الباب ال ول إشكالات حول طبيعة النص الفصل الأول: الفصل الثاني: القرآن كمقابل للعالم: وجهة نظر مختلفة الفصل الثالث: القرآن و المعرفة المعاصرة: ثنائية معقدة وعلاقة مزدوجة
عدد الصفحات ١٧الباب الأول 11 تمهيد: نّدف من خلال هذا القسم إلى وضع اللّبنة الأولى للبحث التي ستمكّننا من الوقوف على التجلّيات الدّلالية لأسماء الله الحسنى. ولتحقيق ذلك سنسعى إلى دراسة بعض الإشكالات المتعلّقة بالقرآن الكريم بوصف نصّا مؤسسا لثقافتنا، والتي تعدّ في بعض جوانبها محصّلة للتمثلات التي ندرك، من خلالها وعبّ اللجوء إلى طريقة تقنية مفصّلة، أسماء الله الحسنى ودلالاتها المحوريّة. يعدّ موضوع بحثنا "ميدانا" بامتياز وبكلّ ما يحمل هذا المصطلح، الذي نعتبّه في غاية الأهميّة، من ثراء وتعقيد، في الوقت نفس ، في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. وعلى هذا الأساس إن مصطلح الميدان الذي أثار العديد من التساؤلات حول طبيعة النّص، سيساعدنا على وضع مقاربة منهجيّة متماسكة تسمح لنا بقيادة قراءة معمّقة للنّص تعمل على تجلية رؤية ايبستمولوجيّة ومنهجيّة تؤسس لبعض مباحثنا على "الأسماء الحسنى" وتثير مسائل جديدة نصوغ لها بعض الإجابات في أثناء دراستنا. مهّدنا في بداية هذا القسم بحديث عن بعض الإشكالات المعاصرة التي رافقت حقل الدّراسات القرآنية. حاولنا بقدر الإمكان أن نناقشها في عمومها، و انتقلنا بعد ذلك إلى دراسة قضيتين أساسيتين: 1)- حاولنا مراجعة الوعي اللغوي العام الذي أسّس لعمليات فهم القرآن على نحو ما نجدها في أمهات كتب التفسير. ارتكزنا على هذه المصادر التي نعتبّها أساسية في التفسير، لأنّ قراءتها شكّلت لدينا شب قناعة بضرورة الشروع في تحديد ممارسة نقدية دقيقة والعمل على
عدد الصفحات ١٨الباب الأول 12 الارتقاء بوعينا اللغوي النقدي إلى مستوى ا دراك الشامل الذي تشكّل عبّ المسار الذي قطع تاريخ المعرفة العلميّة من حيث الدّقة والنّظام الذي سنتحرّاه في مواضيع . ولكلّ هذه الاعتبارات عمدنا إلى النّظر في القرآن، ليس فقط كمقابل لنصوص أخرى كما عمل على ذلك البلاغيّون، وإنّا كمقابل للعالم، فخالق هذا العالم هو نفس منزّل هذا الكتاب. إنّ لهذه الرّؤية تبعات كثيرة في العمل على مواضيع القرآن حاولنا إظهارها للقارئ في القسم الثاني من الأطروحة. 2)- الأمور التي قصدنا إلى التفكير فيها متعلقة بمواضيع القرآن من وجهة نظر منهجية، أي ما يخص المكانة الإبستيمولوجية ل مقا بل المعرفة الغربية: هل هو موضوع لها كما هي باقي المو ضوعات الأخرى أم هو استثناء لذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك ماهي الخصوصية المنهجية وما هي مقولاتها الملازمة لها عند العمل على القرآن؟ إنّا قضية شائكة تتحدد ربما فيها المواقف بالموقع الذي نختاره لتحليلها. إن المسائل التي أثرناها متعلقة، بدرجة أوّلى، بالمعايير التي سنرتكز إليها في اختيار المقاربات المنهجيّة التي ستقود قراءتنا للنص القرآني وفي تحرينا عن التجليات الدلالية لتمثلات أسماء الله الحسنى. ومن خلال قراءتنا للمقاربات النصية في مختلف النظريات استقرّ تفكيرنا على ضرورة إدراج رؤيتنا المنهجيّة بطريقة منسجمة ومرنة، ضمن تحليل لا يجعل القارئ يشعر أن النظرية مقحمة إقحاما على النص. إن النظرية في هذا السياق ليست غاية في ذاتها، إنّا وسيلة فقط لفضّ الاشكالات التي يطرحها النّص القرآني.
