المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأزمات في العهد النبوي في ضوء سورة التوبة دراسة موضوعية

زينب عبد الرزاق الرعود

صفحة ٥ من ٢١

54 أطاعو‌مف‌بني‌بكر‌كبيتكا‌خزاعة‌فاقتتمكا ،‌كأعانت‌قريش‌بني‌بكر‌بالسلبح ،‌كقكـ‌ أعانكىـ‌ بأنفسيـ،‌فيزمت‌خزاعة‌إلى‌الحرـ ،‌فكاف‌ذ لؾ‌نقضان‌لصمح‌الحديبية،‌فخرج‌ مف‌خزاعة‌بديؿ‌بف‌كرقاء (1)‌كعمرك‌بف‌سالـ (2)‌في‌ناس‌مف‌قكميـ ،‌فقدمكا‌عمى‌ الرسكؿ‌ -صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌مستغيثيف،‌فتجيز‌رسكؿ‌ا﵀‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌ إلى‌مكة‌كفتحيا‌سنة‌ثماف،‌ثـ‌خرج‌إلى‌غزكة‌تبكؾ‌كتخمؼ‌مف‌تخمؼ‌مف‌المنافقيف‌ كأرجفكا‌الأراجيؼ ،‌فجعؿ‌المشرككف‌ينقضكف‌عيكدىـ ،‌فأمر‌ ه‌ا﵀‌تعالى‌بإلقاء‌عيدىـ‌ إلييـ...‌كذلؾ‌قكلو‌عز‌كجؿ:‌ ﴿كا و‌مٌ‌ا‌تى‌خاففٌ‌‌مً‌فٍ‌‌قكـو‌‌خيانةن‌﴾‌[الأنفاؿ:‌58](3)،‌فأكقعيـ‌ كالأعلبـ ،‌المحقؽ:‌الدكتكر‌بشار‌عكٌاد‌معركؼ‌،‌دار‌الغرب‌الإسلبمي،‌ط ‌1،2003‌ـ،‌ ج‌2،‌ص728. (1)‌‌‌بديؿ‌بف‌كرقاء‌بف‌عبد‌العزل‌بف‌ربيعة‌بف‌جزم‌بف‌عامر‌بف‌مازف‌بف‌عدم‌بف‌عمرك‌بف‌ ربيعة‌كتب‌إليو‌النبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌كا لى‌بسر‌بف‌سفياف‌يدعكىما‌إلى‌الإسلبـ،‌ كابنو‌نافع‌بف‌بديؿ‌كاف‌أقدـ‌إسلبما‌مف‌أبيو،‌كشيد‌نافع‌بئر‌معكنة‌مع‌المسمميف،‌كقتؿ‌ يكمئذ‌شييدان‌.‌كابنو‌عبد‌ا﵀‌بف‌بديؿ‌قتؿ‌يكـ‌صفيف ‌مع‌عمي‌بف‌أبي‌طالب‌عميو‌السلبـ،‌ كشيد‌بديؿ‌بف‌كرقاء‌مع‌رسكؿ‌ا﵀‌ص مى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌فتح‌مكة‌كحنيف،‌كقسـ‌رسكؿ‌ا﵀‌ صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌سبي‌ىكازف‌مف‌حنيف‌إلى‌الجعرانة ،‌كاستعمؿ‌عمييـ‌بديؿ‌بف‌كرقاء‌ الخزاعي ،‌كبعثو‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌كعمرك‌بف‌سال ـ،‌كبسر‌بف‌سفياف‌إلى‌بني‌ كعب‌يستنفرىـ‌إلى‌عدكىـ‌حيف‌أراد‌أف‌يخرج‌إلى‌تبكؾ،‌كشيدكا‌جميعا‌مع‌رس كؿ‌ا﵀‌ صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌تبكؾ،‌كشيد‌بديؿ‌بف‌كرقاء‌حجة‌الكداع‌مع‌رسكؿ‌ا﵀‌ -صمى‌ا﵀‌ عميو‌كسمـ -،‌انظر‌ابف‌سع د،‌أبك‌عبد‌ا﵀‌محمد‌بف‌سعد‌بف‌منيع‌الياشمي‌بالكلاء،‌ البصرم،‌البغدادم‌ (ت‌230ىػ،‌الطبقات‌الكبرل، ‌المحقؽ:‌إحساف‌عباس،‌دار‌صادر،‌ بيركت،‌ط1،1968ـ،‌ج4،‌ص294‌. (2)‌‌‌عمرك‌بف‌سالـ‌بف‌حضيرة‌بف‌سالـ.‌مف‌بني‌مميح‌بف‌عمرك‌بف‌ربيعة.‌ككاف‌شاعرا،‌أقبؿ عمرك‌كبديؿ‌بف‌ كرقاء‌إلى‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌يك‌ ـ‌الحديبية،‌فأخبراه‌عف‌ قريش ،‌كاف‌عمرك‌يحمؿ‌أحد‌ألكية‌بني‌كعب‌الثلبثة‌التي‌عقدىا‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ‌ليـ‌يكـ‌فتح‌مكة،‌انظر:‌ابف‌سعد،‌‌الطبقات‌الكبرل ،‌ج‌4،‌ص‌293‌. (3)‌انظر:‌ابف‌ىشاـ،‌السيرة‌ال نبكية،‌تيذيب‌عبد‌السلبـ‌ىاركف،‌ص‌244-246،‌كانظر:‌ أبي‌حياف‌الأندلسي،‌محمد‌بف‌يكسؼ،‌(ت‌745‌ىػ)،‌البحر‌المحيط،‌تحقيؽ‌عادؿ‌أحمد‌

عدد الصفحات ٦٦

55 ا﵀‌بالخزم‌كالذؿ‌كاليكاف‌مف‌عنده‌بنقض‌عيكدىـ،‌كقطع‌العصمة‌كالبراءة‌منيـ ،‌ كفضحيـ؛‌لأنيـ‌‌يضمركف‌الغدر‌كالخيانة‌‌لممسمميف،‌فيـ‌إ ف‌يظفركا‌بيـ‌بعد‌العيد‌ كالميثاؽ ؛‌لا‌ينظركا‌كي رعكا‌في‌أذاىـ‌"بكؿ‌جميؿ‌كحقير" ‌لا‌قرابة‌محققة ،‌كلا‌عيدان،‌ يعني‌أف‌الأمر‌المبيح‌لمنبذ‌خكؼ‌الخيانة،‌كعلبـ‌الغيكب‌ يخبركـ‌أنيـ‌في‌غاية‌الخيانة‌ لكـ...(1)، أما‌ قىكٍلًوً‌ ‌تىعىالىى:‌﴿ إًلاَّ‌‌الَّذًيفى‌‌عىاىىدٍتيـٍ‌‌عًنٍدى‌ ‌الٍمىسٍجًدً‌‌الٍحىرىاـً‌‌فىمىا‌اسٍتىقىاميكا‌لىكيـٍ‌‌ فىاسٍتىقًيميكا‌لىييـٍ‌﴾[التكبة:‌7]،‌قاؿ‌قتادة«‌:ىك‌يكـ‌الحديبية»‌،قاؿ«‌:فمـ‌يستقيمكا ‌فنقضكا ‌ عيدىـ‌أعانكا ‌بني‌بكر‌حمفاء‌قريش ‌عمى‌خزاعة ‌حمفاء‌النبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ»(2) ﴿إًلاَّ‌‌الَّذًيفى‌‌عاىىدٍتيـٍ‌‌عًنٍدى‌ ‌الٍمىسٍجًدً‌‌الٍحىراـً‌﴾‌بالحديبية‌فميـ‌العيد‌﴿فىمىا‌اسٍتىقاميكا‌لىكيـٍ‌﴾‌ بالكفاء‌إلى‌مدتيـ‌يعني‌تماـ‌ىذه‌الأربعة ‌الأشير‌مف‌يكـ‌النحر‌﴿فىاسٍتىقًيميكا‌لىييـٍ‌﴾‌ بالكفاء‌﴿إًفَّ‌‌المَّوى‌‌ييحًبُّ‌‌الٍميتَّ‌قًيفى‌﴾(3)،كحتى‌مع‌نقض‌ القرآف‌ لمعيكد‌بينو‌كبيف‌ المشركيف ،‌فقد‌تعامؿ‌ مع‌أصناؼ‌المعاىديف، ‌ك‌معيا‌بدقة‌متناىية ،‌كبحكمة‌ لا‌مثيؿ‌ ليا‌‌في‌أقكل‌الدكؿ ،‌كأبيى‌الحضارات :‌‌ ‌‌فقد‌جاءت‌القرارات‌الإليية ‌بنقض‌معاىدات‌ال مشركيف‌المطمقة‌غير‌المؤقتة‌ بزمف ؛‌لأنيـ‌نكثكا ‌العيد‌كأخمكا‌بشركط‌التعاىد ،‌كمف‌كاف‌لو‌عيد‌دكف‌أربعة‌أشير ،‌ تيكمؿ‌لو‌مدة‌أربعة‌أشير،‌كمف‌كاف‌لو‌عيد‌مؤقت،‌فيبقى‌عمى‌عيده‌إلى‌انتياء‌مدتو،‌ ميما‌كاف،‌ما‌لـ‌ينقض‌العيد،‌أك‌يخؿ‌بشرط‌مف‌شركطو . ثـ‌جاء‌قرار‌ السياحة في الأرض:‌كىك‌يعطي‌ضمانان‌‌إيمانيان‌؛‌دالان‌عمى‌سماحة‌ الإسلبـ‌تمنع‌أخذىـ‌كقتميـ‌عمى‌غرة‌؛‌فعمى‌الذيف‌قطع‌الإسلبـ‌معيـ‌العيد‌أف‌ي سيركا‌ كىـ‌مطمئنكف‌كفي‌أمف‌كأماف،‌كلا‌يتعرض‌ليـ‌أحد ،‌خلبؿ ‌المدة‌المضركبة ،‌ثـ‌ ‌ عبد‌المكجكد‌كآخركف،‌دار‌الكتب‌العممية ،‌بيركت،‌لبناف،‌ط‌1،1993،‌ج5،‌ص8،‌ محيي‌السنة،‌أبك‌محمد‌الحسيف‌بف‌مسعكد‌البغكم ،‌معالـ‌التنزيؿ ،‌ج‌4،‌ص8‌.‌ (1)‌‌‌‌انظر:‌البقاعي،‌نظـ‌الدرر‌في‌تناسب‌الآيات‌كالسكر،‌ج‌8،‌ص384‌.‌ (2)‌‌‌عبد‌الرزاؽ ،‌أبك‌بكر‌بف‌ىماـ‌بف‌نافع‌الحميرم‌اليماني‌الصنعاني‌( ت‌211ىػ)،‌تفسير عبد‌الرزاؽ،‌دراسة‌كتحقيؽ:‌ محمكد‌محمد‌عبده‌الناشر:‌دار‌الكتب‌العممية،‌بيركت،‌ط1، سنة‌1419ىػ‌،‌ج2،‌ص135،حديث‌رقـ‌ 1055‌‌.‌ (3)‌‌‌مقاتؿ،‌تفسير‌مقاتؿ‌بف‌سميماف،‌ج2،‌ص158.

