المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأزمات في العهد النبوي في ضوء سورة التوبة دراسة موضوعية

زينب عبد الرزاق الرعود

صفحة ١٥ من ٢١

214 كقيؿإف‌في‌الم شار‌إلييـ‌في‌ قكلو‌تعالى:‌﴿ اشٍتىرىكٍا‌بً‌ آيىاتً‌المَّوً‌ثىمىننا‌قىمًيلب﴾‌ قكلاف ،‌أحدىما:‌أنيـ‌الأعراب‌ال ذيف‌جمعيـ‌أبك‌سفياف‌عمى‌طعامو‌ –أطعـ‌حيمفاءه،‌ كترؾ ‌حيمفاء‌محمد‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ -(1)،‌كالثاني :‌أنيـ‌قكـ‌مف‌الييكد،‌فعمى‌ الأكؿ،‌آيات‌ا﵀:‌حججو،‌كعمى‌الثاني :‌ىي‌آيات‌التكراة ،‌كالثمف‌ال قميؿ:‌ما‌حصَّمكه‌ بدلان‌مف‌الآيات،‌كفي‌كصفو‌بالقميؿ‌كجياف،‌أحدىما:‌لأنو‌حراـ،‌كالحراـ‌قميؿ ،‌كالثاني :‌ لأنو‌مف‌عىرىض‌الدنيا‌الذم‌بقاؤه‌قميؿ.(2)‌ ثـ‌يبيف‌ا﵀‌تعالى‌أف‌آياتو‌ىذه‌التي‌اشتركا‌بيا‌ثمنان‌قميلبن‌،‌يبيف‌حججيا‌كأدلتيا‌ عمى‌خمقو‌﴿لًقىكٍـو‌يىعٍمىمي‌ كفى﴾ ،‌فنشرحيا‌ليـ‌مفصمة،‌دكف‌الجياؿ‌الذيف‌لا‌يعقمكف‌عف‌ ا﵀‌بيانو‌كمحكـ‌آياتو(3)،يقكؿ‌تعالى:‌﴿فىإًفٍ‌تىابيكا‌كىأىقىاميكا‌الصَّلبةى‌كىآتىكيا‌الزَّكىاةى‌فىإًخٍكىانيكيـٍ‌ فًي‌الدّْيفً‌كىنيفىصّْؿي‌ ‌الآيىاتً‌لًقىكٍـو‌يىعٍمىميكفى﴾ 11]،‌(كمناسبة‌مكقعو‌عقب‌قكلو :‌ ﴿اشٍتىرىكٍا‌بً‌ آيىاتً‌المَّوً‌ثىمىننا‌قىمًيلب﴾ 9] عمى‌عمـ‌بصحٌتيا‌كقكلو‌تعالى:‌﴿أىفىرىأىيٍتى‌مىفً‌اتَّخىذى‌إًلىيىوي‌ىىكىاهي‌كى‌ أىضىمَّوي‌المَّوي‌عىمىى‌عًمٍـو﴾ ‌ [23]اعتبار‌ما‌فيو‌مف‌فرض‌تكبتيـ‌كا يمانيـ‌إذا‌أق معكا‌عف‌إيثار‌الفساد‌ عمى‌الصلبح،‌فكاف‌قكلو:‌﴿كىنيفىصّْؿي‌الآيىاتً‌لًقىكٍـو‌يىعٍمىميكفى‌ ﴾‌جامعان‌لمحاليف،‌دالان‌عمى‌ أفٌ‌الآ يات‌المذككرة‌آنفان‌في‌قكلو:‌﴿ اشٍتىرىكٍا‌بً‌ آيىاتً‌المَّوً‌ثىمىننا‌قىمًيلب﴾ التكبة:‌9] كاضحة‌مفصٌمة،‌كأفٌ‌عدـ‌اىتداء‌ىؤلاء‌بيا‌ليس‌لنقص‌فييا‌كلكنٌيا‌إنٌما‌ييتدم‌بيا‌قكـ‌ يعممكف،‌فإف‌آمنكا‌فقد‌كانكا‌مف‌قكـ‌يعممكف،‌كيفيـ‌منو‌أنٌيـ‌إف‌اشتركا‌بيا‌ثمنان‌قميلبن‌ فميسكا‌مف‌قكـ‌يعممكف ،‌فنيزٌؿ‌عمميـ‌حينئذ‌منزلة‌عدمو‌لانعداـ‌أثر‌العمـ،‌كىك‌العمؿ‌ بالعمـ،‌ك‌ فيو‌نداء‌عمييـ‌بمساكاتيـ‌لغير‌أىؿ‌العقكؿ‌كقكلو:‌﴿ كىمىا‌يىعٍ‌ قًمييىا‌إًلا‌الٍعىالًميكفى﴾‌ [العنكبكت:‌43].(4) ‌ (1)‌‌انظر:‌‌مجاىد،‌‌تفسير‌مجاىد،‌ج1،‌ص364‌.‌ (2)‌‌انظر:‌ابف‌الجكزم، ‌زاد‌المسير ،‌ج3،‌ص275‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌الطبرم،‌جامع‌البياف،‌ج 14،‌ص‌152‌. (4)‌‌‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 10،‌ص128‌.‌

عدد الصفحات ٢٢٦

215 ككاف‌قد‌كصؼ‌ا﵀‌تعال ى‌المنافقيف‌بما‌كصؼ‌بو‌المشركيف ‌كالييكد‌ فقاؿ:‌ ﴿أيكلىئًؾى‌الَّذًيفى‌اشٍتىرىكيا‌الضَّلبلىةى‌بًالٍييدىل‌فىمىا‌رىبًحىتٍ‌تًجىارىتيييـٍ‌ ‌كىمىا‌كىانيكا‌مييٍتىدًيفى‌ ﴾البقرة‌:‌ 16].‌ ﴿الَّذًيفى‌اشٍ‌ تىرىكيا‌الضَّلبلىةى‌بًالٍييدىل﴾ ‌أم:‌المنافقكف‌المكصكفكف‌بتمؾ‌الصفات‌ رغبكا‌في‌الضلبلة،‌رغبة‌المشترم‌بالسمعة،‌التي‌مف‌رغبتو‌فييا‌يبذؿ‌فييا‌الأثماف‌ النفيسة،‌كىذا ‌مف‌أحسف‌الأمثمة،‌فإنو‌جعؿ‌الضلبلة،‌التي‌ىي‌غاية‌الشر،‌كالسمعة،‌ كجعؿ‌اليدل‌الذم‌ىك‌غاية‌الصلبح‌بمنزلة‌الثمف،‌فبذلكا‌اليدل‌رغبة‌عنو‌بالضلبلة‌ رغبة‌فييا،‌فيذه‌تجارتيـ،‌فبئس‌التجارة،‌كبئس‌الصفقة‌صفقتيـ .(1)‌ كىكذا‌يمفتنا‌الحؽ‌سبحانو‌إلى‌أف‌ىؤلاء‌الكفا ر‌الذيف‌انتفى‌عنيـ‌العمـ‌كالفيـ ،‌ كعطمكا‌تفكيرىـ‌كعقك‌ ليـ،‌ككؿ‌مف‌يختار‌أمر‌دنيكم‌كيقدمو‌عمى‌أمر‌ا﵀‌لمصمحة‌ فيك‌يشترم‌بآيات‌ا﵀‌ثمنان‌قميلبن‌ ...؛‌فمثلبن‌الذم‌يرتشي‌كيفعؿ‌ذلؾ‌كيريد‌أف‌يعكج‌ ميزاف‌ا لحؽ،‌كالذم‌يغير‌م يزاف‌الحؽ‌يشكؾ‌الناس‌في‌العدالة ...‌فإذا‌أحس‌الناس‌بأف‌ الحؽ‌قذ‌ضاع‌نتيجة‌أنو‌أصبح‌ىناؾ‌ثمف‌للئيماف؛‌كا ف‌دفع‌اختمت‌المكازيف ،‌في‌ىذه‌ الحالة‌يفسد‌المجتمع‌كمو،‌فكأنيـ‌باعكا‌فساد‌المجتمع‌كمو‌بثمف‌قميؿ‌جدان‌.(2‌) 1.1.1 التقميد الأعمى والاغترار بالأموال والأولاد ، و عدم أخذ العبرة والعظة من الأقوام السابقة:‌ يقكؿ‌تعالى:‌﴿ كىالَّذًيفى‌مًفٍ‌قىبٍمًكيـٍ‌كىانيكا‌أىشىدَّ‌ ‌مًنٍكيـٍ‌قيكَّةن‌كىأىكٍثىرى‌أىمٍكىالا‌كىأىكٍلادنا‌ فىاسٍتىمٍتىعيكا‌بًخىلبقًيًـٍ‌فىاسٍتىمٍتىعٍتيـٍ‌بًخىلبقًكيـٍ‌كىمىا‌اسٍتىمٍتىعى‌الَّذًيفى‌مًفٍ‌قىبٍمًكيـٍ‌بًخىلبقًيًـٍ‌كىخيضٍتي‌ ـٍ‌ كىالَّذًم‌خىاضيكا‌أيكلىئًؾى‌حىبًطىتٍ‌أىعٍمىاليييـٍ‌فًي‌الدُّنٍيىا‌كىالآخًرى‌ ةً‌كىأيكلىئًؾى‌ىيـي‌الٍخىاسًريكفى‌*‌أىلىـٍ‌ يىأٍتًيًـٍ‌نىبىأي‌الَّذًيفى‌مًفٍ‌قىبٍمًيًـٍ‌قىكٍـً‌نيكحو‌كىعىادو‌كىثىميكدى‌كىقىكٍـً‌إًبٍرىاىًيـى‌كىأىصٍحىابً‌مىدٍيىفى‌كىالٍمي‌ ؤٍتىفًكىاتً‌ أىتىتٍييـٍ‌ريسيميييـٍ‌بًالٍبىيّْنىاتً‌فىمىا‌كىافى‌المَّوي‌لًيىظٍمًمىييـٍ‌كىلى‌ كًفٍ‌كىا نيكا‌أىنٍفيسىييـٍ‌يىظٍمًميكفى﴾ التكبة:‌ 69/70]بيٌف‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالى‌في‌ىذه‌الآي ات‌قضيتاف:‌الأكلى‌كالتي‌كاف‌فييا‌ الخطاب‌كقضية‌عامة‌يريدنا‌أف‌نتذكر‌ما‌حدث‌للؤمـ‌السابقة‌الذيف‌كانكا‌أكثر‌قكة‌ (1)‌‌‌السعدم،‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف ،‌ج1‌،‌ص43.‌ (2)‌‌‌انظر:‌الشعراكم ،‌تفسير‌الشعراكم ،‌ج8،‌ص4906–4907‌.‌