عدد الصفحات ١٩الفصل ال ول إشكالات حول طبيعة النص
عدد الصفحات ٢٠الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 13 0. المنطلقات العقائدية لا يكن أن تقدم دراسة وافية لتمثلات أسماء الله الحسنى في النّص القرآني دون أن نبني تصورا عاما عن القرآن يستبعد كل ما من شأن أن يدخلنا في تعريفات المذهبية ويقحمنا في متاهات القضايا الخلافية حول علم الكلام. قفزنا على كل هذه المسائل وفضّ لنا الاعتماد على تعريف لقي إجماعا و أشار إلي محمد عابد الجابري في كتاب "مدخل إلى القرآن الكريم" " هو كلام الله سبحان وتعالى، نزل ب جبّيل علي السلام على نبينا محمد صلى الله علي وسلم، وهو المكتوب في المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المخت تم بسورة الناس" 1) إن الحديث عن القرآن لا يتم على الطريقة التي يفكر بها الوعي الغربي في كتب المؤسسة لثقافت ، خاصة منها تلك المتعلقة بالدين ذلك أن "المستشرق الذي يرى مثلا، أن من "الطبيعي" أن تطرح، بالنسبة إلى القرآن، نفس الأسئلة الخاصة بمسألة الصحة والصدقية التي سبق أن طرحت في القرون الأخيرة في أوروبا على نصوص التوراة والإنجيل، قد يكون محقا من زاوية خلفيات ومنطلقات ، التي تجد تبّيرها في تطور الفكر الأوروبي، ولكن أسئلت تلك لن تحظى في الثقافة العربية الإسلام ية بمثل القبول والاعتبار اللذين حظيت بهما في الثقافة الأوروبية، ولن يكون لها نفس الوقع ولا نفس النتائج. ذلك لأن التور اة لم يكتبها شخص واحد بل ساهم في تأليفها كتاب كثيرون (...) أولهم موسى علي السلام الذي أوحى الله إلي بأن يكتب أول سفر للكتاب المقدس يدعى "التكوين" ثم واصل كتابت 0- محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول في التعريفبالقرآن ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2118 ص00.
عدد الصفحات ٢١الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 14 "بالوحي" أربعون كاتبا من جميع طبقات البشر، واستغ رقت كتابت ألفا وستمائة سنة أما "الإنجيل" فهو ليس كتابا واحدا بل أربعة كتب، على الأقل، تروي ما حصّل أصحابها من كلام السيد المسيح وسيرت ...إلخ. أما القرآن فوضع مختلف تماما. فمن جهة لم يكتب الشخص الذي أوحي إلي ب ، محمد صلى الله علي وسلم، بل كان يتلقاه "قراءة" ويبلغ قراءة. ومع أن قد اتخذ كتابا يك تبون ما يقرأ عليهم من فإن المرجع في مسألة حفظ من الضياع كان في الدرجة الأولى هم قراؤه، أي الذين يحفظون عن ظهر قلب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فمع أن نزل منجما، أي مقسما على مدى يتراوح بين عشري ن وثلاث وعشرين سنة، فإن هذه المدة هي جزء فقط من عمر جيل واحد، وبالتالي فقد بقي على قيد الحياة معظم الذين باشروا كتابت منذ البداية وكثير من الذين حفظوه في صدورهم منذ ابتداء نزول إلى نّايت قبيل وفاة الرسول. وعندما جمع القرآن في المصحف الذي بين أيدينا اليوم، زمن الخليفة عثمان، تَ ذلك بحضور كثير من الصحابة، كان في م قدمتهم عدد من كتاب الوحي وقرائ "1). إن المرتكز الأول لتفكيرنا في المضامين الدلالية التي يحملها القرآن ينهض أساسا على بعض المسلمات التي نسخرها في أثناء التحليل ونعني بهذا أننا نسلّ م سلفا بأن القرآن شكّ ل منذ نزول حقيقة لا يكن أن يتسرب إليها الشك قال تعالى " ألم ذلك الكتاب لا ريب في هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل أليك وما أنزل من 0- المرجع نفسه، ص20.