عدد الصفحات ٦٧

56 ليتفكركا‌كي حتاطكا‌كيستعدكا‌بما‌شاءكا‌كيعممكا‌أف‌ليس‌ليـ‌بعد‌إلا‌الإسلبـ‌أك‌السيؼ‌ كلعؿ‌ذلؾ‌يحمميـ‌عمى‌الاسلبـ،‌كلأف‌المسمميف‌لك‌قاتمكىـ‌عقيب‌إظيار ‌النقض‌فربما‌ نسبكا‌إلى‌الخيانة ؛‌فاميمكا‌سدان‌لباب‌الظف‌كا ظياران‌لقكة‌شككتي ـ‌كعدـ‌اكتراثيـ‌بيـ‌ كباستعدادىـ...(1)‌. إف‌ىذا‌الديف‌إعلبـ‌لمف‌لا‌يعممكف،‌كا جارة‌لمف‌يستجيركف ،‌حتى‌مف‌أعدائو‌ الذيف‌شير‌ كا‌عميو‌السيؼ‌كحاربكه‌كعاندكه ،‌فجاء‌ قرار :‌إجارة المشركين‌في‌السكرة ؛‌ كىك‌ في‌قكلو‌تعالى:‌﴿كىا ًفٍ‌أىحىده‌مًفى‌الٍميشٍرًكًيفى‌اسٍتىجىارىؾى‌فىأىجًرٍهي‌حىتَّى‌يىسٍمىعى‌كىلبـى‌المَّوً‌ثيـَّ‌ أىبٍ‌مًغٍوي‌مىأٍمىنىوي‌ذىلًؾى‌بًأىنَّييـٍ‌قىكٍـه‌لا ‌يىعٍمىميكفى﴾ 6]،أم‌أنو‌إذا ‌جاءؾ‌ أحد‌مف‌ المشركيف،‌ الذيف‌أمرناكـ‌بقتاليـ‌ ك‌طمب‌أف‌تعاممو‌في‌الإكراـ‌معاممة‌الجار ،‌كطمب‌ الحماية،‌ كطمب‌ الدليؿ‌كالحجة ،‌كطمب‌استماع‌القرآف ‌بعد‌انقضاء‌مدة‌السياحة ؛‌‌ فآمنو،‌كأم يمو،‌كدافع‌عنو‌مف‌يقصده‌بسكء‌حتى‌يسمع‌كلبـ‌ا﵀ ،‌فيعمـ‌بذلؾ‌ما‌يدعك‌ إليو‌مف‌المحاسف ،‌كيتحقؽ‌أنو‌ليس‌كلبـ‌الخمؽ ،‌(فيككف‌لو‌بعدىا‌ إما‌ تكبة،‌أك‌ إصرار )،‌فإما‌التكبة،‌أك‌إف‌أراد‌الانصراؼ‌كلـ‌يسمـ‌ أبمغو‌‌المكضع‌الذم‌يأمف‌فيو،‌ ثـ‌قاتمو‌بعد‌بمكغو‌الم أمف‌إف‌شئت‌مف‌غير‌غدر‌كلا‌خيانة ،‌كأنو‌في‌ىذه‌الحالة‌يككف‌ قد‌آمف‌حربيـ‌كتجمعيـ‌كتألبيـ‌عميو،‌ ك‌داؿ‌أيضا‌ن‌ عمى‌أف‌المقصكد‌مف‌شرع‌الق تؿ‌ قبكؿ‌الديف‌كالإقرار‌بالتكحيد ،‌ك‌ يدؿ‌أيضا‌نعمى‌ أف‌النظر‌في‌ديف‌ا﵀‌أعمى‌المقامات‌ كأعمى‌الدرجات ،‌فإف‌الكافر‌الذم‌صار‌دمو‌ميدران‌لما ‌أظير‌مف‌ن فسو‌ككنو‌طالبان‌ لمنظر‌كالاستدلاؿ‌زاؿ‌ذلؾ‌الإىدار ؛‌لأنيـ‌قكـ‌لا‌عيد‌ليـ‌بنبكة‌كلا‌رسالة‌كلا‌كتاب ،‌ فإذ‌اعممكا‌أكشؾ‌أف‌ينفعيـ‌العمـ ،‌فالإسلبـ‌‌منيج‌ىداية‌لا‌منيج‌إبادة‌...(2)،كفي‌ كلبـ‌ا﵀‌كجياف،‌أحدىما:‌أنو‌عني‌سكرة‌براءة‌خاصة‌ليعمـ‌ما‌فييا‌مف‌حكـ‌المقيـ‌ عمى‌العيد،‌كحكـ‌الناقض‌لو‌كالسيرة‌في‌المشركيف‌كالفرؽ‌بينيـ‌كبيف‌المنافقيف ،‌ (1)‌‌‌‌الألكسي،‌ركح‌المعاني‌في‌تفسير‌القرآف ‌العظيـ‌كالسبع‌المثاني،‌مجمد‌4،ج5،‌ص239‌. كانظر:‌الشعراكم ،‌‌تفسير‌الشعراكم،‌ج‌ 9،‌ص4861‌. (2)‌‌‌‌‌انظر:‌البقاعي،‌نظـ‌الدرر‌في‌تناسب‌الآيات‌كالسكر،‌ج8،‌ص382،‌كانظر:‌الرازم ،‌‌ تفسير‌الفخر‌الرازم،‌التفسير‌الكبير‌كمفاتيح‌الغي ب،‌ج15،‌ص235.‌كانظر :‌قطب،‌ سيد،‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌المجمد‌ 3،‌ص‌1603‌.‌

عدد الصفحات ٦٨

57 الثاني:‌يعني‌القرآف‌كمو ،‌لييتدم‌بو‌مف‌ضلبلو‌كيرجع‌بو‌عف‌كفره (1)،‌كفي‌ذلؾ‌يجب (احتراـ ‌الجكار، ‌كالإقرار ‌بو،‌كتأميف‌السفراء ‌كالممثميف ‌لدكلة‌كافرة ‌)(2) ‌ 1.1.1 أزمةالحريات الشخصية، والعقوبات وفيو: القتل والاعتقال والحبس والترصد: كاف‌مف‌أشد‌الأزمات‌ كالكرب ‌التي‌كاجيت‌المشركيف؛ ‌–لمناصبتيـ‌العداء‌ لمصؼ‌ال مؤمف-‌الحد‌مف‌حريات يـ‌ا لشخصية،‌كالتي‌تخص‌أمنيـ‌كحياتيـ ،‌كحتى‌ حرية ‌الحركة‌كالسير‌في‌الأرض،‌( فمف‌العذاب‌المييف‌ما‌أمر‌ا﵀‌بو‌حزبو‌المؤمنيف‌ كأن صار‌دينو‌المكحديف‌مف‌قتميـ‌كقتاليـ‌حيثما‌ثقفكىـ،‌كيأخذكىـ‌كيحصركىـ،‌كيقعدكا‌ ليـ‌كؿ‌مرصد،‌كيحذركىـ‌في‌جميع‌الأحكاؿ،‌كلا‌يغفمكا‌عنيـ،‌خشية‌أف‌يناؿ‌الكفار‌ بعض‌مطمكبيـ‌فييـ ،‌فممو‌أعظـ‌حمد‌كثناء‌عمى‌ما‌مىفَّ‌بو‌عمى‌المؤمنيف،‌كأيَّدىىـ‌ بمعكنتو‌كتعاليمو‌التي‌لك‌سمككىا‌عمى‌كجو‌الكماؿ‌لـ‌تيزـ‌ليـ‌راية،‌كلـ‌يظير‌عمييـ‌ عدك‌في‌ كقت‌مف‌الأكقات )(3)،كىذا‌ التضييؽ‌عمى‌أىؿ‌الشرؾ ،‌كا يقاعيـ‌بالأزمات‌ التي‌يستحقكنيا‌‌بعد‌انقضاء‌الأشير‌الحرـ،‌ كذلؾ‌بأنكاع‌مف‌العقكبات‌ بالقتؿ‌‌في‌أم‌ مكاف‌كزماف،‌كأخذىـ ‌أسرل‌كحصرىـ ،‌كمنعيـ‌مف‌دخكؿ‌أرض ‌الإسلبـ،‌كالتضييؽ‌ عمييـ‌ ثـ‌المرابطة‌كالمراقبة‌ك‌ الرصد‌كالقعكد‌ليـ‌ كؿ‌ثنية‌كمكضع‌يمركف‌عميو،‌إلى‌ البيت‌أك‌إلى‌الصحراء‌أك‌إلى‌التجارة ،‌كتتبع‌حركاتيـ،‌ككلبميـ،‌كأفعاليـ ،...‌كؿ‌ىذا؛‌ حتى‌يأمنكا‌‌مكرىـ ؛‌فلب‌يتصؿ‌بعضيـ‌ببعض؛‌كينشئكا‌تكتلب‌ن‌ ‌يعادم‌الإسلبـ‌...‌ثـ‌ (1)‌‌الماكردم، ‌أبك‌الحسف،‌عمي‌بف‌محمد‌بف‌حبيب،‌(ت‌450‌ىػ)،‌النكت‌كالعيكف،‌‌تحقيؽ:‌ السيد‌بف‌عبد‌المقصكد‌بف‌عبد‌الرحيـ،‌دار‌ الكتب‌العممية،‌مؤسسة‌الكتب‌الثقافية،‌ بيركت،‌ج2،‌ص‌341‌.‌ (2)‌‌‌الجزائرم ،‌جابر‌بف‌مكسى‌بف‌عبد‌القادر‌بف‌جابر‌أبك‌بكر،‌أيسر‌التفاسير‌لكلبـ‌العمي‌ الكبير،‌مكتبة‌العمكـ‌كالحكـ،‌المدينة‌المنكرة،‌المممكة‌العربية‌السعكدية،‌الطبعة‌الخامسة،‌ 1424ىػ2003ـ،‌ج2،‌ص342.‌ (3)‌‌‌السعدم،‌‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في‌تفسي ر‌كلبـ‌المناف،‌ج‌1،‌ص198‌.‌