عدد الصفحات ٢٢٧

216 كأكثر‌أمكالان‌كأكدان‌مف‌أكلئؾ‌الكفار‌كالمنافقيف،‌كالقض ية‌الثانية‌كالتي‌تكمٌـ‌فييا‌عنيـ‌ غيبان‌كقضية‌خاصة‌ذاكران‌الأعلب ـ‌كالأشخاص‌كىـ‌الرسؿ‌كمف‌عاداىـ ...‌ كىذا‌فيو‌ الكثير‌مف‌الدركس‌ ك‌أخذ‌العظة‌كالعبرة (1)،كىك‌خطاب‌لممنافقيف‌لقصد‌التيديد‌ بالمكعظة ،‌كالتذكير‌عف‌الغركر‌بما‌ىـ‌فيو‌مف‌نعمة‌الإمياؿ‌بأفٌ‌آخر‌ذل ؾ‌حبط‌ الأعماؿ‌في‌الدنيا‌كالآخرة ،‌كأف‌يحؽٌ‌عمييـ‌الخسراف (2)،‌فقكلو‌تعالى:‌﴿كىالَّذًيفى‌مًفٍ قىبٍمًكيـٍ﴾،‌قيؿ‌أف‌مف‌ىؤلاء؛ ‌أصحاب‌الأدياف‌السبعة‌كما‌مف‌ديف‌منيا‌إلا‌كيكجد‌في‌ صنؼ‌مف‌أصناؼ‌ىذه‌الأمة،‌كىـ‌الذ يف‌قاؿ‌فييـ‌ا﵀‌تعالى:‌﴿إًفَّ‌الَّذًيفى‌آمىنيكا‌كىالَّذًيفى‌ ىىاديكا‌كىالصَّابًئًيفى‌كىالنَّصىارىل‌كىالٍمىجيكسى‌كىالَّذًيفى‌أىشٍرىكيكا‌إًفَّ‌المَّوى‌يىفٍصًؿي‌بىيٍنىييـٍ‌يىكٍـى‌الٍقًيىامىةً‌ إًفَّ‌ المَّ‌وى‌عىمىى‌كيؿّْ‌شىيٍءو‌شىيًيده﴾ 17]،‌كأما‌الذيف‌آمنكا‌فيـ‌الذيف‌لا‌يثبتكف‌عمى‌حاؿ إيمانيـ‌كلكف‌تارة‌كتارة‌،‌فيذا‌ىك ‌الديف‌الأكؿ؛‌كأما‌الديف‌الثاني‌فيك‌ديف‌الذيف‌ىادكا‌ كالذيف‌منيـ‌الذيف‌حممكا‌التكراة‌ثـ‌لـ‌يحممكىا،‌كأما‌الديف‌الثا لث‌فديف‌الذيف‌قالكا‌:‌إنا‌ نصارل ،‌الذيف‌منيـ‌الذيف‌ضمكا‌عف‌سكاء‌السبيؿ،‌كأما‌الديف‌الرابع‌فديف‌الصابئة‌ الذيف‌منيـ‌متأليك‌النجكـ‌عباد‌الشمس‌كالق مر‌كالككاكب‌كمغيركىـ ،‌ىـ‌بالترتيب‌أكؿ‌ مف‌عبد‌محسكسان‌سماكيان؛‌كأما‌الديف‌الخامس‌فديف‌المجكس‌الثنكية‌الذيف‌جعمكا‌إلييف‌ اثنيف:‌نكران‌‌كظممة،‌كعبدكا‌محسكسان‌آفاقيان‌،‌كأما‌الديف‌السادس‌فديف‌الذيف‌أشرككا‌كىـ‌ الذيف‌عبدكا‌محسكسان‌أرضيان‌غير‌مصكر،‌كى ـ‌الكثنية‌أك‌مصكران‌كىـ‌الصنمية-‌فيذه‌ الأدياف‌الستة‌المكفية‌لعد‌الست‌لما‌جاء‌فيو؛‌كأما‌الديف‌السابع‌فاعمـ‌أف‌ا﵀‌سبحانو‌ جعؿ‌السابع‌أبدان‌‌جامعان‌لستة‌خيران‌كانت‌أك‌شران‌،‌فالديف‌السابع‌ىك‌ديف‌المنافقيف‌الذيف‌ ظاىرىـ‌مع‌الذيف‌آمنكا‌كباطنيـ‌مع‌أحد‌سائر‌الأدياف‌الخمسة‌المذككر‌ ة‌-‌فيذه‌ الأدياف‌السبعة‌متكررة‌بكميتيا‌في‌ىذه‌الأمة‌بنحك‌مما‌كقع‌قبؿ‌في‌الأمـ‌الماضية .‌(3)‌‌ كىذه‌الآية‌تفسير‌كمضمكف‌الحديث‌الجامع‌لذكر‌ذلؾ؛‌فقد‌كرد‌ عف‌أبي‌سعيد‌ رضي‌ا﵀‌عنو،‌أف‌ال نبي‌-صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌-،‌قاؿ:‌"لتتبعف‌سنف‌مف‌كاف‌قبمكـ‌ بانعا‌بباع،‌كذراعان‌بذراع،‌كشبران‌بشبر،‌حتى‌لك‌دخمكا‌في‌جحر‌ضب‌لدخمتـ‌معيـ» (1)‌‌‌الشعراكم ،‌تفسير‌الشعراكم ،‌ج8‌،‌ص5274‌–‌5283‌. (2)‌‌‌انظر:‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 10،‌ص256‌.‌ (3)‌‌‌انظر‌:‌البقاعي،‌‌نظـ‌الدرر،‌ج‌8،‌ص526‌–‌528‌.‌

عدد الصفحات ٢٢٨

217 قالكا:‌يا‌رسكؿ‌ا﵀،‌الييكد‌كالنصارل؟‌قاؿ «فمف؟»(1)،‌كسنف ‌ىي‌سيبؿ‌كمناىج‌ كعادات ،‌ك(كشبران‌بشبر)‌كناية‌عف‌شدة‌المكافقة‌ليـ‌في‌عاداتيـ‌رغـ‌ما‌فييا‌مف‌سكء‌ كشر‌كمعصية‌﵀‌تعالى‌كمخالفة‌شرعو ،‌ك(جحر‌ضب)‌ثقبو‌كحفرتو‌التي‌يعيش‌فييا،‌‌ كالضب‌دكيبة‌تشبو‌الحرذكف‌تأكمو‌العرب‌كالتشبيو‌بجحر‌الضب‌لش دة‌ضيقو‌كرداءتو‌ كنتف‌ريحو‌كخبثو ،‌كما‌أركع‌ىذا‌التشبيو‌الذم‌صدؽ‌معجز‌ ة‌لرسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ؛‌فنحف‌نشاىد‌تقميد‌أجياؿ‌الأمة‌لأمـ‌الكفر‌في‌الأرض‌فيما‌ىي‌ع ميو‌مف‌أخلبؽ‌ ذميمة‌كعادات‌فاسدة ،‌تفكح‌منيا‌رائحة‌النتف‌"فىمىفٍ‌‌"أم‌يككف‌غيرىـ‌إذا‌لـ‌يكف‌ىـ ؛‌ فإنيـ‌المخططكف‌لكؿ‌شر‌كالقدكة‌في‌كؿ‌رذيمة (2)،ك﴿أشىدٌ﴾‌معناه‌أقكل،‌كالقكة‌ىنا‌ القدرة‌عمى‌الأعماؿ‌الصعبة،‌أك‌ييراد‌بيا‌العزٌة‌كعيدٌة‌الغمب‌باستكماؿ‌العىدد‌كالعيدد،(3)‌ فاحذركا يا‌أىؿ‌النفاؽ‌أف‌يحؿ‌بكـ‌مف‌عقكبة‌ا﵀‌مثؿ‌الذم‌حؿٌ‌بيـ،‌فإنيـ‌كانكا‌أشد‌ منكـ‌قكةن‌كبطشنا ،‌كأكثر‌منكـ‌أمكالا‌كأكلادنا، ‌﴿فىاسٍتىمٍتىعيكا‌بًخىلبقًيًـٍ﴾ ،‌يقكؿ:‌فتمتعكا‌ بنصيبيـ‌كحظيـ‌مف‌دنياىـ‌كدينيـ،‌كرضكا‌بذلؾ‌مف‌نصيبيـ‌في‌الدنيا‌عكضنا‌مف‌ نصيبيـ‌في‌الآخرة،‌ك‌ قد‌سمكتـ،‌أييا‌المنافقكف،‌سبيميـ‌في‌الاستمتاع‌بخلبقكـ.‌يقكؿ:‌ فعمتـ‌بدينكـ‌كدنياكـ،‌كما‌استمتع‌الأمـ‌الذيف‌كانكا‌مف‌قبمكـ،‌الذيف‌أىمكتيـ‌بخًلبفيـ‌ أمرم‌(بًخىلبقًيًـٍ)،‌يقكؿ:‌كما‌فعؿ‌الذيف‌مف‌قبمكـ‌بنصيبيـ‌مف‌دنياىـ‌كدينيـ‌ (كىخيضٍتيـٍ)،‌في‌الكذب‌كالباطؿ‌عمى‌ا ﵀‌(كىالَّذًم‌خىاضيكا)،‌يقكؿ:‌كخضتـ‌أنتـ‌أيضنا،‌ أييا‌المنافقكف،‌كخكض‌تمؾ‌الأمـ‌قبمكـ).(4)‌‌ (فيذه‌أعماليـ‌كعمكميـ،‌استمتاع‌بالخلبؽ‌كخكض‌بالباطؿ،‌فاستحقكا‌مف العقكبة‌كالإىلبؾ‌ما‌استحؽ‌مف‌قبميـ‌ممف‌فعمكا‌كفعميـ،‌كأما‌المؤمنكف‌فيـ‌كا ف‌ (1)‌‌‌البخارم،‌صحيح‌البخارم،‌كتاب‌أحاديث‌الأنبياء ،‌باب‌ما‌ذيكر‌عف‌بني‌اسرائيؿ،‌حديث‌ رقـ‌ 3456،‌ج4،‌ص169،‌كانظر:‌‌الطبرم،‌‌جامع‌البياف،‌ج14،‌ص341-‌343‌.‌ (2)‌‌‌انظر:‌تعميؽ‌البغا،‌مصطفى‌ديب،‌البخارم ،‌صحيح‌البخارم،‌دار‌طكؽ‌النجاة،‌دمشؽ،‌ ط1‌1422‌ىجرم ،‌كتاب‌أحاديث‌الأنبياء،‌باب‌ما‌ذكر‌عف‌بني‌إسرائيؿ،‌حديث‌رقـ‌ 3456‌،‌ج4،‌ص169 (3)‌‌‌انظر:‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 10،‌ص257‌.‌ (4)‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف،‌ج 14،‌ص340‌–‌341‌.‌