عدد الصفحات ٢٢الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 15 قبلك وبالأخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهّم وأولئك هم المفلحون 1). إننا نتبنى هنا المبدأ الفرضي الاستنباطي Hypothético-déductif الذي "يعبّّ عن عملية أو منهج تفكير يتمثل بناء فرضيات عامة تسمح بإنتاج نتائج تنفي أو تؤكد الفرضية العامة ذاتها" 2). إن لبنة التفك الفرضي استنباطي وأساس ما يصطلح الباحثون على تسميت بالأكسيوم Axiome باعتباره "القضية التي تنطلق منها البّهنة...وقد تكون صحيحة أو خاطئة"3) .إن القرآن كتاب ليس كباقي الكتب في مصدره ولا في طبيعة نظم ، هو كتاب أنزل الله على الإنسان في ظروف لم يكن مسموحا فيها بتحريف أو التلاعب بآيات أ و الاتيان بشيء مثل . وعلى هذا الأساس فهو محفوظ من كل هذا في جميع الحقب التي ير بها وفي جميع السياقات التاريخية "إنا نحن نزّ لنا الذكر وإنا ل لحافظون..." 4). أما تأويل مضامين والتخريجات الدلالية التي يكن أن ينتهي إليها الباحث، فإنّا تختلف بحسب النظام الإيبيستيمي لكل عصر. من هذه المنطلقات، فإن المبدأ العقدي يفرض على الباحث التأسيس للكثير من المسلمات الإبستمولوجية والفصل في عدد من الخيارات المتعلقة بها. إن هذا المبدأ يأي معلنا وصريحا بخلاف مبدأ آخر قد يأي معلنا حينا ومضمرا أحيانا كثيرة ، والمتمثل في اعتبار القرآن نصّ ا تاريخيا أو أدبيا أو الاثنين معا، ومساوات بغيره من النصوص بحيث لا تختلف دراست عن دراسة الرواية مثلا، ويفتح المجال للتحقيقات التاريخية حول النص وأصالت . إن العمل على القرآن بالطريقة التي يشتغل بها المستشرقون في حقل الدراسات الإسلامية L’Islamologie يعيد، لامحالة، إنتاج نفس 0- القرآن الكريم، "سورة البقرة،" الآية2. 2- Encyclopédie de la philosophie, La pochothèque, Librairie Générale Française, 2002, P 760. 3- Opcit, P126. 4- المصدر نفسه، "سورة الحجر،" الآية 9.
عدد الصفحات ٢٣الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 16 الرؤية التي نجدها في الدراسات الدينية المتعلقة بال توراة و الإنجيل ونعني بذلك الإسقاطات التاريخية نفسها المتداولة في التوراة والإنجيل على النص القرآني الذي يختلف عنها من حيث التماسك والوحدة ومن حيث بقائ على النحو الذي نزل ب . إن هذا الاختلاف القا ئم هو الذي يفرض تعاملا خاصا مع النص القرآني قلّما نلقاه في دراسات المستشرقين . إن التسليم بصحة القرآن ونزول و حفظ ومصدره الإلهي يقودنا إلى الارتقاء بمستوى تطلعاتنا لما ننتظره من هذا النص من إنتاج رؤية شاملة للعالم. 2- إشكالية تسمية النص في أثناء حديث عن مسمّ يات القرآن يعنون الزركشي أحد أبواب كتاب "البّهان في علوم القرآن بـ"معرفة أسمائ واشتقاقاتها " ويحصي عد د أسماء القرآن ( 11 اسما)، ويستشهد على كل اسم بآية ويعقب ذلك بتفسير مقتضب لدلالة كل تسمية ، فيقول مثلا في دلالة "كتاب" و" قرآن" ما يلي: "فأما الكتاب؛ ف هو مصدر كتب يكتب كتابة، وأصلها الجمع، وسميت الكتابة لجمعها الحروف؛ فاشتق الكتاب لذلك؛ لأن يجمع أنواعا من القصص و الآيات والأحكام والأخبار على أوج مخصوصة. ويسمى المكتوب كتابا مجازا، قال الله تعالى: في كتاب مكنون، أي اللوح المحفوظ. والكتابة حركات تقوم بمحل قدرة الكاتب، خطوط موضوعة مجتمعة تدل على المعنى المقصود؛ وقد يغلط الكاتب فلا تدل على شيء. وأما القرآن فقد اختلفوا في ؛ فقيل: هو اسم غير مشتق من شيء؛ بل هو اسم خاص بكلام الله ؛ وقيل مشتق من القَري وهو الجمع؛ ومن قريت الماء في الحوض أي جمعت قال الجوهري وغ يره. وقال الراغب: لا يقال لكل جمع قرآن ولا لجمع كل كلام قرآن؛ ولعل مراده