عدد الصفحات ٦٩

58 بيف‌ا﵀‌تعالى‌شركط‌إخلبء‌سبيميـ؛‌كىي‌التكبة‌كالعكدة‌إلى‌الإيماف،‌كا قامة‌الصلبة ،‌ كايتاء‌الزكاة‌...‌ كفييا‌خركجيـ‌مف‌ىذه‌الأزمة .(1)‌‌ ‌‌كىذه العقكبات‌تختمؼ‌باختلبؼ‌م كاقع‌المشركيف‌مف‌العداء‌للئسلبـ ،‌‌فيناؾ‌ أئمة‌الكفر‌الذيف‌يحاربكف‌الديف ،‌كيحرضك‌ ف‌عمى‌قتاؿ‌المسمميف،‌فيؤلاء‌جزاؤىـ‌القتؿ، ‌ كىناؾ‌مف‌ لا‌يؤذكف ‌المسمميف،‌كا نما‌يجاىركف‌بالعداء‌لمدعك‌ ة،‌ىؤلاء‌شأنيـ‌أقؿ؛‌ فنأخذىـ‌أسرل ،‌‌كىناؾ‌مف‌الكفار‌مف‌لا ‌يفعؿ‌‌شيئان‌‌إلا‌أنو‌غير‌مؤمف،‌فيؤلاء‌نراقب‌ حركاتيـ‌ليتقي‌المسممكف‌شرى ـ‌ليككنكا‌عمى‌استعداد‌بصفة‌‌دائمة‌لمكاجيتيـ‌إذا‌ما ‌ انقمبكا‌ليؤذكا‌المسمميف‌كيياجمكىـ ...(2)،كالمقصكد‌العاـ‌ مف‌ىذا‌القرار‌ ىك:‌(إيصاؿ‌ الأذل‌إلييـ‌بكؿ‌طريؽ ،‌إما‌بطريؽ‌القتاؿ‌كا ما‌بطريؽ‌الاغتياؿ ).‌(3)‌ منع المشركين من زيارة البيت وعمارة المساجد : قاؿ‌تعالى :‌﴿مىا‌كىافى‌لًمٍميشٍرًكًيفى‌أىفٍ‌يىعٍميريكا‌مىسىاجًدى‌ا لمَّوً‌شىاىًدًيفى‌ ‌عىمىى‌أىنٍفيسًيًـٍ‌ بًالٍكيفٍرً﴾ [17]‌أم:‌(ما‌ينبغي‌لممشركيف ‌أف‌يعمركا ‌مساجد‌ا﵀‌كىـ ‌ شاىدكف‌عمى‌أنفسيـ‌بالكفر،‌لأف‌المساجد‌إنما‌تعمر‌لعبادة‌ا﵀‌فييا،‌لا‌لمكفر‌بو،‌ فمف‌كاف‌با﵀‌كافرنا،‌فميس‌مف‌شأنو‌أف‌يعميرى‌‌مساجد‌ا﵀(4)،‌ك‌قاؿ‌أيضان‌ :‌﴿إًنَّمىا‌ الٍميشٍرًكيكفى‌نىجىسه‌فىلب‌يىقٍرىبيكا‌الٍمىسٍجًدى‌الٍ‌ حىرىاـى‌بىعٍدى‌عىامًيًـٍ‌ىىذىا﴾ 27]،‌كمعناه‌ (ذك‌كنجس،‌لأفٌ‌‌معيـ‌الشرؾ ‌الذم‌ىك‌بمنزلة ‌النجس،‌كلأنيـ ‌لا‌يتطيركف‌كلا‌يغتسمكف‌ كلا‌يجتنبكف‌النجاسات،‌فيي‌ملببسة‌ليـ.‌أك‌جعمكا ‌كأنيـ‌النجاسة‌بعينيا)(5).‌ إف‌مف ‌أشد‌الأزمات‌ك‌ العذاب‌لأىؿ‌الشرؾ ؛‌أف‌ح رميـ‌ا﵀‌تعالى‌ما‌اعتادكا‌ عميو،‌كظنكه‌حقا‌نليـ ،‌كلكف‌ا﵀‌تعالى‌يعز‌مف‌يشاء‌كيذؿ‌مف‌يشاء،‌كفي‌إذلاليـ‌ىذا،‌ (1)‌‌انظر:‌الرازم،‌تفسير‌الفخر‌الرازم ،‌ج 15،‌ص 233،‌كانظر:‌السعدم، ‌تيسير‌الك ريـ‌ الرحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف،‌ج‌ 1،‌ص329،‌كانظر:‌الشعراكم،‌محمد‌متكلي ،‌‌تفسير‌ الشعراكم ،‌ج‌9‌،‌ص4877-‌4879‌.‌ (2)‌‌‌الشعراكم‌،‌محمد‌متكلي،‌‌تفس ير‌الشعراكم ،‌ج‌9،‌ص4877‌–‌4878‌.‌ (3)‌‌‌أبي‌حياف‌الأندلسي،‌البحر‌المحيط،‌ج5،‌ص14‌.‌ (4)‌‌‌الطبرم،‌‌جامع‌البياف ،‌ج14،‌ص165.‌ (5)‌‌‌الزمخشرم ،‌الكشاؼ،‌ج‌15،‌ص183‌.

عدد الصفحات ٧٠

59 كقكعيـ‌بأشد‌المصائب‌كالكرب ،‌بأف‌ليس‌ليـ‌الحج‌ لبيت‌ا﵀ ؛‌(لأف‌المؤمنيف‌ كالمشركيف ‌كانكا ‌يحجكف‌إلى‌البيت‌جميعنا" ؛‌فنك‌ دم‌فييـ‌بالمنع‌عف‌المسجد‌الحراـ ،‌ كىك‌أف‌رسكؿ‌ا﵀‌ -صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ–‌بعث‌أبا‌بكر‌أميران‌عمى‌المكسـ‌سنة‌تسع،‌ كبعث‌عمي‌بف‌أبي‌طالب‌أف‌يؤذف‌بالبراءة ؛‌كأف‌لا‌يحجف‌بعد‌ىذا‌العاـ‌‌مشرؾ‌كلا‌ يطكفف‌بالبيت‌عرياف... (1)‌ كعمارة‌المسا جد:‌تطمؽ‌عمى‌عبادة‌ا﵀‌تعالى‌فيو‌مطمقان‌ ،‌كعمى‌النسؾ‌ المخصكص‌المسمى‌بالعمرة،‌كىي‌خاصة‌بالمسجد‌الحراـ ،‌كعمى‌لزكمو‌كالإقامة‌فيو‌ لخدمتو‌الحسية،‌كعمى‌بنيانو‌ك‌ ترميمو ...)(2)،ك‌أيا‌ن‌كانت‌القراءة‌ليا؛‌عمى‌التكحيد ،‌أم‌ المسجد‌الحراـ،‌أك‌عمى‌التعميـ؛‌أم‌جميع‌المساجد ‌"كالخاص‌يدخؿ‌تحت‌العاـ" ،‌ىك‌ قراره‌‌إليي؛‌يكجب‌عمى‌المسمميف‌تكلي‌أحكاـ‌المساجد،‌كمنع‌المشركيف‌مف‌دخكليا ؛‌ كذلؾ‌لأف‌أمكر‌البيت‌كالسدانة‌كالسقاية‌كالرفادة‌كانت‌إلى‌المشركيف،‌فبيف‌أنيـ‌ليسكا‌ أىلبن‌‌لذلؾ،‌بؿ‌أىمو‌المؤمنكف،‌كقيؿ:‌إف‌العباس‌لما‌أسر‌كعير‌بالكفر‌كقطي عة‌الرحـ‌ قاؿ:‌تذكركف‌مساكئنا‌كلا‌تذكركف‌محاسننا ؛‌فقاؿ‌عمي:‌ألكـ‌محاسف ؟‌قاؿ:‌نعـ‌إنا‌ لنعمر‌المسجد‌الحراـ‌كنحجب‌الكعبة‌كنسقى‌الحاج‌كنفؾ‌العاني،‌فنزلت‌ىذه‌الآية‌ردان‌‌ عميو...‌(3)‌.‌ (1)‌‌انظر‌نص‌الحديث:‌في‌البخارم ،‌كتاب‌التفسير،‌باب‌قكلو‌‌تعالى‌﴿فىسًيحيكا‌فًي‌الأرٍضً‌ أىرٍبىعىةى‌أىشٍييرو‌كىاعٍمىميكا‌أىنَّكيـٍ‌غىيٍري‌ميعٍجًزًم‌المَّوً‌كىأىفَّ‌ المَّوى‌ميخٍزًم‌الٍكىافًرًيفى﴾2]، كبىابي‌قىكٍلًوً:‌ ﴿كىأىذىافه‌مًفى‌المَّوً‌كىرىسيكلًوً‌إًلىى‌النَّاسً‌يىكٍـى‌الحىجّْ‌الأىكٍبىرً‌أىفَّ‌المَّوى‌بى‌ رًمءه‌مًفى‌ الميشٍرًكًيفى‌كىرىسيكليوي،‌فىإًفٍ‌تيبٍتيـٍ‌فىييكى‌خىيٍره‌لىكيـٍ،‌كىا ًفٍ‌تىكىلَّيٍتيـٍ‌فىاعٍمىميكا‌أىنَّكيـٍ‌غىيٍري‌ميعٍجًزًم‌ المَّوً‌كىبىشّْرً‌ الَّذً‌يفى‌كىفىريكا‌بًعىذىابو‌أىلًيـو﴾ 3]إًلاَّ‌الَّذًيفى ‌عىاىىدٍتيـٍ‌مًفى‌الميشٍرًكً‌ يفى﴾‌[4]‌ حديث‌رقـ 4655-‌4657،‌ج6،‌ص64-65.‌‌كانظر:‌الطبرم ،‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌ القرآف،‌ج‌ 9،‌ص478،‌كانظر:‌ تفسير‌عبد‌الرزاؽ ،‌ج2،‌ص131،‌حديث‌رقـ 1038–‌ 1039‌ (2)‌‌‌‌رضا،‌تفسير‌القرآف‌الحكيـ‌(المنار)،‌ج 11،‌ص206–207‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌‌القرطبي،‌الجامع‌لأح كاـ‌القرآف ،‌ج7،‌ص89–90،‌كانظر:‌‌الكاحدم،‌الإماـ‌أبي الحسف‌عمي‌بف‌أحمد،‌ت‌468‌ىجرم،‌تحقيؽ‌كماؿ‌بسيكني‌زغمكؿ ،‌أسباب‌نزكؿ‌القرآف،‌ دار‌الكتب‌العممية،‌بيركت،‌لبناف،‌ط‌1،1991ـ،‌باب‌رقـ 238،‌ص246‌.‌