عدد الصفحات ٢٢٩

218 استمتعكا‌بنصيبيـ‌كما‌خكل كا‌مف‌الدنيا،‌فإنو‌عمى‌كجو‌الاستعانة‌بو‌عمى‌طاعة‌المٌو،‌ كأما‌عمكميـ‌فيي‌عمكـ‌الرسؿ،‌كىي‌الكصكؿ‌إلى‌اليقيف‌في‌جميع‌المطالب‌العالية،‌ كالمجادلة‌بالحؽ‌لإدحاض‌الباطؿ ،(1)‌ككثرة‌الأمكاؿ‌ليا‌أسباب‌كثيرة‌:‌منيا‌طيب الأرض‌لمزر‌ ع‌كالغرس‌كرىعًي‌الأنعاـ‌كالنحؿً‌ ،‌كمنيا‌ك‌ فرة‌التجارة‌ب حسف‌مكقع‌المكطف‌ بيف‌مكاطف‌الأمـ ،‌كمنيا‌الاقتراب‌مف‌البح ار‌لمسفر‌إلى‌الأقطار‌كصيد‌البحر،‌كمنيا‌ اشتماؿ‌الأرض‌عمى‌المعادف‌مف‌الذىب‌كالفضٌة‌كالحديد‌كالمكاد ‌الصناعية‌كالغذائية‌ مف‌النبات ،‌كأشجار‌التكابؿ‌كلحاء‌الدبغ‌كا لصبغ‌كالأدكية‌كالزراريع‌كالزيكت ،‌ككثرة‌ الأكلاد ‌تأتي‌مف‌الأمف‌بسبب‌بقاء‌الأنفس،‌كمف‌الخصب‌المؤثر‌قكة‌الأبداف‌كالسلبمة‌ مف‌المجاعات‌المعقبة‌لممكتاف،‌كمف‌حسف‌المي‌ناخ‌بالسلبمة‌مف‌الأكبئة‌الميمكة،‌كمف‌ الثركة‌ بكثرة‌الأزكاج‌كالسرارم‌كالمراضع (2)،‌كىذه‌فتنة‌يفتتف‌بيا‌كثير‌مف‌الناس؛‌(إنيا‌ الفتنة‌بالقكة‌،‌كالفتنة‌بالأمكاؿ‌كالأكلاد ؛‌فأما‌الذيف‌اتصمت‌قمكبيـ‌بالقكة‌الكبرل‌فيـ‌لا‌ يفتنكف‌بالقكة‌العارضة‌التي‌تخكؿ‌ليـ‌في ‌الأرض،‌لأنيـ‌يخشكف‌مف‌ىك‌أقكل ،‌ فينفقك‌ ف‌قكتيـ‌في‌طاعتو‌كا علبء‌كممتو .‌كىـ‌لا‌يفتنكف‌بالأمكاؿ‌كالأكلاد ،‌لأنيـ‌يذكركف‌ مف‌أنعـ‌عمييـ‌بالأمكاؿ‌ك‌ الأكلاد،‌فيحرصكف‌عمى‌شكر‌نعمتو ،‌كتكجيو‌أمكاليـ‌كأكلادىـ‌ إلى‌طاعتو؛‌كأما‌الذيف‌انحرفت‌قمكبيـ‌عف‌مصدر‌القكة‌كالن عمة‌فيـ‌يبطركف‌كيفجركف‌ في‌الأرض ،‌كيتمتعكف‌كيأكمكف‌كما‌تأكؿ‌الأنعاـ‌).(3)‌ كقد‌طمب‌ا﵀‌تعالى‌مف‌نبيو‌في‌ىذه‌السكرة أيضان‌أف‌لا‌يغتر‌بالمنافقيف‌كما‌ أعطاىـ‌المٌو‌في‌الدنيا‌مف‌الأمكاؿ‌كالأكلاد، (4)‌يقكؿ‌تعالى‌في‌ذلؾ:‌﴿ فىلب‌تيعٍجًبٍؾى‌ أىمٍكىاليييـٍ‌كىلا‌أىكٍلاديىيـٍ‌إًنَّمىا‌ييرًيدي‌المَّوي‌لًييعىذّْبىييـٍ‌بًيىا‌فًي‌الٍحىيىاةً‌الدُّنٍيىا‌كىتىزٍىىؽى‌أى‌ نٍفيسيييـٍ‌كىىيـٍ‌ كىافًريكفى﴾ 55]‌﴿كىلا‌تيعٍجًبٍؾى‌أىمٍكىاليييـٍ‌كىأىكٍلاديىيـٍ‌إًنَّمىا‌ييرًيدي‌المَّوي‌أىفٍ‌ ييعىذّْبىييـٍ‌بًيىا‌فًي‌الدُّنٍيىا‌كىتىزٍىىؽى‌أىنٍفيسيييـٍ‌كىىي‌ ـٍ‌كىافًريكفى﴾ 85]‌(إف‌النفس‌المنحرفة (1)‌‌السعدم‌،‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في‌ تفسير‌كلبـ‌المناف،‌ج‌1،‌ص343.‌ (2)‌‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 10،‌ص257‌.‌ (3)‌‌‌قطب،‌سيد،‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌ج3،‌ص1674‌.‌ (4)‌‌انظر:‌الطبرم،‌جامع‌البياف،‌ص 14،ص295–296،‌كانظر:‌أبك‌حياف،‌البحر‌المحيط، ج5،‌ص84‌.‌

عدد الصفحات ٢٣٠

219 تبطرىا‌القكة‌فلب‌تذكر ،‌كتعمييا‌النعمة‌فلب‌تنظر،‌كما‌تنفع‌عظات‌الماضي‌ك‌ لا‌عبره‌ إلا‌مف‌تتفتح‌بصائرى ـ‌لإدراؾ‌سنة‌ا﵀‌التي‌لا‌تتخمؼ،‌كلا‌تتكقؼ ،‌كلا‌تحابي‌أحدان‌مف‌ الناس،‌كا ف‌كثيران‌ممف‌يبتمييـ‌ا﵀‌بالقكة‌كبالنع مة‌لتغشى‌أبصارىـ‌كبصائرىـ‌غشاكة ،‌ فلب‌يبصركف‌مصارع‌الأقكياء‌قبميـ،‌كلا‌يستشعركف‌مصير‌البغاة‌الطغاة‌مف‌الغابريف،‌ عندئذ‌تحؽ‌عمييـ‌كممة‌ا﵀،‌كعندئذ‌تجرم‌فييـ‌سنة‌ا﵀‌كعندئذ‌يأخذىـ‌ا﵀‌أخذ‌عزيز‌ مقتدر،‌كىـ‌في‌نعم ائيـ‌يتقمبكف،‌كبقكتيـ‌يتخايمكف،‌كا﵀ ‌مف‌كرائيـ‌محيط ،‌إنيا‌الغفمة‌ كالعمى‌كالجيالة‌نر‌ اىا‌تصاحب‌القكة‌كالنعمة‌كالرخاء،‌نراىا‌في‌كؿ‌زماف‌كفي‌كؿ‌ مكاف.‌إلا‌مف‌رحـ‌ا﵀‌مف ‌عباده‌المخمصيف.‌(1).‌ ثـ‌كبعد‌أف‌بيٌف‌ا﵀‌تعالى‌أف‌الاغترار‌بالماؿ‌كالكلد‌مف‌عكامؿ‌عدـ‌قبكؿ‌الحؽ‌ كالإًذعاف‌لو‌كالتسميـ‌بو ،‌كأف‌ىناؾ‌تشابو‌حاؿ‌البشر‌كاتباع‌بعض يـ‌لبعض‌في‌الباطؿ‌ كالفساد‌كالشر ،‌كما‌بيٌف‌ا﵀‌تعالى‌حبكط‌الأعماؿ‌بالباطؿ‌ك‌ىلبؾ‌أىميا‌أمر‌مقضى‌بو‌ لا‌يتخمؼ ،‌بعدىا‌كضٌح‌ا﵀‌تعالى‌في‌ىذه‌الآيات‌كجكب‌الاعتبار‌بأحكاؿ‌السابقيف‌ كالاتعاظ‌ب ما‌لاقاه‌أىؿ‌الكفر‌منيـ‌مف‌عذاب(2)،فمما‌شبو‌المنافقيف‌بالكفار‌المتقدميف‌ في‌الرغبة‌في‌الدنيا‌كتكذيب‌الأنبياء ،‌ككاف‌لفظ‌الذيف‌مف‌قبمكـ‌فيو‌إبياـ،‌نصٌ‌عمى‌ طكائؼ‌بأعيانيا‌ ستة،‌لأنيـ‌كاف‌عندىـ‌شيء‌مف‌أنبائيـ،‌ككانت‌بلبدىـ‌قريبة‌مف‌ بلبد‌العرب،‌ككانكا‌أكثر‌الأمـ‌عددان‌،‌كأنبياؤىـ‌أعظـ‌الأنب ياء:‌نكح‌أكؿ‌الرسؿ ،‌كابراىيـ‌ الأب‌الأقرب‌لمعرب‌كما‌يمييا‌مف‌الأمـ‌مقاربكف‌ليـ‌في‌الشدٌة‌ككثرة‌الماؿ‌كالكلد‌.‌(3)‌ فقكلوتعالى:‌﴿أىلىـٍ‌يىأٍتً‌ يًـٍ﴾‌يعني‌المنافقيف،‌﴿نىبىأي﴾‌خبر،‌﴿الَّذًيفى‌مًفٍ‌قىبٍمًيًـٍ﴾ ‌ حيف‌عصكا‌ريسمنا،‌كخالفكا‌أمرنا‌كيؼ‌عذبناىـ‌كأىمكناىـ؛‌ثـ‌ذكرىـ،‌فقاؿ:‌﴿قىكٍـً‌نيكحو﴾ ‌ أىمككا‌بالطك‌ فاف،‌﴿كىعىاد﴾‌أىمككا‌بالريح‌﴿كىثىميكد﴾‌بالرجفة،‌﴿كىقىكٍـً‌إًبٍرىاىًيـى﴾ ‌بسمب‌ النعمة‌كىلبؾ ‌نمركد،‌﴿كىأىصٍحىابً‌مىدٍيىفى﴾ ‌يعني‌قكـ ‌شعيب‌أىمككا‌بعذاب‌يكـ‌الظمة،‌ ﴿كىالٍميؤٍتىفًكىاتً﴾ ‌المنقمبات‌التي‌جعم نا‌عالييا‌سافميا‌كىـ‌قكـ‌لكط،‌﴿ أىتىتٍيي‌ـٍ‌ريسيميييـٍ‌ بًالٍبىيّْنىاتً﴾ ‌فكذَّبكىـ‌كعصكىـ‌كما‌فعمتـ‌يا‌معشر‌الكفار،‌فاحذركا‌تعجيؿ‌النقمة،‌﴿ فىمىا‌ (1)‌‌قطب،‌سيد،‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌ج 3،‌ص1674‌–‌1675. (2)‌‌‌انظر:‌الجزائرم،‌أيسر‌التفاسير،‌ج 2،‌ص395‌. (3)‌‌‌أبك‌حياف،‌البحر‌المحيط،‌ج‌5،‌ص70‌.