عدد الصفحات ٢٤الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 17 بذلك في العرف والاستعمال لا أصل اللغة. وقال الهروي: كل شيء جمعت فقد قرأت . قال أبوعبيد: سمى القرآن قرآنا، لأن جمع السور بعضها إلى بعض . قال الراغب: سمى قرآنا لكون جمع ثمرات الكتب المنزلة السابقة. وقيل: لأن جمع أنواع العلوم كلها بمعان؛ كما قال تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء". وقال بعض المتأخرين: لا يكون القرآن و "قرأ" مادت بمعنى جمع، لقول تعالى: "إنّ علينا جمع وقرآن " فغاير بينهما؛ وإنا مادت "قرأ" بمعنى أظهر وبينّ، والقارئ يظهر القرآن ويخرج ، القرء: الدم، لظهوره وخروج . والقرء: الوقت؛ فإن التوقيت لا يكون إلا بما يظهر. وقيل: سمي قرآنا لأن القراء ة عن والتلاوة من ؛ وقد قرئت بعضها عن بعض ..." 1) لنا أن نلاحظ في معرض حديثنا عن تسميات القرآن تعدّ د هذه التسميات وتنوعها في الاستعمال القرآني، الشيء الذي يجعل محاولة تكوين رؤية منسجمة وعلائقية لهذه التسميات أمرا صعبا جدا. إن الإمام الزركشي عند ذكره لهذه التسميات لم يبحث لا في العلاقات الممكنة بينها، ولا في الفروق التي تميّز بين الاستعمالات المختلفة، يبقى فقط أن الاستفادة الأساسية التي يقدّ مها هذا الباب هي تعريف القرآن من داخل أي من مختلف الآيات المتحدثة عن وليس تعريف هذه المدرسة أو ذاك المذهب. من منطلقات رؤية تاريخية، يحاول محمد عابد الجابري رؤية تسميات القرآن ضمن صيرورة التنزيل في علاقتها بالسياق الذي وردت في ، فأسماء القرآن بالنسبة إلي ترد بتتابع دال في إطار خطاب مضاد ضد أهم الفاعلين المكوّنين للبيئة التي نزل فيها. ينعت الجابري هذه الصيرورة بمسار 0- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، دار الجيل بيروت،0966، ص208.
عدد الصفحات ٢٥الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 18 الكون والتكوين ومعنى ذلك أن تسميات القرآن جاءت متدرجة في استعمالها بداية )*( من "ذكر" و "حديث" "فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا "1) "أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا" 2)ثم . يأي لفظ "قرآن" ليرد لأول مرة سورة البّوج، ورتبتها 20 حسب ترتيب النزول "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ 3) وهو يرد ضد تكذيب قريش وإيذائها للنبي صلى الله ع لي وسلم. وينتهي الاستعمال القرآني إلى لفظة "كتاب" "المص. كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج من لتن ذر ب وذكرى للمؤمنين" 4) إن أكثر الكلمات بعد ذلك استعمالا للتعبير عن النص الإلهي ويأي في معرض الحديث عن أهل الكتاب وطبيعة العلاقة التي تربط الإسلام بما قبل من الديانات. تعد تسميات القرآن عند الجابري، بمثابة رموز لمراحل مختلفة من علاقة الإسلام بسياقات . إن القرآن "بدأ ذ كرا وحديثا، ثم صار - إضافة إلى ذلك ، قرآنا تقوم طريقة تلاوت وترتيل بتأثير ينقل موضوع الذكر والحديث إلى مشاهد صوتية منغمة، تقرر وجودا يحمل مع برهان ...ومع انتشار الدعوة ونو الجماعة الإسلامية في مكة، صار القرآن كتابا كذلك، نقل العرب من أمة ليس لها كتاب (يقرر العقيدة والقيم) إلى أمة صار لها مثل هذا الكتاب"5) (*) يعتمد تحليله، عند حديثه عن أسماء القرآن على4 أسماء أساسية: الذكر– الحديث – القرآن – الكتاب. 0- القرآن الكريم، "سورة النجم،" الآية29. 2- المصدرنفسه، "سورة النجم،" الآيات 18-82. 1- المصدرنفسه، "سورة البروج،" الآيات 09-22 4- المصدرنفسه، "سورة الأعراف،" الآيات 0-2. 1- الجابري، نفس المرجع، ص080.
