المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأزمات في العهد النبوي في ضوء سورة التوبة دراسة موضوعية

زينب عبد الرزاق الرعود

صفحة ٧ من ٢١

86 قد‌كاجو‌رسكؿ‌ا﵀ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌أزمات‌الغزكة‌بكؿ‌شجاعة ،‌كحكمة ،‌ كصبر،‌ك‌ ثبات؛‌ك‌ مما‌يستفاد‌مف‌مكاقفو‌فييا‌عميو‌السلبـ ‌-مكا قؼ‌القائد‌الناجح‌بإدارة‌ الأزمات -‌في‌ىذه‌الغزكة ؛‌دركس‌عظيمة‌منيا:‌‌ 1- الثبات‌كعدـ‌الاضطراب،‌ك تشجيع‌الفريؽ ،‌كالرفع‌مف‌معنكيات‌العامميف‌كقت‌ الأزمات؛‌ بندائو‌إياىـ‌:‌أيف‌أىؿ‌بيعة‌الشجرة ،‌أيف‌أىؿ‌سكرة‌البقرة .(1)‌ 2- مكافأة‌المحسف:‌كمف‌ذلؾ‌أف‌النبي–صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ–‌أعمف‌عف‌مكافأة‌ لمف‌ثبت،‌كصمد‌فقاؿ‌"مف‌قتؿ‌قتيلب‌ن‌فمو‌سمبو ".(2‌) 3- كما‌أنو‌في‌تكزيع‌الغنائـ‌بعد‌الانتصار‌في‌غزكة‌حنيف ،‌كعطايا‌المؤلفة‌قمكبيـ ،‌ كا نعاـ‌رسكؿ‌ا﵀‌ -حكمة‌منيا–‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ–‌كسياسة‌بعيدة‌لـ‌تيفيـ‌ أكؿ‌الأمر ،‌بؿ‌أطمقت‌ألسنة‌شتى‌بالاعتراض ؛‌فيناؾ‌مؤمنكف‌ظنكا‌ىذا‌ الحرماف‌ضربان‌مف‌الإعراض‌عنيـ،‌كالإىماؿ‌لأسرىـ ...‌-حيث‌أعطى‌رسكؿ‌ ا﵀‌لممتألفيف‌مف‌قريش‌كسائر‌العرب ،‌كلـ‌يعط‌الأنصار‌ش يئان‌‌منيا-،‌ككاف‌ الأنصار‌ممف‌كقعت‌عمييـ‌مغا رـ‌ىذه‌السياسة ،‌كحرمكا‌جميعا‌ن‌ أعطية‌حنيف ،‌ كىـ‌الذيف‌نكدكا‌كقت‌الشد ة‌فطاركا‌يقاتمكف‌مع‌رسكؿ‌ا﵀‌ –صمى‌ا﵀‌عميو ‌ كسمـ–‌حتى‌تبدؿ‌الفرار‌انتصارا‌ن...‌فقد‌اختص‌رسكؿ‌ا﵀‌ -صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ-‌في‌ىذه‌المعركة‌الذيف‌أسممكا‌ عاـ‌الفتح،‌كلـ‌يراع‌في‌تمؾ‌القس مة‌قاعدة‌ المساكاة‌بيف‌المقاتميف ،‌كفي‌ىذا‌دلالة‌عمى‌أف‌لإماـ‌المسمميف‌أف‌يتصرؼ‌بما‌ يراه‌مناسبان‌‌كالأكفؽ‌لمصمحة‌الأمة‌دينا‌ كدنيا(3)؛‌فقد‌أخرج ‌البخارم‌ عف‌أنس‌ حديث‌رقـ‌ 4317،‌ج 5،‌ص‌153،‌مسمـ،‌صحيح‌مسمـ ،‌كتا ب‌الجياد‌كالسير،‌باب‌ غزكة‌حنيف،‌حديث‌رقـ‌ 1775-1777،‌ج3،‌ص1398-‌1402.‌ (1)‌‌‌انظر:‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 10،‌ص156،‌كانظر:‌الثعالبي،‌عبد‌الرحمف‌بف‌ محمد‌بف‌مخمكؼ‌(ت‌875‌ىػ)،‌الجكاىر‌الحساف‌في‌تفسير‌القرآف،‌دار‌إحياء‌التراث‌ العربي،‌بيركت،‌ط 1،1997‌ـ،‌ج3،‌ص172‌.‌ (2)‌‌‌البخارم ،‌صحيح‌البخارم‌،‌كتاب ‌المغازم،‌باب‌قكؿ‌ا﵀‌تعالى :‌﴿كىيىكٍـى‌حينىيٍفو‌إًذٍ‌أىعٍجىبىتٍكيـٍ‌ كىثٍرىتيكيـٍ‌فىمى‌ـٍ‌تيغٍفً‌عىنٍكيـٍ‌شىيٍئنا..﴾ 25-27]،‌حديث‌رقـ 4321،‌ج5،‌ص154.‌ (3)‌‌‌انظر:‌ابف‌ىشاـ،‌السيرة‌النبكية،‌تيذيب‌عبدالسلبـ‌ىاركف ،‌ص‌274‌–‌279،‌كانظر:‌ الغزالي،‌محمد ،‌فقو‌السيرة،‌دار‌الكتب‌الحديثة،‌مصر،‌ط‌ 6،1965،‌ص428-‌430.‌

عدد الصفحات ٩٨

87 بف‌مالؾ‌رضي‌ا﵀‌عنو،‌قاؿ:‌لما‌كاف‌يكـ‌حنيف،‌أقبمت‌ىكازف‌كغطفاف كغيرىـ‌بنعميـ‌كذرارييـ،‌كمع‌النبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌عشرة‌آلاؼ،‌كمف‌ الطمقاء،‌فأدبركا‌عنو‌حتى‌بقي‌كحده،‌فنادل‌يكمئذ‌نداءيف‌لـ‌يخمط‌بينيما،‌ التفت‌عف‌يمينو‌فقاؿ:‌«يا‌معشر‌الأنصار»قالكا:‌لبيؾ‌يا‌رسكؿ‌ا﵀‌أبشر‌نحف معؾ،‌ثـ‌التفت‌عف‌يساره‌فقاؿ:‌ «يا‌معشر‌الأنصار»قالكا:‌لبيؾ‌يا‌رسكؿ‌ا﵀ أبشر‌نحف‌معؾ،‌كىك‌عمى‌بغمة‌بيضاء‌ف نزؿ‌فقاؿ:‌ «أنا‌عبد‌ا﵀‌كرسكلو »،‌ فانيزـ‌المشرككف،‌فأصاب‌يكمئذ‌غنائـ‌كثيرة،‌فقسـ‌في‌المياجريف‌كالط مقاء‌كلـ‌ يعط‌الأنصار‌شيئا،‌فقالت‌الأنصار:‌إذا‌كانت‌شديدة‌فنحف‌ندعى،‌كيعطى‌ الغنيمة‌غيرنا،‌فبمغو‌ذلؾ‌فجمعيـ‌في‌قبة،‌فقاؿ:‌ «يا‌معشر‌الأنصار،‌ما حديث‌بمغني‌عنكـ»فسكتكا،‌فقاؿ «يا‌معشر‌الأنصار،‌ألا‌ترضكف‌أف‌يذىب الناس‌بالدنيا،‌كتذىبكف‌برسكؿ‌ا﵀‌تحكزكنو‌إلى‌بي كتكـ»قالكا:‌بمى،‌فقاؿ‌النبي صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ:‌«لك‌سمؾ‌الناس‌كاديا،‌كسمكت‌الأنصار‌شعبا،‌لأخذت شعب‌الأنصار »)(1)؛‌كىكذا ‌بيٌف‌رسكؿ‌ا﵀‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ –‌للؤنصار‌ مكانتيـ‌عنده‌كذلؾ‌ بعد‌" المفاتحة‌كالمعاتبة "‌كتمت‌المعالجة‌عف‌طريؽ‌ التعكيض‌بالمكافأة‌ المعنكية...(2)،كفي‌اسمكب‌رسكؿ‌ا﵀‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ‌‌مع‌مالؾ‌بف‌عكؼ‌النضرم -رىئًيسً‌ىىكىازًفى‌ -‌مًفٍ‌قىكٍمًوً، ‌كخصو‌بالعطايا،‌ اسمكب‌حكيـ‌في‌استمالة‌قمبو ‌كقبيمتو‌إلى‌الاسلبـ ،‌–كىك‌اليدؼ‌السامي‌في‌ كؿ‌شؤكنو‌عميو‌السلبـ‌–‌في‌نشره ‌الديف‌الإسلبمي‌كاستغلبؿ‌الفرص ؛‌فقد‌قيؿ‌ أف‌المقصكد‌بقكلو‌تعالى :‌﴿ثيـَّ‌يىتيكبي‌المَّوي‌مًفٍ‌بىعٍدً‌ذلًؾى‌عىمى‌مىفٍ‌يىشاءي‌كىالمَّوي‌ غى‌فيكره‌رىحًيـه﴾ 27]،‌أم‌ (أنو‌ لما‌ انيزـ ‌مالؾ‌بف‌عكؼ‌سار‌مع‌ثلبثة‌ آلاؼ‌فقاؿ‌لأصحابو‌ىؿ‌لكـ‌أف‌تصيبكا‌مف‌محمد‌مالان‌‌قالكا‌نعـ‌فأرسؿ‌إلى‌ النبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ‌إني‌أريد‌أف‌أسمـ‌فما‌تعطيني‌فأرسؿ‌إليو‌النبي‌ (1)‌‌‌البخارم،‌صحيح‌البخارم ،‌كتاب‌المغازم،‌باب‌غزكة‌الطائؼ ،‌ج‌5،‌ص160،‌حديث رقـ‌ 4337.‌ (2)‌‌لممزيد‌انظر:‌‌الكيلبني،‌عبد‌ا﵀‌ابراىيـ ،‌ادارة‌الأزمة‌مقاربة‌التراث‌كالآخر،‌‌كتاب‌الأمة،‌ عدد‌131،‌مركز‌البحكث ‌كالدراسات،‌قطر،‌ط‌ 1،2009‌ـ،‌ص‌123‌–135‌‌.‌

