المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأزمات في العهد النبوي في ضوء سورة التوبة دراسة موضوعية

زينب عبد الرزاق الرعود

صفحة ١٤ من ٢١

198 كقيؿ:‌أف‌في‌الآية‌الثانية‌مر‌ اعاة‌لحقكؽ‌المؤمنيف‌عمى‌الإطلبؽ،‌كفي‌الأكٌل ى‌المراعاة‌ لحقكؽ‌طائفة‌مف‌المؤمنيف‌خاصة‌(1)،كقد‌كصفيـ‌ا﵀‌تعالى‌بالمرة‌الأكلى‌ بعد‌أف‌بيف‌ أنيـ‌لـ‌يراعكا‌في‌شأنكـ‌حقان‌كلا‌عيدان‌كلا‌قرابة‌كلا‌ضمانان‌بقكلو:‌﴿كىأىكٍثىريىيـٍ‌فاسقكف﴾ ‌‌ أم‌خارجكف ‌عف‌الطاعة‌متمردكف‌لا‌عقيدة‌تزعيـ‌كلا‌مركءة ،‌ككصؼ‌الكفرة‌بالفسؽ ‌ في‌غاية‌الذـ‌كفي‌المرة‌الثانية ؛‌كقد‌نعى‌عمييـ‌عدـ‌مراعاة‌حقكؽ‌عيد‌المؤمنيف‌عمى‌ الإطلبؽ‌بخلبؼ‌الأكؿ...‌ك‌صفيـ‌تعالى‌بقكلو‌﴿كىأيكٍلئًؾى﴾ ‌أم‌المك‌ صكفكف‌بما‌عدد‌مف‌ الصفات‌السيئة‌﴿ىيـي‌المعتدكف﴾ ‌المجاكزكف‌ الغاية‌القصكل‌مف‌الظمـ‌كالشرارة (2)؛ (فمما‌بيف‌حاؿ‌مف‌لا‌يرقب‌في‌ا﵀‌إلا‌كلا‌ذمة ،‌كينقض‌العيد‌كينطكم‌عمى‌النفاؽ‌ كيتعدل‌ما‌حد‌لو،‌بيف‌مف‌بعد‌أنيـ‌إف‌أقامك‌ ا‌الصلبة‌كآتكا‌الزكاة‌كيؼ‌حكميـ،‌فجمع‌ ذلؾ‌الشيء‌بقكلو:‌﴿ فىإًخكىانيكيـٍ‌فًى‌الدي ف﴾‌كىك‌يفيد‌جممة‌ أحكاـ‌الإيماف )(3)،‌يقكؿ تعالى:‌﴿فىإًفٍ‌تىابيكا‌كىأىقىاميكا‌الصَّلبةى‌كىآتىكيا‌الزَّكىاةى‌فىإًخٍكىانيكيـٍ‌فًي‌الدّْيفً‌كىنيفىصّْؿي‌ ‌الآيىاتً‌لًقىكٍـو‌ يىعٍمىميكفى﴾ 11]؛‌ف إف‌أعمنكا‌ التكبة‌الصادقة‌عف‌الكفر‌كنقض‌العيد ،‌ك‌ أقامكا ‌ الصلبة‌،‌ك‌ آتكا ‌الزكاة‌...إف ‌فعمكا‌ذلؾ‌في ـ‌إخكانكـ‌في‌الديف،‌ليـ‌ما‌لكـ ،‌كعمييـ‌ما‌ عميكـ‌،‌ككصفو‌بالأخكة‌دليؿ‌عمى‌أف‌أخكة‌الديف‌أعمى‌كأخمد‌كأقكل‌مف‌أخكة‌النسب،‌ كاستحقكا‌ىذا‌الكصؼ‌ بالأمكر‌الثلبثة‌المتقدمة‌المتلبزمة‌مع‌بعضيا (4)،‌فيـك‌بعد‌أنيـ‌ أنيـ‌كانكا‌لا‌يراعكف‌ركابط‌القرابة‌ك‌ الأخكة‌كالصح بة‌بينيـ‌كبيف‌غيرىـ ،‌فيـ‌الآف‌كفي‌ ظؿ‌الإسلبـ‌تربط‌بينيـ‌كبيف‌المؤمنيف‌قبميـ ؛‌ركابط‌الأخكة‌التي‌تيراعى‌دائمان‌كأبدان‌،‌ثـ‌ أننا‌نجد‌رحمة‌ا﵀‌دائمان‌،‌كتكبتو‌كاسعة ‌كشاممة‌بعد‌كؿ‌أزمة‌كمشكمة‌كذنب ،‌كىذا‌ما‌ يميز‌الأزمات‌في‌سكرة‌التكبة‌أنيا‌كأثناء‌كبعد‌ذكر‌الأزمات ‌فييا‌تيعمف‌التكبة‌كييذكر‌ عفك‌ا﵀‌‌كرحمتو‌لعباده‌التائبيف .‌(كما‌أننا‌نكاجو‌الآف‌أزمة‌مع‌الفساد ‌المبثكث‌عبر‌ القنكات ‌الفضائية‌كالشبكات ‌الحاسكبية،‌أصبحت‌معو‌ميمة‌الدعاة‌بالغة‌الصعكبة‌في‌ تكسيع‌دائرة ‌المنتميف‌لمدعكة ‌مف‌الأجياؿ‌الجديدة،‌بؿ‌إف‌الخطر ‌لـ‌يعد‌يحاصر‌ (1)‌‌الشككاني‌،‌فتح‌القدير،‌ج1‌،‌ص559‌.‌ (2)‌‌‌انظر:‌الألكسي،‌ركح‌المعاني ،‌مجمد‌4،‌ج5،‌ص251‌-252‌.‌ (3)‌‌‌الرازم،‌‌مفاتيح‌الغيب،‌ج 15،‌ص‌241‌.‌ (4)‌‌انظر:‌الزحيمي،‌كىبة ،‌‌التفسير‌المنير،‌ج9‌،‌ص123‌.‌

عدد الصفحات ٢١٠

199 الأطفاؿ‌كالفتياف ‌كالفتيات، ‌بؿ‌غدا‌يطارد ‌الكبار‌أيضان،‌فأصبحنا‌بيف‌خطريف :‌خطر‌ العسر‌في‌المحافظة‌عمى‌مكتسبات‌عقكد‌ماضية‌مف‌شريحة ‌الممتزميف ‌بالديف‌بتآكؿ‌ أطرافيا، ‌كخطر ‌المخاكؼ‌مف‌تقمص الفرص في جلب شرائح جديدة إلى صفوف الملتزمين الجادين (1). كأخيرانبد‌أف‌نبيف‌كبشكؿ‌عاـ‌أف‌ما‌تتعرض‌لو‌الأمة‌اليكـ‌مف‌أزمات‌عمى‌ المستكل‌ التربكم‌الخيمقي‌راجع‌إلى‌أسباب ‌منيا:‌‌ •‌ضعؼ‌التديف‌في‌نفكس‌المسمميف.‌ •‌التصكر‌الخاطئ‌لشرائع‌الإسلبـ‌ك‌أحكامو‌كركحو. ‌ •‌غياب‌القدكة‌الصالحة‌في‌كثير‌مف‌المجالات‌. ‌ •‌طغياف‌الجانب‌المادم‌ك‌الاىتمامات‌الدنيكية‌في‌العلبقات‌كالأعماؿ‌. ‌ •‌قمة‌البرامج‌التكعكية‌كالأنشطة‌التي‌تعنى‌بالجانب‌الأخلبقي. ‌ •‌قمة‌التربية‌الخمقية‌في‌مناىج‌التعميـ‌عمى‌كافة‌المستكيات‌. ‌ •‌عدـ‌سف‌أنظمة‌كقكانيف‌تحافظ‌عمى‌المبادئ‌كالقيـ‌الأخلبقية‌العامة‌كتكقع‌العقكبات‌ المناسبة‌عمى‌مرتكبي‌الجر‌ ائـ‌الأخلبقية‌المتجددة‌).‌(2)‌ ‌ 1.1 الأزمة الثقافية الفكرية: إف‌دعكة‌الإسلبـ‌كمنذ‌بداياتيا ؛‌تدعك‌الإنساف‌إلى‌التفكر‌كالتأمؿ‌كا عماؿ‌ال عقؿ‌ في‌خمؽ‌ا﵀‌كآياتو‌في‌الككف ،‌ك‌ا ذا‌ تدبرنا‌آيات‌القرآف‌الكريـ‌ نجده‌ييتـ‌بفكر‌الإنساف‌ كعقمو‌كثقافتو‌فما‌ىك‌الفكر ،‌(الفكر:‌ى ك‌اسـ‌لعممية‌تردد‌القكل‌العاقمة‌المفكرة‌في‌ الإنساف،‌سكاء‌أكاف‌قمبان‌أك‌ركحان‌أك‌ذىنان‌بالنظر‌كالتدبر،‌لطمب‌المعاني‌المجيكلة‌مف‌ الأمكر‌المعمكمة،‌أك‌الكصكؿ‌إلى‌الأحكاـ‌أك‌النسب‌بيف‌الأشياء)(3)،‌كلقد‌جاء‌القرآف‌ (1)‌‌مجمة‌البياف،‌كامؿ،‌عبد‌العزيز ،‌نظرات‌في‌منازلة‌النكازؿ،‌محرـ،‌ 1425ىػ،‌العدد‌197، ص‌32‌. (2)‌‌‌اليازجي ،‌صبحي‌رشيد،‌مف‌كحي‌القرآف‌الكريـ ،‌ص‌373‌.‌ (3)‌‌انظر:‌العمكاني،‌طو‌جابر ،‌الأزمة‌الفكرية‌المعاصرة ،‌المعيد‌العالمي‌لمفكر‌الإسلبمي ،‌ الكلايات‌المتحدة‌الأمريكية،‌ط 4،1994ـ‌،‌ص25.‌