عدد الصفحات ٧١

61 كقد‌تعامؿ‌القرآف‌الكريـ‌مع‌ىذا‌القرار‌بكؿ‌حكمة‌فبيف‌أف‌ذلؾ القرار‌كاف :‌‌ أولاً :‌بسبب‌أنيـ ‌﴿شىاىًدًيفى‌عىمىى‌أىنٍفيسًيًـٍ‌بًالٍكيفٍر ﴾[17]‌بشيادتيـ‌عمى أنفسيـ‌ بالقكؿ،‌أك‌بالفعؿ ؛‌ىـ‌مف‌أىؿ‌الك فر؛‌لا‌يستحق كف‌الاقتراب‌مف‌مساجد‌ا﵀‌ تعالى،‌كلا‌ا لاشتراؾ‌في‌الأعماؿ‌الصالحة‌فييا،‌فأعماليـ‌ميما‌بمغ‌صلبحيا ،‌ كافتخارىـ‌بيا‌فقد‌أحبطيا‌ ا﵀‌تعالى،‌كأفسدىا‌فمـ‌يبؽ‌ليا‌ قيمة‌مع‌الشرؾ‌كالكفر .(1)‌ ثانياً:‌كأف‌ عمارة‌المساجد‌مف‌حؽ‌المؤمنيف‌كحدىـ ؛‌المتصفيف‌بصفات‌أربع ‌لا‌خامس‌ ليا‌﴿إًنَّمىا‌يىعٍميري‌‌مىسىاجًدى‌ ‌المَّوً‌‌مىفٍ‌‌آمىفى‌‌بًالمَّوً‌‌كىالٍيىكٍـً‌ ‌الآخًرً‌ ‌كىأىقىاـى‌‌الصَّلبةى‌‌كىآتىى‌الزَّكىاةى‌‌كى‌لىـٍ‌‌ يىخٍشى‌ ‌إًلا‌المَّوى‌‌فىعىسىى‌أيكلىئًؾى‌‌أىفٍ‌‌يىكيكنيكا‌مًفى‌‌الٍمييٍتىدًيفى‌﴾18]،كىذه‌الصفات‌ الأربع:‌الإيماف‌با﵀،‌إقامة‌الصمكات،‌كا يتاء‌الزكاة ،‌كالخشية‌ك‌ الخكؼ‌كالتقكل‌في‌باب‌ الديف،‌ىذه‌جامعة‌لأصكؿ‌الديف‌الثلبثة.(2‌)‌ 1.1.1 أزمة النزاعات ، والتحديات في بُنية الدولة الداخمية: كذلؾ‌بسبب‌كجكد‌قكل‌رافضة‌لمكياف‌الإسلبمي‌الجديد ؛‌سكاءن‌في‌مكة‌في‌بداية‌ الأمر‌أك‌في‌المدينة‌بعد‌اليجرة ،‌كقد‌كانت‌اليجرة‌محاكلة‌لتجنب‌قكل‌ا لضغط‌لمحفاظ‌ عمى‌الكياف‌الإسلبمي،‌كمف‌ثـ‌مكاجية‌ىذه‌ا لقكل ،‌ككانت‌اليجرة‌مكقؼ‌عظيـ‌لتأميف ‌ حرية‌الحركة‌ ككسيمة‌لتحقيؽ‌التحرر‌مف‌قيكد‌داخؿ‌مكة،‌ثـ‌الانطلبؽ‌لتأسيس‌الدكلة‌ الإسلبمية‌كالتي‌مف‌خلبليا‌جيكبيت‌الأزمات (3)،‌كىي ‌أكلى‌ىذه‌الأزمات‌في‌ىذا‌ المطمب:‌‌ مكر أىل الشرك وا خراجيم رسول الله – صمى الله عميو وسمم – من بمده:‌‌‌ يقكؿ‌تعالى:‌﴿أىلاى‌تيقىاتًميك‌ فى‌قىكٍمنا‌نىكىثيكا‌أىيٍمىانىييـٍ‌كىىىمُّكا‌بًإًخٍرىاجً‌الرَّسيكؿً‌كىىيـٍ‌ ‌بىدىءيككيـٍ‌ أىكَّؿى‌مىرَّةو﴾ 13]،ذكر‌تعالى‌في‌ىذه‌الآية‌الكريمة :‌أف‌كفار‌مكة‌ىمكا ‌بإخراجو ‌ (1)‌‌‌انظر‌الشعراكم،‌تفس ير‌الشعراكم،‌ج 9،‌ص‌4956.‌ (2)‌‌‌انظر:‌الرازم ،‌التفسير‌الكبير‌كمفاتيح‌الغيب،‌ج16،‌ص10–11،‌كانظر:‌‌رضا،‌المنار، ج‌11،‌ص212.‌ (3)‌‌انظر:‌شقرة،‌محمد‌عاصـ‌محمد‌ إبراىيـ،‌ نحك‌أنمكذج‌اسلبمي‌لإدارة‌الأزمات،‌ص 62–‌ 66‌.‌

عدد الصفحات ٧٢

61 صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌مف‌مكة،‌كصرح ‌في‌مكاضع ‌أخر‌بأنيـ‌أخرجكه ‌بالفعؿ،‌كقكلو:‌ ﴿ييخٍرًجيك‌ فى‌‌الرَّسيكؿى‌‌كىا ًيَّاكيـٍ‌﴾‌الآٍيىةى‌ ‌[الممتحنة:‌1]،‌كقكلو:‌﴿كىكىأىيّْفٍ‌ ‌مًفٍ‌‌قىرٍيىةو‌ ‌ىًيى‌‌أىشىدُّ‌‌قيكَّةن‌‌ مًفٍ‌‌قىرٍيىتًؾى‌ ‌الَّتًي‌أىخٍرىجىتٍؾى‌ ﴾[محمد:‌13]،‌كقكلو:‌﴿إًلاَّ‌‌تىنٍصيريكهي‌ ‌فىقىدٍ‌‌نىصىرىهي‌‌المَّوي‌‌إًذٍ‌‌أىخٍرىجىوي‌ ‌ الَّذًيفى‌‌كىفىريكا ...‌الآٍيىةى‌ ﴾[التكبة:‌40]،‌كذكر‌في‌مكاضع ‌أخر:‌محاكلتيـ‌لإخراجو ‌قبؿ‌أف‌ يخرجكه، ‌كقكلو:‌﴿كىا ًذٍ‌‌يىمٍكيري‌‌بًؾى‌‌الَّذًيفى‌‌كىفىريكا ‌لًييثٍبًتيكؾى‌‌أىكٍ‌‌يىقٍتيميكؾى‌‌أىكٍ‌‌ييخٍرًجيكؾى‌ ﴾[الأنفاؿ‌ 30]،‌كىقىكٍلًوً‌ :‌﴿كىا ًفٍ‌‌كىاديكا‌لىيىسٍتىفًزُّكنىؾى‌ ‌مًفى‌‌الأٍىرٍضً‌ ‌لًييخٍرًجيكؾى‌ ‌مًنٍيى‌ا﴾[الإسراء ‌76](1)؛ فقكلو‌تعالى:﴿كىا ًذٍ‌يىمٍكيري‌بًؾى‌الَّذًيفى‌كىفىريكا‌لًييثٍبًتيكؾى‌أىكٍ‌يىقٍتيميكؾى‌أىكٍ‌ ييخٍرًجيكؾى﴾ 30]، كىي‌مكر‌المشركيف‌في‌مكة‌حيث‌تشاكركا‌فيو‌ليمة‌ كىـ‌بمكة‌بدار‌الندكة ،‌فقاؿ‌ بعضيـ:‌إذا‌أصبح‌فأكثقكه‌بالكثاؽ،‌كقاؿ‌بعضيـ:‌بؿ ‌اقتمكه،‌كقاؿ‌بعضيـ:‌بؿ‌ اخرجكه؛‌فمما‌أصبحكا‌رأكا‌عميِّا‌رحمة‌ا﵀‌عميو‌،‌فردَّ‌ا﵀‌مكرىـ.(2)‌‌ ‌كقكلو‌تعالى:‌﴿كىكىأىيٌف‌مٌف‌قىرٍيىةو‌ىًىى‌أىشىدُّ‌قيكَّةن‌مٌف‌قىرٍيىتًؾى‌التى‌أىخٍرى‌ جىتٍؾى﴾ 13]، أم‌(ككـ‌يا‌محمد‌مف‌قرية ‌ىي‌أشد‌قكة ‌مف‌قريتؾ، ‌يقكؿ‌أىميا‌أشدٌ‌‌بأسان،‌كأكثر ‌ جمعان،‌كأعدٌ‌‌عديدان‌‌مف‌أىؿ‌قريتؾ، ‌كىي ‌مكة،‌كأخرج ‌الخبر‌عف‌القرية، ‌كالمراد ‌بو‌ أىميا)(3)،كىؤلاء‌الضعفاء‌مف ‌أىؿ‌مكة،‌الذيف‌أخرجكؾ‌عف‌كطنؾ‌ككذبكؾ،‌كعادكؾ،‌ كأنت‌أفضؿ‌ المرسميف،‌كخير‌الأكليف‌كالآخريف ،‌كلـ‌تفد‌فييـ‌المكاعظ‌ىـ ‌أحؽ‌مف‌ غيرىـ‌بالإىلب ؾ‌كالعقكبة (4)،‌كفي‌ىذه‌السكرة‌يقكؿ‌تعالى ‌في‌ذلؾ:‌﴿إًلاَّ‌تىنٍصيريكهي‌فىقىدٍ‌ نىصىرىهي‌المَّوي‌إًذٍ‌‌أىخٍرىجىوي‌الَّذًيفى‌كىفىريكا﴾ [التكبة:‌40]،كذلؾ‌أف‌قكمو‌أجبركه‌كاضطركه‌عمى‌ الخركج‌كاليجرة‌مف‌البمد‌التي‌أحبيا‌ فقد‌ركل‌الطبراني‌في‌معجمو‌عف‌ابف ‌عمر‌رضي ‌ ا﵀‌عنيما‌أف‌رسكؿ ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌قاؿ:‌(قد‌عممت‌أف‌أحب‌البلبد‌إلى‌ا﵀‌ (1)‌‌محمد‌الأميف‌بف‌محمد‌المختار‌بف‌عبد‌القادر‌الجكني‌الشنقيطي،‌(ت‌1393ىػ،‌أضكاء‌ البياف‌في‌إيضاح‌القرآف‌بالقرآف ،‌دار‌الفكر‌لمطباعة‌كالنشر‌كالتكزيع‌بيركت ،‌لبناف،‌عاـ‌ النشر:‌1415‌ىػ-‌1995ـ،‌ج‌2،‌ص115‌. (2)‌‌‌الطبرم،‌‌جامع‌البيا،‌ج 13،‌ص495،‌كانظر:‌السيكطي،‌الدر‌المنثكر،‌ج4،‌ص53‌.‌ (3)‌‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف،‌ج22،‌ص164. (4)‌‌‌انظر‌:‌السعدم،‌‌تيسير‌الكريـ‌ال رحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف،‌ج‌ 1،‌ص786.‌