عدد الصفحات ٢٦الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 19 لا شك أن النظر إلى تسميات القرآن من خلال علاقتها بالسياق التاريخي أمر مهم، ويتعين علينا النظر إليها ك ذلك باعتبارها مجموعة غنية من الا ستعمالات النصية التي تنتظم ضمن البنية النصية في شمو ليتها. يخصص القرآن للمحاور الأساسية الموجودة في استعمالات مختلفة، و متشابهة وثرية ينتظم من خلالها حقل دلالي معقد يصعب النظر إلي بطريقة منسجمة، فتسميات القرآن بتعددها و ثراءها تشب أسماء الله الحسنى التي بدورها ترد ضمن تعقيد بال وتأخذ أشكالا استعمالية مختلفة تتوزع على امتداد البنية العامة للقرآن وتفهم من خلالها. إن أهم كلمتين تعبّان عن النص الإلهي هما "قرآ ن" و "كتاب" لا يعني هذا استبعاد الاستعمالات الأخرى وإنا مركزية الا ستعمال حول هذين المصطلحين بالإضافة إلى أن التفكير في مجموع الا ستعمالات يحتا ج دراسة خاصة لها وحدها. عند النظر في الاستعمالات الكلمتين في النص القرآني يظهر أنّما يعبّان عن واقعتين نصيتين مختلفتين، فكثيرة هي الاختلافات الموجودة بين الكلمتين سواء في الصفات المتعلقة بها أو المواضيع المقترنة بها. إننا هنا ننطلق من مسلمة أن القرآن ليس الكتاب ونحاول في هذا البحث التفكير في المصطلحين من خلال عدد المحاور (Thèmes )التظهر من خلال استعمال كل منها في القرآن، وداخل كل محور نبحث عن أوج الشب والا ختلاف بينهما. إن ثمة ثلاثة محاور أساسية مدار الاستعمالات المختلفة للكلمتين وهي كالآي: محور الدلالات الأصلية وما قد يظهر منها، ومحور حول مكوّناتهما كما يعرضها القرآن. ثالثا محاولة النظر في وظيفة كل مفردة منهما والمواصفات المميزة والفارقة بينهما.
عدد الصفحات ٢٧الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 20 أ - المحور الأول: عود على الدلالات الأصلية عند النظر في تعريفات الألفاظ التي يقدمها الراغب الأصفهاني مثلا في كتاب "مفردات ألفاظ القرآن" يكن أن نيز في مادة كتب أو قرأ ثلاثة مستويات من الدلالة : أولها المستوى الحسي البعيد عن الدلالات المتداولة للكلمتين فأصل "كتب" "ضم أديم بالخياطة" 1) أما قرأ فتعبّّ عن دخول في الحيض عن طهر و "لما كان جامعا للأمرين الطهر و الحيض المتعقب ل أطلق على كل واحد منهما"2) ثانيها يعبّ عن دلالات كذلك حسية مع فارق في الموضوع لكلا الكلمتين فأصبحت دلالة "كتب ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وقرأ ضم الحروف والكلمات ب عضها إلى بعض في الترتيل"3). لنا أن نلاحظ هنا أن ثمة تغيرا لمواضيع الدلالة عن المستوى الأولى والحفاظ في نفس الوقت على طابعها الحسي الذي يرتبط في كلمة كتب بما هو مرئي وفي كلمة قرأ بما هو مسموع. في نفس الوقت تتقاطع الدلالتان في فكرة ال ضم باعتبارها نوعا من ال صلة التي قد تأخذ معنيين مختلفين بحسب الموضوع الخاص بكل كلمة. أما فيما يخص المستوى الثالث لدلالة الكلمتين فهو مستوى ينفرد ب الاستعمال القرآني عن غيره من الا ستعمالات السائدة في اللغة العربية. إن الا ستعمال القرآني يحافظ على المستوى الثاني المتداول للدلالة وي ستعمل بكثرة، ولكن في الوقت نفس يضيف لكل واحدة من الكلمتين استعمالات أخرى فمادة كلمة قرأ يضاف لها استعمال مخصوص هو "قرآن" على غير ما عهدت العرب في ا ستعمالاتها، و نفس الشيء نجده مع كلمة "كتب" فدلالتها تأخذ 0- الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن دار القلم، دمشق ص899 2- نفس المرجع ص886. 1- نفس المرجع ص886.