عدد الصفحات ٢١١

211 مندٌدان‌بأكلئؾ‌الذيف‌يسيركف،‌كىـ‌ىائمكف‌عمى‌كجكى يـ،‌لا‌يعقمكف‌شيئان‌؛‌لأنو‌لا‌ييمكف‌ أف‌ينيض‌المجتمع،‌كالجيؿ‌ يسيطر‌عمى‌أبنائو،‌قاؿ‌تعالى:‌﴿أىفىمىـٍ‌يىسًيريكا‌فًي‌الأرٍضً‌ فىتىكيكفى‌لىييـٍ‌قيميكبه‌يىعٍقًميكفى‌بًيىا‌أىكٍ‌آذىافه‌يىسٍمىعيكفى‌بًيىا‌فىإًنَّيىا‌لا‌تىعٍمىى‌الأبٍصىاري‌كىلىكًفٍ‌تىعٍمىى‌ الٍ‌قيميكبي‌الَّ‌ تًي‌فًي‌الصُّديكرً﴾ الحج:‌46]‌فمقد‌دعا‌ا﵀‌عباده‌إلى‌السير‌في‌ا لأرض،‌ لينظركا،‌كيعتبركا‌فقاؿ:‌﴿أىفىمىـٍ‌يىسًيريكا‌فًي‌الأرٍضً﴾‌بأبدانيـ‌كقمكبيـ‌﴿ فىتىكيكفى‌لى‌ ييـٍ‌قيميكبه‌ يىعٍقًميكفى‌بًيىا﴾ ‌آيات‌ا﵀‌كيتأممكف‌بيا‌مكاقع‌عبره،‌﴿أىكٍ‌آذىافه‌يىسٍمىعيكفى‌بًيى‌ ا﴾‌أخبار‌الأمـ‌ الماضيف،‌كأنباء‌القركف‌المعذبيف،‌كا لا‌فمجرد‌نظر‌العيف،‌كسماع‌الأذف،‌كسير‌البدف‌ الخالي‌مف‌التفكر‌كالاعتبار،‌غير‌مفيد،‌كلا ‌مكصؿ‌إلى‌المطمكب،‌كليذا‌قاؿ:‌﴿فىإًنَّيىا‌ لا‌تىعٍمىى‌الأبٍصىاري‌كىلىكًفٍ‌تىعٍمىى‌الٍ‌ قيميكبي‌الَّتًي‌فًي‌الصُّديكرً﴾ ‌أم:‌ىذا‌العمى‌الضار‌في‌ الديف،‌عمى‌القمب‌عف‌الحؽ،‌حتى‌لا‌يشاىده‌كما‌لا‌يشاىد‌الأعمى‌المرئيات،‌كأما‌ عمى‌البصر،‌فغايتو‌بمغة،‌كمنفعة‌دنيكية(1)،‌إف‌أزمة‌الفكر‌التي‌نعيشيا‌أزمة‌حقيقية‌ مكجكدة ‌في‌جانب‌المصادر‌كالمناىج ،‌جانب‌القضايا‌الأساسية‌التاريخية‌التي‌أحدثت‌ أسكأ‌الآ ثار‌السمبية‌في‌عقميتنا‌كفي‌نفسيتنا‌كفي‌طريقة‌تفكيرنا ،‌كالتي‌ أحبطت‌محاكلات‌ إصلبح‌كثيرة‌جدان‌ ...‌فنحف‌إذف‌في‌قضية‌الفكر‌محت اجكف‌إلى‌كضع‌مناىج‌لمفكر‌ السميـ،‌بعيدان‌عف‌الشخصية‌الفكرية‌الغربية‌أك‌سيطرتيا) (2)؛‌كما‌أف(‌الديف‌كالعقيدة كثقافة‌الفرد‌كالمجتمع‌أحد‌أكب ر‌العناصر‌البيئية‌شديدة‌التأثي ر‌عمى‌أداء‌الأزمة ،‌ خاصة‌التي‌يككف‌محكرىا‌الأفراد ...)(3)،‌كلـ‌أجد‌مف‌عرٌؼ‌ىذهالأزمة‌بما‌تتناسب‌ كمكضكعات‌بحثي؛‌كلكف‌بعد‌الاطلبع‌عمى‌المقالات ،‌ككتب‌الفكر‌الإسلبمي‌اجتيدت‌ تعريفو‌بالآتي:‌ "أنيا‌حدكث‌خمؿ‌فكرم، ‌أك‌ثقافي‌متكقع‌أك‌غير‌متك‌ قع،‌عند‌جماعة‌ مف‌أفراد‌المجتمع ؛‌يعطؿ‌القدرة‌عمى‌الفعؿ ،‌كالإنجاز ،‌كالأداء‌ مسببان‌تخمفان‌كتأخران‌في‌ جميع‌ "أك‌بعض "‌مجالات‌الحياة‌الأخرل‌"الدينية ،‌ا لسياسية،‌الاقتصادية،‌العسكرية ،‌ التربكية‌...‌كغيرىا ".‌ (1)‌‌‌السعدم،‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف ،‌ج‌1،‌ص540.‌ (2)‌‌العمكاني،‌طو‌جابر،‌الأزمة‌الفكرية‌المعاصرة ،‌ص‌41‌.‌ (3)‌‌‌‌الخضيرم،‌محسف‌أحمد،‌إدارة‌الأزمات ،‌ص‌47‌.‌

عدد الصفحات ٢١٢

211 إف‌أزمة‌الفكر‌كالثقافة‌ىي‌مف‌أخطر‌الأزمات‌ا لتي‌تكاجو‌الأ مة‌الإسلبمية‌ اليكـ،‌نظرا‌لتنكعيا‌ كتشعبيا،‌ثـ‌لحرص‌أعداء‌الإسلبـ‌عمى‌إبقاء ‌حالة‌الجيؿ‌عمى‌ الأمة‌الإسلبمية،‌كيبيف‌العمكاني‌في‌كتابو‌بعض‌المعضلبت‌الفكرية‌التي‌كاف‌ليا‌أسكأ‌ الآثار‌عمى‌بناء‌الفرد‌المسمـ‌عقميان‌كثقافيان‌كنفسيان‌كتربكيان؛‌كأفسدت‌عمى‌الأمة‌محاكلتيا‌ في‌ا لتقدـ‌كالحضارة‌كمف‌ىذه‌المعضلبت :‌الصراع‌المفتعؿ‌بيف‌النص‌كالعقؿ ،‌ كمعضمة‌صعكبة‌الربط‌بيف‌الأسباب‌كالم سببات،‌أك‌الربط‌بيف‌النتائج‌كالمقدمات،‌ كمعضمة‌التأكيؿ‌كالتقميد‌كالاجتياد...‌كغيرىا (1)،كىناؾ‌خطر‌ تشكه‌الرؤية‌الككنية‌ الإسلبمية،‌كالتي‌تشكؿ‌إطار‌فكر‌الأ مة‌كثقافتيا‌كالتي‌تبعدىا‌عف‌الخر‌ افية‌كالأكىاـ‌ كالتعقيد‌كالتنظير ،‌ككذلؾ‌خطر‌البحث‌عف‌الحقيقة‌في‌حيٌزو‌ ‌ضيؽ‌كمحدكد‌مف‌ مجالات‌المعرفة ،‌كمنيا‌أيضان‌في‌الفكر‌الإسلبمي ،‌الفصؿ‌بيف‌ الآليات‌الثلبث‌ للبشتغاؿ،‌بيف‌"القرآف‌كالسنة"،‌كأدكات‌العمؿ‌" المغة‌كعمـ‌أصكؿ‌الفق و"،‌كالمنتكج‌"الفقو‌ كالتفسير" ،‌ككذلؾ‌ا لخمؿ‌في‌فيـ‌الكاقع‌كالتعامؿ‌معو ،‌كىناؾ‌اختلبلات‌مف اىيمية؛‌ تتجمى‌في‌الفيـ‌الخاطيء‌لمجمكعة‌مف‌المفاىيـ‌في‌ظؿ‌الفكر‌الإسلبمي (2)،‌ك قد‌ تناكلت‌سكرة‌التكبة‌بعض‌جكانب‌الإشكالات‌الفكرية‌ال ثقافية‌عند‌أبناء‌المجتمع‌ المدني،‌كالتي‌سأت ناكؿ‌بعضيا‌في‌المطالب‌التالية:‌المطمب‌الأكؿ:‌الجيؿ،‌كعدـ ‌أخذ‌ العمكـ‌مف‌مصادرىا ‌.‌ المطمب‌الثاني‌:‌إشكالات‌حساب‌الزمف ‌.‌‌ المطمب‌الثالث‌:‌انتكاس‌مكازيف ‌البيع‌كالشراء ‌.‌ المطمب‌الرابع ‌:‌التقميد‌الأعمى‌كالاغترار ‌بالأمكاؿ ‌كالأكلاد، ‌كعدـ ‌أخذ‌العبرة ‌مف‌الأقكاـ‌ السابقة.‌ 1.1.1 الجيل، وعدم أخذ العموم من مصادرىا : أشار‌ا﵀‌تعالى‌في‌ىذه‌السكرة‌الكريمة‌إل ى‌كجكب‌طمب‌العمـ‌كأخذه‌مف‌ مصدره ،‌كنيى‌عف‌تعطيؿ‌العقكؿ‌في ‌النظر‌كالتدبر،‌قاؿ‌تعالى:‌﴿ كىا ًفٍ‌أىحىده‌مًفى‌ (1)‌‌انظر‌:‌العمكاني‌،‌طو‌جابر،‌‌الأزمة‌الفكرية‌المعاصرة ،‌ص‌33‌–‌38‌.‌ (2)‌‌www.alukah.net/culture‌http//،‌انظر:‌مظاىر‌الأزمة‌في‌الفكر‌الإسلبمي‌كدكر‌ الكعي‌ا لمنيجي‌في‌معالجتيا،‌خالد‌أكعبك ،‌7/1/2015‌ـ‌