عدد الصفحات ٧٣

62 عز‌كجؿ ‌مكة‌كلكلا ‌أف‌قكمي‌أخرجكني ‌ما‌خرجت) (1)‌ثـ‌أف‌قكموآذكه‌ -عميو‌الصلبة‌ كالسلبـ-،‌كضايقكه‌في‌الدعكة‌إلى‌الديف ،‌كضايقكا‌المسمميف‌بالأذل‌ كالمقاطعة ،‌ فتكفٌرت‌أسباب‌خركجو،‌كلكنٌيـ‌كانكا‌مع‌ذلؾ‌يتردٌدكف‌في‌تمكينو‌مف‌الخركج‌خشية‌أف‌ يظير‌أمر‌الإسلبـ‌بيف‌ظيراني‌قكـ‌آخريف ،‌فمذلؾ‌كانكا‌في‌آخر‌الأمر‌مصمٌميف‌عمى‌ منعو‌مف‌الخرك‌ ج،‌كأقامكا‌عميو‌مف‌يرقبو‌كحاكلكا‌الإرساؿ‌كراءه‌ ليردٌكه‌إلييـ،‌كجعمكا‌ لمف‌يظفر‌بو‌جزاءن‌جىزلان‌،‌كما‌جاء‌في‌حديث‌سيراقة‌بف‌جي‌عٍشيـ(2))(3)،كقد‌(أعدٌ‌‌الرسكؿ ‌ -صمٌى‌ا﵀‌عميو‌كسمٌـ-‌عدٌتو‌لميجرة ‌بعد‌أف‌أمره ‌ا﵀‌بيا،‌ككضع‌خطتيا،‌ككانت‌في‌ غاية‌الإحكاـ‌كالدقة ‌كنياية‌الحيطة،‌بتكجيو ‌ا﵀‌لو،‌ككحيو ‌الأميف،‌في‌أمكر‌شرحيا ‌ كبيانيا‌كذكر‌معجزاتيا ‌يطكؿ،‌منيا:‌أنو‌بدؿ‌أف‌يتجو‌الركب ‌المبارؾ ‌إلى‌الشٌماؿ‌اتجو‌ إلى‌الجنكب-‌محفكفا‌بعناية‌ا﵀-‌ملبحقا‌مف‌قكل ‌الكفر،‌تبتغي‌قتمو،‌معمنة‌عف‌جائزة ‌ ضخمة؛‌لمف‌يأتي‌بو‌حيا‌أك‌ميتا،‌كأعدت ‌أربعيف ‌شابا‌لقتمو،‌في‌خطٌة‌عنيفة‌مخيفة‌ ﴿كىا ًذٍ‌‌يىمٍكيري‌‌بًؾى‌‌الَّذًيفى‌‌كىفىريكا ‌لًييثٍبًتيكؾى‌‌أىكٍ‌‌يىقٍتيميكؾى‌‌أىكٍ‌‌ييخٍرًجي‌ كؾى‌‌كىيىمٍكيريكفى‌ ‌كىيىمٍكيري‌ ‌المَّوي‌‌كىالمَّوي‌‌ خىيٍري‌‌الٍماكًرًيفى‌﴾[الأنفاؿ:‌30]،فخرج ‌صمٌى‌ا﵀‌عميو‌كسمٌـ‌مف‌بينيـ-‌بقدرة ‌ا﵀-‌في‌ الميؿ،‌كاتٌجو‌إلى‌دار‌أبي‌بكر‌الصديؽ‌رضي ‌ا﵀‌عنو،‌حيث‌خرجا ‌ليلب‌مف‌ىناؾ،‌مف‌ (1)‌‌الطبراني ،‌سميماف‌بف‌أحمد‌بف‌أيكب‌أبك‌القاسـ،‌(ت‌360‌ىػ)،‌المعجـ‌الكبير،‌مكتبة‌ العمكـ‌كالحكـ ،‌المكصؿ،‌ط 2،1404–1983،‌تحقيؽ :‌حمدم‌بف‌عبدال مجيد‌السمفي،‌ حديث‌رقـ‌ 13347،‌ج12،‌ص361،‌كانظر :‌الأزرقي،‌أبي‌ الكليد‌محمد‌بف‌عبد‌ا﵀‌بف‌ أحمد،‌(ت‌250‌ىػ)،‌أخبار‌مكة‌كما‌جاء‌فييا‌مف‌الآثار،‌دراسة‌كتحقيؽ:‌عمي‌عمر ،‌ مكتبة‌الثقافة‌الدينية،‌ط1،‌ج2،‌ص148. (2)‌‌‌سراقة‌ب ف‌مالؾ‌بف‌جيعشـ‌المدلجي‌الكناني،‌أبك‌سفياف،‌صحابي‌لو‌شعر‌كاف‌ينزؿ‌قديدان‌،‌ لو‌في‌كتب‌الحديث‌19‌حديثان،‌ككاف‌في‌الجاىمية‌قائفان‌‌أخرجو‌أبك‌سفياف‌ليقتاؼ‌أثر ‌ رسكؿ‌ا﵀‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ–‌حيف‌خرج‌إلى‌الغار‌مع‌أبي‌ب كر،‌كأسمـ‌بعد‌غزك‌ الطائؼ‌سنة‌8‌ىجرم،‌تكفي‌سنة 24‌ىجرم ،‌انظر‌الزركمي‌‌الأعلبـ،‌ج‌ 3،‌ص80.‌ (3)‌‌‌‌انظر:‌حديث‌سراقة،‌البخارم،‌صحيح‌البخارم ،‌كتاب‌المناقب،‌باب‌ىجرة‌النبي‌ –صمى‌ ا﵀‌عميو‌كسمـ‌كأصحابو‌لممدينة،‌حديث‌رقـ‌ 3906،‌ج5،‌ص60،‌كانظر:‌ابف‌ىشاـ ،‌‌ السيرة‌ال نبكية،‌تيذيب‌عبد‌السلبـ‌ىاركف،‌دار‌البحكث‌العممية،‌الككيت،‌ط‌10،1984، ص‌116–118.‌كانظر:‌ابف‌عاشكر،‌‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 10،‌ص201.‌

عدد الصفحات ٧٤

63 خكخة (1)‌في‌ظير‌دار‌أبي‌بكر،‌مبتدئيف‌ىذه‌الرحمة ‌المباركة ‌الكريمة ‌مف‌ىناؾ(2)، (كأراد‌ا﵀‌تع الى‌ىدفان‌غير‌الذم‌أراده‌الكفار،‌فيـ‌أرادكا‌قتمو ،‌كحيف‌خرج‌ظنٌكا‌أف‌ دعكتو‌تيختنؽ‌بالعزؿ‌عف‌الناس،‌فأخرجو‌ا﵀‌لتنساح‌الدعكة ،‌كأكضح‌ليـ‌سبحانو‌أنو‌ سيخرجو‌مدعكمان‌بالأنصار،‌لذلؾ‌قالكا‌إف‌اليجرة‌تكأـ‌البعثة )(3)،ثـ‌أف‌تنشغؿ‌قريش ‌ كمٌيا‌كأىؿ ‌مكة،‌كتبذؿ‌لذلؾ،‌كتحضٌر،‌كتخطط،‌فذلؾ‌دليؿ-كىك ‌حاؿ‌متكرر-‌أف‌ أىؿ‌الباطؿ-‌أفرادا ‌كىيئات ‌كدكلان‌‌كمعسكرات ‌كجيات ‌كمؤسسات‌كأحزابا -‌إذا‌حاربكا ‌ الحؽ،‌كىـ ‌يحاربكنو دكما-‌يمجؤكف‌إلى‌كؿ‌الكسائؿ،‌دكف‌النظر‌إلى‌صمتيا‌بمثؿ‌أك‌ قانكف‌أك‌عرؼ، ‌حتى‌تمؾ‌التي‌كضعكىا، ‌أك‌ادٌعكا‌التعامؿ‌معيا،‌كىكذا ‌دينيـ‌ كديدنيـ،‌في‌كؿ‌الأمكر،‌لا‌ترتبط ‌بشيء‌غير‌مصمحتيـ،‌ككمما‌يدٌعكف،‌أك‌يضعكف‌ مف‌قكانيف ‌إنما‌ىي‌لحماية‌ىذه‌المصمحة،‌كيكـ‌تعكٌقيا ‌يدكسكنيا،‌كمع‌كؿ‌ذلؾ‌إذا‌ فشمكا ‌في‌شيء‌لمصمحتيـ‌اتبعكا ‌سبيؿ‌القتؿ‌كالإبادة، ‌لا‌يصدٌىـ‌عف‌ذلؾ‌كأكثر ‌منو‌ شيء،‌كىكذا ‌فعمت‌قريش، ‌كدبٌرت‌لو،‌رغـ ‌أنيـ‌يتعاممكف‌مع‌رسكؿ ‌ا﵀‌صمٌى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ‌المعركؼ‌لدييـ،‌كىك ‌يدعكىـ ‌إلى‌ا﵀،‌كدعكتو‌الحقة‌الخيرة، ‌يفعمكف‌ذلؾ‌ظنا‌ أنيـ‌يقضكف‌عمى‌ىذه‌الدعكة ‌المباركة، ‌كىييات !((4،(كما‌أف‌تفكير‌قائد‌الدعكة، ‌أك‌ رئيس ‌الدكلة،‌أك‌زعيـ ‌حركة ‌الإصلبح‌في‌النجاة‌مف‌تآمر‌المتربصيف ‌كالمغتاليف، ‌ كعممو ‌لنجاح‌خطة‌النجاة‌ليستأنؼ‌حركتو ‌أشد‌قكة ‌كمراسا ‌في‌ميداف‌آخر،‌لا‌يعتبر‌ (1)‌‌‌(خكخة)‌ىي‌البا ب‌الصغير،‌ك‌ ىك‌مكضع‌المركر،‌انظر‌تع ميؽ‌البغا،‌مصطفى‌ديب،‌ البخارم ،‌الجامع‌المسند،‌كتاب‌المناقب،‌باب‌ىجرة‌النبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌كأصحابو‌ إلى‌المدينة،‌حديث‌رقـ‌ 3904،‌ج5،‌ص57،‌ككتاب‌الصلبة،‌باب‌الخكخة‌كالممر‌في المسجد،‌حديث‌رقـ‌ 467،‌ج1،‌ص100. (2)‌‌الحجى،‌عبد‌الرحمف‌عمى ،‌السيرة‌النبكية‌ منيجية‌دراستيا‌كاستعراض‌أحداثيا ،‌دار‌ابف‌ كثير،‌دمشؽ،‌ط‌1،1420ىػ،‌ص306.‌كانظر:‌ابف‌ىشاـ،‌السيرة‌النبكية،‌تيذيب‌عبد السلبـ‌ىاركف،‌ص114–115. (3)‌‌‌الشعراكم،‌تفسير‌الشعراكم،‌ج 8،‌ص5125‌.‌ (4)‌‌‌الحجى،‌عبد‌الرحمف‌عمى ،‌السيرة‌النبك‌ ية‌منيجية‌دراستيا‌كاستعراض‌أحداثيا، ‌ص305- 306‌.‌