عدد الصفحات ٢٨الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 21 أشكالا متعددة واستعمالات مختلفة فهي بمعنى الإثباتكتب الله لأغلبن أنا ورسلي" 1). وكذلك بمعنى الوجوب والفرض "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس" 2). إن كلمة "كتاب" مثلا تتعدد مدلولاتها بشكل لافت لتعبّّ ليس فقط عن الدلالات السابقة الذكر وإنا كذلك عن مواضيع الطبيعة "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحي إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء" 3). بالإضافة إلى توسع نواة دلالة الكلمتين نجد أنّا تندرجان ضمن حقل دلالي تقترنان في من جهة مع الكلمات التي تنتمي لنفس مادة الكلمة (الكتاب، أهل الكتاب، قرآن )*(...) و من جهة ثانية مع الكلمات التي تنتمي لنفس الحقل الدلالي مثل تلاوة، تدبر، ترتيل فهي مصطلحات تتعلق بطريقة مباشرة، بالقرآن والكتاب ويكن تلخيص مجمل ما قلناه بالمخطط الآ ي: 0- القرآن الكريم، "سورة المجادلة، الآية 20. 2- المصدرنفسه، "سورة المائدة،" الآية 14. 1- المصدرنفسه، "سورة الأنعام،" الآية 10. (*) كلمة قرآن كلمة جديدة لم تكن موجودة في الاستعمال العربي قبل التنزيل. هنا بالذات نشهد ليس فقط توسيع دلالة مادة الكلمة وإنما استحداث استعمال جديد. الدلالات الأصلية الدلالات المتداولة الدلالات النصية الجديدة حقل دلالي عام
عدد الصفحات ٢٩الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 22 ب - المحور الثاني: واقعة البنية بيـن الكتاب و القرآن تختلف بنية الكتاب عن بنية القرآن بشكل ظاهر من خلال التعريفات القرآنية لكل منهما. إن سورة البقرة تبتدأ بالتأكيد على ضرورة التصديق بالنص القرآني و تقدم الآيات الأولى لسورة آل عمران تعريفا بالكتاب "هو الذي أنزل عليك الكتاب من ، آيات محمكات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات..."1) يقول الزمخشري في تفسيره لهذه الآي ة "أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه (متشابهات) مشتبهات محتملات (هن أم الكتاب) أي أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وترد إليها" 2) كماتأي الآية "الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني"3) لتحدد، على العموم، طبيعة آيات الكتاب باعتبارها ليس فقط متشابهة وإنا كذلك لتبين نظاما معينا لهذا التشاب "كتابا متشابها مثاني..." 4) بينما فيما يخص عملية تكوّ ن الكتاب فهي تتم من خلال مرحلتي الإحكام ثم التفصيل "كتاب احكمت آيات ثم فصلت من لدن حكيم خبير"5). إنّهذا التفصيل يكن أن يكون هو الآلية التي أنتجت المتشاب حسب ما يقتضي تأمل الآيات السالفة الذكر. في مستوا مختلف، يتج نحو تعريف حسي، يظهر لنا الاستعمال القرآني في تعريف بالكتاب كون "مسطورا وذلك في آيات ثلاث". أيا يكن الأمر، فالكتاب يعرف بطريقة مقصودة ولافتة خاصة في افتتاح عدد من السور. بخلاف ذلك يظهر " القرآن" غير واضح في تعريف عدى المقابلة التي يحدّ ثنا 0- القرآنالكريم، "سورة آل عمران،" الآية 8. 2- الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، انشارات أفتان تهران، المجلد2 ص402 1- القرآن الكريم، "سورة الزمر،" الآية21. 4- المصدر نفسه، "سورة الزمر،" الآية 1- المصدر نفسه، "سورة هود،" الآية0.