عدد الصفحات ٢١٣

212 الٍميشٍرًكًيفى‌اسٍتىجىارىؾى‌فىأىجًرٍهي‌حىتَّى‌يىسٍمىعى‌كىلبـى‌الم وً‌ثيـَّ‌أىبٍمًغٍوي‌مىأٍمىنىوي‌ذىلًؾى‌بًأى‌ نَّييـٍ‌قىكٍـه‌لا‌ يىعٍمىميكفى﴾ [‌:6]‌سماع‌المشركيف‌القرآف‌مف‌مصدره "مف‌رسكؿ‌ا﵀‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ –"،‌لا‌مف‌المشركيف،‌لأ نيـ‌قكـ‌جيمة؛‌فقكلو‌ تعالى:‌(﴿حتى‌يىسٍمىعى‌كىلبىـى‌ا﵀﴾‌أم:‌من ؾ،‌كيتدبره‌حؽ‌تدبره ،‌كيقؼ‌عمى‌حقيقة‌ما‌ تدعك‌إليو:‌﴿ثيـَّ‌أىبٍمً‌غٍوي‌مىأٍمىنىوي﴾‌أم:‌إلى‌الدار‌التي‌يأمف‌فييا‌بعد‌أف‌يسمع‌كلبـ‌ا﵀‌إف‌ لـ‌يسمـ‌﴿ذلؾ﴾‌إلى‌ما‌تقدٌـ‌مف‌الأمر‌بالإجارة‌،‌كما‌بعده‌﴿ بًأىنَّييـٍ‌قىكٍـه‌لاَّ‌يىعٍمىميكفى﴾‌ أم:‌بسبب‌فقدانيـ‌لمعمـ‌النافع‌المميز‌بيف‌الخير‌كالشر‌في‌الحاؿ‌كالمآؿ) (1)،‌كالمعنى (حتى‌يفيـ‌أحكامو‌كأكامره‌كنكاىيو‌،‌فذكر‌السماع‌بالأذاف‌إذ‌ىك‌الطريؽ‌إلى‌الفيـ‌كقد‌ يجيء‌السماع‌في‌كلبـ‌العرب‌مستعملبن‌بمعنى‌الفيـ‌كما‌تقكؿ‌لمف‌خاطبتو‌فمـ‌يقبؿ‌ منؾ‌أنت‌لـ‌تسمع‌قكلي‌تريد‌لـ‌تفيمو ،‌كذلؾ‌في‌كتاب‌ا﵀‌تعالى‌في‌عدة‌مكاضع )(2)، كقيؿ‌الاقتصار‌عمى‌ذكر‌السماع‌لعدـ‌الحاجة‌إلى‌شيء‌آخر‌في‌الف يـ‌لككنيـ‌مف‌ أىؿ‌المسف‌كالفصاحة ،‌كالمراد‌بكلبـ‌ا﵀‌تعالى‌الآيات‌المشتممة‌عمى‌ما‌يدؿ‌عمى‌ التكحيد‌كنفي‌الشبو‌كال شبيو،‌كقيؿ:‌سكرة‌براءة ،‌كقيؿ :‌جميع‌القرآف‌لأف‌تماـ‌ الدلائؿ‌ كالبينات‌فيو (3)؛‌كتمؾ‌إذا‌جاء‌كاحد‌منيـ‌مسترشدان‌طالبان‌لمحجة‌كالدلالة‌عمى‌ما‌يدعكا‌ إليو‌مف‌الديف(4)؛‌كالسبب‌في‌ذلؾ‌أنو‌ربما‌كاف‌استمرارىـ‌عمى‌كفرىـ‌لجيؿ‌منيـ،‌إذا زاؿ‌اختاركا‌عميو‌الإسلبـ،‌فمذلؾ‌أمر‌المٌو‌رسكلو،‌كأمتو‌أسكتو‌في‌الأحكاـ،‌أف‌يجيركا‌ مف‌طمب‌أف‌يسمع‌كلبـ‌المٌو. (5)‌ثـ‌يبيف‌ا﵀ ‌تعالى‌حججو‌لعباده‌الصالحيف ،‌كأدلتو‌ لطمبة‌العمـ‌،‌كيذـ‌الجيمة‌الذيف‌تنتفي‌عنيـ‌ىذه‌الصفة،‌قاؿ‌تعالى:‌﴿فىإًفٍ‌تىابيكا‌كىأىقىاميكا‌ الصَّلبةى‌كىآتىكيا‌الزَّكىاةى‌فىإًخٍكىانيكيـٍ‌فًي‌الدّْيفً‌كىنيفىصّْؿي‌ الآيىاتً‌لًقىكٍ‌ ـو‌يىعٍمىميكفى﴾ 11]، (1)‌‌‌الشككاني،‌فتح‌القدير،‌ج1،‌ص558‌.‌ (2)‌‌‌ابف‌عطية،‌أبك‌محمد‌عبد‌الحؽ‌بف‌غالب‌بف‌عبد‌الرحمف‌بف‌تماـ ‌بف‌عطية‌الأندلسي‌ المحاربي‌( ت‌542ىػػ)،‌المحر‌ ر‌الكجيز‌في‌تفسير‌الكتاب‌العزيز ،‌المحقؽ:‌عبد‌السلبـ‌ عبد‌الشافي‌محمد،‌دار‌الكتب‌العممية،‌بيركت،‌ط1،1422‌ىػ،‌ج3‌،‌ص9‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌الألكسي،‌‌ركح‌المعاني،‌مجمد‌ 4،‌ج5‌،‌ص248‌. (4)‌‌‌أبك‌حياف،‌البحر‌المحيط،‌ج5،‌ص13‌. (5)‌‌‌انظر:‌السعدم،‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف،‌ج‌ 1،‌ص329.‌

عدد الصفحات ٢١٤

213 ﴿كى‌نيفىصّْؿي‌الآيىاتً﴾ ،‌يقكؿ:‌كنبيف‌حجج‌ا﵀‌كأدلتو‌عمى‌خمقو‌﴿لًقىكٍـو‌يىعٍمىميكفى﴾ ،‌ما‌بييّْف‌ ليـ،‌فنشرحيا‌ليـ‌مفصمة،‌دكف‌الجياؿ‌الذيف‌لا‌يعقمكف‌عف‌ا﵀‌بيانو‌كمحكـ‌آياتو (1)، كمف‌ىؤلاء‌الجياؿ؛‌المنافقكف –‌كما‌ذكرنا‌سابقان‌ –الذيف‌قاؿ‌عنيـ‌ا﵀‌تعالى‌﴿ فىرًحى‌ الٍميخىمَّفيكفى‌بًمىقٍعىدًىًـٍ‌خًلبىؼى‌رىسيكؿً‌المَّوً‌كىكىرًىيكا‌أىفٍ‌ييجىاىًديكا‌بًأىمٍكىالًيًـٍ‌كىأىنٍفيسًيًـٍ‌فًي‌سىبًيؿً‌ ‌المَّوً‌ كىقىاليكا‌لاى‌تىنٍفًريكا‌فًي‌الٍحىرّْ‌قيؿٍ‌نىاري‌جىيىنَّـى‌أىشىدُّ‌حى‌ رِّا‌لىكٍ‌كىانيكا‌يىفٍقى‌ ييكفى﴾ 81‌] ك﴿يفقيكف﴾‌معناه‌العمـ‌بالشيء،‌ثـ‌اختص‌بو‌عمـ‌الشريعة،‌فقيؿ‌لكؿ‌عالـ‌بيا :‌فقيو‌ كفي‌عرؼ‌الشريعة:‌عبارة‌عف‌معرفة‌الأحكاـ‌الشرعية‌ا لمتعمقة‌بأفعاؿ‌المكمَّفيف،‌بنحك:‌ التحميؿ،‌كالتحريـ ،‌كالإيجاب،‌كالإجزاء،‌كالصحة،‌كالفساد،‌كالغرـ،‌كالضماف ،‌كغي ر‌ ذلؾ(2)،‌ثـ‌ىـالذيف‌لا‌يستمعكف‌لمقرآف‌كلا‌ يفيمكف‌ما‌بو‌مف‌أدلة‌كبراىيف ؛‌بؿ‌كانتفت‌ عنيـ‌أيضان‌صفة‌العمـ،‌كالفقو‌لأف‌ا﵀‌تعالى‌طبع‌عمى‌قمكبيـ‌؛‌ففي‌المرة‌ا لأكلى‌قاؿ‌ عنيـ‌في‌ىذه‌السكرة:‌﴿ طيبًعى‌عىمىى‌قيميكبًيًـٍ‌فىييـٍ‌لا‌يىفٍقى‌ ييكفى﴾؛‌كذلؾ‌في‌قكلو‌‌تعالى: ‌ ﴿رىضيكا‌بًأىفٍ‌يىكيكنيكا‌مىعى‌الٍخىكىالًؼً‌كىطيبًعى‌عىمىى‌قيميك‌ بًيًـٍ‌فىييـٍ‌لا‌يىفٍقىييكفى﴾ 87] (فلؤجؿ‌الطبع‌لا‌يفقيكف‌كلا‌يتدبركف‌كلا‌يتفيمكف‌ما‌في‌الجياد‌مف‌الفكز‌كالسعادة، ك‌ما‌في‌التخمؼ‌مف‌الشقاء‌كالضلبؿ) (3)،‌كطي‌بً‌ع‌عمى‌قمكبيـ‌في‌المرة‌ا لثانية؛‌فقاؿ:‌ ﴿طىبىعى‌المَّوي‌عىمىى‌قيمي‌كبًيًـٍ‌فىييـٍ‌لا‌يىعٍمىميكفى﴾ .‌ كذلؾ‌في‌قكلو‌تعالى :‌﴿ إًنَّمىا‌السَّبًيؿي‌عىمىى‌الَّذًيفى‌يىسٍتىأٍذًنيكنىؾى‌كىىيـٍ‌أىغٍنًيىاءي‌رىضيكا‌ بًأىفٍ‌يىكيكنيكا‌مىعى‌الٍخىكىالًؼً‌كىطىبىعى‌المَّوي‌عىمىى‌قيميكبًيًـٍ‌فىييـٍ‌ ‌لا‌يىعٍمىمي‌ كفى﴾ [التكبة93]فقد أغمؽ‌ا﵀‌فييـ‌منافذ‌الشعكر‌كالعمـ ،‌كعطٌ‌ؿ‌فييـ‌أجيزة‌الاستقباؿ‌كالإدراؾ ،‌بما‌ارتضك‌ ه‌ ىـ‌لأنفسيـ‌مف‌الخمكؿ‌كالبلبدة ،‌كالاحتجاب‌عف‌مزاكلة‌النشاط‌الحركي‌الحي‌المتفتح‌ المنطمؽ‌الكثاب،‌كما‌يؤثر‌الإنساف‌السلبمة‌الذليمة‌كالراحة‌البميدة‌إلا‌كق د‌فرغت‌نفسو‌ مف‌دكافع‌التطمع‌كالتذكؽ‌كالتجربة‌كالمعرفة‌،‌فكؽ‌ما‌فرغت‌مف‌دكافع‌الكجكد‌كالشيكد‌ كالتأثر‌كالتأثير‌في‌كاقع‌الحياة ؛‌كا ف‌بلبد ة‌الراحة‌لتغمؽ‌المنافذ‌كالمشاعر،‌كتطبع‌عمى‌ القمكب‌كالعقكؿ ،‌كالحركة‌دليؿ‌الحياة،‌كمحرؾ‌في‌الكقت‌ذ اتو‌لمحياة،‌كمكاجية‌الخطر‌ (1)‌‌الطبرم،‌‌جامع‌البياف،‌ج 14،‌ص152‌ (2)‌‌‌انظر:‌ابف‌الجكزم،‌زاد‌المسير،‌ج 3،‌ص325‌.‌ (3)‌‌أبك‌حياف،‌التفسير‌المحيط،‌ج5،‌ص85‌.‌