عدد الصفحات ٧٥

64 جبنا‌كلا‌فرارا ‌مف‌المكت،‌كلا‌ضنا‌بالتضحية‌بالنفس‌كالركح) (1)،كىكذا ‌لـ‌يكف‌لرسكؿ‌ ا﵀‌–‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌كصحابتو‌الكراـ‌ ‌بالبمد‌العتيؽ‌شأف‌كلا‌ دكلة‌ليا‌اعتبار‌ سياسي‌بيف‌الدكؿ؛‌فمف‌ىنا‌جاءت‌القرارات‌الإليية‌باليجرة‌ال ى‌المدينة‌المنكرة؛‌لتحؿ‌ أزمتيـ ،‌(كينشأ‌ليـ‌بذلؾ‌الكياف‌السياسي‌الذم‌يحمي‌الدعاة‌كيدفع‌عنيـ‌الأذل‌مف‌ أعدائيـ‌،‌كتتككف‌دكلة‌الدعكة‌ا لتي‌أخذت‌عمى‌عاتقيا‌نشر‌الإسلبـ،‌كتكفمت‌‌بالدفاع‌ عنيـ‌كحمايتيـ‌مف‌أم‌اعتداء‌قد‌يقع ؛‌كلك‌أدل‌ذلؾ‌إلى‌قياـ‌حرب‌ أك‌حركب)(2).‌ كدائمان‌نصر‌ا﵀‌قريب ،‌كمعيتو‌جنبان‌إلى‌جنب‌مع‌رسكلو‌الكريـ‌.‌ قاؿ‌تعالى :‌﴿إًلاَّ‌تىنٍصيريكهي‌فىقىدٍ‌نىصىرىهي‌المَّوي‌إًذٍ‌أىخٍرىجىوي‌الَّذًيفى‌كىفىري‌ كا‌ثىانًيى‌اثٍنىيٍفً‌إًذٍ‌ ىيمىا‌فًي‌الٍغىارً‌إًذٍ‌يىقيكؿي‌لًصىاحًبًوً‌لاى‌تىحٍزىفٍ‌إًفَّ‌المَّوى‌مىعىنىا‌فىأىنٍزىؿى‌المَّوي‌سىكًينىتىوي‌عىمىيٍوً‌كىأىيَّ‌ دىهي‌ بًجينيكدو‌لىـٍ‌تىرىكٍىىا‌كىجىعىؿى‌كىمًمىةى‌الَّذًيفى‌كىفىريكا‌السُّفٍمىى‌كىكىمًمىةي‌المَّوً‌ىًيى‌الٍ‌ عيمٍيىا‌كىالمَّوي‌عىزً‌ يزه‌ حىكًيـه﴾ 40]،فقكلو:‌﴿ إًلاَّ‌تىنصيريكهي‌فىقىدٍ‌ نىصىرىهي‌ا﵀﴾‌أم :‌إف‌تركتـ‌نصره‌في‌ تبكؾ‌فا﵀‌متك فؿ‌بو ،‌فقد‌نصره‌في‌مكاطف‌القمة ،‌كأظيره‌عمى‌عدكه‌بالغمبة‌كالقير ،‌ كسينصره‌مف‌نصره‌حيف‌لـ‌يكف‌معو‌إلا‌رجؿ‌كاحد‌كقت‌إخراج‌الذيف‌ كفر‌ كا‌لو‌حاؿ‌ ككنو‌﴿ثىانًيى‌اثنيف﴾ ‌أم:‌أحد‌اثنيف،‌كىما:‌رسكؿ‌ا﵀‌ -صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌ك‌أبك‌بكر‌ الصديؽ‌-رضي‌ا﵀‌عنو -،‌كيدير‌رسكؿ‌ا﵀‌أزمتو‌كيطمئف‌صاحبو‌بقكلو :‌﴿إًذٍ‌يىقيكؿي‌ لًصىاحًبًوً‌لاى‌ ‌تىحٍزىفٍ‌إًفَّ‌ا﵀‌مىعىنىا﴾‌أم:‌دع‌الحزف ،‌فإف‌ا﵀‌بنصره‌كحفظو‌كع كنو‌كتأييده‌ معنا،‌كمف‌كاف‌ا﵀‌معو‌فمف‌يغمب ،‌كمف‌لا‌يغمب‌فيحؽ ‌لو‌أف‌لا‌يحزف ...(3)،‌فقد أخرج‌البخار‌ م‌عف‌أنس‌بف‌مالؾ‌–رضي‌ا﵀‌عنو -:‌قاؿ:‌حدثني‌أبك‌بكر‌قاؿ:‌«كنت مع‌النبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌في‌الغار‌فرأيت‌آثار‌المشركيف‌فقمت :‌يا‌رسكؿ‌ا﵀‌لك‌ أف‌ أحدىـ‌رفع‌قدمو ‌لأبصرنا‌تحت‌قدمو ،‌فقاؿ‌عميو‌الصلبة‌كالسلبـ :‌يا‌أبا‌بكر‌ما‌ (1)‌‌‌السباعي،‌مصطفى‌بف‌حسني‌السباعي‌( ت‌1384ىػػ)،‌السيرة‌النبكية ‌دركس‌كعبر،‌ الناشر:‌المكتب‌الإسلبـ،‌ط3،1405‌ىػػ-1985‌ـ،‌ص68‌. (2)‌‌‌أبك‌فارس،‌ محمد‌عبد‌القادر،‌اليجرة‌النبكية،‌دار‌الفرقاف،‌عماف،‌ط 1،1982،‌ص13.‌ (3)‌‌‌انظر:‌القرطبي، ‌الجامع‌لأحكاـ‌القرآف،‌ج 7،‌ص 143-149،‌كالشككاني،فتح‌القدير،‌‌ ج1،‌ص573.‌

عدد الصفحات ٧٦

65 ظنؾ‌باثنيف‌ا﵀‌تعالى‌ثالثيما»(1)،‌ثـأنزؿ‌ا﵀ ‌طمأنينتو‌كسككنو‌عمى‌رسكلو،‌ك‌ قيؿ:‌ عمى‌أبي‌بكر،‌كقكٌاه‌بجنكدو‌مف‌عنده‌مف‌الملبئكة،‌كجعؿ‌كممة‌الذيف‌كفركا،‌(السُّفٍمى)،‌ لأنيا‌قييًرىت‌كأذًلَّت،‌كأبطميا‌ ا﵀‌تعالى،‌كمحؽ‌أىميا،‌ككؿ‌مقيكر‌كمغمكب‌فيك‌أسفؿ‌ مف‌الغالب،‌كالغالب‌ىك‌الأعمى ،‌ككممة‌ا﵀‌ىي‌العميا‌كىي‌ديف‌ا﵀‌كتكحيده‌كقكؿي‌لا‌ إلو‌إلا‌ا﵀،‌كىي‌ك ممتيو‌(العميا)،‌عمى‌الشرؾ‌كأىمو (2)،‌ك ‌يخفى‌ما‌بيف‌قكؿ‌النبي‌ صمٌى‌ا﵀‌عميو‌كسمٌـ:‌﴿إًفَّ‌‌المَّوى‌‌مىعىنا﴾‌كقكؿ‌مكسى‌عميو‌السلبـ:‌﴿إًفَّ‌‌مىعًي ‌رىبّْي﴾‌ [الشعراء :‌62‌]مف‌الفرؽ ‌الظاىر‌لأرباب ‌الأذكاؽ ‌حيث‌قدـ‌نبينا‌صمٌى‌ا﵀‌عميو‌كسمٌـ‌ اسمو‌تعالى‌عميو‌كعكس ‌مكسى‌عميو‌السلبـ،‌كأتى ‌صمٌى‌ا﵀‌عميو‌كسمٌـ‌بالاسـ‌ الجامع‌كأتى ‌الكميـ‌باسـ‌الرب، ‌كأتى ‌عميو‌الصلبة‌كالسلبـ -‌بنا-‌في‌مىعىنا‌كأتى ‌مكسى‌ عميو‌السلبـ‌بياء‌المتكمـ.(3)‌ك﴿إًفَّ‌‌المَّوى‌‌مىعىنا﴾‌(ينبغي‌ أف‌نعيشيا‌في‌علبقتنا‌مع‌ أقاربنا ،‌مع‌أصدقائنا،‌مع‌جيراننا،‌مع‌أعدائنا،‌مع‌الناس‌جميعان،‌في‌أخذنا‌كعطائنا،‌ في‌بيعنا‌كشرائنا ،‌في‌حربنا‌كسممن ا،‌في‌خصكم اتنا‌كقضائنا،‌في‌كلبمنا‌كصم تنا...‌ فينبغي‌أف‌تحكـ‌ىذه‌القاعدة‌جميع‌أمكر‌حياتنا‌العامة‌كالخاصة ،‌فإذا‌عاش‌المسممكف‌ ىذه‌الحقيقة،‌تغير‌ما‌في‌نفكسيـ ،‌كا ذا‌تغير‌ما‌في‌نفكسيـ‌غيٌر‌ا﵀‌مف‌أحكاليـ،‌ كصاركا‌خير‌أمة‌كما‌كانكا‌مف‌قبؿ) .(4)‌‌ كما‌كتعد‌اليجرة بداية ً لأزمة شيدىا التاريخ الإسلامي،‌(فا لذم‌تعرفو‌السيرة‌ النبكية،‌أف‌النبي‌كالذيف‌آمنكا‌معو‌مف‌المياجريف‌كالانصار،‌كاجيكا‌مع‌اليجرة‌مرحمة‌ خطرة‌معقدة،‌كاف‌عمييـ‌فييا‌أف‌يخكضكا‌حربا‌في‌أكثر‌مف‌جبية،‌كأف‌يستبسمكا‌في‌ الجياد‌تحت‌لكاء‌عقيدتيـ‌مف‌حيث‌يأتييا‌الخطر:‌مف‌مكاقع‌مك شكفة‌سافرة،‌كأخرل‌ (1)‌‌‌البخارم،‌صحيح‌البخارم،‌كتاب‌التفسير،‌باب‌قكلو‌تعالى :‌﴿ثىانًيى‌اثٍنىيٍفً‌إًذٍ‌ىيمىا‌فًي‌الٍغىارً‌ إًذٍ‌يىقيكؿي‌لًصىاحًبًوً‌لاى‌ تىحٍزىفٍ‌إًفَّ‌المَّوى‌مىعىنىا﴾ ‌حديث‌رق ـ‌4663،‌ج6،‌ص66‌.‌ (2)‌‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف،‌ج 14،‌ص261،‌كانظر:‌ابف‌كثير،‌تفسير‌القرآف‌العظيـ،‌ج 2، ص395‌.‌ (3)‌‌الألكسي،‌‌ركح‌المعاني،‌ج 5،‌ص296،‌كانظرالقر‌ طبي،‌الجامع‌لأحكاـ‌القرآف،‌ج 7، ص‌147‌.‌ (4)‌‌أبك‌فارس،‌‌محمد‌عبد‌القادر ،‌اليجرة‌الن بكية،‌ص‌55‌.