عدد الصفحات ٩٩

88 صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌إني‌أعطيؾ‌مائة‌مف‌الإبؿ‌كرعاتيا‌فجاء‌فأسمـ‌فأقاـ يكميف‌أك‌ثلبثة‌فمما‌رأل‌المسمميف‌كرقتيـ‌كزىدىـ‌كاجتيادىـ‌رؽ‌لذلؾ‌فقاؿ‌لو‌ رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌يا‌ ابف‌عكؼ‌ألا‌نفي‌لؾ‌بما‌أعطيناؾ‌مف ‌ الشرط‌فقاؿ‌يا‌رسكؿ‌ا﵀‌أمثمي‌يأخذ‌عمى‌الإسلبـ‌شيئا‌قاؿ‌فكاف‌مالؾ‌بف‌ عكؼ‌بعد‌ذلؾ‌ممف‌افتتح‌عامة(1)،كلما‌قسـ‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌ غنائـ‌حنيف‌ بالجً‌عرانة (2)‌أتاه‌كفد‌ىكازف‌مسمميف،‌راغبيف‌في‌العطؼ‌عمييـ كالإحساف‌إلييـ،‌فخيرىـ‌بيف‌السبي‌كالأمكاؿ،‌فاخت اركا‌السبي،‌فرد‌عمييـ‌رسكؿ‌ ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كآلو‌كسمـ‌نساءىـ‌كأكلادىـ،‌كاستطاب‌أنفس‌الغانميف‌عما‌ بيدىـ‌مف‌الأمكاؿ،‌كعكض‌مف‌لـ‌تطب‌نفسو‌بترؾ‌نصيبو‌مف‌الغنائـ‌أعكاضا‌ رضكا‌بيا. (3) 1.1.1 غزوة تبوك في رجب سنة 9 ىجرية، وفيو مسائل: عسرة الغزوة وشدتيا: وكانت‌في‌شير‌رجب ‌مف‌سنة‌تسع‌قبؿ‌حجة‌الكداع‌ بلب‌خلبؼ،‌كتبكؾ‌مكاف‌معركؼ‌ىك‌نصؼ‌طريؽ ‌المدينة‌إلى‌دمشؽ‌كيقاؿ‌بيف‌ المدينة‌كبينو‌أربع ‌عشرة ‌مرحمة ،‌كسببيا‌أف‌بمغ ‌المسمميف‌مف‌الأنباط‌الذيف‌يقدمكف‌ بالزيت ‌مف‌الشاـ‌إلى‌المدينة‌أف‌الركـ‌جمعت‌جمكعا ‌كأجمبت ‌معيـ‌مف‌متنصرة ‌العرب ‌ (1)‌‌‌انظر:‌ابف‌ىشاـ،‌السيرة‌النبكية ،‌تي ذيب‌عبد‌السلبـ‌ىا ركف،‌ص 275-276،‌كانظر السمرقندم،‌بحر‌العمكـ ،‌ج2،‌ص50‌. (2)‌‌‌الجًعرانو:‌"ىكذا‌بسككف‌العيف‌كخفة‌الراء،‌آبار‌مقتربة،‌منيا‌احرـ‌رسكؿ‌ ا﵀‌"صمى‌ا﵀‌ عميو‌كآلو‌كسمـ‌‌كفييا‌مسجد‌لرسكؿ ‌ا﵀‌"‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كآلو‌كسمـ".‌كىي‌مكاف‌بيف‌مكة‌ كالطائؼ،‌انظر:‌الزمخشرم ،‌أبك‌القاسـ‌محمكد‌بف‌عمرك‌بف‌أحمد،‌جار‌ا﵀‌(ت538ىػ،‌ الجباؿ‌كالأمكنة‌كالمياه،‌المحقؽ:‌أحمد‌عبد‌التكاب‌عكض،‌دار‌الفضيمة‌لمنشر‌كال تكزيع ،‌ القاىرة،‌ 1999ـ،‌ص95،‌كانظر:‌شيرَّاب،‌محمد‌بف‌محمد‌حسف،‌المعالـ‌الأثيرة‌في‌السنة‌ كالسيرة ،‌ص‌90‌.‌ (3)‌‌انظر:‌الزحيمي،‌التفسير‌المنير ،‌ج9،‌ص164،أبك‌حياف،‌البحر‌المحيط،ج5،‌ص395.‌ كانظر:‌ابف‌ىشاـ،‌السيرة‌النبكية،‌تيذيب‌عبد‌السلبـ‌ىاركف ،‌ص274-275.

عدد الصفحات ١٠٠

89 كجاءت ‌مقدمتيـ‌إلى‌البمقاء‌فندب‌النبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌الناس‌إلى‌الخركج (1)، (كتعد‌غزكة‌تبكؾ‌ التي‌تكاجو‌تجمع‌الركـ‌عمى‌أطراؼ‌ الجزيرة‌مع‌عماليـ ؛‌ىي‌التي‌ يقكـ‌عمييا‌محكر‌السكرة‌ كاممة)(2)،‌كقدلاقى‌فييا‌المسممكف‌الضنؾ‌الشديد،‌كالأزمات‌ الصعاب،‌لـ‌يعيدكىا‌في‌غز‌ كاتيـ‌مع‌رسكؿ‌ا﵀‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ–‌مف‌ذم‌قبؿ،‌ لقد‌تجسدت‌أىمية‌الغزكة ‌"كىك‌ما‌زاد‌مف‌ ‌خطكرة ‌المكقؼ"‌جكانب‌متعددة‌سكاء‌مف‌ حيث‌عػػدد‌الجيش‌الإسلبمي ،‌أك‌بعد‌المسافة‌ ككعكرة‌الطريؽ ،‌ك‌صعكبة‌التجييز ،‌ كالطق س‌الذم‌ساد‌تمؾ‌الفترة‌الزمنية‌ك‌ المكائد‌التي يحيكيا‌الم نافقك‌ ف‌كالمندسكف‌في‌ الصفكؼ‌الإسلبمية، كما‌كانت‌الأنباء‌تترامى ‌إلى‌المدينة‌بإعداد‌الركماف‌لمقياـ‌بغزكة ‌ حاسمة‌ضد‌المسمميف،‌حتى‌كاف‌الخكؼ‌يتسكرىـ ‌كؿ‌حيف،‌لا‌يسمعكف‌صكتا‌غير‌ معتاد‌إلا‌كيظنكنو‌زحؼ ‌الركماف(3)،‌ك في‌ الجياد‌ك‌ مكاجية‌كقتاؿ‌أى ؿ‌الكفر‌كمنيـ‌‌ الركـ‌يقكؿ‌تعالى:‌﴿يىا‌أىيُّيىا‌الَّذًيفى‌آمىنيكا‌مىا‌لىكيـٍ‌إًذىا‌قًيؿى‌لىكيـي‌انٍفًريكا‌فًي‌سىبًيؿً‌المَّوً‌اثَّاقىمٍتيـٍ‌ إًلىى‌الأرٍضً‌أىرىضًيتيـٍ‌بًالٍحىيىاةً‌الدُّنٍيىا‌مًفى‌الآخًرىةً‌فىمىا‌مىتىاعي‌الٍحىيىاةً‌الدُّنٍ‌ يىا‌فًي‌الآخًرىةً‌إًلا‌ قىمًيؿه﴾38].‌ كىذه‌الآية‌حثّّ‌مف‌ا﵀‌جؿ‌ثناؤه‌المؤمنيف‌بو‌مف‌أصحاب‌رسكلو‌عمى‌غزك‌ الركـ،‌كذلؾ‌غزكة‌رسكؿ‌ا﵀‌ -‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌تبكؾ،‌فمعنى‌الكلبـ:‌ما‌لكـ‌ أييا‌المؤمنكف،‌إذا‌قيؿ‌لكـ:‌اخرجيكا‌غزاة‌‌"في‌سبيؿ‌ا﵀"،‌أم:‌في‌جياد‌أعداء‌ا﵀‌ ﴿اثَّاقىمٍتيـٍ‌إًلىى‌الأرٍضً‌ ﴾،‌يقكؿ:‌تثاقمتـ‌إلى‌لزكـ‌أرضكـ‌كمساكنكـ‌كالجمكس‌فييا،‌فما‌ الذم‌يستمتع‌بو‌المتمتعكف‌في‌الدنيا‌مف‌عيشيا‌كلذَّاتيا‌في‌نعيـ‌الآخرة‌كالكرامة‌التي‌ أعدَّىا‌ا﵀‌لأكليائو‌كأىؿ‌طاعتو‌إلا‌﴿قىمًيؿه﴾ ،‌يسير ؛‌فاطمبكا،‌أييا‌المؤمنكف،‌نعيـ‌ الآخرة،‌كشرؼ‌ الكرامة‌التي‌عند‌ا﵀ ‌لأكليائو،‌بطاعتًو‌كالمسارعة‌إلى‌الإجابة‌إلى‌أمره‌ في‌النفير‌لجياد‌عدكّْه‌.(4)‌ (1)‌‌‌ابف‌حجر،‌فتح‌البارم‌شرح‌صحيح‌البخارم،‌كتاب‌المغازم،‌باب‌غزكة‌تبكؾ،‌حديث‌رقـ‌ 4415،ج‌8،‌ص111. (2)‌‌‌قطب،‌سيد،‌فيظلبؿ‌القرآف،‌ج‌ 3،‌ص1631.‌ (3)‌‌‌انظر:‌المباركفكرم،‌الرحيؽ‌المختكـ،‌ج 1،‌ص395–396‌.‌ (4)‌‌الطبرم‌، جامع‌البياف،‌ج‌14،‌ص251-253.‌

