تعـوّض بغيرهـا وصـياغة الجملـــة قـــد تكـــون بهـــذا الشـــكل أو ذاك وترتيبهـــا مـــع غيرهـــا مـــن الجمـــل قـــد يحت مـــل التقـــديم والتـــأخير أو الحــذف والإضــافة دون أن يــؤثر ذلــك بالضــرورة علــى مــا يــراد التعبــير عنــ ، لأن منطــق القــول ليســت لــ ذات المعايير التي تفرضها في المقابل، حقول المعرفة الدقيقة. في تراتبية العقلانيات الممكنة لا مقارنة بين ما يراد قول في النص الأدبي وبين ما تقول المعادلة الفيزيائي ة. 0. فيدغنشتاين والقول بارتباك اللغة في تعبيرها عن العالم من خلال منظور مقارب، ورغم اختلاف الرها ن المتعلق بالموضوع، جاء ت فلسـفة لودفيـ فيدغنشـتاين (Ludwing wittgenstein) لتبــين ارتبــاك الموجــود في موضــوع اللغــة (*) ولتحــاول اقــتراح رؤيــة ناقــدة ومجددة في هذا الموضوع. أما من حيث ارتباك اللغة عمومـا في تعبيرهـا عـن الواقـع، فهـو يـرى أنّـا تتميـز دائما بنوع من الغموض والضبابية وقد تكون دلالاتها فارغة لا تعبّ عن شيء معـين، فعنـد حديثـ عـن اللغـة الفلســفية، ورغــم مــا هــي عليــ مــن الصـرامة، ي قــول "إن أغلــب القضــايا والأســئلة الــتي كتبــت حــول المادة الفلسفية ليست خاطئة، ولكنها بدون معنى. إننا لا نستطيع، في أي حال من الأحوال، الإجابة علــى هــذا النــوع مــن الأســئلة، ولكــن فقــط تبيــين "اللامعــنى" الموجــود فيهــا. إن أغلــب القضــايا والأســئلة الفلســفية تــأي مــن عــدم فهمنــا لمنطــق اللغــة"(0) يبقــى أن المعرفــة العلميــة الدقيقــة هــي الوحيــدة، في رأي (*) تجدر الإشارة أن مشروع فيدغنشتاين عمل على الوحدات القاعدية للغة(الكلمة، الجملة/ القضية) وليس على النص كبناء معقد. 0- Ludwing wittgenstein, Tractatus Logico-philosophicus , Traduction française, Gallimard 1993, P51.

عدد الصفحات ٤٧

الفصل الثانيالقرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة 39 فيدغنشتاين ، التي وجدت لنفسها لغة منطقية ورياضية توافق مو ضوعها والتي تجعل التحقق منها شيء ممكننــا. مــن جهــة أخــرى حــاول فيدغنشــتاين رســم الخطــوط العامــة لقواعــد لغــة جديــدة تصــاغ بطريقــة منطقيــة وتعكــس وجــود الأشــياء كمــاهي في الواقــع، فالموضــوع المعقــد في الواقــع مــثلا يعــبّ عنــ بشــكل معقد في اللغة والعكس كذلك صحيح. رغــم التعثــرات الــتي لقيهــا مشــروع فيدغنشــتاين و التحــولات الــتي طــرأت علــى أفكــاره لاحقــا، يبقــى أنــ أصّــل لمركزيــة المســائلة الفلســفية للعلاقــة بــين اللغــة والعــالم والتفكــير فيهمــا مــن منظــور التقابــل والتماثــل "فلكــي يعــبّ قــول مــا عــن موضــوع مــن الموضــوعات، يجــب بشــكل مــن الأشــكال أن يكــون هنــاك شــيء مشترك بين بنية القول وبنيـة الموضـوع" (2) علـى حـد قـول بارترانـد راسـل Bertrand.Russell في تقديـ لكتاب تراكتتوس لـ فيدغنشتاين. يظهــــر مشــــروع فيدغنشــــتاين، مــــ ن وجهــــة نظــــر موضــــوعنا، أن ثمــــة خصوصــــية للوجــــود الحقيقــــي وللعقلانيـة المتعلقـة بـ لا نجــدها في الوجـود اللغـوي الــذي تشـكل عقلانيتـ أحــد العوائـق الملازمـة لــ . إن نظـــام الم عـــبّق لا يرقـــى إلى نظـــام المعـــبّل عنـــ ، وتبقـــى بـــذلك اللغـــة واقعـــة مرتبكـــة عنـــد تعلقهـــا بموضـــوعات العالم. ذهابـا في أثـر مشـروع فيدغنشـتاين وا ســتلهاما مـن روح فلسـفت تسـتثيرنا جملــة أسـئلة حـول الـنص القــرآني منها أين يتموقع القرآن داخل مسألة التقابل بين النص/العالم؟ هل ثمـة اسـتثناء مـا يحققـ القـرآن ضـمن هذه الثنائية؟ القرآن نص عربي تعاملت مع الثقافة الإسلامية من منطلق الوعي اللغو ي العـربي وآلياتـ . 2- Opcit, P14.

عدد الصفحات ٤٨