عدد الصفحات ٢١٥

214 تستثير‌ككامف‌النفس ‌كطاقات‌العقؿ،‌كتشد‌العضؿ ،‌كتكشؼ‌عف‌الاستعدادات ‌ المخبكءة‌التي‌تنتفض‌عند‌الحاجة ،‌كتدرب‌الطاقات‌البشرية‌عمى‌ا لعمؿ‌كتشحذىا‌ لمتمبية‌كالاستجابة ،‌ككؿ‌أكلئؾ‌ألكاف‌مف‌العمـ‌كالمعرفة‌كالتفتح‌يحرميا‌طلبب‌الراحة‌ البميدة‌كالسلبمة‌الذليمة .(1)‌ ثـ‌كبع د‌أ ف‌نفى‌عف‌قمكبيـ‌العمـ‌كالفقو؛‌يعكد‌يصفيـ،‌كينفي‌عنيـ‌الفيـ‌ بالكمية؛‌بأنيـ‌قكـ‌كجماعة‌لا‌يفقيكف‌قاؿ‌تعالى:‌﴿ كىا ًذىا‌مىا‌أينٍزًلىتٍ‌سيكرىةه‌نىظىرى‌بىعٍضيييـٍ‌ إًلىى‌بىعٍضو‌ىىؿٍ‌يىرىاكيـٍ‌مًفٍ‌أىحىدو‌ثيـَّ‌انٍصىرىفيكا‌صىرىؼى‌المَّوي‌قيميكبىييـٍ‌بًأى‌ نَّييـٍ‌قىكٍ‌ ـه‌‌لاى‌ يىفٍقىييكفى﴾ 127]‌بياف‌لأحكاليـ‌عند‌نزك لًيا‌كىـ‌في‌مجاؿ‌ تبميغً‌الكحي‌﴿نَّظىرى‌بىعٍضيييـٍ‌إلى‌بىعٍضو﴾ ‌تغامزكا‌بالعيكف‌إنكاران‌ليا‌أك‌سخريةن‌بيا‌أك‌ غيظان‌لما‌فييا‌م ف‌مخازييـ‌﴿ ىىؿٍ‌يى‌ رىاكيـٍ‌مٌفٍ‌أىحىدو﴾‌أم‌قائمي ف:‌ى ؿ‌يراكـ‌أحده‌مف‌ المسمميف‌لننصرؼ ،‌مظيريف‌أنيـ‌لا‌يصطبركف‌عمى‌استماعيا‌كيغمبي‌عمييـ‌الضحًؾي‌ فيفتىضًحكف‌أك‌ترامقكا‌يتشاكركف‌في‌تدبير‌ا لخركجً‌كالانسلبؿ‌لًكاذان‌يقكلكف :‌ىؿ ‌يراكـ‌ مف‌أحد‌إف‌قمتـ‌مف‌المجمس،‌﴿ثيـَّ‌انصرفكا﴾ ،‌أم‌انصرفكا‌جميعان‌عف‌محفًؿ‌الكحيً‌ خك‌ فان‌مف‌الافتضاح‌أك‌غي ر‌ذلؾ‌﴿صىرىؼى‌ا﵀‌قيميكبىييـ﴾ ‌أم‌عف‌ا لإيماف‌حسىب‌ انصرافًيـ‌عف‌المجمس،‌كالجممةي‌اختباريةه‌أك‌دعائية‌﴿بًأىنَّييـٍ﴾‌أم‌بسبب‌أنيـ‌﴿قىكٍـه‌لاَّ‌ يىفٍقىييكفى﴾ ‌لسكء‌الفيـ‌أك‌لعدـ‌التدبٌر(2)،‌كما‌فعؿ‌ا﵀‌بيـ‌ىذا‌الخذلاف،‌كصرؼ‌قمكبيـ عف‌الخيرا ت،‌إلا‌مف‌أجؿ‌أنيـ‌قكـ‌لا‌يفقيكف‌عف‌ا﵀‌مكاعظو،‌استكبارنا،‌كنفاقان‌.(3)‌ ىذا‌كقد‌بيٌف‌الإسلبـ‌أفطمب‌العمـ‌فضيمة‌عظيمة‌كمرتبة‌شريفة‌لا‌يكازييا‌عمؿ،‌ فقد‌ ركم‌ عف‌أبي‌ىريرة، ‌قاؿ:‌قاؿ‌رسكؿ ‌ا﵀‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ:‌مف‌سمؾ‌طريقان‌‌يمتمس‌ فيو‌عممان‌‌سيؿ‌ا﵀‌لو‌طريقان‌‌إلى‌الجنة‌(4)،‌كقد‌ذكر‌ا﵀‌سبحانو‌ىنا‌مخاطبان‌المؤمنيف؛‌ (1)‌‌‌قطب،‌سيد،‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌ج 3‌،‌ص1695‌.‌ (2)‌‌‌‌انظر:‌أبك‌السعكد،إرشاد‌العقؿ ‌السميـ‌إلى‌مزايا‌القرآف‌الكريـ، ج3،‌ص113–‌114‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌الطبرم ،‌جامع‌البياف،‌ج14‌،‌ص582‌.‌ (4)‌‌‌الترمذم،‌‌أبكاب‌العمـ ،‌باب‌فضؿ‌‌طمب‌العمـ‌،‌حديث‌رقـ‌ 2646،‌ج4،‌ص325‌، قىاؿى‌أىبيك‌عًيسىى:‌ىىذىا‌حىدًيثه‌حىسىفه،‌كصححو‌الألباني.‌