عدد الصفحات ١٠١

91 كتقرير‌الكلبـ‌أنو‌تعالى‌ذكر‌في‌الآيات‌السابقة ليذه‌الآية‌ مف‌الس كرة‌أسبابان‌ كثيرة‌مكجبة‌لقتاليـ ،‌كذكر‌منا فع‌كثيرة‌تحصؿ‌مف‌مقاتمتيـ‌كقكلو :‌﴿قىاتًميكىيـٍ‌ييعىذّْبٍييـي‌ المَّوي‌بًأىيٍ‌دًيكيـٍ‌كىييخٍزًىًـٍ‌كىيىنٍصيرٍكيـٍ‌عىمىيٍيًـٍ‌كىيىشٍ‌ ؼً‌صيديكرى‌قىكٍـو‌ميؤٍمًنًيفى﴾ [التكبة14].‌ كذكر‌أقكاليـ‌المنكرة‌كأ عماليـ‌القبيحة‌في‌الديف‌كالدنيا ،‌كعند‌ىذا‌لا‌يبقى‌ للئنساف‌مانع‌مف‌قتاليـ‌إلا‌مجرد‌أف‌يخاؼ‌القتؿ‌كيحب‌الحياة‌فبيف‌تعالى‌أف‌ىذا‌ المانع‌خس يس‌لأف‌سعادة‌الدنيا‌بالنسبة‌إل ى‌سعادة‌الآخرة‌كالقطرة‌في‌البحر ،‌كترؾ‌ الخير‌الكثير‌لأجؿ‌الشر‌القميؿ‌جيؿ‌كسفو(1)،ثـ‌أدخميـ‌في‌أزمة‌أخرل‌إف‌لـ‌يم تثمكا‌ أكامر‌ا﵀‌تعالى‌بقكلو :‌﴿إًلا‌تىنٍفًريكا‌ييعىذّْبٍكيـٍ‌عىذىابنا‌أىلًيمنا‌كىيىسٍتىبٍدًؿٍ‌قىكٍمنا‌غىيٍرىكيـٍ‌كى‌ لا‌تىضيرُّكهي‌ شىيٍئنا‌كىالمَّوي‌عىمى‌ى‌كيؿّْ‌شىيٍءو‌قىدًيره﴾ 39]‌فقكلو‌تعالى:‌﴿ إًلا‌تىنٍفًريكا‌يي‌ عىذّْبٍكيـٍ‌عىذىابنا‌ أىلًيمنا﴾‌في‌الدنيا‌كالآخرة،‌فإف‌عدـ‌النفير‌في‌حاؿ‌الاستنفار‌مف‌كبائر‌الذنكب‌المكجبة‌ لأشد‌العقاب،‌لما‌فييا‌مف‌المضار‌الشديدة،‌فإف‌ المتخمؼ،‌قد‌عصى‌المٌو‌تعالى‌ كارتكب‌لنييو،‌كلـ‌يساعد‌عمى‌نصر‌ديف‌المٌو،‌كلا‌ذب‌عف‌كتاب‌المٌو‌كشرعو،‌كلا‌ أعاف‌إخكانو‌المسمميف‌عمى‌عدكىـ‌الذم‌يريد‌أف‌يستأصميـ‌كيمحؽ‌دينيـ،‌كربما‌ اقتدل‌بو‌غيره‌مف‌ضعفاء‌الإيماف،‌بؿ‌ربما‌فىتَّ‌في‌أعضاد‌مف‌قامكا‌بجياد‌أعداء‌ المٌو،‌فحقيؽ‌بمف‌ىذا‌حالو‌أف‌يتكعد ه‌المٌو‌بالكعيد‌الشديد،‌فقاؿ:‌﴿ إًلا‌تىنٍفًريكا‌ييعىذّْبٍكيـٍ‌ عىذىابنا‌أىلًيمنا‌كىيى‌ سٍتىبٍدًؿٍ‌قىكٍمنا‌غىيٍرىكيـٍ﴾‌ثـ‌لا‌يككنكا‌أمثالكـ‌﴿كىلا‌تىضيرُّكهي‌شىيٍئنا﴾ ‌فإنو‌تعالى‌ متكفؿ‌بنصر‌دينو‌كا علبء‌كممتو،‌فسكاء‌امتثمتـ‌لأمر‌المٌو، ‌أك‌ألقيتمكه،‌كراءكـ‌ظيريا ،‌ ﴿كىالمَّ‌وي‌عىمىى‌كيؿّْ‌شىيٍءو‌قىدًيره﴾ ‌لا‌يعجزه‌شيء‌أراده،‌كلا‌يغالبو‌أحد (2)‌كالخطاب‌لقكـ معينيف‌في‌مكقؼ‌معيف،‌كلكنو‌عاـ‌في‌مدلكلو‌لكؿ‌ذكم‌عقيدة‌في‌ا﵀ ،‌كالعذ اب‌الذم‌ يتيددىـ‌ليس‌عذاب‌الآخرة‌كحده،‌فيك‌ كذلؾ‌عذاب‌الدنيا ؛‌عذاب‌الذل ة‌التي‌تصيب‌ القاعديف‌عف‌الجياد‌كالكفاح،‌كالغمبة‌عمييـ‌للؤعداء،‌كالحرماف‌مف‌الخيرات‌كاستغلبليا‌ لممعاديف؛‌كىـ‌مع‌ذلؾ‌كمو‌يخسركف‌مف‌النفكس‌كالأمكاؿ‌أضعاؼ‌ما‌يخسركف‌في‌ الكفاح‌كالجياد؛‌كيقدمكف‌عمى‌مذبح‌الذؿ‌أضعاؼ‌ما‌تتطمبو‌م نيـ‌الكرامة‌لك‌قدمكا‌ليا‌ الفداء،‌كما‌ مف‌أمة‌تركت‌الجياد‌إلا‌ضرب‌ا﵀ ‌عمييا‌الذؿ ،‌فدفعت‌مرغمة‌صاغرة‌ (1)‌‌‌الرازم ،‌تفسير‌الفخر‌الرازم،‌مفاتيح‌الغيب ،‌ج‌15،‌ص61‌.‌ (2)‌‌السعدم،‌‌تيسير‌الكريـ‌ال رحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف،‌ج‌ 1،‌ص337‌.‌

عدد الصفحات ١٠٢

91 لأعدائيا‌أضعاؼما‌كاف‌يتطمبو‌منيا‌كفاح‌الأعداء(1)؛كقد‌كانت‌غزكة‌تبكؾ‌مف‌أشد‌ كأصعب‌الغزكات‌عمى ‌رسكؿ‌ ا﵀‌عميو‌السلبـ‌كصحابتو‌الكراـ ، كمما‌دؿ‌عمى‌أنيا‌ كانت‌في‌زمف ‌عسرة‌كشدة‌كصعاب،‌كتككٌف‌أزمات‌أمكر‌منيا:‌‌ 1-ما‌كرد‌في‌سبب‌نزكؿ ىذه‌الآية‌: ‌‌أنيا‌نزلت‌في‌الحث‌عمى‌غزكة‌تبكؾ،‌كذلؾ‌أف‌النبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌لما‌ رجع‌مف‌الطائؼ‌أمر‌بالجياد‌لغزكة‌الركـ،‌ككاف‌ذلؾ‌في‌زماف‌عسرة‌مف‌الناس،‌ كشدة‌مف‌الحر،‌حيف‌طابت‌الثمار‌كالظلبؿ،‌كلـ‌يكف‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو ‌كسمـ‌ يريد‌غزكة‌إلا‌كرَّل‌بغيرىا‌حتى‌كانت‌تمؾ‌الغزكة،‌غزاىا‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ‌في‌حىرٍّ‌شديد،‌كاستقبؿ‌سفرا‌بعيدا،‌كمفاكز‌ىائمة،‌كعدكنا‌كثيرنا،‌فجمى‌لممسمميف‌ أمرىـ‌ليتأىبكا‌أىبة‌عدكىـ،‌فشؽٌ‌عمييـ‌الخركج‌كتثاقمكا‌فأنزؿ‌ا﵀‌تعالى‌ىذه‌الآية .(2)‌ 2-أف‌ا﵀‌تعالى‌سماىا‌ساعة‌العسرة :‌﴿لىقىدٍ‌تىابى‌المَّوي‌عىمىى‌النَّبًيّْ‌كىالٍمييىاجًرًيفى‌كىالأنٍصىارً‌ الَّذًيفى‌اتَّبىعيكهي‌فًي‌سىاعىةً‌الٍعيسٍرىةً‌مًفٍ‌بىعٍدً‌مىا‌كىادى‌يىزًيغي‌قيميكبي‌فىرًيؽو‌مًنٍييـٍ‌ثيـَّ‌تىابى‌عىمىيٍيًـٍ‌ ‌ إًنَّوي‌بًيًـٍ‌رىءيكؼه‌رىحًيـه﴾ [التكبة117]. أمفي‌كقت‌العسرة،‌كلـ‌يرد‌ساعة‌بعينيا،‌ككانت‌غزكة‌تبكؾ‌تسمى‌غزكة‌ العسرة،‌كالجيش‌يسمى‌جيش‌العسرة.‌كالعسرة:‌الشدة،‌ككانت‌عمييـ‌غزكة‌عسرة‌في‌ الظَّير‌كالزاد‌كالماء(3).‌(كيجكز‌أف‌يريد‌بساعة‌العسرة‌الساعة‌التي‌كقع‌في يا‌عزميـ‌ كانقيادىـ‌لتحمؿ‌المشقة ،‌إذ‌السفرة‌كميا‌تبع‌لتمؾ‌الساعة‌كبيا ،‌كفييا‌يقع‌الأجر‌عمى‌ ا﵀‌كترتبط‌النية ).(4)‌ (1)‌‌‌قطب،‌سيد،‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌ج 3،‌ص1655.‌ (2)‌‌الكاحدم،‌أسباب‌النزكؿ،‌باب‌رقـ‌ 243،‌ص250-251،‌‌كانظر:‌الطبرم ،‌جامع‌البياف‌ في‌تأكيؿ‌القرآف،‌ج‌ 14،‌ص253،‌كالبغكم،‌معالـ‌التنزيؿ،‌ج‌ 4،‌ص48.‌ (3)‌‌‌البغكم،‌معالـ‌التنزيؿ،‌ج 4،‌ص 104،‌كانظر‌سبب‌التسمية:‌ابف‌عاش كر،‌التحرير‌ كالتنكير،‌ج‌10،‌ص196.‌ (4)‌‌أبك‌حياف‌الأندلسي،‌محمد‌بف‌يكسؼ،‌(ت‌745‌ىػ)،‌البحر‌المحيط،‌دار‌الكتب‌العممية،‌ بيركت،‌ط‌1،1993،‌ج‌5،‌‌ص111‌.‌