عدد الصفحات ٧٧

66 خفية‌ماكرة...)(1)،‌ك‌لـ‌يكف‌معنى‌اليجرة ‌ىك‌التخمص‌مف‌الفتنة‌كالاستيزاء ‌فحسب،‌ بؿ‌كانت‌اليجرة ‌مع‌ىذا‌تعاكنا‌عمى‌إقامة‌مجتمع‌جديد‌في‌بمد‌آمف،‌كلا ‌شؾ‌أف‌رسكؿ ‌ ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌ىك‌الإماـ‌كالقائد ‌كاليادم ‌في‌بناء‌ىذا‌المجتمع،‌ككانت‌إليو‌ أزمة ‌الأمكر‌بلب‌نزاع،‌ كما‌أف‌الأقكاـ ‌التي‌كاف‌يكاجييا ‌رسكؿ ‌ا﵀‌-صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ-‌في‌المدينة‌كانت‌عمى‌ثلبثة‌أصناؼ،‌يختمؼ‌أحكاؿ ‌كؿ‌كاحد ‌منيا‌بالنسبة‌إلى‌ الآخر‌اختلبفان‌‌كاضحان،‌كىذه ‌الأصناؼ‌الثلبثة‌ىي:‌أصحابو‌الصفكة ‌الكراـ ‌البررة ‌ رضي ‌ا﵀‌عنيـ،‌كالمشرككف ‌الذيف‌لـ‌يؤمنكا ‌بعد،‌كىـ ‌مف‌صميـ‌قبائؿ‌المدينة،‌ كالييكد ...(2)‌كقد‌كاجو‌المياجركف ‌الضيؽ‌كالأزمة‌في‌بداية‌اليجرة ؛‌كالتي‌كاف‌مف‌أىـ‌ أسبابيا:‌اختلبؼ‌مناخ‌مكة‌عف‌المدينة،‌كا صابتيـ‌بالحمى ،‌كما‌أنيـ‌ت رككا‌أىمييـ‌ فتكلٌد‌لدييـ‌إحساسه‌‌بالكحشية‌كالحنيف‌إلى‌بمدىـ،‌كترككا‌معظـ‌ثركاتيـ‌بمكة ،‌ثـ‌أفٌ‌ ميارتيـ‌كانت‌في‌التجارة‌التي‌تمرست‌ بيا‌قريش ‌كلـ‌تكف‌في‌الزراعة‌كالصناعة ،‌كىما‌ يشكلبف‌أساسيف‌ميميف‌في‌اقتصاديات‌المدينة،‌كبما‌أف‌التجارة‌تحتاج‌إلى‌رأس‌الماؿ‌ فإف‌المياجريف‌لـ‌يتمكنكا‌مف‌شؽ‌طريقيـ‌في‌المجتمع‌المدني‌بسيكلة (3)،‌كلكف‌ىذه‌ الأزمة ‌مع‌شدتيا‌كما‌فييا‌مف‌الكرب؛‌تحمؿ‌في‌لبيا‌الفرج‌كالنصر‌كالفلبح‌،‌كىذا‌ما‌ يسمى‌عند‌عمماء‌الإدارة‌"بالإدارة‌بالأزمات"‌( كىك‌فف‌مستحدث‌لمسيطرة‌ع مى‌الآخريف،‌ كا خضاعيـ‌كابتزازىـ ،‌فضلب‌عف‌تحريؾ‌الثكابت‌الراسخة ‌فيما‌يتصؿ‌بالقكاعد‌المستقرة،‌ كالأسس‌المتعارؼ‌عمييا ،‌كمف‌ خلبؿ‌صناعة‌الأزم ة‌تجنى‌المكاسب،‌كتتحقؽ‌ الأىداؼ)(4)‌فكانت‌أحداث‌اليجرة‌كميا‌انتصارات‌لرسكؿ‌ا﵀‌كمف‌معو‌كبداي ة‌ الفتكحات‌لديف‌قكم‌كدكلة‌عظيمة ؛‌فالإخراج‌نفسو‌مف‌مكة‌فيو‌النصر ،‌ككجكدىما‌في‌ الغار‌نصر‌آخر،‌ثـ‌إنزاؿ‌السكينة‌عمى‌رسكؿ‌ا﵀‌كص احبو،‌كالتأييد‌بالجنكد‌الإليية ،‌ (1)‌‌لممزيد‌انظر:‌بنت‌الشاطيء،‌عائشة‌عبد‌الرحمف‌(ت 1998ـ،‌مع‌ المصطفى‌عميو‌ الصلبة‌كالسلبـ،‌دار‌الكتاب‌العربي،‌بيركت،‌ط 1،1972،‌ص189–190.‌ (2)‌‌‌المباركفكرم،‌صفي‌الرحمف‌(ت 1427ىػ)،‌الرحيؽ‌المختكـ،‌دار‌الكفاء ،‌المنصكرة ‌،‌ط1، ٤ََ٢،‌ج1،‌ص160‌.‌ (3)‌‌انظر:‌شقرة،‌محمد‌عاصـ‌محمد‌ابراىيـ،‌ نحك‌أنمكذج‌اسلبمي‌لإدارة‌الأزمات ،‌ص83‌.‌ (4)‌‌‌الخضيرم،‌ادارة‌الأزمات ،‌ص17‌.‌

عدد الصفحات ٧٨

67 كجعؿ‌كم مة‌ا﵀‌‌كالحؽ‌ىي‌العميا؛‌فأراد‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالى‌أف‌يمفتنا‌إلى‌أف‌الباطؿ‌لا‌ يمكف‌أف‌يعمك‌عمى‌الحؽ،‌كأف‌الحؽ‌دائمان‌‌ىك‌الأعمى،‌كأف‌ك ممة‌الكفار‌كالمشركيف‌‌ ىي‌السفمى‌الذيف‌أرادكا‌القضاء‌عمى‌الدعكة‌بقتؿ ‌رسكؿ‌ا﵀‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ–‌أك‌ نفيو‌بإخراجو‌إلى‌مكاف ‌بعيد،‌أك‌سجنو،‌كغيرىا‌مف‌الأذل ...(1‌)(كىكذا ‌لـ‌تكف‌اليجرة ‌ في‌الحس‌الإسلبمي‌مجرد ‌نجاة‌مف‌عدك،‌أك‌ىركب‌مف‌محنة،‌لقد‌كانت‌اليجرة ‌فاتحة‌ تاريخ ‌جديد،‌ككانت‌بالنسبة‌لممسمميف‌في‌الأرض، ‌ابتداء‌كجكدىـ ‌كتاريخيـ، ‌فصار‌ التاريخ ‌اليجرم، ‌المبتدلء‌في‌ىجرة ‌الرسكؿ ‌–صمى‌ا﵀ ‌عميو‌كسمـ -‌ىك‌سمة‌ىذه‌ الأمة،‌عمى‌مدار‌القركف،‌كبو‌كمف‌خلبلو‌تعرؼ )(2)،كما‌كيعد ‌حدث‌اليجرة‌إلى‌ المدينة‌المنكرة ،‌إعلبنان‌‌كاضح ان‌‌لبزكغ‌مرحمة‌الدكلة‌الإسلبمية ،‌كتحكلات‌عميقة‌كجذ رية‌ عمى‌جميع‌المستكيات‌السياسية ،‌كالاق تصادية،‌كالاجتماعية‌...‌كغيرىا ،‌كقد‌كض ع‌ رسكؿ ‌ا﵀‌–صمى‌ا﵀‌عميو‌سمـ–‌المعالـ‌الأساسية‌لممجتمع‌الإسلبمي‌في‌كؿ‌أبعاده‌‌ الفردية‌كالجماعية،‌العامة‌كالخاصة،‌كذلؾ‌مف‌خلبؿ‌بناء‌المسجد ،‌كالمؤاخاة‌بيف‌ المياجريف‌كالأنصار ،‌كا صد ار‌دستكر‌ككثيقة‌لتنظيـ‌العلبقات ،‌كتعزيز‌صمة‌الأمة‌ بعضيا‌با لبعض‌الآخر‌سكاءن‌ ‌المسمميف‌منيـ،‌أك‌مف‌الأ جانب‌ممف‌لا‌يدينكف‌ديف‌ الإسلبـ،‌كما‌أنشأ‌البنية‌التحتية‌‌مف‌خلبؿ‌اختيار‌المكقع‌الجغرافي ،‌كا نشاء‌المرافؽ‌ الاجتماعية‌كالاقتصادية‌ مف‌خلبؿ‌السكؽ‌كالطرقات‌كغيرىا ....‌كما‌حمى‌الدكلة‌ الناشئة‌ببناء‌الجيش (3)،‌أما‌اليجرة ‌بشكؿ‌وعاـ‌ مف‌دار‌الكفر‌إلى‌دار‌الإسلبـ‌فيي‌ (مطمكبة‌ككاجبة ‌حاؿ‌كجكد ‌أذل‌الكفار‌كتعذر‌إقامة‌شعائر‌الديف،‌فعمى‌المسمـ‌أف‌ (1)‌‌‌‌لممزيد انظر:‌الشعراكم،‌ تفسير‌الشعراكم، ‌ج‌9،‌ص5126‌–‌5133،‌كانظر :‌محمد،‌‌ أحمد‌عبد‌العظيـ،‌التخطيط‌لميجرة،‌دا ر‌التكزيع،‌مصر،‌ط 1،2003،‌ص‌76–‌100، ك‌انظر:‌الغزالي،‌محمد ،‌فقو‌السيرة،‌دار‌الكتب‌الحديثة،‌مصر،‌ط‌ 6،1965،‌ص168– 179،‌كانظر :‌أزمة‌اليجرة‌كاممة‌مف‌الجمؿ،‌صديقة‌محمد‌سميماف ،‌اليدم‌النبكم‌في‌ إدارة‌الأزمات‌الاجتماعية‌العا مة،‌‌ص44–49‌.‌ (2)‌‌الغضبا،‌منير‌محمد‌الغضباف‌(ت‌1435ىػػ)،‌فقو‌السيرة‌النبكية،‌ج امعة‌أـ‌القرل،‌ط 2،‌ 1992‌ـ،‌ص342‌. (3)‌‌انظر:‌الغزالي،‌محمد،‌فقو‌السيرة،‌ص 187–198‌.‌