عدد الصفحات ٢١٦

215 فيآيةو‌‌مف‌سكرة‌التكبة ‌كالتي ‌تيعد‌أصلبن‌في‌كجكب‌طمب‌العمـ(1)،‌يقكؿ‌تعالى:‌﴿كىمىا‌ كىافى‌الٍميؤٍمًنيكفى‌لًيىنٍفًريكا‌كىافَّةن‌فىمىكٍلا‌نىفىرى‌مًفٍ‌كيؿّْ‌فًرٍقىةو‌مًنٍييـٍ‌طىائًفىةه‌لًيىتىفىقَّييكا‌فًي ‌الدّْيفً‌كىلًيينٍذًريكا‌ قىكٍمىييـٍ‌إًذىا‌رىجىعيكا‌إًلى‌ يٍيًـٍ‌لىعىمَّييـٍ‌يىحٍذىريكفى﴾ [:122]‌يقكؿ‌تعالى -منبيا‌لعبا ده‌ المؤمنيف‌عمى‌ما‌ينبغي‌ليـ -‌﴿كىمىا‌كىافى‌الٍميؤٍمًنيكفى‌لً‌ يىنٍفًريكا‌كىافَّةن﴾ ‌أم:‌جميعا‌لقتاؿ‌ عدكىـ،‌فإنو‌يحصؿ‌عمييـ‌المشقة‌بذلؾ،‌كت فكت‌بو‌كثير‌مف‌المصالح‌الأخرل،‌﴿ فىمىكٍلا‌ نىفىرى‌‌مًفٍ‌كيؿّْ‌فًرٍقىةو‌مًنٍييـٍ﴾ ‌أم:‌م ف‌البمداف،‌كالقبائؿ،‌كالأفخاذ‌﴿طىائًفىةه﴾ ‌تحصؿ‌بيا‌ الكفاية‌كالمقصكد‌لكاف‌أكلى. ‌ ثـ‌نبو‌عمى‌أف‌في‌إقامة‌المقيميف‌منيـ‌كعدـ‌خركجيـ‌ مصالح‌لك‌خرجكا‌ لفاتتيـ،‌فقاؿ:‌﴿لًيىتىفىقَّييك‌ا﴾‌أم:‌القاعدكف‌﴿فًي‌الدّْيفً‌كىلًيينٍذًريكا‌قىكٍمى‌ ييـٍ‌إًذىا‌رىجىعيكا‌إًلىيٍيًـٍ﴾ ‌ أم:‌ليتعممكا‌العمـ‌الشرعي،‌كيعممكا‌معانيو،‌كيفقيكا‌أسراره،‌كليعممكا‌غيرىـ،‌كلينذركا‌ قكميـ‌إذا‌رجعكا‌إلييـ ،‌كفي‌ىذه‌الآية‌أيضا‌دليؿ‌كا رشاد‌كتنبيو‌لطيؼ،‌لفائدة‌ميمة،‌ كىي:‌أف‌ا لمسمميف‌ينبغي‌ليـ‌أف‌يعدكا‌لكؿ‌مصمحة‌مف‌مصالحيـ‌العامة‌مف‌يقكـ‌ بيا،‌كيكفر‌كقتو‌عمييا،‌كيجتيد‌فييا،‌كلا‌يمتفت‌إلى‌غيرىا،‌لتقكـ‌مصالحيـ،‌كتتـ‌ منافعيـ،‌كلتككف‌كجية‌جميعيـ،‌كنياية‌ما‌يقصدكف‌قصدان‌‌كاحدان‌،‌كىك‌قياـ‌مصمحة‌ دينيـ‌كدنياىـ،‌كلك‌تفرقت‌الطرؽ‌كتعددت‌الم شارب،‌فالأعماؿ‌متباينة،‌كالقصد‌كاحد،‌ كىذه‌مف‌الحكمة‌العامة‌النافعة‌في‌جميع‌الأمكر (2)،‌كقكلو‌تعالى:‌﴿لٌيىتىفىقَّييكاٍ‌فًى الديف﴾‌أم‌يتكمفكا‌الفىقاىةى‌فيو‌كيتجشمكا‌مشاؽَّ‌تحصيمًيا،‌كفيو‌دليؿه‌عمى‌أف‌التفقوى‌في‌ الديف‌مف‌فركض‌الكفايةً‌كأف‌يككف‌غرضي‌المتعمـً‌الا ستقامةى‌كالإقامةى‌لا‌الترفعى‌عمى‌ العباد‌كالتبسٌط‌في‌التلبد‌كما‌ىك‌ديدف‌أبناء‌الزماف(3)،‌كالفقو‌أخص‌مف‌العمـ ،‌كلذلؾ‌ نجد‌في‌القرآف‌استعماؿ ‌الفقو‌فيما‌يخفى‌عممو‌كقكلو:﴿لاى‌‌تىفٍقىييكفى‌تىسٍبًيحىييـٍ﴾ [ 44]؛‌ك‌في‌ىذا‌إيماء‌إلى‌أف‌فيـ‌ الديف‌أمره‌دقيؽ‌المسمؾ‌لا‌يحصؿ‌بسيكلة ؛‌كلذلؾ‌جاء‌في‌الحديث‌الصحيح‌«مف‌يرد ‌ (1)‌‌انظر‌القرطبي،‌الجامع‌لأحكاـ‌القرآف،‌ج 7،‌ص293‌-295‌.‌ (2)‌‌‌السعدم،‌‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف،‌ج‌ 1،‌ص355‌.‌ (3)‌‌انظر:‌أبك‌السعكد،‌إرشاد‌العقؿ ‌السميـ‌إلى‌مزايا‌القرآف‌الكريـ ،‌ج3،‌ص112.‌

عدد الصفحات ٢١٧

216 ا﵀‌بو‌خيران‌‌يفقيو‌في‌الديف»(1)،‌كلذلؾ‌جزـ‌العمماء‌بأ ف‌الفقو‌أفضؿ‌العمكـ؛‌كقد‌ضبط‌ العمماء‌حقيقة‌الفقو‌بأنو‌العمـ‌بالأحكاـ‌الشرعية‌العممية‌المكتسب‌مف‌أدلتيا‌ التفصيمية‌ بالاجتياد،‌كالإنذار‌ىنا:‌ىك‌الإخبار‌بما‌ييتكقع‌منو‌شر ،‌كالمراد‌ىنا‌الإنذار‌مف‌ الميمكات‌في‌الآخرة‌ (2).‌ كلما‌بيف‌سبحانو‌كجكب‌اليجرة‌كالجياد‌ككؿ‌منيما‌سفر‌لعبادة‌؛‌فبعدما‌فضؿ الجياد‌ذكر‌السفر‌الآخر‌كىك‌اليجرة‌لطمب‌العمـ (3)؛كلكف‌ىؿ‌تدؿ‌الآية‌عمى‌كجك‌ ب‌ الخركج‌ ‌لمتفقو‌في‌كؿ‌زماف؟ ‌ كالجكاب:‌ (أنو‌متى‌عجز‌عف‌التفقو‌إلا‌بالسفر‌كجب‌عميو‌السفر،‌كفي‌زماف‌ الرسكؿ‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌كاف‌الأمر‌كذلؾ،‌لأف‌الشريعة‌ما‌كانت‌مستقرة،‌بؿ‌ كاف‌يحدث‌كؿ‌يكـ‌تكميؼ‌جديد‌كشرع‌حادث ،‌أما‌في ‌زماننا‌فقد‌صارت‌الشريعة‌ مستقرة ،‌فإذا‌أمكنو‌تحصيؿ‌العمـ‌في‌الكطف‌لـ‌يكف‌السفر‌كاجبان‌،‌إلا‌أنو‌لما‌كاف‌لفظ‌ الآية‌دليلبن‌عمى‌السفر،‌لا‌جرـى‌رأينا‌أف‌العمـ‌المبارؾ‌المنتفع‌بو‌لا‌يحصؿ‌إلا‌في‌ السفر)(4)‌،كقد‌كصؼ‌بعض‌المفسريف‌ىذا‌النفير‌بالإعلبـ‌الديني‌الذم‌ىك‌جياد‌لو‌ صفة‌الاستمرارية ،‌يقكؿ‌الشعراكم ‌في‌ذلؾ:‌لابد‌أف‌يحافظ‌المسممكف‌عمى‌أمريف :‌أمر‌ الاستقباؿ‌مف‌السماء،‌كأمر‌الإعلبـ‌ بما‌استقبمكه‌مف‌البلبد؛‌فأراد‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالى‌ أف‌يقسـ‌الأمريف‌بيف‌مجاىديف‌يجاىدكف‌ل لئعلبـ،‌كباقيف‌مع‌‌رسكؿ‌ا﵀‌ -صمى‌ا﵀‌ عميو‌كسمـ –‌ليستقبمكا‌إرساؿ‌السماء‌ليذه‌الأرض ،‌فقاؿ :‌(كىمىا‌كىافى‌الٍمي‌ ؤٍمًنيكفى‌لًيىنٍفًريكا‌ كىافَّةن).(5)‌ (1)‌‌‌البخارم،‌صحيح‌البخارم ،‌كتاب‌العمـ،‌باب‌مف‌يرد‌ا﵀‌بو‌خيرا‌يفقيو‌في‌ا لديف،‌حديث‌ رقـ‌ 71،‌ج 1،‌ص 25،‌كأخ رجو‌مسمـ‌في‌صحيحو،‌كتاب‌الزكاة ،‌باب‌ال نيي‌عف‌ المسألة،‌حديث‌رقـ‌ 1037،‌ج1‌،‌ص459‌.‌ (2)‌‌‌انظر:‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 11،‌ص62‌.‌ (3)‌‌انظر:‌الألكسي،‌‌ركح‌المعا ني،‌مجمد‌4،‌ج6،‌ص46‌.‌ (4)‌‌‌الرازم،‌مفاتيح‌الغيب،‌ج 15،‌ص232‌.‌ (5)‌‌انظر‌الشعراكم،‌تفسير‌الشعراكم،‌ج 9،‌ص5568،‌كانظر:‌أبك‌حياف،‌التفسير‌المحيط، ج‌5،‌ص116‌.