عدد الصفحات ١٠٣

92 فكانت‌ىذه‌الغزكة في‌كقت‌الشدة‌كالضيؽ ،‌فقد‌ركم:‌أنيـ‌‌كانكا‌في‌شدة‌مف‌ الظير‌يعتقب‌العشرة‌عمى‌بعير‌كاحد ،‌كفي‌شدة‌مف‌الزاد‌تزكدكا‌التمر‌المدكد ‌كالشعير‌ المسكس‌كالاىالة‌الزنخة ،‌كبمغت‌بيـ‌الشدة‌أف‌قسـ‌التمرة‌اثناف ،‌كربما‌م صيا‌الجماعة‌ ليشربكا‌عمييا‌الماء ،‌كفي‌شدة‌مف‌الماء‌حتى‌نحركا‌الإبؿ‌كاعتصركا‌فركثيا ،‌كفي‌شدة‌ زماف‌مف‌حى‌ مى‌ارَّ‌ة‌القيظ‌كمف‌الجدب‌كالقحط ،‌كمف‌ىنا‌قيؿ‌لتمؾ‌الغزكة‌غزكة‌العسرة‌ كلجيشيا‌جيش‌العسرة‌...‌ (1‌).‌ 3-التعب‌كالعطش‌ك الجكع:‌في‌قكلو‌تعالى :‌﴿ذىلًؾى‌بًأىنَّييـٍ‌لا‌ييصًيبيييـٍ‌ظىمىأه‌كىلا‌نىصىبه‌كىلا‌ مىخٍمىصىةه‌فًي‌سىبًيؿً‌المَّوً‌كىلا‌يىطىئيكفى‌مىكٍطًئنا‌يىغًيظي‌الٍكيفَّارى‌كىلا‌يىنىاليكفى‌مًفٍ‌عىديكٍّ‌نىيٍلب‌إًلا‌ كيتًبى‌لىييـٍ‌بًوً‌عىمىؿه‌صىالًحه‌إًفَّ‌المَّوى‌لا‌ييضً‌ يعي‌‌أىجٍرى‌الٍميحٍسًنًيفى﴾ [التكبة:‌120]، كالظمأ :‌كىك‌العطش‌الشديد ،‌ك‌ قد‌أصابيـ‌في‌جيش‌العسرة‌ بشكؿ‌وممحكظ ؛‌لدرجة‌ أف‌المقاتؿ‌كاف‌يذبح‌البعير ،‌كيصف ي‌الماء‌الذم‌في‌معدتو‌ليبؿ‌ريقو ،‌كريؽ‌ زملبئو ؛‌كالنصب :‌ىك‌التعب ،‌ككانت‌ا لغزكة‌في‌جك‌حار‌مرىؽ ،‌كالمخمصة :‌ المجاعة،‌كقد‌ كانكا‌يأكمكف‌التمر‌ال ذم‌أصابو‌الدكد ،‌كالشعير‌الذم‌انتشر‌فيو‌ السكس...(2)،كما‌مر‌سابقان‌.‌ 4-ذكر‌ا﵀‌تعالى‌بعض‌الصعاب‌كالأزمات‌في‌الغزكة مما‌كاجو‌رسكؿ‌ا﵀ –‌صمى‌ا﵀‌ عميو‌كسمـ –‌كصحابتو‌الكراـ ،‌كذلؾ ‌مف‌المنافقيف -‌كىـ‌أكبر‌جبية‌ذكرت‌في‌ السكرة‌سببت‌أزمات‌خانقة‌ لممسمميف‌كخاصة‌في‌ى ذه‌الغزكة -‌مثؿ‌تخمفيـ‌بسبب‌ الحر‌الشديد،‌كبعد‌المسافة،‌كغيرىا... ؛‌مف‌خلبؿ‌آيات‌السكرة‌مثؿ‌قكلو‌تعالى :‌ ﴿فىرًحى‌الٍميخىمَّفيكفى‌بًمىقٍعىدًىًـٍ‌خًلبؼى‌رىسيكؿً‌المَّوً‌كىكىرًىيكا‌أىفٍ‌ييجىاىًديكا‌بًأىمٍكىالًيًـٍ‌كىأىنٍفيسًيًـٍ‌فًي‌ سىبًيؿً‌المَّ‌ وً‌كىقىاليكا‌لا‌تىنٍفًريكا‌فًي‌الٍحىرّْ‌قيؿٍ‌نىاري‌جىيىنَّـى‌أىشىدُّ‌حىرِّا‌لىكٍ‌كىانيكا‌ يىفٍقىييكفى﴾ 81]،كذلؾ‌أف‌النبي -صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ -استنفرىـ‌إلى‌ىذه‌ (1)‌‌‌انظر:‌الطبرم، جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآ ف،‌ج14،‌ص541،‌كانظر:‌ابف‌ىشاـ ،‌‌السيرة‌ النبكية،‌تيذيب‌عبد‌السلبـ‌ىاركف،‌ص‌285،‌كانظر:‌رضا،‌محمد‌رشيد،‌المنار،‌ج 10، ص‌423–425‌‌.‌ (2)‌‌‌انظر:‌الطبرم،‌جام ع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف،‌ج‌ 14،‌ص565،الشعراكم،‌محمد‌متكلي ،‌ تفسير‌الشعراكم ،‌ج‌9،5565‌.‌

عدد الصفحات ١٠٤

93 الغزكة،‌كىي‌غزكة‌تبكؾ،‌في‌حرٌ‌شديدو،‌فقاؿ‌المنافقكف‌ب عضيـ‌لبعض:﴿لا‌تىنٍفًريكا‌ فًي‌الٍحىرّْ‌﴾،فقاؿ‌ا﵀‌لنبيو‌محمد-صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-:‌﴿قيؿٍ‌﴾‌ليـ،‌يا‌محمد‌أف‌ ﴿نىاري‌جىيىنَّـى‌ ﴾،‌التي‌أعدٌىا ‌ا﵀‌لمف‌خالؼ‌أمره‌كعصى‌رسكلو‌﴿ أىشىدُّ‌حىرِّا ﴾،‌مف‌ ىذا‌الحرٌ‌الذم‌تت كاصكف‌بينكـ‌أف‌لا‌تنفركا‌فيو... (1)،كقاؿ‌تعالى‌أيضان‌ ‌في‌ المنافقيف‌الذيف‌تخمفكا‌عف‌غزكة‌تبك‌ ؾ:‌﴿لىكٍ‌كىافى‌عىرىضنا‌قىرًيبنا‌كىسىفىرنا‌قىاصًدنا‌ لاتَّبىعيكؾى‌كىلىكًفٍ‌بىعيدىتٍ‌عىمىيٍيًـي‌الشُّقَّةي‌كىسىيىحٍمًفيكفى‌بًالمَّوً‌لىكً‌اسٍتىطىعٍنىا‌لىخىرىجٍنىا‌مىعىكيـٍ‌ يييٍمًكيكفى‌أىنٍفيسىييـٍ‌كىالمَّوي‌يىعٍ‌ مىـي‌إًنَّييـٍ‌لىكىاذًبيكفى﴾ :‌42].‌فمف‌ال صعاب‌في‌ىذه‌ الغزكة :‌بعد‌ الشقة:‌كىي‌ المسافة‌البعيدة،‌كالمشقة‌الطكيمة،‌كالرحمة‌ذات‌الأىكاؿ‌ كالتضحيات:‌كالمقصكد‌الشاـ (2).‌كما‌أف‌الآيات‌التي‌أنزليا‌ا﵀ تعالى‌في‌كتابو– متعمقة‌بغزكة‌العسرة –‌ىي‌أطكؿ‌ما‌نزؿ‌في‌قتاؿ‌بيف‌المسمميف‌كخصكميـ .(3)‌ سأتحدث‌فيما‌بعد‌اف‌شاء‌ا﵀‌عف‌صفات‌المنافقيف‌الكاردة‌في‌السكرة ؛‌ضمف‌ أزمة‌النفاؽ‌. ‌ 5-القمة‌في‌العدد،‌كالعدة‌ أثناء‌الغزكة :‌كاجو‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌قمة‌في ‌ العدد‌في‌مكاجيتو‌لمركـ‌في‌تبكؾ ؛‌مقابؿ‌أف‌أعداد‌العدك‌كثيرة‌جدان‌،‌‌يقكؿ‌ابف‌ ىشاـ‌في‌ذلؾ:‌‌ (...‌ككاف‌رسكؿ ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌قمما‌يخرج ‌في‌غزكة ‌إلا‌كنى‌عنيا،‌ كأخبر ‌أنو‌يريد ‌غير‌الكجو ‌الذم‌يصمد‌لو،‌إلا‌ما‌كاف‌مف‌غزكة ‌تبكؾ،‌فإنو‌بينيا‌ لمناس،‌لبعد‌الشقة،‌كشدة‌الزماف، ‌ككثرة ‌العدك‌الذم‌يصمد‌لو،‌ليتأىب‌الناس‌لذلؾ‌ أىبتو،‌فأمر‌الناس‌بالجياز،‌كأخبرىـ ‌أنو‌يريد ‌الركـ...).(4)‌ ‌ (1)‌‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف،‌ج 14،‌ص‌399،‌الكاحدم،‌أسباب‌النزك‌ ؿ،‌باب‌ رقـ‌ 243‌،‌ص250‌-251.‌ (2)‌‌انظر:‌الطبرم،‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف،‌ج 14،‌ص271،‌كابف‌كثير،‌تفسير‌القرآف العظيـ،ج2،‌ص396،‌الشعراكم،‌محمد‌متكلي،‌تفسير‌الشعراكم،ج 8،‌‌ص5144.‌ (3)‌‌‌الغزالي،‌محمد،‌فقو‌السيرة ،‌ص‌437.‌ (4)‌‌‌ابف‌ىشاـ،‌السيرة‌ال نبكية،‌تيذيب‌عبد‌السلبـ‌ىاركف،‌ص‌286‌.‌