عدد الصفحات ٧٩

68 يتممس‌عبادة‌ا﵀‌في‌أرضو ‌مع‌صالحي‌عباده،‌فإف‌كاف‌في‌حاؿ‌مضايقة‌مف‌إظيار‌ الإيماف‌في‌أرض، ‌فياجر‌إلى‌أرض ‌أخرل، ‌فإف‌أرض ‌ا﵀‌كاسعة، ‌لإظيار‌التكحيد ‌ بيا،‌كىذا ‌كاف‌مناسبان‌‌لممؤمنيف‌في‌صدر‌الإسلبـ‌حيث‌ىاجركا ‌مف‌مكة‌ميد‌الشرؾ ‌ كالكثنية ‌إلى‌المدينة‌الطيبة‌المطيرة، ‌ثـ‌ارتفع ‌الكجكب ‌كلـ‌تعد‌اليجرة ‌كاجبة ‌بعد‌فتح‌ مكة،‌كا نما ‌بقيت‌اليجرة ‌بمعنى‌ىجر‌السكء ‌كترؾ ‌ما‌نيى‌ا﵀‌عنو،‌كالآية‌في‌قكلو‌ تعالى:‌ ﴿يىا‌عًبىادًمى‌ ‌الَّذًيفى‌ ‌آمىنيكا‌إًفَّ‌‌أى‌ رٍضًي ‌كىاسًعىةه‌ ‌فىإًيَّامى‌‌فىاعٍبيديكفً‌﴾[56‌]‌ نزلت ‌في‌اليجرة ‌قبؿ‌الفتح،‌لا‌في‌اليجرة ‌مطمقا‌في‌كؿ‌زماف ‌كمف‌أم‌بمد،‌كلكف‌ بعمكميا‌تعد‌مستندا‌لمقكؿ‌بكجكب ‌اليجرة ‌عمى‌الدكاـ ‌عند‌الإمكاف‌إذا‌لـ‌يتمكف‌المسمـ‌ مف‌إقامة‌شعائر‌دينو)(1)،‌ف اليجرة‌ كقعت‌في‌الإسلبـ‌عمى‌كجييف ،‌الأكلى:‌الانتقاؿ‌ مف‌دار‌الخكؼ‌إلى‌دار‌الأمف،‌كما‌في‌ىجرتي ‌الحبشة‌كابتداء ‌اليجرة ‌مف‌مكة‌إلى‌ المدينة،‌ك‌ الثاني:‌اليجرة ‌مف‌دار‌الكفر‌إلى‌دار‌الإيماف،‌كذلؾ‌بعد‌أف‌استقر‌النبي- صىمٌى ‌ا﵀ي‌‌عميٌو‌كسمٌـ-‌‌بالمدينة،‌كىاجر ‌إليو‌مف‌أمكنو‌ذلؾ‌مف‌المسمميف‌.(2)‌ كما‌كتحمؿ‌لنا‌اليجرة‌النبكية‌الكثير‌مف‌العبر‌كالدركس،‌التي‌يمكف‌أف‌تككف سبيلب‌لمخركج‌مف‌الأزمات‌المعاصرة‌للؤمة‌الإسلبمية‌ اليكـ‌يجب‌النظر‌فييا‌. مسجد ضرار : ‌ قاؿ‌تعالى:‌﴿كىالَّذًيفى‌اتَّخىذيكا‌مىسٍجًدنا‌ضًرىارنا‌كىكيفٍرنا‌كىتىفٍرًيقنا‌بىيٍفى‌الٍميؤٍمًنً‌ يفى‌كىا ًرٍصىادنا‌ لًمىفٍ‌حىارىبى‌المَّوى‌كىرىسيكلىوي‌مًفٍ‌قىبٍؿي‌كىلىيىحٍمًفيفَّ‌إًفٍ‌أىرىدٍنىا‌إًلا‌الٍحيسٍنىى‌كىالمَّوي‌يىشٍيىدي‌إًنَّييـٍ‌ لىكىاذًبيكفى‌*لاى‌‌تىقيـٍ‌‌فًيوً‌‌أىبىدنا‌لىمىسٍجًده‌‌أيسّْسى‌‌عىمىى‌التَّقٍكىل‌مًفٍ‌‌أىكَّؿً‌ ‌يىكٍـو‌ ‌أىحىؽُّ‌ ‌أىفٍ‌‌تىقيكـى‌‌فًيوً‌‌فًيوً‌‌ رًجىاؿه‌ ‌ييحًبُّكفى‌ ‌أىفٍ‌‌يىتىطىيَّريكا ‌كىالمَّوي‌‌ييحًبُّ‌‌الٍميطَّيّْرًيفى‌﴾:‌107/108]،كمما‌كاجو‌ رسكؿ‌ا﵀ ‌–صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ -‌مف‌أزمات ؛‌مكاجيتو‌ جماعة‌حارب ت‌ا﵀‌بطرؽ‌ مخفية‌‌كبأساليب‌شيطانية‌كشفيا‌ا﵀‌عمييـ،‌كفضحيـ‌كبيف‌سكء‌نيتيـ‌كعمميـ ،‌كمف‌ ىذه‌المكائد‌المذككرة ‌في‌سكرة‌التكبة ؛‌أنو‌كاف‌أناس‌مف‌المنافقيف‌-كعمى‌رأسيـ‌‌أبي‌ (1)‌‌الزحيمي،‌كىبة‌بف‌مصطفى ،‌‌التفسير‌المنير،‌ج21،‌ص27‌.‌ (2)‌‌‌القاسمي،‌محاسف‌التأكيؿ،‌ج3،‌ص292.‌

عدد الصفحات ٨٠

69 عامر‌الراىب (1)‌مف‌أىؿ‌قباء‌اتخذكا‌مسجدن ا‌إلى‌جنب‌مسجد‌قباء (2)،‌يريدكف‌بو المضارة،‌كالإساءة ،‌كالمشاقة ‌كالتفريؽ ‌بيف‌المؤمنيف،‌ كتقكية‌كفرىـ‌ كيعدكنو‌ لانتظار‌ كترقب‌ مف‌يرجكنو‌مف ‌المحاربيف‌لمٌو‌كرسكلو،‌يككف‌ليـ‌حصنان‌ ‌كمكانان‌مرصدا‌ن‌ عند‌ الاحتياج‌إليو،‌فبيف‌تعالى‌خزييـ،‌كأظير‌سرىـ‌ ككذبيـ...‌ كأمر ‌ا﵀‌نبيو‌أف‌لا‌يقـ‌ الصلبة‌فيو ،‌ثـ‌بعث‌إليو‌النبي‌ -صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ -‌مف‌ييدمو‌كيحرقو،‌فيدـ‌ كحرؽ،‌كصار‌بعد‌ذلؾ‌مزبمة ...‌كمات‌أبك‌عامر‌طريد ان‌كحيدان‌‌غريبان‌‌بالشاـ‌...(3). ما‌يزاؿ‌صاحب‌الكيد‌الخادع‌مزعزع‌العقيدة في‌شؾ‌كنفاؽ،‌لا‌يزك‌ ؿ‌كسمو‌عف‌ قمكبيـ‌كلا‌يضمحؿ‌أثره ،‌حائر‌الكجداف،‌لا‌يطمئف‌كلا‌يستقر، ‌كىك‌مف‌انكشاؼ‌ستره‌ في‌قمؽ‌دائـ،‌كريبة‌لا‌طمأنينة‌معيا‌كلا‌استقرار ...،‌كالتعبير‌القرآني‌الف ريد‌يرسـ ‌ىنا‌ صكرة‌حافمة‌بالحركة ،‌تنبئ‌عف‌مصير‌كؿ‌مسجد‌ضرار‌يقاـ‌إلى‌جكار‌مسجد‌التقكل ،‌ ككؿ‌مسجد‌بني‌مباىاة‌أك‌رياء‌كسمعة‌أك‌لغرض‌سكل‌ابتغاء‌كجو‌ا﵀‌أك‌بماؿ‌غير‌ طيب،‌أك‌أيريد‌بو‌ما‌أريد‌بمسج د‌الضرار؛‌فيك‌لاحؽ‌بمسجد‌الضرار ،‌كتكشؼ‌عف‌ نياية‌كؿ‌محاكلة‌خادعة‌تخفي‌كراءىا ‌نية‌خبيثة؛‌كتطمئف‌العامميف‌المتطيريف‌مف‌كؿ‌ كيد‌يراد‌بيـ ،‌ميما‌لبس‌أصحابو‌مسكح‌ا لمصمحيف‌كىذا‌المسجد‌ما‌يزاؿ‌يتخذ‌في‌ صكر‌شتى‌تلبئـ‌ارتقاء‌الكسائؿ‌الخب يثة‌التي‌يتخذىا‌أعداء‌ىذا‌الديف ،‌في‌الإضرار‌ (1)‌‌‌عمرك‌بف‌صيفي‌بف‌مالؾ‌بف‌أمية،‌أبك‌عامر،‌مف‌الأكس‌جاىمي‌مف‌أىؿ‌المدينة،‌كاف‌ يذكر‌البعث‌كديف‌الحنيفية،‌كييعرؼ‌بالراىب،‌كلما‌ظير‌الإسلبـ‌حسد‌النبي‌–صمى‌ا﵀‌ عميو‌كسمـ–‌كعاندهي‌،‌كخرج‌مف‌المدينة‌فشيد‌مع‌مشركي‌قريش‌كقعة‌أيحد‌ثـ‌سكف‌مكة،‌ كلما‌انتشر‌الإسلبـ‌خرج‌إلى‌بلب د‌الركـ،‌فمات‌فييا‌سنة‌ 9‌ىجرم ،‌انظر:‌الزركمي،‌ الأعلبـ،‌ج5،‌ص79‌. (2)‌‌‌ىذا‌المسجد‌بناه‌بنك‌عمرك‌بف‌عكؼ‌مف‌الأنصار،‌كبعثكا‌إلى‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عم يو‌ كسمـ،‌فأتاىـ‌فصمى‌فيو،‌انظر:‌ابف‌الجكزم ،‌جماؿ‌الديف‌أبك‌الفرج‌عبد‌الرحمف‌بف‌عمي‌ بف‌محمد‌الجكزم‌( ت‌597ىػ)،‌مثير‌العزـ‌الساكف‌إلى‌أشرؼ‌ا ماكف‌المحقؽ:‌مرزكؽ‌ عمي‌إبراىيـ ،‌تقديـ:‌حماد‌بف‌محمد‌الأنصارم،‌دار‌الراية،‌ط 1،1415‌ىػ-1995ـ،‌باب ذكر‌مسجد‌قباء،‌ج2،‌ص275‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌الكاحدم،‌الإماـ‌أبي‌الحسف‌عمي‌بف‌أحمد،‌أسباب‌نزكؿ‌القرآف،‌باب‌رقـ‌ 260، ص‌264–265،كانظر:الطبرم،‌جامع‌البياف‌في‌تأكيؿ‌القرآف،‌ج‌ 14،‌ص471–474.‌

عدد الصفحات ٨١