عدد الصفحات ٢١٨

217 كفي‌سبب‌نزكؿ‌ىذه‌الآية‌ما‌ركاه‌الطبرم‌عف‌مجاىد:‌قاؿ:‌ناسه‌مف‌أصحاب محمد‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ،‌خرجكا‌في‌البكادم،‌فأصابكا‌مف‌الناس‌معركفنا،‌كمف‌ الخصب‌ما‌ينتفعكف‌بو،‌كدىعكا‌مف‌كجدكا‌مف‌الناس‌إلى‌اليدل،‌فقاؿ‌الناس‌ليـ:‌ما‌ نراكـ‌إلا‌قد‌تركتـ‌أصحابكـ‌كجئتمكنا،‌فكجدكا‌في‌أنفسيـ‌مف‌ذلؾ‌حرجنا،‌كأقبمكا‌مف‌ البادية‌كميـ‌حتى‌دخمكا‌عمى‌النبي‌صم ى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ،‌فقاؿ‌ا﵀:‌﴿فىمىكٍلا‌نىفىرى‌مًفٍ‌كيؿّْ‌ ‌ فًرٍقىةو‌مًنٍييـٍ‌طىائًفىةه﴾،‌يبتغكف‌الخير‌﴿لًيىتىفىقَّييكا﴾ ،‌كليسمعكا‌ ما‌ في‌الناس،‌كما‌أنزؿ‌ا﵀‌ بعدىـ‌﴿كىلًيينٍذً‌ ريكا‌قىكٍمىييـٍ﴾،‌الناس‌كميـ‌﴿ إًذىا‌رىجىعيكا‌إًلىيٍيًـٍ‌لىعىمَّييـٍ‌يىحٍذىريكفى‌ ﴾.(1)‌ ‌‌كمما‌ييستفاد‌مف الآيات‌أيضان‌ ،‌تساكم‌فضؿ‌طمب‌العمـ‌كالجياد‌عمى‌شرط‌ النية‌الصالحة‌في‌الكؿ‌كطالب‌العمـ‌لا‌يناؿ‌ىذا‌الأجر‌إلا‌إذا‌كاف‌يتعمـ‌ليعمـ‌فيعمؿ‌ فيعمـ‌مجانان‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌،‌كالمجاىد‌لا‌يناؿ‌ىذا‌الأجر‌إلا‌إذا‌كاف‌لإًعلبء‌كممة‌ا﵀‌ خاصة،‌ك‌ مما‌ييستفاد‌أيضان‌‌أف‌حاجة‌الأمة‌إلى‌الجياد‌كالمجاىديف‌كحاجتيا‌إلى‌العمـ‌ كالعمماء‌سكاء‌بسكاء ،(2)‌كقد‌نكٌه‌ا﵀‌تعالى‌في‌السكرة‌عمى‌أزمةو‌فكريةو‌سببيا‌الجيؿ‌في‌ الأحكاـ‌الشرعية‌ عند‌جماعة‌مف‌سكاف‌المدينة‌كما‌حكليا‌،‌كىـ ‌جماعة‌مف‌الأعراب؛ ‌ بسبب‌بعدىـ‌عف‌أماكف‌التعميـ؛‌ حيث‌يقكؿ‌تعالى‌عنيـ‌﴿ الأٍىعٍرىابي‌أىشىدُّ‌كيفٍرنا‌كىنًفىاقنا‌ كىأىجٍدىري‌أىلاَّ‌يىعٍمىميكا‌حيديكدى‌مىا‌أىنٍزىؿى‌المَّوي‌عىمىى‌رىسيكلًوً‌ ‌كىالمَّوي‌عىمً‌ يـه‌حىكًيـه﴾ 97]، ك﴿الأعٍرىابً﴾‌كىـ‌سكاف‌البادية‌كالبرارم‌﴿أىشىدُّ‌كيفٍرنا‌كىنًفىاقنا﴾ ‌مف‌الحاضرة‌الذيف‌فييـ‌ كفر‌كنفاؽ،‌كذلؾ‌لأسباب‌كثيرة:‌منيا:‌أنيـ‌بعيدكف‌عف‌معرفة‌الشرائع‌الديني ة‌ كالأعماؿ‌كالأحكاـ،‌فيـ‌أحرل‌﴿ كىأىجٍدىري‌أىلا‌يىعٍمى‌ ميكا‌حيديكدى‌مىا‌أىنزؿى‌المَّوي‌عىمىى‌رىسيكلًوً﴾ ‌مف‌ أصكؿ‌الإيماف‌كأحكاـ‌الأكامر‌كالنكاىي،‌بخلبؼ‌الحاضرة،‌فإنيـ‌أقرب‌لأف‌يعممكا‌ (1)‌‌‌جامع‌البياف،‌الطبرم،‌ج 14،‌ص566،‌كا نظر:‌مجاىد‌بف‌جبر،‌(ت‌102‌ىػ)،‌تفسير‌ الإماـ‌مجاىد،‌تحقيؽ‌محمد‌عبد‌السلبـ‌أبك‌النيؿ،‌دار‌الفكر‌الإسلبمي،‌مصر،‌‌ط1، 1989ـ،‌ص‌377‌كأخرجو‌السيكطي‌في‌لباب‌النزكؿ ،‌حديث‌رقـ‌ 514‌عف‌ابف‌أبي حاتـ‌عف‌عكر‌ مة،‌ص‌ 146،‌كانظر:‌الكاحدم،‌أسباب‌النزكؿ،‌حديث‌رقـ 263، ص269‌.‌ (2)‌‌‌الجزائرم ،‌أيسر‌التفاسير‌لكلبـ‌العمي‌الكبير،‌ج‌2،‌ص438‌.‌

عدد الصفحات ٢١٩

218 حدكد‌ما‌أنزؿ‌المٌو‌عمى‌رسكلو،‌فيحدث‌ليـ -بسبب‌ىذا‌العمـ -‌تصكرات‌حسنة،‌ كا رادات‌لمخير،‌الذم‌يعممكف،‌ما‌لا‌يككف‌في‌البادية. (1)‌ 1.1.1 إشكالات حساب الزمن:‌‌ كىذه‌الأزمة‌ىي‌ مف‌الأزمات‌ال فكرية‌ التي‌تيعد‌مف‌قبائح‌أفكار ‌كأعماؿ ‌ المشركيف ‌كأىؿ‌الكتاب ؛‌غيركا‌ بذلؾ‌أحكاـ‌ا﵀‌تعالى‌في‌حسابات‌الزمف (2)؛فأراد‌ا﵀‌ سبحانو‌كتعالى ‌بذلؾ،‌نقض‌ما‌تعارفكا‌عميو‌مف‌أغلبط‌عقدية‌فكرية ‌في‌النسيء‌ التابعة‌لأحكاـ‌البشر،‌ثـ‌بياف‌حدكده‌كأحكامو‌في‌حساب‌الزمف ،‌(ىذا‌كأف‌ا﵀‌سبحانو‌ كتعالى‌بيٌف‌أف‌الشمس‌كالق مر‌ -كىما‌الكككباف‌العمكياف –‌قد‌كضع‌ فييما‌مكازيف‌ الزمف ،‌كالزمف‌لو‌حالات‌كث يرة‌تتطمب‌مكازيف‌كقياسات‌مختمفة ،‌كأساس‌الزمف‌ىك‌ اليكـ‌كالميمة ،‌كيأتي‌بعد‌النيار‌كالميؿ‌ –في‌مقاييس‌الزمف –‌الشيكر،‌كبعد‌الشيكر‌تأتي‌ السنكات (3)،كفي‌عدد‌شيكر‌السنة‌‌يقكؿ‌تعالى‌:‌﴿إًفَّ‌عًدَّةى‌الشُّييكرً‌عًنٍدى‌المَّوً‌اثٍنىا‌عىشىرى‌ شىيٍرنا‌فًي‌كًتىابً‌المَّوً‌يىكٍـى‌خىمىؽى‌السَّمىاكىاتً‌كىالأرٍضى‌مًنٍيىا‌أىرٍبىعىةه‌حيريـه‌ذىلًؾى‌الدّْيفي‌الٍقىيّْـي‌ فىلب‌ تىظٍمًميكا‌فًييًفَّ‌أىنٍفيسىكيـٍ‌كىقىاتًميكا‌الٍميشٍرًكًيفى‌كىافَّةن‌كىمىا‌ييقىاتًميكنىكيـٍ‌كىافَّةن‌ ‌كىاعٍمىميكا‌أىفَّ‌المَّوى‌مىعى‌ الٍميتَّقًيفى‌﴾سكرة‌التكبة :‌36].‌ كىنا استئناؼ‌ابتدائي‌لإقامة‌نظاـ‌التكقيت‌للؤمٌة‌عم ى‌الكجو‌الحؽ‌الصالح‌ لجميع‌البشر،‌ك‌ المناسب‌لما‌ك‌ ضع‌ا﵀‌عميو‌نظاـ‌العالـ‌الأرضي ،‌كما‌يتٌصؿ‌بو‌مف‌ نظاـ‌العكالـ‌ا لسماكية،‌بكجو‌ محكـ‌لا‌مدخؿ‌لتحكٌمات‌الناس‌فيو ،‌كليكضٌح‌تعييف‌ الأشير‌الحيرـ‌مف‌قكلو‌:‌﴿فىإًذى‌ا‌انٍسىمىخى‌الأشٍييري‌الٍحيريـي﴾ :‌5] التفاصيؿ‌في‌أحكاـ‌الأمف‌كالحرب‌م ع‌فرؽ‌الكفار‌مف‌المشركيف‌كغيرىـ .‌ كما‌أف‌ضبط‌التكقيت‌مف‌أصكؿ‌إقامة‌نظاـ‌الأمة‌كدفع‌الفكضى‌عف‌أحكاليا،‌ كافتتاح‌الكلبـ‌بحرؼ‌التككيد‌للبىتماـ‌بمضمكنو‌لتتكجٌو‌أسماع‌الناس‌كألبابيـ‌إلى‌ (1)‌‌‌السعدم‌،‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف‌،ج‌ 1‌،‌ص349.‌ (2)‌‌‌تحدثت‌عف‌ىذه‌الأزمة‌مف‌خلبؿ‌أزمة‌النسيء ؛‌كلكف‌سأسمط‌الضكء‌ىنا‌أكثر‌عمييا‌ باعتبارىا ‌أزمة‌فكرية‌مف‌حيث‌حسابات‌الزمف ،‌ص‌118‌–‌121. (3)‌‌‌انظر:‌الشعراكم‌،‌تفسير‌الشعراكم،‌ج 8،‌ص5071‌.