عدد الصفحات ١٠٥

94 كسبب‌ىذه‌القمة‌كىذه‌الأزمة‌عدة‌أمكر‌منيا :‌‌ أكلان‌:‌القمة‌في‌العدد‌بسبب‌المرض‌كالضعؼ،‌يقكؿ‌تعالى :‌﴿لىيٍسى‌عىمىى‌الضُّعىفىاءً‌كىلا‌ عىمىى‌الٍمىرٍضىى‌كىلا‌عىمىى‌الَّذًيفى‌لا‌يىجًديكفى‌مىا‌يينٍفًقيكفى‌حىرىجه‌إًذىا‌نىصىحيكا‌لًمَّوً‌كىرىسيكلًوً‌مىا‌عىمىى‌ الٍميحٍسًنً‌ يفى‌مًفٍ‌سىبًيؿو‌كىالمَّوي‌غىفي‌ كره‌رىحًيـه﴾ 91].‌ ﴿لىيٍسى‌عىمىى‌الضُّعىفىاءً﴾ ‌كالشيكخ‌كمف‌فيو ‌نحافة‌خمقية‌لا‌يقكل‌عمى‌الخركج ،‌ كىلاى‌عمى‌مف‌عراه‌سقـ‌كاضطراب‌طبيعة‌سكاء‌كاف‌مما‌يزكؿ‌بسرعة‌ككثير‌مف‌ الأمراض‌أكلا‌كالزمانة‌كعدكا‌منو‌ما ‌لا‌يزكؿ‌كالعمى‌كال عرج‌الخمقييف ،‌كلا‌عمى‌الفقراء‌ العاجزيف‌عف‌أىبة‌السفر‌كالجياد‌﴿حىرىجه﴾‌أم‌ذنب‌في‌التخمؼ‌كأصمو‌الضيؽ‌﴿إًذى‌ا‌ نىصىحيكا‌لًمَّوً‌كىرىسيكلًوً﴾‌بالإيماف‌كالطاعة‌ظاىران‌كباطنان‌.(1)‌ ثـ‌يقكؿ‌ا﵀‌تعالى‌لرسكلو‌الكريـ :‌لا‌تغتر‌بما‌أعطاىـ‌المٌو‌في‌الدنيا‌مف‌ الأمكاؿ‌كالأ كلاد،‌فميس‌ذلؾ‌لكرامتي ـ‌عميو،‌كا نما‌ذلؾ‌إىانة‌منو‌ليـ ،‌يتعبكف‌في‌ تحصيميا،‌كيخافكف‌مف‌زكاليا،‌كلا‌ يينئكف‌بيا؛‌بؿ‌لا‌يزالكف‌يعانكف‌الشدائد‌كالمشاؽ‌ فييا،‌كتميييـ‌عف‌المٌو‌كالدار‌الآخرة،‌حتى‌ينتقمكا‌مف‌الدنيا‌قد‌سمبيـ‌حبيا‌عف‌كؿ‌ شيء،‌فماتكا... (2)،كيقكؿ‌تعالى‌في‌ذلؾ:‌﴿فىلب‌تيعٍجًبٍؾى‌أىمٍكىاليييـٍ‌كىلا‌أىكٍلاديىيـٍ‌إًنَّمىا‌ييرًيدي‌ المَّوي‌لًييعىذّْبىييـٍ‌بًيىا‌فًي‌الٍحىيىاةً‌الدُّنٍيىا‌كىتىزٍىىؽى‌أى نٍفيسيييـٍ‌كىىيـٍ‌كىافًريكفى﴾ [55‌.‌]‌ كيقكؿ‌أيضان ﴿كىلا‌تيعٍجًبٍؾى‌أىمٍكىاليييـٍ‌كىأىكٍلاديىيـٍ‌إًنَّمى‌ ا‌ييرًيدي‌المَّوي‌أىفٍ‌ييعىذّْبىييـٍ‌بًيىا‌فًي‌ الدُّنٍيىا‌كىتىزٍىىؽى‌ ‌أىنٍفيسيييـٍ‌كىىيـٍ‌كىافًريكفى* كىا ًذىا‌أينٍزًلىتٍ‌سيكرىةه‌أىفٍ‌آىمًنيكا‌بًالمَّوً‌كىجىاىًديكا‌مىعى‌رىسيكلًوً‌ اسٍتىأٍذىنىؾى‌أيكليك‌الطَّكٍؿً‌مًنٍييـٍ‌كىقىاليكا‌ذىرٍ‌ نىا‌نىكيفٍ‌مىعى‌الٍقىاعً‌ دًيفى﴾ 85‌،86]‌.‌ ثانيان:‌المتخمفكف‌عف‌رسكؿ‌ا﵀ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌"كقد‌تحدثنا‌سابقان‌‌عف‌المتخمفيف‌ في‌الغزكة"‌ضمف‌عكائؽ‌الجياد . ثالثان‌:‌القمة‌في‌العدد‌بسبب‌الفقر‌كالحاجة،‌قاؿ‌تعالى:‌ ﴿كى‌لا‌عىمىى‌الَّذًيفى‌إًذىا‌مىا‌أىتىكٍؾى‌ لًتىحٍمًمىييـٍ‌قيمٍتى‌لا ‌أىجًدي‌مىا‌أىحٍمًميكيـٍ‌عىمىيٍوً‌تىكىلَّكٍا‌كىأىعٍيينيييـٍ‌ تىفًيضي‌مًفى‌الدَّمٍعً‌حىزىننا‌ أىلا‌يىجًديكا‌مىا‌ يينٍفًقيكفى﴾ 92.‌]‌‌ (1)‌‌‌انظر:‌الألكسي،‌‌ركح‌المعاني،‌مجمد 4،‌ج5،‌ص345–346‌.‌ (2)‌‌السعدم،‌عبد‌الرحمف‌بف‌ناصر، ‌تيسير‌الك ريـ‌الرحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف،‌ج 1، ص347‌.‌

عدد الصفحات ١٠٦

95 كىـ‌الذيف‌يبككف‌حزنان‌عمى‌أنيـ‌لا‌يجدكف‌ما‌ينفقكف‌مف‌الفقر‌كالحاجة‌،‌كما‌يتحمَّمكف‌ بو‌لمجيادً‌في‌سبيؿ‌ا﵀ ؛‌فيؤلاء‌لا‌ حرج‌كلا‌مسؤكلية‌عمييـ‌مع‌أنيـ‌ قادريف‌ جسميان‌ عمى‌ال غزك‌كالجياد ،‌لكنٌيـ‌لا‌يجدكف‌الركاحًؿى‌ا لتي‌تحمًمييـ‌الى‌أرض‌المعركة ،‌فإذا‌ جاءك‌ ؾ‌يطمبكف‌منؾ‌العكف‌لتؤمف‌ليـ‌ما‌يركبكف‌لـ‌تج د‌أنت‌أيضان‌ما‌تحمًمييـ‌عميو،‌ انصرفكا‌مف‌عندؾ‌كىـ‌يبككف ،‌لأنيـ‌حيرمكا‌مف‌الجياد‌كلـ‌يجدكا‌ما‌ييعينيـ‌عميو(1)، ك(ىؤلاء‌ىـ‌البكٌاؤف‌نزلت‌فييـ‌الآية‌كىـ‌سبعة‌أشخاص :‌معقؿ‌بف‌يسار‌كصخر‌بف‌ خنيس‌كعبد‌ا﵀‌بف‌كعب‌الأنصارم‌كسالـ‌بف‌عمير‌كثعمبة‌بف‌غنمة‌كعبد‌ا﵀‌بف‌ مغفؿ،‌أتكا‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌فقالكا:‌يا‌نبي‌ا﵀‌إف‌ا﵀‌عز‌كجؿ‌قد‌ندبنا ‌ لمخركج‌معؾ،‌فاحممنا‌عمى‌الخفاؼ‌المرفكعة‌كالنعاؿ‌المخصكفة‌نغزك‌معؾ،‌فقاؿ:‌لا‌ أجد‌ما‌أحممكـ‌عميو،‌فتكلكا‌كىـ‌يبككف) .(2)‌ كلكف‌رسكؿ‌ا﵀ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ -‌ربٌ‌ى‌صحابتو‌الكراـ‌ عمى‌الت ضحية‌ كحؿ‌الأزمات‌كمكاجية‌الصعاب ،‌فأدار‌ىذه‌المشكمة‌ك‌ حميا‌بحكمة‌كسياسة،‌فشجعيـ‌ عمى‌الإنفاؽ‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌تعالى،‌بالقميؿ‌كالكثير‌في‌ىذه‌الغزكة‌كغير‌ ىا‌لتدارؾ‌القمة‌ في‌العدد‌كالعدة ؛‌‌فأنفؽ‌مف‌الصحابة‌الكثير‌في‌جيش‌العسرة‌مثؿ :‌الصحابي‌عثماف‌ بف‌عفاف،‌كعبد‌الرحمف‌بف‌عكؼ،‌كأبك‌بكر‌الصديؽ،‌كأبك‌خيثمة‌الأنصارم ...‌ كغيرىـ‌ –‌رضكاف‌ا﵀‌تعالى‌ع مييـ‌جميعا‌-.(3‌)‌ يقكؿ‌تعالى﴿كىلا‌يينٍفًقيكفى‌نىفىقىةن‌صىغًيرىةن‌كىلا‌كىبًيرىةن‌كىلا‌يىقٍطىعيكفى‌كىادًينا‌إًلا‌كيتًبى‌لىييـٍ‌ لًيىجٍزًيىييـي‌المَّوي‌أىحٍ‌ سىفى‌مىا‌كىانيكا‌يىعٍمىميكفى﴾ 121]؛‌فيؤلاء‌الغزاة‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌تعالى لا‌ينفقكف‌مف‌أمكاليـ‌قميلبن‌‌كلا ‌كثيران،‌كلا‌ساركا‌إلى‌أعدائيـ؛‌إلا‌جزاىـ‌ا﵀‌أحسف‌ما‌ (1)‌‌‌‌انظر:‌الطبرم ،‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف ،‌ج‌14،‌ص421–423،‌كالقطاف،إبراىيـ‌ القطاف،‌تيسير‌التفسير،‌ص‌346‌.‌ (2)‌‌‌الكاحدم،‌أسباب‌النزكؿ،‌باب‌رقـ 255،‌ص262.‌ (3)‌‌‌الكاحدم،‌أسباب‌النزكؿ،‌باب‌رقـ‌‌ 78،‌ص‌89،‌كانظر:‌الطبرم ،‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌ القرآف ،‌ج‌ 14،‌ص 549،‌كانظر:‌فيد‌بف‌ناجي‌الشمكم ،‌دكر‌التربية‌الإسلبمية‌في‌ مكاجية‌الأزمات‌مف‌خلب ؿ‌السيرة‌النبكية،‌رسالة‌ماجستير،‌أـ‌القرل ،‌1428ىػ،‌ص97–‌ 100.‌