عدد الصفحات ٢٣١

221 كىافى‌المَّوي ‌لًيىظٍمًمىييـٍ‌كىلىكًفٍ‌كىانيكا‌أىنٍفيسىييـٍ‌يىظٍمًميكفى‌ ﴾(1)،‌كالبينات :‌كىي‌الشيء‌الذم‌ي بيف‌ما‌ ىك‌الحؽ،‌كالمعجزات‌التي‌صاحبت‌الرسالات‌السماكية‌بيٌنت‌ الحؽ،‌كأكٌدت‌أف‌ الرسكؿ‌مبمٌ‌ غ‌عف‌ربو ،‌ككانت‌المعجزة‌كاضحة‌تمامان‌ليراىا‌كؿ‌قكـ‌رؤية‌ تسمح‌ باستيعابيا...‌فالمعجزات‌لا بد‌أف‌تككف‌كاضحة‌لكؿ‌المستك‌ يات؛‌حتى‌لا‌يككف‌ىناؾ‌ عذر‌لأحد ؛‌كلذلؾ‌يقكؿ‌الحؽ‌سبحانو‌كتعالى :‌﴿فىمى‌ا‌كىافى‌المَّوي‌لًيىظٍمًمىييـٍ﴾ ،‌كىذا‌دليؿ‌ عمى‌أف‌الحؽ‌سبحانو‌كتعالى‌يحاسبيـ‌عمى‌قدر‌استيعابيـ‌لممعجزة‌،‌فكأف‌كؿ‌العق كؿ‌ قد‌فيمت‌كأيقنت‌أف‌ىناؾ‌معجزة ،‌كالذيف‌استقبمكا‌المعجزة‌بالكفر‌ظممكا‌أنفسيـ ؛‌لأنيـ‌ بعد‌أف‌استكعبكا‌ال معجزة ،‌كتحقٌقكا‌أنيا‌خرؽه‌لقكانيف‌الككف ،‌كلا‌ييمكف‌أف‌يأتي‌بو‌إلا‌ ا﵀‌سبحانو‌كتعالى،‌كلكنيـ‌رغـ‌ذلؾ‌رفضكا‌الإيماف .(2)‌ أما‌أزم تنا‌الفكرية‌الثقافي ة‌المعاصرة‌كالتي‌مف‌أىـ‌مظاىرىا ؛‌التخمؼ‌العم مي‌ كالتقني‌كمع‌اختلبؼ‌أسبابيا‌كالتي‌ حددىا‌بعضيـ‌ك‌تنحصر‌بأسبابو‌‌خارجي ة‌تتمثؿ‌في‌ استعمار‌الأرض ،‌كالغ زك‌الفكرم،‌كأسباب‌داخمية‌كتشمؿ:‌البعد‌عف‌المنيج‌القرآني ،‌ كالرككف‌إلى‌الدنيا‌كشيكاتيا ،‌كتحريؼ‌المفاىيـ‌الإسلبمية ،‌كالرككد‌العممي‌كغي اب‌ المنطؽ‌العقمي‌كتكقؼ‌الاجتياد،‌كغيرىا ...‌ىذه‌الأسباب‌لا‌بد‌ليا‌مف‌حمكؿو‌‌مقترحة‌ كاف‌أ ىميا‌أنو :‌يجب‌تنمية‌فكر‌المسمـ ‌باتباع‌منيج‌تربكم‌شامؿ‌يربي‌كينمي‌كافة‌ الطاقات‌البشرية‌كيستمد‌أيس سو‌كمبادئو‌مف‌الشريعة‌الإسلبمية ،‌كتقديـ‌تصكراتو‌ ‌ كاضحة‌ لو‌عف‌الككف‌كالحياة‌كالإنساف ،‌كحؿ‌مشكمة‌الأمية "‌كىي‌ ليست‌أمية‌الجيؿ‌ بالقراءة‌كالكتابة‌ فقط،‌إنما‌ أمية‌ الجيؿ‌برسالتو‌في‌الحياة‌كمصيره‌بعدىا ،‌كالانفتاح‌ عمى‌خبرات‌الآخريف‌في‌مياديف‌العمـ‌كتجديد‌التفكير‌كأساليب‌ال فيـ،‌كالاىتماـ‌بإعداد‌ المعمـ‌المسمـ‌كتطكيره‌مينيان‌كأكاديميان‌،‌كالاىتماـ‌في‌التكسع‌بالتعميـ‌الف ني‌الميني‌ذك‌ الاختصاص‌الدقيؽ،‌كالاستفادة‌مف‌دكر‌كسائؿ‌الإعلبـ‌كتحكيميا‌إلى‌أجيزة‌بنٌاءة‌تيتـ‌ بالأنشطة‌الفكرية‌التربكية‌كتنمييا‌ كؿ‌ذلؾ‌مف‌أجؿ‌تطك‌ ير‌كنيضة‌الفرد‌كالمجتمع .(3) (1)‌‌البغكم،‌معالـ‌التنزيؿ ،‌ج‌4،‌ص72.‌ (2)‌‌‌انظر:‌الشعراكم،‌تفسير‌الشعراكم،‌ج 9،‌ص5285‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌مندكرة،‌إنصاؼ‌كرـ ،‌أزمة‌الثقافة‌في‌المجتمع‌ا لإسلبمي‌المعاصر، ‌رسالة‌ ماجستير،‌جامعة‌أـ‌القرل،‌مكة‌المكرمة ،‌1405‌ىػ،‌ص229–231‌.‌

عدد الصفحات ٢٣٢

221 1.1 الأزمة النفسية: كتعني:‌(مكقؼه‌‌انفعاليه‌‌ييمثؿ‌نقطة‌تحكؿ‌للؤسكأ) (1)،‌كىي ضغكطه‌‌ك‌أحداثه‌‌ كمكاقؼه‌‌نفسيةه‌‌داخميةه‌‌تؤثري‌‌عمى‌حالةً‌‌الفردً‌‌النفسيةً‌؛‌تتمثؿي‌‌في‌صعكباتو‌‌تكاجوي‌‌الفردي‌‌ ممٌ‌ا‌تحد‌مف‌أساليبو‌كقدراتو‌التقميدية‌لمتعامؿ‌كالتكيؼ‌ مع‌الكضع‌الجديد،‌كتعيقو‌مف‌ إنجاز‌أىدافو‌كتحدث‌خملبن‌‌في‌التكازف‌النفسي‌كالاجتماعي‌لمفرد ،‌كما‌كتعد‌مكقؼ‌أك‌ حادثة‌غير‌مرغكبة‌تؤدم‌إلى‌تعطيؿ‌الفرد‌أك‌الجماعة‌ أك‌المجتمع‌عف‌القياـ‌بدكرىـ‌ بصكرة‌طبيعية ،‌نتيجة‌لحدكث‌مشكمة‌كبيرة ‌لـ‌يتـ‌مكاجيتيا‌في‌بداية‌الأمر (2)،كما‌ كعنت ‌الشريعة‌الإسلبمية‌بالجانب‌النفسي‌مف‌شخصية‌المسمـ‌بداية‌مف‌تمبية‌حاجاتو‌ الفسيكلكجية،‌كا شباع‌حاجاتو‌ا لكجدانية ،‌ثـ‌ضبط‌انفعالاتو،‌كؿ‌ذلؾ‌كصكلاى‌إلى‌تحقيؽ‌ صحتو‌النفسية‌بما‌يحقؽ‌لو‌العيش‌في‌تكيؼ‌كانسجاـ ،‌كما‌ك‌ حمتو‌مف ‌اليزيمة‌ كالصراعات‌النفسية ،‌أما‌تعريفيا‌كأزمة‌فردية،‌جماعية‌في‌الإسلبـ‌ كما‌كردت‌معانييا‌ في‌سكرة‌التكبة‌فمـ‌أجد‌مف‌عرَّ‌ فيا؛‌فاجتيدت‌تعريفيا‌كالآت ي:‌" ىي‌حادثة‌غير ‌ متكقعة،‌كغير‌مرغكبة‌ سببت‌خملبن‌‌كضغكطات‌نفسية‌لدل‌أ فراد‌المجتمع‌الإسلبمي‌ كجماعاتو ؛‌كأدت ‌إلى‌ت عطيؿ‌سير‌أعماؿ‌الدكلة‌الإسلبمية ،‌كت حقيؽ‌أىدافيا،‌ك‌ حدت‌ مف‌القياـ‌بدكرىـ‌الأساسي‌فييا "،‌كما‌كقسٌمت‌ىذه‌الأزمات‌إلى‌أىـ‌أزمات‌نفسية‌ في‌ السكرة‌كىي‌أزما ت‌خاصة‌مع‌المنافقيف ،‌كأزمات‌تخص‌المؤمنيف‌ذكرتيا‌السك‌ رة‌ الكريمة‌كذلؾ‌في‌مطمبيف‌اثنيف :‌‌ المطمب‌الأك‌ ؿ:‌الحرب‌النفسية‌مع‌المنافقيف .‌ المطمب‌الثاني:‌التصكير‌القرآني‌لأز‌ مات‌المؤمنيف‌النفسية‌في‌السكرة .‌ (1)‌‌‌النكايسة،‌رياض‌حسي ف،‌أنمكذج‌مقتر‌ ح‌لإدارة‌الأزمات ،‌ص‌17‌.‌ (2)‌‌www.m.ahewar.org/s.asj،‌صالح،‌عمي‌عبد‌الرحيـ ،‌سيككلكجية‌الأزمة‌بيف‌الفرد‌ كالمجتمع‌(‌ دراسات‌نفسية‌في‌النفس‌الإنسانية )،‌دار‌البيت‌الثقافي،‌العراؽ،‌ 2009.‌