عدد الصفحات ٢٢٠

219 كعٍيًوً(1)،‌فقكلو‌تعالى:‌﴿إًفَّ‌عًدَّةى‌الشُّييكرً﴾ ‌(أم‌منتيى‌عدد‌شيك‌ ر‌السنة‌﴿عًنٍدى‌المَّوً﴾ ‌ أم‌في‌حكـ‌كعمـ‌الذم‌خمؽ‌الزماف‌كحده‌كى ك‌الإلو‌كحده‌فلب‌أمر‌لأحد‌معو‌﴿اثٍنىا‌ عىشىرى‌شىيٍرنا﴾ ‌أم‌لا‌زيادة‌عمييا‌كلا‌تغيير‌ليا‌كما‌تفعمكنو‌في‌النسيء‌ ﴿فًي‌كًتىابً‌المَّوً﴾ ‌ أم‌كلبـ‌الممؾ‌المحيط‌بكؿ‌شيء‌قدرة‌كعممان،‌كحكمو‌الذم‌ىك‌م جمع‌ال يدل،‌فيك‌ الحقيؽ‌بأف‌يكتب ،‌كليست‌الشيكر‌ثلبثة‌عشر‌كلا‌أكثر‌كما‌كاف‌يفعؿ‌مف‌أمرتكـ‌ بالبراءة‌م نيـ‌كائنيف‌منة‌كانكا‌في‌النسيء‌﴿يىكٍـى﴾ ‌أم‌كاف‌ذلؾ‌كثبت‌يكـ‌﴿خىمىؽى‌ السَّمىاكىاتً‌كىالأرٍضى﴾ ‌أم‌المذيف‌نشأ‌عنيما‌الزماف (2))،‌كالشيكر:‌( جمع‌كثرة‌لما‌كانت‌ أزيد‌مف‌عشرة ،‌بخلبؼ‌قكلو:‌﴿الٍحىجُّ‌أىشٍييره‌ ‌مىعٍميكمىاته﴾ [البقرة :‌197]؛‌فجاء‌بمفظ‌جمع القمة،‌كالمعنى:‌شيكر‌السنة‌القمرية،‌لأنيـ‌كانكا‌ي ؤرخكف‌بالسنة‌القمرية‌لا‌ الشمسية(3))،‌كالشيكر‌القمرية‌ىي‌(الت ي‌يعتد‌بيا‌المسممكف‌في‌حجيـ‌كأعيادىـ‌كسائر‌ أمكرىـ،‌ كبالشيكر‌الشمسية‌تككف ‌السنة‌ثلبث‌مائة‌كخمسة‌كستيف‌يكما‌كربع‌يكـ،‌ كاليلبلية‌تنقص‌عف‌ثلبث‌مائة‌كستيف‌يكما‌بنقصاف‌الأىمة،‌كالغالب‌أنيا‌تككف‌ ثلبثمائة‌كأربعة‌كخمسيف‌يكمان‌ )(4)‌كخصٌ‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالى‌الشمس‌ب حساب‌اليكـ،‌ كالقمر‌بحساب‌الشير ؛‌لأف‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالى‌يريد‌أف‌يكزع‌الفضؿ‌عم ى‌كؿ‌الزمف ،‌ كأف‌ييسر‌عمى‌الناس‌أداء‌من اسكو‌كما‌يكمفيـ‌بو ،‌فمثلبن‌لك‌حيسبت‌الشير‌بالشمس‌ لكاف‌ميعاد‌الحج‌كؿ‌عاـ‌في‌أشير‌الصيؼ‌دائمان...‌كلتماـ‌عدلو‌تعالى‌بيف‌خمقو‌ نجده‌قد‌أدار‌الأشير‌القمرية‌في‌السنة‌الميلبدية ،‌فلب‌يأتي‌الحج‌أبدان‌في‌طقسو‌كاحد،‌ كبذلؾ‌تستكم‌ك ؿ‌البيئات‌ككؿ‌الناس‌في‌أحكاـ‌ا﵀‌تعالى(5)،‌‌كما‌أف‌ىذا‌الحساب الزمني‌كالكاضح‌ىك‌الذم‌ جاءت‌بو‌الأنبياء‌كنزلت‌بو‌الكتب ،‌كأنو‌لا ‌اعتبار‌بما‌عند‌ العجـ،‌كالركـ،‌كالقبط ،‌مف‌الشيكر‌التي‌يصطمحكف‌ع مييا‌كيجعمكف‌بعضيا‌ثلبثيف‌ يكمان‌،‌كبعضيا‌أكثر،‌كبعضيا‌أقؿٌ،‌‌كقكلو:‌﴿ذىلًؾى‌الدّْيفي‌الٍقىيّْ‌ ـي﴾‌أم:‌ككف‌ىذه‌الشيكر‌ (1)‌‌انظر:‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير ،‌ج10‌،‌ص180‌.‌ (2)‌‌‌البقاعي،‌نظـ‌الدرر،‌ج8،‌ص449‌–‌450‌.‌ (3)‌‌‌أبك‌حياف،‌البحر‌المحيط،‌ج‌5،‌ص40‌.‌ (4)‌‌‌البغكم،‌معالـ‌التنزيؿ ،‌ج4‌،‌ص44‌.‌ (5)‌‌‌انظر‌:‌الشعراكم،‌تفسير‌الشعراكم ،‌ج8‌،‌ص5082‌.

عدد الصفحات ٢٢١

211 كذلؾ،‌كمنيا‌أربعة‌حرـ‌ىك:‌الديف‌المستقيـ ،‌ك‌ الحساب‌الصحيح،‌كالعدد‌المستكفى (1)؛‌ كىذا‌ما‌أثبتو‌ا﵀‌تعالى‌في‌المكح‌ال محفكظ‌‌كأكجب‌عمى‌عباده‌الأخذ‌بو ،‌كقيؿ‌‌أثبتو‌ أيضان‌‌بالقرآف‌لأف‌فيو‌آيات‌تدؿ‌عمى‌الحساب‌كمنازؿ‌ القمر(2)،ك‌كما‌تناكلت‌ىذه‌ السكرة‌مف‌القرآف‌الكريـ‌أشير‌السنة‌الإثني‌عش ر،‌التي‌ىي‌أصؿ‌حساب‌السنيف،‌ جاءت‌سكرة‌يكنس‌بعدىا‌تذكر‌ما‌يستند‌عميو‌في‌تعمـ‌عدد‌السنيف‌كالحساب (3‌)كذلؾ في‌قكلو‌تعالى:‌﴿ىيكى‌الَّذًم‌جىعىؿى‌الشَّمٍسى‌ضًيىاءن‌كىالٍقىمىرى‌نيكرنا‌كىقىدَّرىهي‌ ‌مىنىازًؿى‌لًتىعٍمىميكا‌عىدىدى‌ السّْنًيفى‌كىالٍحًسىابى‌مىا‌خىمىؽى‌المَّوي‌ذىلًؾى‌إًلا‌بًالٍحىؽّْ‌ييفىصّْؿي‌ ‌الآيىاتً‌لًقىكٍـو‌يىعٍمىميكفى﴾ يكنس:‌5‌] فقكلو‌تعالى:‌﴿ىيكى‌الَّ‌ ذًم‌جىعىؿى‌الشَّمٍسى‌ضًيىاءن﴾‌أم‌ذات‌ضياء،‌﴿كىالٍقىمىرى‌نيكرنا﴾‌أم‌ذات‌ نكر،‌كىك‌أعـ‌م ف‌الضكء ،‌كقد‌نبٌو‌سبحانو‌كتعالى‌بذلؾ‌عمى‌أنو‌خمؽ‌الشمس‌نيٌرة‌في‌ ذاتيا،‌كالقمر‌نيٌران‌بعر‌ ض‌مقابمة‌الشمس‌كالاكتساب‌منيا ،‌﴿كىقىدَّرىهي‌مىنىازًؿى﴾ ‌أم‌قدٌر‌ مسير‌كؿ‌كاحد‌منيما‌منازؿ‌،‌كتخصيصو‌بالذكر‌لسرعة‌سيره‌كمعاينة‌منازلو‌كا ناطة‌ أحكاـ‌الشرع‌بو‌كلذلؾ‌عممو‌ب قكلو‌﴿لًتىعٍمىميكا‌عى‌دىدى‌السّْنًيفى‌كىالٍحًسىابى﴾ (4)؛‌(فإف‌في‌العمـ بعدد‌السنيف‌مف‌المصالح‌الدينية‌كالدنيكية‌ما‌لا‌يحصى ،‌كفي‌العمـ‌بحساب‌الأشير‌ كالأ ياـ‌كالميالي‌مف‌ذلؾ‌ما‌لا‌يخفى ،‌كلكلا‌ىذا‌التقدير‌الذم‌قدٌره‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالى،‌ لـ‌يعمـ‌الناس‌بذلؾ‌كلا‌عرفكا‌ ما‌يتعمؽ ‌بو‌كثير‌مف‌مصالحيـ ،‌كالسنة‌تتحصؿ‌مف‌ اثني‌عشر‌شيران‌،‌كالشير‌يتحصؿ‌مف‌ثلبثيف‌يكمان‌إف‌كاف‌كاملبن،‌كاليكـ‌يتحصؿ‌مف‌ ساعات‌معمكمة‌ىي:‌أربع‌كعشركف‌ساعة‌لميؿ‌كالنيار،‌قد‌يككف‌لكؿ‌كاحد‌منيما‌ا ثنتا‌ عشرة‌ساعة‌في‌أياـ‌الاستكاء ،‌كيزيد‌أحدىما‌عمى‌الآخ ر‌في‌أياـ ‌الزيادة‌كأياـ‌ النقصاف،‌كالاختلبؼ‌بيف‌السنة‌الشمسية‌كالقمرية‌معركؼ؛‌ثـ‌بيٌف‌سبحانو‌أنو‌ما‌خمؽ‌ الشمس‌كالقمر ،‌كاختلبؼ‌تمؾ‌الأحكاؿ‌إلا‌با لحؽ‌كالصكاب،‌دكف‌الباطؿ‌كالعبث )(5)، (1)‌‌‌انظر:‌الشككاني،‌فتح‌القدير‌،‌ج1،‌ص570‌.‌ (2)‌‌‌انظر‌:‌الألكسي،‌ركح‌المعاني ،‌مجمد‌4،‌ج5،‌ص281‌. (3)‌انظر:‌الألكسي،‌ركح‌المعاني،‌مجمد‌ 4،‌ج6،‌ص55،‌كانظر:‌الخطيب،‌حسف‌عبد‌ا﵀ طو:‌أىداؼ‌كمقاصد‌مكضكعات‌سكرة‌التكبة ،‌ص‌30‌.‌ (4)‌‌انظر:‌البيضاكم ‌،‌أنكار‌التنزيؿ‌كأسرار‌التأكيؿ ،‌ج3‌،‌ص105‌.‌ (5)‌‌‌الشككاني،‌فتح‌القدير،‌ج1،‌ص612‌.‌