عدد الصفحات ١٠٧

96 كانكا‌يعممكف ،‌كقد‌حصؿ‌لأمير‌المؤمنيف‌عثماف‌بف‌عفاف‌رضي‌ا﵀‌عنو‌مف‌ىذه‌ الآية‌ال كريمة‌حظه‌كافره‌كنصيبه‌عظيـه... (1)‌كمما‌دؿ‌عمى ‌الصعكبات‌التي‌كاجييا‌ عميو‌السلبـ‌كصحابتو‌الكراـ‌في‌السفر ؛‌بيعد‌الم سافة،‌كأنو‌كاف‌يجمع‌في‌الصلبة،‌ يقكؿ‌الكاقدم :‌( ككاف‌في‌حر‌شديد،‌ككاف‌يجمع‌مف‌يكـ‌نزؿ ‌ذا‌خشب‌بيف‌الظير‌ كالعصر ‌في‌منزلو، ‌يؤخر ‌الظير‌حتى‌يبرد، ‌كيعجؿ‌العصر،‌ثـ‌يجمع‌بينيما،‌فكؿ‌ ذلؾ‌فعمو‌حتى‌رجع ‌مف‌تبكؾ،‌ككانت‌مساجده‌في‌سفره ‌إلى‌تبكؾ‌معركفة،‌صىمٌى ‌ بستة‌عشر‌مسجدان‌(2). لقد‌أصرٌ‌رسكؿ‌ا﵀ صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌قتاؿ‌الركـ‌مع‌كؿ‌ىذه‌ الصعكبات‌لأنو‌ينظر‌إلى‌الظركؼ‌كالتطكرات ‌بنظر‌أدؽ‌كأحكـ ‌مف‌ىذا‌كمو،‌إنو‌كاف‌ يرل ‌أنو‌لك‌تكانى ‌كتكاسؿ‌عف‌غزك‌الركماف‌في‌ىذه‌الظركؼ‌الحاسمة،‌كترؾ ‌الركماف‌ تزحؼ ‌إلى‌المدينة؛‌كاف‌لو‌أسكأ ‌أثر‌عمى‌الدعك‌ ة‌الإسلبمية،‌كعمى ‌سمعة‌المسمميف‌ العسكرية، ‌فالجاىمية‌ستحيا‌مرة ‌أخرل، ‌كالمنافقكف ‌الذم‌يتربصكف ‌الدكائر ‌بالمسمميف،‌ سيبعجكف‌بطكف‌المسمميف‌بخناجرىـ ‌مف‌الخمؼ،‌في‌حيف‌تيجـ‌الركماف‌بحممة‌ضارية ‌ ضد‌المسمميف‌مف‌الأماـ،‌كىكذا ‌يخفؽ‌كثير‌مف‌الجيكد‌التي‌بذليا؛‌كلذلؾ‌قرر‌القياـ- مع‌ما‌كاف‌فيو‌مف‌العسرة ‌كالشدة -‌بغزكة ‌فاصمة‌يخكضيا‌المسممكف‌ضد‌الركماف‌في‌ حدكدىـ،‌كلا‌يميمكنيـ‌حتى‌يزحفكا ‌إلى‌دار‌الإسلبـ.(3)‌ 1.1 الأزمة الاقتصادية: كتعرٌؼ‌الأزمة‌الاقتصادية‌بأني ا:‌(الانقطاع‌المفاج يء‌في‌مسيرة‌المنظكمة‌ الاقتصادية‌ مما‌ييدد‌سلبمة‌الأ داء‌المعتاد )(4‌)كىذا‌التيديد‌يؤثر‌عمى‌ا لحياة‌في‌ المجتمع‌مف‌جميع‌جكانبو ،‌فأزمة‌الاقتصاد‌ متداخمة‌مع‌أزمات‌مختمفة‌ في‌الدكلة‌عقدية‌ (1)‌‌‌انظر:‌ابف‌كثير،‌تفسير‌القرآف‌العظيـ،‌ج 2،‌ص439‌.‌ (2)‌‌لممزيد‌انظر الكاقدم،‌محمد‌بف‌عمر‌بف‌كاقد‌السيمي‌الأسممي‌بالكلاء،‌المدني، ‌أبك‌عبد‌ ا﵀،‌( ت‌207ىػ،‌المغازم،‌تحقيؽ:‌مارسدف‌ جكنس،‌دار‌الأ عممي،‌بيركت،‌الطبعة‌ الثالثة،‌1989ـ،‌ج3،‌ص‌999‌.‌ (3)‌‌‌انظرالمباركفكرم، ‌الرحيؽ‌المختكـ،‌ص‌ 396–397‌.‌ (4)‌‌‌عبكم ،‌زيد‌منير ،‌إدارة‌الأزمات ،‌ص‌19.‌

عدد الصفحات ١٠٨

97 كسياسية‌كعسكرية‌كصحية‌كتربكية‌ كاجتماعية‌ كغيرىا ،‌فالإسلبـ‌نظاـ‌شامؿ‌متكامؿ،‌ لا‌يمكف‌معالجة‌مشكمة‌مف‌مشاكمو‌بالانفصاؿ‌عف‌المشاكؿ‌الأخرل‌ في‌الدكلة،‌ك‌لابد‌ لأم‌دكلة‌لنجاح‌أىدا فيا‌مف‌اقتصاد‌قكم‌يدعـ‌أركانيا ...(كما‌أف‌ في‌الاقتصاد‌ الإسلبمي‌مكضكعيف‌رئيسييف‌يجب‌أف‌يدر‌ سا‌كيخدما‌كيجميا‌مف‌كؿ‌جكانبيما:‌كىما‌ مكضكعاف‌متقابلبف ،‌أحدىا‌في‌الجانب‌الإيجابي،‌كالثاني‌في‌الجانب‌السمبي ،‌أحدىا‌ في‌فرائض‌الإس لبـ‌بؿ‌في‌أركانو‌الأساسية‌الخمسة ،‌كالآخر‌في‌محرمات‌الإسلب ـ‌بؿ‌ في‌الكبائر‌المكبقات‌السبع،‌فالأكؿ‌ىك‌الزكاة‌ –كىك‌ما‌عا لجتو‌سكرة‌براءة‌بشيء‌مف‌ التفصيؿ-،‌كالثاني‌ىك‌الربا ،‌فمف‌أنكر‌فرضية‌الأكؿ ،‌أ ك‌حرمة‌الثاني‌كاف‌كافران‌ مرتدان‌)(1‌).‌لذلؾ‌فالزكاة‌عبادة‌كىي‌في‌ن فس‌الكقت‌ركف‌أساسي ‌مف‌أركاف‌الاقتصاد‌ في‌الدكلة،‌كمصدر‌رئيسي ‌مف‌مصادر‌تمكيؿ‌الجياد‌لتحقيؽ‌العزة‌السياسية،‌كحماية‌ العقيدة...‌كغيرىا‌. ‌ كعف‌ىذا‌المكضكع‌كغيره‌مما‌ذكر‌في‌السكرة‌ عف‌ىذه‌الأزمة‌ ‌سأجمؿ‌كلبمي‌ في‌أربعة‌مطالب :‌‌ المطمب‌الأكؿ:‌الفساد‌المالي‌.‌ المطمب‌الثاني:‌الفقر‌.‌ المطمب‌الثالث:‌المكارد‌الاقتصادية‌. ‌ المطمب‌الرابع‌:‌التعبئة‌الاقتصادية‌في‌تمكيؿ‌الغزكات‌. ‌ 1.1.1 أزمة الفساد المالي: لقد‌كضع‌الإسلبـ‌لمماؿ‌قكاعد ان‌‌كأحكام ان‌،‌تجعؿ‌فيو‌الأداة‌ا لأكلى‌التي‌تحقؽ‌ الرفاىية‌لمكياف ،‌كتيبعده‌أف‌يككف‌سببان‌يترتب‌عميو‌حدك‌ ث‌الأزمات،‌فبيٌف‌معاملبتو،‌ كنظَّميا‌كبيٌف‌كيفية‌جمعو‌كتكزيعو‌بالعدؿ،‌كمنع‌الاعتداء‌عميو،‌كأكمو‌بالباطؿ ،‌ كحرص‌عمى‌الدعكة‌إلى‌العمؿ ،‌ككضٌح‌غيرىا‌مف‌الأحكاـ‌كالقكاعد‌التي‌ىدفيا‌الأكؿ‌ كالأخير‌تحقيؽ‌سعادة‌كرفاىية‌الكياف .(2) (1)‌‌‌انظر‌القرضاكم،‌يكسؼ،‌‌فقو‌الزكاة ،‌مؤسسة‌الرسالة،‌ط‌ 16،1986،‌ج1،‌ص9.‌ (2)‌‌‌شقرة‌،‌محمد‌عاصـ ،‌نحك‌أنمكذج‌إسلبمي‌لإدارة‌الأزمات ،‌ص81-82‌.‌