عدد الصفحات ٢٣٣

222 1.1.1 الحرب النفسية مع المنافقين:‌‌ ىي‌أقكل‌مكاجيو‌بيف‌المسم ميف‌مف‌طرؼ‌كبيف‌أعدائيـ‌المنافقيف،‌ كمف‌يقؼ‌ كرا ءىـ‌مف‌المشركيف‌كالييكد‌مف‌طرؼ‌آخر ،‌ك‌ىذه‌المكاجية‌ التي‌تؤلؼ‌في‌الحقيقة‌ جسـ‌السكرة ؛‌كصمت‌لما‌يي‌سمى‌بالحرب‌النفسية‌كييقصد‌بيا‌"أنيا‌حرب‌ىجكمية‌دفاعية‌ شاممة،‌ترتكز‌عمى‌أقكاؿ‌كأفعاؿ،‌بغرض‌السيطرة‌عمى‌ع قؿ‌الإنساف‌كذاتو،‌كشؿ‌فكره‌ كا رادتو "،‌ك‌جميع‌الأزمات‌الاقتصادية‌كالسياسية‌كالعسكرية‌كالسمككية‌ ما‌ىي‌إلا‌كسائؿ‌ لتحقيؽ‌الأزمة‌النفسية ؛‌كقد‌جاء‌أكبر‌مقاطع‌سكرة‌التكبة ‌–كىك‌يستغرؽ‌أكثر‌مف‌ نصفيا-‌‌في‌فضح‌المنافقيف،‌ككصؼ‌أحكاليـ‌النفسية‌كالعممية ،‌ككشؼ‌حقيقة‌نكاياىـ‌ كحيميـ‌كمعا ذيرىـ‌في‌التخمؼ‌عف‌الجياد،‌ك‌ زعزعة‌إيماف‌المؤمنيف ،‌ك‌بث‌اليأس‌مف‌ النصر‌في ‌نفكس‌الجيش‌مف‌خلبؿ‌إثارة‌الرعب ،‌كالنصح‌بترؾ‌المكاجية‌نظران‌ ‌لعدـ‌ تكفر‌الأجكاء‌الطبيعية‌كالمناخية ،‌ك‌بث‌الفرقة‌كالشقاؽ‌بيف‌الصفكؼ ،‌كمحاكلتيـ‌زعزعة‌ ثقة‌الجماىير‌بال قيادة‌ببث‌الإشاعات‌كا ثار‌ ة‌الفتف ،‌كتحطيـ‌معنكيات‌الخارجيف‌ لمجياد...‌كغيرىا (1)،‌كسكؼ‌أكضح‌بعضان‌مف‌أساليب‌المنافقيف‌في‌إحداث‌ىذه‌الأزمة‌‌ بيف‌صفكؼ‌ المسمميف،‌ككيؼ‌فضحيـ‌ا﵀‌في‌ىذه‌السكرة‌ككشؼ‌ ما‌بنفكسيـ‌ المريضة ؛‌في‌ح ربو‌نفسية‌كشائعات‌كدعايات‌مضادة ،‌يدرؾ‌المسممكف‌خلبليا‌ بالانتصار‌في‌ىذه‌الحرب‌النفسية‌مع‌المنافقيف ،‌كمف‌أساليب‌المنافقيف‌لإحداث‌ىذه‌ الأزمة‌ ‌في‌السكرة ؛‌الإرجاؼ‌كالتثبيط ،‌كالكسؿ‌كبث‌الشائعات،‌كا ثارة‌الفتف،‌كبث‌الفرقة‌ في‌الصؼ‌المسمـ...كغيرىا‌ (كتعتبر‌الإشاعات‌أىـ‌مصدر‌مف‌مصادر‌الأزمات‌،‌بؿ‌ إف‌كثيران‌منيا‌يككف‌مصدرىا‌الكحيد‌إشا عة‌أيطمقت‌بشكؿو‌ ‌معيف،‌كتـ‌تكظيفيا‌بشكؿو‌ معيف،‌كا علبنيا‌بتكقيت‌معيف ،‌كفي‌إطار‌مناخ‌كبيئة‌محيطة‌تـ‌إعدادىا‌بشكؿو‌معيف ،‌ كمف‌خلبؿ‌استغلبؿ‌حدث‌معيف،‌تتحقؽ‌كتصنع‌الأزمة (2)،‌فصانعي‌الأزمات‌يستغمكف (1)‌‌‌انظر:‌قطب،سيد،في‌ظلبؿالقرآف، ‌ج3،ص1567،ك‌انظر‌www.ye1.org/forum/thr، شرياف ،‌حساف‌بف‌عمي‌بف‌ناجي،‌الحرب‌النفسية‌بيف‌المسمميف‌كبيف‌المنافقيف‌مف‌خلب ؿ‌ سكرة‌التكبة،‌ 28/5/2012ـ.‌ككنت‌قد‌كضٌحت‌بعضان‌مف‌صفات‌المنافقيف‌العامة‌خلبؿ‌ أزمة‌النفاؽ ،‌كلكف‌ىنا‌سأسمط‌الضكء‌عمى‌الجانب‌النفسي‌فييا‌. ‌ (2)‌‌‌الخضيرم،‌محسف‌أحمد،‌‌إدارة‌الأزمات ،‌ص‌36‌.‌

عدد الصفحات ٢٣٤

223 حقائؽ‌صادقة‌ككقائع‌قد حدثت‌فعلبن‌كمعمكمة‌لدل‌الكثيريف ،‌كيحيطكنيا‌ب يالةو‌مف‌ المبالغة‌كالأكاذيب‌ لمكصكؿ‌إلى‌أغراضيـ‌بتدمير‌خصكميـ ،‌كا حداث‌أزمة‌يستفيدكف‌ مف‌نتائجيا (1)،ك‌لقد‌بيٌف‌ا﵀‌تعالى‌ في‌سكرة‌التكبة‌ أف‌مشاركة‌المنافقيف‌كخركجيـ‌ لمقتاؿ‌مع‌المؤمنيف‌في‌غزكة‌تبكؾ ‌كغيرىا‌ليس‌فييا‌خيران‌أك‌مصمحة؛‌بؿ‌شران‌كمفسدة،‌ كحصرىا‌ا﵀ ‌سبحانو‌في‌ثلبث‌مفاسد‌نفسية‌ىي:‌إفساد‌النظاـ‌كالعمؿ،‌كتفريؽ‌كممة‌ المسمميف‌بالنميمة ،‌كاستدراج‌فئة‌مف‌ضعاؼ‌الإيماف‌كالعقؿ ‌كالحزـ‌إلى‌صفكفيـ‌ كسماع‌كلبميـ (2)،‌كىنا تظير‌الحرب‌النفسية‌بأف‌ يفضح‌ا﵀‌المنافقيف‌كيخزييـ‌ كيكشؼ‌ما‌في‌نفكسيـ‌ مف‌شائعات‌كدعايات‌مضادة ،‌يدرؾ ‌المسممكف‌خلبليا‌ بالانتصار‌في‌ىذه‌الحرب‌النفسية‌مع‌المنافقيف ‌فيقكؿ‌تعالى‌مبينان‌ذلؾ:‌﴿إًنَّمىا‌يىسٍتىأٍذًنيؾى‌ الَّذًيفى‌لاى‌ييؤٍمًنيكفى‌بًالمَّوً‌كىالٍيىكٍـً‌الآٍىخًرً‌كىارٍتىابىتٍ‌قيميكبيييـٍ‌فىييـٍ‌فًي‌رىيٍبًيًـٍ‌يىتىرىدَّديكفى‌ ‌*‌كىلىكٍ‌أىرىاديكا‌ الٍخيري‌كجى‌لأىعىدُّكا‌لىوي‌عيدَّةن‌كىلىكًفٍ‌كىرًهى‌المَّوي‌انٍبًعىاثىييـٍ‌فىثىبَّطىييـٍ‌كىقًي ؿى‌اقٍعيديكا‌مىعى‌الٍقىاعًدًيفى‌ *‌لىكٍ‌ خىرىجيكا‌فًيكيـٍ‌مىا‌زىاديككيـٍ‌إًلا‌خىبىالا‌كىلأىكٍضىعيكا‌خًلبلىكيـٍ‌يىبٍغيكنىكيـي‌الٍفًتٍنىةى‌كىفًيكيـٍ‌سىمَّاعيكفى‌لىييـٍ‌ كىالمَّ‌وي‌عىمًيـه‌بًالظَّالً‌مًيفى‌*‌لىقىدً‌ابٍتىغىكيا‌الٍفًتٍنىةى‌مًفٍ‌قىبٍؿي‌كىقىمَّبيكا‌لىؾى‌الأميكرى‌حىتَّى‌جىاءى‌الٍحىؽُّ‌كىظىيىرى‌ أىمٍري‌المَّوً‌كىىيـٍ‌كىارًىيكفى‌*‌كىمًنٍييـٍ‌مىفٍ‌يىقيكؿي‌ائٍذىفٍ‌لًي‌كىلا‌تىفٍتًنّْي ‌أىلا‌فًي‌الٍفًتٍنىةً‌سىقىطيكا‌كىا ًفَّ‌ جىيى‌ نَّ‌ـى‌لىميحًيطىةه‌بًالٍكىافًرًيفى﴾ [التكبة45/46/47/48/49]‌‌‌ يبيف‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالىىنا‌بعضان‌مف‌أمراضيـ‌الن فسية؛‌كيرد‌عمييـ‌كي فضحيـ‌ ك‌يكشؼ‌ ما‌في‌قمكبيـ‌مف‌الشؾ‌كالريبة ؛‌فيـ‌لا‌يؤمنكف‌با﵀‌كلا‌باليكـ‌ا لآخر،‌ ﴿كىارٍتىابىتٍ‌قيميكبيييـٍ﴾ ،‌(كشكت‌قمكبيـ‌في‌حقي قة‌كحدانية‌ا﵀،‌كفي‌ثكا ب‌أىؿ‌طاعتو،‌ كعقابو‌أىؿ‌معاصيو‌﴿ فىييـٍ‌‌فًي‌رىيٍبًيًـٍ‌يىتىرىدَّديكفى﴾ ،‌في‌شكيـ‌متحيّْركف،‌كفي‌ظممة‌ الحيرة‌متردّْدكف،‌لا‌يعرفكف‌حقِّا‌مف‌باطؿ،‌فيعممكف‌عمى‌بصيرة)(3)،‌ثـ‌ييعيد‌ا﵀تعالى‌ ذكر‌ ىذه‌ الأمراض‌النفسية‌لدييـ ‌بعد‌ذكر‌قصة‌مسجد‌ الضرار‌حيث‌ إنو‌ (لما‌ذكر‌ طرائؽ‌ذميمة‌لأصناؼ‌المنافقيف‌أقكالان‌كأفعالان‌ذكر‌أفٌ‌منيـ‌مف‌بالغ‌في‌الشر‌حتى‌ (1)‌‌‌‌شقرة‌،‌محمد‌عاصـ‌محمد‌ابراىيـ، ‌نحك‌أنمكذج‌اسلبمي‌لإدارة‌الأزمات،‌ص‌ 17. (2)‌‌‌انظرالزحيمي،‌كىبة‌،‌التفسير‌المنير ،‌ج9،‌ص239.‌ (3)‌‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف، ‌ج14،‌ص275‌.‌