عدد الصفحات ٣٠الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 23 عنها النص القرآني بين كون مفرّقا في نزول ومجموعا بعد ذلك بمقابل طلب الكفار أن يتلقوه "جملة واحدة". أما الآيات الأخرى المتعلقة بالقرآن فمدارها حول وظيفت ، أوصاف ، وليس حول طبيعت ومكونات . إن القرآن يرتبط بأفعال تحدد الديناميكية الدلالية الموجودة داخل من قبيل "تصريف الأمثال"، "ضرب الأمثال"، "القص" فهي أفعال لا نجدها مقرونة بالكتاب، إنّا تعبّ عن العناصر المولّ دة لرؤية ما للأشياء. عند الحديث عن البنية يظهر القرآن كشيء أكثر مرونة إذا ما قورن بالكتاب فكأنا هو عملية بمقابل الكتاب كبنية . جـ- المحور الثالث: الوظائف الدلالية للنص وأوصافه عند النظر إلى الوظائف التي تنسب لكل من القرآن و الكتاب في ا لنص نجد عددا منها مشتركا بين الا ثنين أهمها وظيفتي الهداية والرحمة. أما بقية الوظائف الأخرى فهي مختلفة، ف للقرآن وظائف خاصة متمثلة في البشرى للمؤمنين، الذكرى، شفاء كذلك للمؤمنين، وأخيرا وظيفة الإنذار. إن الوظائف الخاصة بالقرآن تأخذ إلى حد ما طابعا نفسيا متعلق ا بالأثر المتو خى في نفسية المستمعين ل . أما وظائف الكتاب فأهمهما وظيفة البيان سواء تعلق الأمر باختلافات القائمة مع أهل الكتاب أو مطلقا " كل شيء" أضف إلى ذلك وظائف: " الحكم بين الناس" و إخراج الناس من الظلمات إلى النور التي تقترب من معنى الهداية وأخيرا وظيفة "الوعظ" التي تأخذ صبغة نفسية مثلما هو حال الوظائف الخاصة بالقرآن.
عدد الصفحات ٣١الفصل الأول: إشكالات حول طبيعة النص 24 أما عند النظرأوصاف كل من القرآن و الكتاب فإنّ أوّل ما يلفت نظرنا هو أنّما يوصفان بعدد من الصفات التي نجدها كأسماء الله الحسنى مثل حكيم، عظيم، عزيز، بالإضافة إلى صفات أخرى غيرها، ومثلما رأينا في الوظائف سابقا فإن ثمة أسماء مشتركة وأخرى خاصة، فأما المشترك منها ف "حكيم" و "مبين" يوصف ب كل من القرآن والكتاب معا وأما ما اختص منها بأحدهما دون الآخر فهي ك مايلي: القرآن: العظيم – الكريم – مجيد / الكتاب: عزيز – مبارك – منير – المستبين – حفيظ (في معرض الحديث عن الطبيعة) . بالإضافة إلى تميز كل مفردة منها بعدد من الأوصاف، يكن ملاحظة أن القرآن وحده الذي يوصف بكون عربيا، ففي عدد من المواقع يتم التأكيد على هذه الصفة. 1. القرآن والنص الأدبي منذ الفجر الأول للإسلام، اعتبّ القرآن ككتاب معجز سواء من حيث المعاني التي يحملها أو من حيث الطريقة الفريدة في نظم التي لا تشب ما درجت علي العرب في طرائق تعبيرهم من شعر ونثر وفي الآن ذات تتجاوزه ا. وصار ينظر إلى القرآن من جانب جمالي ، وقد يعتبّه البعض، خاصة من المحدثين، نصا أدبيا. يكن لنا في معرض حديثنا عن القرآن والأدب أن نفرق في الاتجاهات الحديثة لدراسة القرآن بين رؤيتين مختلفتين: الأولى ترى أن أحد جوانب الدراسة في القرآن بعده الجمالي على شاكلة ما يفعل سيد قطب في "التصوير الفني في القرآن الكريم" و "مشاهد القيامة في القرآن". إن هذا الاتجاه لا ينفي وجود جوانب أخرى للدراسة في هذا النص قد تكون أهم من تلك المتعلقة ببعدي
عدد الصفحات ٣٢