عدد الصفحات ١٠٩

98 كتحدثت‌ىذه‌السكرة‌عف ‌بعض‌أسباب‌الفساد‌المالي‌،‌ككضعت‌القكاعد‌لمنع‌ الجشع‌كمنيا: أكؿ‌أمكاؿ‌الناس‌بالباطؿ ،‌ككنز‌الذىب‌كالفضة . قاؿ‌تعالى: ‌﴿يىا‌أىيُّيىا‌الَّذًيفى‌آىمىنيكا‌إًفَّ‌كىثًيرنا‌مًفى‌الأٍىحٍبىارً‌كىالرُّىٍبىافً‌لىيىأٍكيميكفى‌أىمٍكىاؿى‌ النَّاسً‌بًالٍبىاطًؿً‌كىيىصيدُّكفى‌عىفٍ‌سىبًيؿً‌المَّوً‌ ‌كىالَّذًيفى‌يىكٍنًزيكفى‌الذَّىىبى‌كىالٍفًضَّةى‌كىلاى‌يينٍفًقيكنىيىا‌فًي‌ سىبًيؿً‌المَّوً‌فىبىشّْرٍىيـٍ‌بًعىذىابو‌أىلًيـ ﴾34]. أما‌أكؿ‌أمكاؿ‌الناس‌بالباطؿ‌ مف‌عمماء‌الييكد ،‌كعبٌ‌اد‌النصارل :‌فيي‌‌أزمة‌ سببيا‌ رجاؿ‌الديف‌مف‌أىؿ‌الكتاب ؛‌أزمة‌اقتصادية‌ليا‌ عميؽ‌الأثر‌في ‌الدكلة‌ الإسلبمية‌بجميع‌جكانبيا ،‌كما‌مر‌معنا‌في‌المبحث‌الأكؿ‌مف‌ىذا‌الفصؿ،‌كفي‌ىذا‌ البياف‌لأىؿ‌الإيماف‌(التحذير‌مف‌عمماء‌السكء‌كعباد‌الضلبؿ ...‌الذيف‌يأكمكف‌الدنيا‌ بالديف‌كمناصبيـ‌كرياستيـ‌في‌الناس‌يأكمكف‌أمكاليـ‌بذلؾ‌كما‌كاف‌لأح بار‌الييكد‌عمى‌ أىؿ‌الجاىمية‌شرؼ ،‌كليـ‌عندىـ‌خرج‌كىدايا‌كض رائب‌تجيء‌إلييـ ...‌فأطفأىا‌ا﵀‌ بنكر‌النبكة‌كسمبيـ‌إياىا‌كعكضيـ‌ا لذؿ‌كالصغار‌كباءكا‌بغضب‌مف‌ا﵀) (1)؛‌كقد‌نزلت ىذه‌الآية‌ف ي‌العمماء‌كالقراء‌مف‌أىؿ‌الكتاب،‌كانكا‌يأخذكف‌الرشا‌مف‌سًفمتيـ ،‌كىي‌ المآكؿ‌التي‌كانكا‌يصيبكن يا‌مف‌عكاميـ‌ (2)‌ كأكميـ‌أمكاؿ‌الناس ،‌ىي‌بأسرىا‌حاضرة‌في‌زماننا ،‌كىك‌الطريؽ‌لأكثر‌الجياؿ‌ كالمزكري ف‌إلى‌أخذ‌أمكاؿ‌العكاـ‌مف‌الخمؽ، ‌ك‌كاف‌يتمثؿ‌في‌صكر‌شتى‌كما‌يزاؿ :‌منيا‌ ما‌يأخذكنو‌عمى‌فتاكل‌تحميؿ‌الحراـ‌كتحريـ‌الحلبؿ‌ل صالح‌مف‌يممككف‌الماؿ‌أك‌ السمطاف،‌كمنيا‌ما‌يأخذه‌القسيس‌أك‌الكاىف‌مقابؿ‌الاعتراؼ‌لو‌بالخطايا‌كغفرانو ،‌ كمنيا‌الرب ا‌-كىك‌أكسع‌أبكابيا‌كأبشعيا -،‌كذلؾ‌ما‌يجمعكنو‌مف‌أمكاؿ‌الناس‌لمحاربة‌ ديف‌الحؽ؛‌كقد‌كاف‌الرىباف‌كالأساقفة‌كالكرادلة‌كالبابكات‌يجمعكف‌م ئات‌الملبييف‌في‌ الحركب‌الصميبية،‌كما‌يزالكف‌يجمعكنيا‌ لمتبشير‌كالاستشراؽ‌لمصد‌عف‌سبيؿ‌ا﵀ (3)؛ (1)‌‌‌ابف‌كثير،‌‌تفسير‌القرآف‌العظيـ‌،‌ج‌ 2،‌ص386.‌ (2)‌‌‌الكاحدم،‌‌أسباب‌النزكؿ،‌باب241،‌ص249.‌ (3)‌‌انظر:‌الطبرم ،‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف،‌ج‌ 14،‌ص216،‌قطب،‌سيد،‌في‌ظلبؿ‌ القرآف،‌ج 3،‌ص 1645،‌كانظر‌صكر‌الباطؿ‌المختمفة ‌الرازم،‌تفسير‌الفخر‌الرازم ،‌ مفاتيح‌الغيب،‌ج15،‌ص43–44،‌كالمراغي ،‌أحمد‌بف‌مصطفى‌المراغي‌( ت‌1371ىػ)،

عدد الصفحات ١١٠

99 فبيف‌ا﵀‌تعالى‌سمككيـ‌كسيرتيـ‌المالية ؛‌ليكشؼ‌لأىؿ‌الكتاب‌عف‌خطئيـ‌في‌اتخاذىـ‌ أربابان‌،‌كالاقتداء‌بيـ ،‌كليعمـ‌المسممكف‌السر‌في‌عنادىـ‌ككفرىـ‌،‌كأن يـ‌يريدكف‌إطفاء‌ ىذا‌النكر.(1)‌‌ كمنيا:‌البخؿ‌ك‌ كنز‌الذىب‌كالفضة ؛‌كىي‌حب س‌الأمكاؿ‌ عف‌التداكؿ،‌ككنزه‌في‌ الصناديؽ‌كالخزائف ،‌مما‌يؤدم‌إلى‌اختلبؿ‌الت كازف‌المالي‌كالتجارم‌كالاقتصادم ،‌ كبالتالي‌إلى‌اختلبؿ‌التكازف‌الاجتماعي ،‌يقكؿ‌تعالى:‌﴿يىا‌أىيُّيىا‌الَّذًيفى‌آىمىنيكا‌إًفَّ‌كىثًيرنا‌مًفى‌ الأٍىحٍبىارً‌كىالرُّىٍبىافً‌لىيىأٍكيميكفى‌أىمٍ‌ كىاؿى‌النَّاسً‌بًالٍبىاطًؿً‌كىيىصيدُّكفى‌عىفٍ‌سىبًيؿً‌المَّوً‌كىالَّذًيفى‌يىكٍنًزيكفى‌ الذَّىىبى‌كىالٍفًضَّةى‌كىلاى‌يينٍفًقيكنىيىا‌فًي‌سىبًيؿً‌المَّوً‌فى‌ بىشّْرٍىيـٍ‌بًعىذىابو‌أىلًيـو﴾ :‌34]‌...فحبس الأمكاؿ‌ –إف‌كاف‌سببو‌البخؿ‌كالتقتير -‌فقد‌ندٌد‌ا﵀‌سبحانو‌بالبخلبء‌كالمقتريف‌،‌قاؿ‌ تعالى:‌﴿كىلا‌تىجٍعىؿٍ‌يىدىؾى‌مىغٍميكلىةن‌إًلىى‌عينيقًؾى‌كىلا‌تىبٍسيطٍيىا‌كيؿَّ‌الٍبىسٍطً‌ ‌فىتىقٍعيدى‌مىميكمنا‌مىحٍسيكرنا﴾‌‌ [29]،‌كا ف‌كاف‌سببو‌التيرب‌مف‌الإنفاؽ‌في‌سبيؿ‌ا﵀..‌أم‌في‌سبيؿ‌حماية‌ المجتمع‌كمصال حو،‌فأحر‌ ل‌بو‌ أف‌يحارب‌كيعاقب‌عميو) (2)،ككنز‌الأمكاؿ‌يعد‌أزمة‌ اقتصادية،‌مالية‌خانقة،‌خاصة‌‌بالقسـ‌الثالث‌مف‌رؤكس‌الناس؛‌فإف‌الناس‌عالة‌عمى‌ العمماء‌ك‌ عمى‌العباد،‌كعمى‌أرباب‌الأمكاؿ ؛‌فإذا‌فسدت‌أ حكاؿ‌ىؤلاء‌فسدت‌أحكاؿ‌ الناس...(3‌).‌ كالأمكاؿ‌المكنكزة ك‌ىي‌الأمكاؿ‌التي‌لـ‌تؤدٌ‌ ‌زكاتيا،‌كلـ‌يخرج‌حؽ‌ا﵀‌منيا ،‌ ك‌خصت‌"الذىب‌كالفضة"‌‌ بالذكر‌مف‌بيف‌سائر‌الأمكاؿ ؛‌لأنيما‌الأصؿ‌المعتبر‌في‌ الأمكاؿ‌كىما‌المذاف‌يقصداف‌بالكنز (4)،‌كىما‌أساس‌الاقتصاد‌الدنيكم ،‌كالأساس‌في‌ تفسير‌المراغي ،‌مكتبة‌كمطبعة‌مصطفى‌البابى‌الحمبي،‌بمصر،‌ط1،1946‌ـ،‌ج10، ص108–110.‌ (1)‌‌‌حجازم ،‌محمد‌محمكد،‌التفسير‌الكاضح،‌دار‌الجيؿ،‌القاىرة ،‌ط‌5،1970،‌ج 10، ص47‌.‌ (2)‌‌‌انظر:‌الرافعي،‌مصطفى،‌الإسلبـ‌كمشكلبت‌العصر،‌دار‌الكتاب‌المبناني،‌بيركت،‌ط 2،‌ 1981،‌ص86‌. (3)‌‌ابف‌كثير،‌تفسير‌القرآف‌العظيـ،‌ج‌ 2،‌ص386‌.‌ (4)‌‌‌انظر:‌الطبرم،‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف،‌ج 14،‌ص217–219،‌الرازم ،‌مفاتيح‌ الغيب،‌ج‌15،‌ص46–49‌‌