عدد الصفحات ٢٣٥

224 ابتنى‌مجمعان‌لممنافقيف‌يدبركف‌فيو‌ما‌شاءكا‌مف‌الشر ،‌كسمكه‌مسجدان‌)‌(1)،بعد‌ذلؾ‌ يبيف‌ا﵀‌تعالى‌كيكشؼ‌عف‌قمكبيـ‌بقكلو:‌﴿لا‌يىزىاؿي‌بينٍيىانيييـي‌الَّذًم‌بى‌ نىكٍا‌رًيبىةن‌فًي‌قيميكبًيًـٍ‌ إًلا‌أىفٍ‌تىقىطَّعى‌قيميكبييي‌ ـٍ‌كىالمَّوي‌عىمًيـه‌حىكًيـه﴾ [110‌‌]‌ ﴿لا‌يىزىاؿي‌‌بينٍيىانيييـي‌الَّذًم‌بىنىكٍا﴾ ‌يعني‌مسجد‌الضرار ‌﴿رًيبىةن﴾‌أم‌شكان‌في‌قمكبيـ‌ كنفاقان،‌كحسرة‌كندامة،‌كقيؿ‌حزازةن‌كغيظان‌﴿إًلا‌أىفٍ‌تىقىطَّعى‌ ‌قيميكبيييـ﴾‌أم‌تنصدع‌قمكبيـ(2)، ثـ‌يقكؿ‌إنو‌كلك‌أراد‌ىؤلاء‌الخركجى‌لمجياد‌ ﴿لأىعىدُّكا‌لىوي‌عيدَّةن﴾،‌أم‌لأعدكا‌لمخركج‌عدة،‌ كلتأىٌبكا‌لمسفر‌﴿ كىلىكًفٍ‌كىرًهى‌المَّوي‌انٍبًعىاثىييـٍ‌ ﴾،‌يعني:‌خركجيـ‌لذلؾ‌﴿ فىثىبَّطىييـٍ‌﴾،‌يقكؿ:‌ فثقَّؿ‌عمييـ‌الخركجى‌حتى‌استخفُّ‌ كا‌القعكدى‌في‌ منازليـ‌كاستثقمكا‌السفر‌كالخركج ،‌فترككا‌ ككاف‌تثبيط‌ا﵀‌إياىـ‌عف‌الخركج‌مع‌رسكلو‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌كالمؤمنيف‌بو،‌لعممو‌ بنفاقيـ‌كغشيـ‌للئسلبـ‌كأىمو،‌كأنيـ‌لك‌خرجكا‌معيـ‌ضرُّكىـ‌كلـ‌ينفعكا (3)،‌كقيؿ‌ ﴿فىثىبَّطىييـٍ‌﴾‌حبسيـ‌عنؾ‌كخذليـ‌لأنيـ‌قالكا: ‌إف‌لـ‌يؤذف‌لنا‌في‌الجمكس‌أفسدنا‌ كحرضنا‌عمى‌المؤمنيف ،‌فجاء‌الرد‌ ﴿كىقًي ؿى‌اقٍعيديكا‌مىعى‌الٍقىاعًدًيفى﴾ ‌أم‌مع‌أكلى‌الضرر‌ كالعمياف‌كالزمنى‌كالنساء‌كالصبياف. ‌(4)‌‌ ثـ‌يقكؿ ‌تعالى‌مبينن‌ ا‌أىداؼ‌المناف قيف‌في‌بث‌الشائعات‌كا ثارة‌الفتف،‌كيرد‌ عمييـ:‌أنيـ‌﴿لىكٍ‌خىرىجيك‌ ا﴾‌يعني‌المنافقيف‌﴿فيكـ﴾‌أم‌معكـ،‌﴿مىا‌زىاديككيـٍ‌إًلا‌خىبىالا﴾ ‌ أم:‌فسادا‌كشرا ،‌كمعنى‌الفساد:‌إيقاع‌الجبف‌كالفشؿ‌بيف‌المؤمني ف‌بتيكيؿ‌الأمر،‌ ﴿كىلأكٍضىعيكا﴾‌أسرعكا،‌﴿خًلبلىكيـ﴾ ‌كسطكـ‌بإيقاع‌العداكة‌كالبغضاء‌بينكـ‌بالنميمة‌كنقؿ‌ الحديث‌مف‌البعض‌إلى‌البعض،‌كقيؿ:‌﴿كىلأكٍضىعيكا‌خًلبلىكيـ﴾ ‌أم:‌أسرعكا‌فيما‌يخؿٌ‌ بكـ،‌﴿يىبٍغيكنىكيـي‌الٍفًتٍنىةى﴾‌أم:‌يطمبكف‌لكـ‌ما‌تفتنكف‌بو،‌يقكلكف:‌لقد‌جيمع‌لكـ‌كذا‌ككذا،‌ كا نكـ‌ميزكمكف‌كسيظير‌عميكـ‌عدككـ‌كنحك‌ذلؾ ‌كقيؿ:‌يبغكنكـ‌الفتنة‌يعني:‌الٍعىيٍبى‌ كالشرَّ‌،‌كقيؿ :‌الشرؾ،‌ ﴿كىفًيكيـٍ‌سىمَّ‌ اعيكفى‌لىييـٍ﴾ ‌كفيكـ‌محبكف‌ليـ‌يؤدكف‌إلييـ‌ما‌ (1)‌‌أبك‌حياف،‌التفسير‌المحيط،‌ج‌5،‌ص101‌.‌ (2)‌‌‌القرطبي،‌الجامع‌لأحكاـ‌القرآف،‌ج 7،‌ص266‌.‌ (3)‌‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف،‌ج 14،‌ص276‌–‌277‌.‌ (4)‌‌القرطبي،‌الجامع‌لأحكاـ‌القرآف،‌ج 7،‌ص156‌.‌

عدد الصفحات ٢٣٦

225 يسمعكف‌منكـ،‌كىـ‌الجكاسيس ،‌يسمعكف‌كلبميـ‌كيطيعكنيـ‌﴿كىالمَّوي‌عىمًيـه‌بًالظَّالًمًيفى﴾ (1)‌ كىذ‌داؿه‌عمى‌أف‌المنافقيف‌يعممكف‌تككيف‌خلبيا ‌سرية‌لمتجسس‌كلتنفيذ‌مخططاتيـ ،‌ كالعم ؿ‌عمى‌الاستفادة‌منيـ‌كقت‌الحاجة،‌ثـ‌قاؿ‌عنيـ:‌﴿لىقىدً‌‌ابٍتىغىكيا‌الٍفًتٍنىةى‌﴾‌أم‌العنت‌ كنصب‌الغكائؿ‌كالسعي‌ في‌تشتيت‌شممؾ‌كتفريؽ‌أصحابؾ‌عنؾ،‌﴿مًف‌قىبٍؿي﴾‌مف‌قبؿ‌ غزكة‌تبكؾ ﴿كىقىمَّبيكاٍ‌لىؾى‌ الأيميكرى‌﴾‌كدبركا‌لؾ‌الحيؿ‌كالمكايد ،‌كدكَّركا‌الآراء‌في‌ إبطاؿ‌ أمرؾ (2)،‌كقيؿ‌إف‌الأمكر‌في‌قكلو‌تعالى‌‌﴿كىقى‌ مَّبيكاٍ‌لىؾى‌الأيميكرى﴾‌تعني‌أحد‌أربعة‌أكجو:‌ إما‌معاكنتيـ‌في‌الظاىر‌كممالأة‌المشركيف‌في‌الباطف،‌أك‌ قكليـ‌بأفكاىيـ‌ما‌ليس‌في‌ قمكبيـ،‌أك‌تكقع‌الدكائر‌كانتظار‌الفرص ،‌أك‌حمفيـ‌با﵀‌لك‌استطعنا‌لخرجنا‌ معكـ(3)، ك‌كؿ‌ىذه‌الأساليب‌في‌إيقاع‌الخلبؼ‌كتفريؽ‌الكممة ...‌كغيرىا ،‌كىذا‌ مف‌قبيؿ‌الحرب‌ النفسية‌مف‌طرؼ‌المنافقيف ،‌لكف‌ا﵀ ‌سبحانو‌كتعالى‌ينتصر‌لممؤمنيف ،‌كيقكؿ‌ معمنان‌ النصر‌في‌ىذه‌الحرب :‌﴿حىتَّى‌جىآءى‌الٍحىؽُّ﴾‌أم‌النصري‌كالتأييدي‌الإليي‌﴿ كىظىيىرى‌أى‌ مٍري‌ ا﵀﴾‌غمب‌دينيو‌كعلب‌شرعيو‌﴿كىىيـٍ‌كىارًىيكفى﴾ ‌كالحاؿي‌أنيـ‌كا رىكف‌لذلؾ‌أم‌عمى‌رغـ‌ منيـ‌كالآيتاف‌لتسمية‌الرسكؿ‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌كالمؤمنيف‌عف‌تخمؼ‌المتخمفيف‌ كبيافي‌ما‌ثبٌطيـ‌ا﵀‌تعالى‌لأجمو‌كىتىؾ‌أستارىىـ‌ككشؼ‌أسرارىىـ،‌كا زاحةً‌أعذارًىـ‌تداركان‌ لما‌عسى‌يفكت‌بالمبادرة‌إلى‌الإذف‌كا يذانان‌بأف‌ما‌فات‌بيا‌ليس‌م ما‌لا‌يمكف‌تلبفيو‌ تيكينان‌لمخطب (4)،كىنا‌نجد‌أف‌القرآف‌كشؼ‌ن كاياىـ‌السيئة‌في‌حب‌إثارة‌الفتف؛‌ ك‌مكضكع‌الفتنة‌يشمؿ‌ىنا‌جميع‌أنكاع‌المصائب‌مف‌العذاب ،‌كالسكء،‌كالشرؾ ،‌ كالكفر... ‌كغيرىا .(5)‌ ثـ‌يبيف‌ا﵀‌تعالى‌أف‌قمكبيـ‌‌مصابة‌بالأمراض‌النفسية‌المختمفة، ‌كمنيا‌رجس‌ النفاؽ،‌يقكؿ‌تعالى:‌﴿كىا ًذىا‌مىا‌أينٍزًلىتٍ‌سيكرىةه‌فىمًنٍييـٍ‌مىفٍ‌يىقيكؿي‌أىيُّكيـٍ‌زىادىتٍوي‌ىىذًهً‌إًيمىاننا‌فىأىمَّا‌ (1)‌‌‌البغكم ،‌معالـ‌التنزيؿ،‌ج‌ 4،‌ص56.‌ (2)‌‌‌الزمخشرم ،‌الكشاؼ،‌ج2،‌ص194‌.‌ (3)‌‌‌الماكردم،‌النكت‌كالعيكف ،‌ج‌2،‌ص369‌.‌ (4)‌‌أبك‌السعكد،‌إرشاد‌العقؿ ‌السميـ‌إلى‌مزايا‌القرآف‌الكريـ ،‌ج‌3‌،‌ص72‌.‌ (5)‌‌‌انظر:‌الشعراكم،‌تفسير‌الشعراكم،‌ج 9،‌ص5169‌.

عدد الصفحات ٢٣٧

226 الَّذًيفى‌آىمىنيكا‌فىزىادىتٍييـٍ‌إًيمىاننا‌كىىيـٍ‌يىسٍتىبٍشًريكفى*‌كىأىمَّا‌الَّذًيفى‌فًي‌قيميكبًيًـٍ‌مىرىضه‌فىزىادىتٍييـٍ‌رً جٍسنا‌ إًلىى‌رًجٍسً‌ يًـٍ‌‌كىمىاتيكا‌كىىيـٍ‌كىافًريكفى﴾ :‌124/125‌.]‌ كالرجس :‌ىك‌الخبث‌كالفساد ،‌ك‌ يطمؽ‌عمى‌الخبث‌المعنكم‌كالنٌفسي،‌كالمراد‌ىن ا‌ خبث‌النٌفس‌كىك‌رجس‌الشٌرؾ،‌ك‌ المقصكد‌ب ػ‌﴿رًجٍسنا ‌إًلىى‌رًجٍسًيًـٍ‌ ﴾‌أم‌مرضان‌في‌ قمكبيـ‌زائدان‌عمى‌مرض‌قمكبيـ‌السٌ‌ابؽ،‌أم‌أرسخت‌المرض‌ في‌قمكبيـ،‌فالر‌ جس‌يعـٌ‌ سائر‌الخباثات‌النٌفسيٌة ،‌الشٌاممة‌لضيؽ‌الصٌدر‌كحرجو (1)،‌كلـ‌يكتؼ‌المنافقكف‌ بالتخمؼ‌ عف‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ ،‌كا ظيار‌فرحيـ‌بيذا‌التخمؼ،‌ ككرىيـ‌ لمجياد‌في‌سبيؿ‌ا﵀ ،‌بؿ‌أنيـ‌ثبٌطكا‌غيرىـ‌كدعكىـ‌ إلى‌عدـ‌الخركج ،‌بحجة‌عدـ‌ ملبئمة‌المناخ‌ك‌ الحر‌الشديد،‌قاؿ‌تعالى :‌﴿فىرًحى‌الٍميخىمَّفيكفى‌بًمىقٍعىدًىًـٍ‌خًلبؼى‌رىسيكؿً‌المَّوً‌ كىكىرًىيكا‌أىفٍ‌ييجىاىًديكا‌بًأىمٍكىالًيًـٍ‌كىأىنٍفيسًيًـٍ‌فًي‌سىبًيؿً‌المَّوً‌كىقىاليكا‌لا‌تىنٍفًريكا‌فًي‌الٍحىرّْ‌قيؿٍ‌نىاري‌ ‌ جىيىنَّـى‌أىشىدُّ‌حى‌ رِّا‌لىكٍ‌كىانيكا‌ يىفٍقىييكفى﴾ 81]،كفي‌قكلو:‌﴿لا‌تىنٍفًريكا‌فًي‌الٍحىرّْ﴾‌قكلاف،‌ أحدىما:‌أنو‌قكؿ‌بعضيـ‌لبعض،‌كالثاني :‌أنيـ‌ق الكه‌لممؤمنيف،‌كا نما‌قالكا‌ىذا ،‌لأف‌ الزماف‌كاف‌حينئذ‌شديد‌الحر ،‌﴿قيؿٍ‌ نىاري‌جىيىنَّـى‌أىشىدُّ‌حىرِّا﴾‌لمف‌خالؼ‌أمر‌ا﵀ (2)،‌كىذا الرد‌الإليي‌ مف‌قبيؿ‌الرد‌نفسيان‌في‌ىذه‌الحرب‌عمى‌المنافقيف،‌ككاف‌الرد‌مف‌جنس‌ كلبميـ،‌أما‌محاك‌ لتيـ‌زعزعة‌ثقة‌المسمميف‌بقائدىـ ،‌كا ظيار‌عيب‌الصالحيف‌كالطعف‌ فييـ‌ظاىرة‌دالة‌عمى‌فساد‌قمكب‌كنيات‌مف‌يفعؿ‌ ذلؾ(3)؛‌ك مف‌الأمث مة‌عمييا‌في‌ السكرة ،‌قكلو‌تعالى:‌﴿كىمًنٍييـٍ‌مىفٍ‌يىمٍمً‌ زيؾى‌فًي‌الصَّدىقىاتً‌فىإًفٍ‌أيعٍطيكا‌مًنٍيىا‌رىضيكا‌كىا ًفٍ‌لىـٍ‌ ييعٍطىكٍا‌مًنٍيىا‌إًذىا‌ىيـٍ‌يىسٍخىطيكفى﴾ 58]،أم‌يركزؾ‌كيس ألؾ،‌كيغتابؾ،‌كقيؿ‌يعيبؾ‌ يا‌محمد‌في‌تكزيع‌الصدقات ،‌كيسخطؾ‌فييا(4)،ك‌النص‌القرآني‌ ىنا‌يقرر‌(أف‌القكلة‌ قكلة‌فريؽ‌مف‌المنافقيف ،‌يقكلكنيا‌لا‌غيرة‌عمى‌الديف،‌كلكف‌غضبان‌عمى‌حظ‌أنفسيـ،‌ كغيظان‌أف‌لـ‌يكف‌ليـ‌نصيب.‌كىي‌آية‌نفاقيـ‌الصريحة ،‌فما‌يشؾ‌في‌خمؽ‌الرسكؿ - صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌مؤمف‌بيذا‌الديف،‌كىك‌المعركؼ‌حتى ‌قبؿ‌الرسالة‌بأنو‌الصادؽ‌ (1)‌‌‌انظر:‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 11،‌ص66‌–‌67‌.‌ (2)‌‌‌ابف‌الجكزم ،‌زاد‌المسير،‌ج‌ 3،‌ص324‌.‌ (3)‌‌‌الجزائرم،‌أيسر‌التفاسير،‌ج 2،‌ص383‌.‌ (4)‌‌‌الماكردم،‌النكت‌كالعيكف،‌ج 2،‌ص374‌.‌

عدد الصفحات ٢٣٨

227 الأميف،‌كالعدؿ‌فرع‌مف‌أمانات‌ا﵀‌التي‌ناطيا‌ب المؤ‌ منيف‌فضلبن‌عمى‌نبي‌المؤمنيف،‌ ككاضح‌أف‌ىذه‌النصك‌ ص‌تحكي‌كقائع‌كظكاىر‌كقعت‌مف‌قبؿ ،‌كلكنيا‌تتحدث‌عنيا‌ في‌ثنايا‌الغزكة‌لتصكير‌أحكاؿ‌المنافقيف‌الدائمة‌المتصمة‌قبؿ‌الغزكة‌كفي‌ثناياىا ).(1)‌ كلكف‌ا﵀‌سبحانو‌ركٌز‌في‌ىذه‌السكرة‌عمى‌كش ؼ‌أىدافيـ‌كفضحيـ‌كبياف‌ أساليبيـ،‌في‌ح ربو‌نفسية‌كشائعات‌كدعايات‌مضادة ،‌يدرؾ‌المسممكف‌خلبليا‌ بالانتصار‌في ‌ىذه‌الحرب‌النفسية‌مع‌المنافقيف ،‌كقد‌بيٌنا‌سابقان‌كفي‌مباحث‌سابقة‌ جكانب‌عديدة‌في‌كشؼ‌ا﵀‌سبحانو‌ليـ‌كبياف‌نكاياىـ‌كحيميـ‌ أماـ‌المسمميف ؛‌كبيذا‌ زرع‌اليزيمة‌في‌أعماقو‌كقكلو‌تعالى‌ ىنا:‌ ﴿كىمً‌ نٍييـٍ‌مىفٍ‌يىقيكؿي‌ائٍذىفٍ‌لًي‌كىلا‌تىفٍتًنّْي ﴾،‌ يقكؿ:‌ائذف‌لي‌كلا‌تحرجني،‌ ﴿أىلا‌فًي‌الٍفًتٍنىةً‌سىقىطيك‌ ا﴾،‌قيؿ:‌في‌الحرج‌ كالإثـ‌ سقطكا ،‌ ﴿كىا ًفَّ‌جىيىنَّ‌ ـى‌لىميحًيطىةه‌بًالٍكىافًرًيفى﴾ ‌كا ف‌النار‌لمطيفة‌بمف‌كفر‌با﵀‌كجحد‌آياتو‌ككذَّب‌ رسمو،‌محدقة‌بي ـ،‌جامعة‌ليـ‌جميعنا‌يكـ‌القيامة(2)،‌كقكلو‌تعالى:‌﴿قيؿٍ‌أىنٍفًقيكا‌طىكٍعنا‌أىكٍ‌ كىرٍىنا‌لىفٍ‌ييتىقىبَّؿى‌مًنٍكيـٍ‌إًنَّكي‌ ـٍ‌كينٍتيـٍ‌قىكٍمنا‌فىاسًقًيفى﴾ 53]،يقكؿ‌تعالى‌مبينان‌بطلبف‌ نفقات‌المنافقيف،‌كذاكران‌ ‌السبب‌في‌ذلؾ‌﴿قيؿٍ﴾‌ليـ‌﴿أىنٍفًقيكا‌طىكٍعنا﴾‌مف‌أ نفسكـ‌﴿أىكٍ‌ كىرٍىنا﴾‌عمى‌ذلؾ،‌بغير‌اختيارك ـ،‌﴿لىفٍ‌ييتىقىبَّؿى‌مًنٍكيـٍ﴾‌شيء‌مف‌أعمالكـ‌﴿ إًنَّكيـٍ‌كينٍتيـٍ‌ قىكٍمنا‌فىاسًقًيفى﴾ ‌خارجيف‌عف‌طاعة‌المٌو(3)،كقكلو‌تعالى:‌﴿كىيىحٍمًفيكفى‌بًالمَّوً‌إًنَّييـٍ‌لىمًنٍكيـٍ‌كىمىا‌ ىيـٍ‌مًنٍكيـٍ‌كى‌ لىكًنَّييـٍ‌قىكٍـه‌يىفٍ‌ رىقيكفى﴾ :‌56‌]﴿كىيىحٍمًفيكفى‌ بًالمَّوً‌إًنَّييـٍ‌لىمًنٍكيـٍ﴾ ‌أم:‌عمى‌ دينكـ،‌﴿كىمىا‌ىيـٍ‌مًنٍكيـٍ‌كىلىكًنَّييـٍ‌قىكٍـه‌يىفٍرىقيكفى‌ ﴾[(4)‌ثـ‌يبيف ا﵀‌تعالى‌عاقبتيـ‌كىي‌أشد‌ألكاف‌ العذاب‌النفسي‌كالجسدم‌في‌الدنيا ،‌كالفتف‌التي ‌ ألحقيا‌ا﵀‌بيـ‌جزاء‌نفا قيـ‌ك‌ عداءىـ‌للئسلبـ‌فيقكؿ:‌﴿أىكىلا‌يىرىكٍفى‌أىنَّييـٍ‌ييفٍتىنيكفى‌فًي‌كيؿّْ‌ عىاـو‌مىرَّةن‌أىكٍ‌مىرَّتىيٍفً‌ثيـَّ‌لا‌يىتي‌ كبيكفى‌كىلا‌ىيـٍ‌يىذَّكَّريكفى﴾ :‌126]‌: يبتمكف‌بالمرض‌كالقحط‌كغيرىما‌مف‌بلبء‌ا﵀ ؛‌ثـ‌لا‌ينتيكف‌كلا‌يتكبكف‌عف‌نفاقيـ،‌كلا‌ يذكركف،‌كلا‌يعتبركف ،‌كلا ‌ينظركف‌في‌أمرىـ ،‌أك‌يبتمكف‌في‌الجياد‌مع‌رسكؿ‌ا﵀‌ (1)‌‌‌قطب،‌سيد،‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌ج 3،‌ص1668‌.‌ (2)‌‌‌انظر:‌الطبرم، جامع‌البياف،‌ج‌14،‌ص288‌.‌ (3)‌‌‌السعدم،‌‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في‌تفس ير‌كلبـ‌المناف،‌ج1،‌ص340‌.‌ (4)‌‌البغكم،‌معالـ‌التنزيؿ،‌ج 4،‌ص59.‌