عدد الصفحات ١١١

111 النقد‌كالتجارة ،‌كفي‌تسيير‌حركة‌العالـ‌الاق تصادم،‌‌ك‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالى‌ىنا‌لا‌يريد‌ مف‌الماؿ‌أف‌يككف‌راكدان‌ ،‌كلكنو‌يريده‌مت حركان‌‌كلك‌كاف‌في‌أيدم‌الكافريف ؛‌لأنو‌إذا‌ تحرؾ‌أفاد‌الناس‌جميعان‌ ‌فيحدث‌بيع‌كش راء‌كا نتاج‌لمسمع‌كا نشاء‌لممصانع ،‌كت شغيؿ‌ للؤيدم‌العاممة‌إلى‌غير‌ذلؾ،‌كلكف‌إف‌كنز‌كؿ‌كاحد‌منا‌مالو‌فمـ‌يستثمره‌في ‌حركة‌ الحياة،‌فالسمع‌لف‌تستيمؾ،‌كالمصانع‌سكؼ‌تتكقؼ ،‌كيتعطؿ‌الناس‌عف‌العمؿ.(1)‌ كلقبح‌صنيع‌ىؤلاء‌بشرىـ‌ا﵀ تعالى‌بالعذاب‌الأليـ‌بقكلو‌تعالى:‌﴿ يىكٍـى‌ييحٍمىى‌ عىمىيٍيىا‌فًي‌نىارً‌جىيىنَّـى‌فىتيكٍكىل‌بًيىا‌جًبىاىيييـٍ‌كىجينيكبيييـٍ‌كىظيييكريىيـٍ‌ىىذىا‌مىا‌كىنزتيـٍ‌لأنٍفيسًكيـٍ‌فىذي‌ كقيكا‌ مىا‌كينٍتيـٍ‌ ‌تىكٍنزكفى﴾ 35]،‌أم‌أف‌النار‌تكقد‌عمييا‌كى ي‌ذات‌حمى‌كحرٌ‌شديد‌‌ كخص‌الجباه ،‌كالجنكب‌كالظيكر؛‌لككف‌التألـ‌بكييا‌أشدٌ‌لما‌في‌داخميا‌مف‌الأعضاء‌ الشريفة،‌كقيؿ :‌ليككف‌الكيٌ‌في‌الجي ات‌الأربع،‌كقيؿ :‌لأف‌الجماؿ‌في‌الكج و،‌كالقكٌة:‌ في‌الظير‌كالجنبيف ،‌كالإنساف‌إنما‌يطمب‌الماؿ ‌لمجماؿ‌كالقكٌة‌،‌ثـ‌يقاؿ‌ليـ‌﴿ىى‌ذىا‌مىا‌ كىنزتيـٍ‌لأنٍفيسًكيـٍ﴾ :‌أم‌كنزتمكه‌ لتنتفعكا ‌بو،‌فيذا‌نفعو‌عمى‌طريقة‌التيكـ‌كالتكبيخ‌﴿ فىذيكقيكاٍ‌ مىا‌كينتيـٍ‌تىكٍنًزي‌ كفى﴾‌أم‌ذكقكا‌كبالو،‌كسكء‌عاقبتو ،‌كقبح‌مغبتو،‌كشؤـ‌فائدتو(2)،كذلؾ‌ لما‌في‌الكنز‌مف‌تعطيؿ‌لمنفقات‌الكاجبة‌المستمرة‌كالزكاة ،‌أك‌النفقات‌الكاجبة‌العارضة‌ كالنفقة‌في‌الحج ،‌أك‌النفق ة‌في‌نكائب‌المسمميف...‌كغيرىا (3)،كفي‌ىذه‌الآيات‌ذـه‌ ‌ لمبخؿ‌كالبخلبء‌ال ذيف‌يعطمكف‌الحياة‌الاقتصادية ،‌كيزيدكف‌مف‌خطر‌الفقر ‌كالحاجة‌ ‌ عمى‌المجتمع ؛‌سكا ء‌كانكا ‌‌مف‌أىؿ‌الكتاب،‌أك‌مف‌المؤمنيف ‌ك‌قيؿ‌ إف‌ىذه‌الآيات‌ نزلت ‌عامة؛‌في‌أىؿ‌الكتاب‌كالمسمميف :‌فقد‌أخرج‌البخارم‌في‌صحيحو‌ عف‌زيد ‌بف‌ كىب، ‌قاؿ:‌مررت ‌بالربذة (4)‌فإذا‌أنا‌بأبي‌ذر‌رضي ‌ا﵀‌عنو،‌فقمت‌لو:‌ما‌أنزلؾ ‌منزلؾ ‌ (1)‌‌‌الشعراكم ،‌محمد‌متكلي،‌تفسير‌الشعراكم،‌ج 8،‌ص5060،‌‌كانظر:‌الرافعي،‌مصطفى، الإسلبـ‌كمشكلبت‌العصر،‌ص‌193.‌ (2)‌‌الشككاني،‌فتح‌القدير،‌ج1،‌ص569‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 10،‌ص178‌. (4)‌‌‌الربذة‌:‌مف‌قرل‌المدينة،‌عمى‌ثلبثة‌أمياؿ‌منيا‌ق ريبة‌مف‌ذات‌عرؽ،‌عمى‌طريؽ‌الحجاز‌ إذا‌رحمت‌مف‌فيد‌تريد‌مكٌة،‌بيا‌قبر‌أبى‌ذرٌ،‌خربت‌ في‌سنة‌تسع‌عشرة‌كثلبثمائة‌ بالقرامطة،‌ انظر:‌ابف‌شمائؿ،‌عبد‌المؤمف‌بف‌عبد‌الحؽ،‌القطيعي‌البغدادم‌الحنبمي‌صفيٌ‌

عدد الصفحات ١١٢

111 ىذا؟‌قاؿ:‌"كنت‌بالشأـ،‌فاختمفت‌أنا‌كمعاكية‌في:‌﴿الَّذًيفى‌‌يىكٍنًزيكفى‌ ‌الذَّىىبى‌‌كىالفًضَّةى‌‌كىلاى‌‌ يينٍفًقيكنىيىا‌فًي‌سىبًيؿً‌‌المَّوً‌﴾[التكبة:‌34"‌]قاؿ‌معاكية:‌نزلت ‌في‌أىؿ‌الكتاب،‌فقمت:"‌نزلت ‌ فينا‌كفييـ،‌فكاف‌بيني‌كبينو‌في‌ذاؾ...(1)،‌(كيقرف ‌بيف‌المسمميف‌كبيف‌المرتشيف‌مف‌ الييكد‌كالنصا رل،‌تغميظان‌كدلالة‌عمى‌أف‌مف‌يأخذ‌منيـ‌السحت‌‌كمف‌لا‌يعطي‌منكـ‌ طيب‌مالو‌:‌سكاء‌في‌استحقاؽ‌البشارة‌بال عذاب‌الأليـ).(2)‌ فيي‌أزمات ‌كشدائد‌قكية‌‌عمييـ‌كعمى‌غيرىـ :‌فمف‌بخؿ‌بالقميؿ‌مف‌ممكو‌فقد‌ سد‌عمى‌نفسو‌ باب‌نجاتو‌كفتح‌عمييا‌طريؽ‌ىلبكو؛‌ كلا‌يخفى‌أف‌جمع‌الماؿ‌ككنزه‌ كعدـ‌الإنفاؽ‌لا ‌يككف‌الا‌لاستحكاـ‌رذيمة‌الشح‌ككؿ‌رذيمة‌كية‌يعذب‌بيا‌صاحبيا‌في‌ الآخرة‌كيخزل‌بيا‌في‌الدنيا .(3‌)‌ فالذيف‌يجمعكف‌الأمكاؿى‌مف‌جم يع‌أصنافيا‌كيكنزكنيا‌في‌خزائنيـ ،‌كلا‌ينفقكف‌ منيا‌ في‌سبيؿ‌ا﵀‌بأف‌ييخرجكا‌زكاتيا،‌كيتصدٌقكا‌منيا‌ -فيؤلاء‌ أنذرىـ‌ا﵀‌ –تعالى-‌ كبشرىـ ‌بالعذاب‌الشديد(4)،‌كقد‌كردت‌ركايات‌صحيحة عف‌رسكؿ‌ا﵀‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ-‌في‌تغميظ‌العذاب‌يكـ‌القيامة‌عمى‌مف‌يكنز‌الأمكاؿ ،‌كلا‌ينفقيا‌في‌سبيؿ‌ا﵀ ‌ تعالى‌منيا‌ما‌جاء‌عف‌أبي‌ىريرة ‌رضي ‌ا﵀‌عنو،‌قاؿ:‌قاؿ‌رسكؿ ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ:‌"مف‌آتاه‌ا﵀‌مالا،‌فمـ‌يؤد‌زكاتو ‌مثؿ‌لو‌مالو‌يكـ‌القيامة‌شجاعا‌أقرع ‌لو‌زبيبتاف ‌ يطكقو‌يكـ‌القيامة،‌ثـ‌يأخذ‌بميزمتيو ‌-يعني‌بشدقيو-‌ثـ‌يقكؿ‌أنا‌مالؾ‌أنا‌كنزؾ (5)، كما‌أف‌الأكلى‌لطالب‌الديف‌ألاٌ‌‌يجمع‌الماؿ‌الكثير،‌كا ف‌لـ‌ييمنع‌عنو‌في‌ظاىر‌الشرع ؛‌ الديف‌(ت‌739ىػ،‌مراصد‌الا طلبع‌عمى‌اسماء‌الامكنة‌كالبقاع ،‌دار‌الجيؿ،‌بيركت‌ط1، 1412‌ىػ،‌ج2،‌ص601.‌ (1)‌‌البخارم،‌صحيح‌البخارم،‌كتاب‌الزكاة ،‌باب‌ما‌أيدم‌زكاتو ‌فميس‌بكنز،‌حديث‌رقـ‌ 1406،‌ج2،‌ص107،‌كانظر:‌الكاحدم ،‌أسباب‌النزكؿ،‌باب‌242،‌ص249–250. (2)‌‌الزمخشرم،‌الكشاؼ،‌ج 2،‌ص187.‌ (3)‌‌‌‌الألكسي،‌ركح‌المعاني،‌مجمد 4،‌ج5،‌ص‌296‌.‌ (4)‌‌‌انظر:‌رضا،‌محمد‌رشيد،‌المنار،‌ج 10،‌ص402‌–‌403‌.‌ (5)‌‌‌انظر:‌البخارم ،‌صحيح‌البخارم ،‌كتاب‌الزكاة ،‌باب‌إثـ‌مانع‌الزكاة‌،‌حديث‌رقـ‌ 1403، ج2،‌ص106،‌كانظر:‌صحيح‌مسمـ،‌مسمـ‌،‌كتاب‌الزكاة،‌باب‌إثـ‌مانع‌الزكاة،‌حديث‌ رقـ‌ 987،‌ج2،‌ص‌682‌.‌

عدد الصفحات ١١٣