عدد الصفحات ٢٣٩

228 صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌كيعاينكف‌أمره‌كما ينزؿ‌ا﵀‌عميو‌مف‌نصرتو‌كتأييده ،‌أك‌يفتنيـ‌ الشيطاف‌فيكذبكف‌كينقضكف‌العيكد‌مع‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا ﵀‌عميو‌كسمـ‌فيقتميـ‌كينكؿ‌ بيـ،‌ثـ‌لا‌ينزجركف (1)‌ ‌ 1.1.1 التصوير القرآني لأز مات المؤمنين النفسية في السورة : تحدثت‌سكرة‌التكبة‌عف‌بعض‌الأزمات‌النفسية‌لدل‌المؤمنيف‌عن د‌التعرض‌ لبعض‌المشكلبت‌المختمفة،‌كسأتحدث‌ىنا‌عف‌بعض‌الأزمات‌النفسية‌أثناء‌التعرض‌ لبعض‌المشكلبت‌السياسية‌كالع سكرية‌ لكضكحيا ؛‌ككيؼ‌تعامؿ‌معيا‌القرآف‌الكري ـ‌في‌ السكرة ؛‌كقد‌صكرت ‌السكرة‌الكريمة ‌بعض‌المشكلبت‌كالحالات‌ النفسية‌أثناء‌الغزكات‌ كالخزم ،‌كالغيظ ،‌ثـ‌شفاء‌الصدكر،‌يقكؿ‌تعالى:‌﴿قىاتًميكىيـٍ‌ييعىذّْبٍييـي‌المَّوي‌بًأىيٍدًيكيـٍ‌كىييخٍزًىًـٍ‌ كىيىنٍصيرٍكيـٍ‌عىمىيٍيًـٍ‌ ‌كىيىشٍؼً‌صيديكرى‌قىكٍـو‌ميؤٍمًنًيفى*‌كىييذٍىًبٍ‌غىيٍظى‌قيميكبًيًـٍ‌كىيىتيكبي‌المَّوي‌عىمىى‌مىفٍ‌ يىشى‌اءي‌كىالمَّوي‌عىمًيـه‌حىكًيـه﴾ ‌14/15]‌(﴿قىاتًميكىيـٍ‌ييعىذّْ‌ بٍييـي‌المَّوي‌بًأىيٍدًيكيـٍ﴾‌بالقتؿ‌ ﴿كىييخٍزًىًـٍ‌ ﴾‌إذا‌نصركـ‌المٌو‌عمييـ،‌كىـ‌الأعداء ‌الذيف‌يطمب‌خزييـ‌كيحرص‌عم يو،‌ ﴿كىيىنٍصيرٍكيـٍ‌عىمىيٍيًـٍ﴾ ‌ىذا‌ك‌ عد‌مف‌المٌو‌كبشارة‌قد‌أنجزىا،‌﴿كىيى‌ شٍؼً‌صيديكرى‌قىكٍـو‌ميؤٍمًنًيفى‌ *‌ كىييذٍىًبٍ‌غىيٍظى‌قيميكبًيًـٍ﴾ ‌فإف‌في‌قمكبيـ‌مف‌الحنؽ‌كالغيظ‌عمييـ‌ما‌يككف‌قتاليـ‌كقتميـ‌ شفاء‌لما‌في‌قمكب‌المؤمنيف‌مف‌الغـ‌كا ليـ‌إذ‌يركف‌ىؤلاء‌الأعداء‌محاربيف‌لمٌو‌ كلرسكلو‌ساعيف‌في‌إطفاء‌نكر‌المٌو‌كزكالا‌لمغيظ‌الذم‌في‌قمكبيـ‌كىذا‌يدؿ‌عمى‌محبة‌ المٌو‌لعباده‌المؤمنيف‌كاعتنائو‌بأحكاليـ‌حتى‌إنو‌جعؿ‌ -مف‌جممة‌المقاصد‌الشرعية -‌ شفاء‌ما‌في‌صدكرىـ‌كذىاب‌غيظيـ) .(2)‌ كمف‌ىذه‌الأزمات ‌في‌السكرة ،‌حالة‌نفسية‌عكاقبيا ‌الفشؿ‌كالخسارة‌كىي :‌‌ العيجب،‌كفييا‌بيٌ‌ف‌الإسلبـ‌حرمة‌العجب‌بالنفس‌كالعمؿ‌إذ‌الع جب‌مف‌العكائؽ‌الكبيرة‌ عف‌النجاح(3)،كيخبرىـ‌تبارؾ‌كتعالى‌ في‌ىذه‌الآيات‌أف‌النصر‌بيده‌كمف‌عنده،‌كأنو‌ ليس‌ بالعجب‌كالغركر‌ك‌ بكثرة‌العدد‌كشدة‌البطش،‌كأنو‌ينصر‌ال قميؿى‌عمى‌الكثير‌إذا‌ (1)‌‌‌الزمخشرم،‌الكشاؼ،‌ج 2،‌ص222‌.‌ (2)‌‌السعدم،‌‌تيسير‌الكريـ‌ال رحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف،‌ج‌ 1،‌ص331‌. (3)‌‌‌الجزائرم ،‌أيسر‌التفاسير،‌ج‌2،‌ص356‌.

عدد الصفحات ٢٤٠

229 شاء،‌كيخمّْي‌الكثيرى‌كالقميؿى،‌فىييٍزًـ‌الكثيري (1)،‌كىذا‌المرض‌النفسي ،‌كغيره‌مف‌ الشدائد‌ ك‌الأزمات‌النفسية‌ك الضيؽ‌ك‌ الخكؼ‌شعر‌بيا‌المسممكف ‌في‌غزكة‌حنيف ،‌حيث‌ يقكؿ‌ تعالى:‌﴿لىقىدٍ‌نىصىرىكيـي‌ا﵀‌فًى‌مىكىاطًفى‌كىثًيرىةو‌كىيىكٍـى‌حينىيٍفو‌إًذٍ‌ ‌أىعٍجىبىتٍكيـٍ‌كىثٍرىتيكيـٍ‌فىمىـٍ‌تيغٍفً‌عىنكيـٍ‌ شىيٍئان‌كىضىاقىتٍ‌عىمىيٍكيـي‌الأرض‌بًمىا‌رىحيبىتٍ‌ ‌ثيـَّ‌كىلَّيٍتيـ‌مُّدٍبًرًيفى‌ *‌ثيـَّ‌أىنزؿى‌المَّوي‌سىكًينىتىوي‌عىمىى‌ رىسيكلًوً‌كىعىمىى‌الٍميؤٍمًنًيفى‌كىأىنزؿى‌جينيكدنا‌لىـٍ‌تىرىكٍىىا‌كىعىذَّبى‌الَّذًيفى‌ ‌كىفىريكا ‌كىذىلًؾى‌جىزىاءي‌الٍكىافًرًيفى﴾‌ [25/26]‌:العجب‌ثـ‌الضيؽ‌كالحزف‌كالخكؼ ،‌ك‌ىي‌ في‌قكلو‌تعالى‌﴿كىأعٍجىبىتٍكيـٍ﴾ :‌مف‌الإً‌ عجاب‌بمعنى‌السركر‌بما‌يتعجب‌منو ،‌كسبب‌ ىذا‌الإًعجاب‌أف‌عدد‌المسمميف‌كاف‌اثنا‌عشر‌ألفان،‌كعدد‌أعدائي ـ‌كاف‌أربعة‌آلاؼ ،‌ كقكلو:‌﴿ فىمىـٍ‌تيغٍفً‌عى‌ نكيـٍ‌شىيٍئان﴾‌بياف‌للؤثر‌الس يء‌الذل‌أعقب‌الإًعجاب‌بالكثرة،‌كأف‌ سركرىـ‌بيذه‌الكثرة‌لـ‌يدـ‌طكيلبن‌،‌بؿ‌تبعو‌الحزف‌كاليزيمة،‌كقكلو:‌﴿ كىضىاقىتٍ‌عى‌ مىيٍكيـي‌ الأرض‌بًمىا‌رىحيبىتٍ﴾ ‌بياف‌لشدة‌خكفيـ‌كفزعيـ (2)،‌كضاقت‌بكـ‌ارض‌مع‌ككنيا‌رحبان‌ كاسعة‌لشدة‌الحاؿ‌عمييـ‌كصعكبتيا‌كأنيـ‌لا‌يجدكف‌مكانان‌يستصمحكنو‌لميرب‌كالنجاة‌ لفرط‌ما‌لحق يـ‌مف‌الرعب ،‌فكأنيا‌ضاقت‌عمييـ..‌ثـ‌كليتـ‌مدبريف‌أم :‌كليتـ‌فاريف‌ عمى‌أدباركـ‌منيزميف‌تارك يف‌رسكؿ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ (3)،‌كىذا‌الفرار ،‌كىذه‌ اليزيم ة‌في‌البداية ‌ما‌كانت‌إلا‌بسبب‌العجب‌كالغركر ، فكانت‌اليزيمة ،‌أم‌كقعت‌ بأسبابيا‌فكانت‌عقكبة‌عمى‌ىذا‌الغركر‌كالعجب ‌الذم‌تشير‌إليو‌الكممة،‌كتربية ‌ لممؤمنيف‌حتى‌لا‌يعكدكا ‌إلى‌الغركر‌بالكثرة ؛‌لأنيا‌ليست‌إلا‌أحد‌الأسباب‌المادية‌ الكثيرة ‌لمنصرة، ‌كما‌تقدـ‌بيانو‌مف‌الأسباب‌المعنكية‌في‌سكرة ‌الأنفاؿ‌أعظـ،‌كقد‌قاؿ‌ تعالى‌حكاية‌عف‌المؤمنيف‌الكامميف‌الذيف‌يعممكف‌قيمة‌أسباب‌النصر‌المعنكية‌ كالصبر‌كالثقة ‌با﵀‌كالاتكاؿ ‌عميو‌قىاؿى‌:‌﴿الَّذًيفى‌يىظينُّكفى‌أىنَّييـٍ‌ميلبىقيك‌ا﵀ً‌كىـٍ‌مًفٍ‌فًئىةو‌قىمًيمىةو‌ غىمىبىتٍ‌فًئىةن‌كىثًيرىةن‌ ‌بًإًذٍفً‌ا﵀ً‌ ‌كىا﵀ي‌مىعى‌الصَّابًرًيفى﴾ البقرة :‌249‌]ككذلؾ‌كقعت‌اليزيمة ‌ بأسبابيا‌في‌يكـ‌أحد‌عقكبة‌كتربية ،‌فمـ‌تكف‌تمؾ‌الكثرة ‌التي‌أعجبتكـ‌كغرتكـ ‌كافية‌ لانتصاركـ ‌بؿ‌لـ‌تدفع‌عنكـ‌شيئا‌مف‌عار‌الغمب‌كاليزيمة ،‌ك‌ ضاقت‌عميكـ‌الأرض ‌ (1)‌‌‌انظر:‌الطبرم،‌جامع‌البياف، ‌ج‌14،‌ص‌180.‌ (2)‌طنطاكم،‌الكسيط،‌ج 6،‌ص239‌.‌ (3)‌‌‌أبك‌حيٌاف،‌البحر‌المحيط،‌ج5،‌ص25.‌

عدد الصفحات ٢٤١