عدد الصفحات ٢٢٢

211 كقكلو‌﴿ييفىصّْؿي‌‌الآيىاتً‌لًقىكٍـو‌يىعٍمىميكفى﴾ (لأف‌المشاىد‌التي‌تعرض‌ىنا‌في‌حاجة‌إلى‌ العمـ‌ لإدراؾ‌التدبير‌الكامف‌كراء‌المشاىد‌كالمناظر (1))،ك‌ىذا‌التكقيت‌كما‌بيٌنا ؛‌( ىك‌أقدـ ‌ كأشير‌التكقيت‌في‌البشر‌كأضبطيا ؛‌لأفٌ‌اختلبؼ‌أحكاؿ‌القمر‌مساعد‌عمى‌اتٌخاذ‌تمؾ‌ الأحكاؿ‌مكاقيت‌لممكاعيد‌كالآجاؿ،‌كتاريخ‌الحكادث‌الماضية ،‌بمج رٌد‌المشاىدة ،‌ف إفٌ‌ القمر‌كرة‌تا بعة‌لنظاـ‌الأرض ؛‌قاؿ‌تعالى:‌﴿لًتىعٍمىميكا‌عىدىدى‌السّْنًيفى‌كىالٍحًسىابى‌ ﴾يكنس:5]، كلأفٌ‌الاستناد‌إلى‌الأحك‌ اؿ‌السماكية‌أضبط‌كأبعد‌عف‌الخطأ ،‌لأنٌيا‌لا‌تتناكل يا‌أيدم‌ الناس‌بالتغيير‌كالتبديؿ ،‌كما‌حدثت‌الأشير‌الشمسية‌كسىنتيا‌إلاٌ‌بعد‌ظيكر‌عمـ‌الفمؾ‌ كالميقات ،‌فانتفع‌الناس‌بنظاـ‌سير‌الشمس‌في‌ضبط‌الفصكؿ‌الأربعة ،‌كجعمكىا‌حسابان‌ لتكقيت‌الأعماؿ‌التي‌لا‌يصمح‌ليا‌إلاٌ‌بعض‌الفصكؿ،‌مثؿ‌الحرث‌كالحصاد‌كأحكاؿ‌ الماشية)(2)‌.‌ ثـ‌بعد‌أف‌بيٌف‌حساب‌الزمف،‌ك‌ حساب‌الأشير‌الحرـ ،‌قاؿ‌عنيا:‌﴿فىلب‌تى‌ظٍمًميكا‌ فًييًفَّ‌أىنٍفيسىكيـٍ﴾ ‌بارتك اب‌الذنكب،‌ ثـ‌قاؿ‌في‌نياية‌الآية‌﴿ كىقىاتًميكا‌الٍميشٍرًكًيفى‌كىافَّةن‌كىمىا‌ ييقىاتًميكنىكيـٍ‌كىافَّةن‌كىاعٍمىميكا‌أى‌ فَّ‌المَّوى‌مىعى‌الٍميتَّقًيفى﴾ ‌فا﵀‌يأمر‌المؤمنيف‌ىنا‌بأف‌يجتمعكا‌عمى‌ قتاؿ‌الكافريف ،‌لأف‌ا﵀‌مع‌الذيف‌آمنكا ،‌كالعمـ‌دائمان‌ىك‌حكـ‌يقيف‌عميو‌دليؿ،‌كقكلو‌ تعالى‌﴿كىاعٍمىميكا ﴾‌ىنا‌ ينتقؿ‌العمـ ‌مف‌عمـ‌يقيف‌إلى‌عيف‌يقيف ؛‌كقد‌فيمو‌ بعض‌ المؤمنيف‌عمى‌أنو‌آخر‌مراحؿ‌العمـ‌كىك‌حؽ‌اليقيف .(3)‌ ‌ 1.1.1 انتكاس موازينالبيع والشراء : استعمؿ‌القرآف‌الكريـ‌فعمي‌البيع‌كالشراء‌في‌ عدة‌مجالات‌ثقافية‌فكرية‌تربكية‌ ك‌منيا‌(مجاؿ‌الترغيب‌كالترىيب ،‌ككصؼ‌أحكاؿ‌المؤمنيف‌كالكافريف‌أكثر‌مما‌ استعمميما‌في‌دلال تيما‌المباشرة‌عمى‌البيع‌كالشراء ،‌إذ‌استعمؿ‌فعؿ‌البيع‌مرةن‌كاحدة‌ لمدلالة‌المباشرة‌عمى‌البيع‌ مف‌مجمكع‌سبعة‌مكاضع‌في‌خمس‌آيات ،‌كاستعمؿ‌فعؿ‌ الشراء‌ثلبث‌مرات‌فقط‌لمدلالة‌الم باشرة‌ع مى‌الشراء‌مف‌مجمكع‌خمسةن‌ ‌ك‌عشريف‌ (1)‌‌قطب،‌سيد،‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌ج 3،‌ص1765‌.‌ (2)‌‌‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج‌ 10،‌ص180-181‌‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌الشعراكم،‌تفسير‌الشعراكم،‌ج 8،‌ص5092–5097‌‌.‌

عدد الصفحات ٢٢٣

212 مكضعان‌في‌ثلبث‌كعشريف‌آية،‌ككانت‌في‌احداىما‌علبقة‌تضاد‌ –أم‌استع مؿ‌فعؿ‌ الشراء‌لمدلالة‌عمى‌البيع –‌فتككف‌الدلالة‌المباشرة‌عمى‌البيع‌كالشراء‌كردت‌مرتيف‌لكؿ‌ منيما‌في‌القرآف‌الكريـ -أم‌في‌أربعة‌مكاضع -،‌أما‌بقية‌المكاضع‌كمجمكعيما‌ثم انيةن‌ كعشريف‌مكضعان‌ ‌كانت‌استعمالان‌مجازيان‌لمفعميف ،‌كىذا‌يدؿ‌عمى‌أف‌الغرض‌مف‌ استعماؿ‌الفعميف‌ىك‌غرض‌ تكجييي‌تربكم (1)،‌كقد ‌تحدثت‌سكرة‌التكبة‌ عف‌ىذا‌ المكضكع‌بفعمو‌المجازم ،‌حيث‌ذكرت‌ الجماعة‌ الضالة‌ التي‌بدٌ‌لت‌الحؽ‌بالباطؿ ،‌ (كاشترت‌بالقرآف‌كما‌يد عك‌إليو‌مف‌الإسلبـ‌ثمنان‌قميلبن‌،‌كىك‌اتباع‌الشيكات‌كالأىكا ء‌لما‌ تركت‌ديف‌ا﵀‌كآثرت‌الكفر ،‌ككاف‌ذلؾ‌كالشراء‌كالبيع )‌(2)،يقكؿ‌تعالى‌﴿اشٍتىرىكٍا‌بًآيىاتً‌ المَّوً‌ثىمىننا‌قىمًيلب‌فىصىدُّكا‌عىفٍ‌سىبًيمًوً‌إًنَّييـٍ‌سى‌ اءى‌مىا‌كىانيكا‌يىعٍمىميكفى﴾ 9]كيرينا‌ا﵀ عز‌ك‌ جؿ‌ىنا‌انقلبب‌المعايير،‌كىك‌أنو‌مف‌المفركض‌أف‌يككنكا‌ىـ‌مف‌يدفع‌الثمف، ‌ لأف‌المشترم‌ىك‌الذم‌يدفع‌الثمف،‌كلكف‌ىنا‌عيكًسىت‌القضية ؛‌فجعؿ‌الحؽ‌سبحانو‌ كتعالى‌الثمف‌ىك‌ما‌يشتركنو،‌مع‌أف‌الثمف‌ىك‌الذم‌يدفع،‌فتككف‌ال قضية‌مخالفة‌ لكاقع‌البيع‌كالشراء ،‌كالذم‌يجب‌أف‌نلب حظو‌أيضان‌ىك‌أف‌الثمف‌يساكم‌السمعة؛‌فأنت‌ تأخذ‌السمعة‌كتعطي‌لمبائع‌ثمنان‌يساكييا،‌لأف‌ثمف‌كؿ‌شيء‌يجب‌أف‌يككف‌مساكيان‌لو،‌ فإذا‌اشتريت‌شيئان‌بسيطان‌دفعت‌لو‌ثمنان‌بسيطان‌،‌كاذا‌اشتريت‌شيئ ان‌ثمينان‌دفعت‌فيو‌ثمنان‌ غاليان‌...‌كلكف‌ىؤلاء‌الكفار‌حكٌلكا ‌الإيماف‌إلى‌سم عة‌تيباع‌كتيشترل ؛‌فيـ‌قد‌باعكا‌ إيمانيـ،‌كبدلان‌مف‌أف‌يتقاضكا‌عنو‌ما‌يساكم‌الإيماف‌كالإيماف‌أغمى‌مف‌كنكز‌الدنيا‌ كميا؛‌باعكا‌إيمانيـ‌بثمف‌قميؿ‌رخيص ).(3)‌ فيـقدمكا‌الثمف‌ىنا‌آيات‌ا﵀‌ك «الآيات»ىي(الدلائؿ،‌كىي‌دلائؿ‌الدعكة‌إلى‌ الإسلبـ،‌كأعظميا‌القرآف‌لما‌اشت مؿ‌عميو‌مف‌البراىيف‌كالحجاج‌كالإعجاز ‌كالباء‌في‌ قكلو:‌﴿بآيات‌ا﵀﴾‌باء‌التعكيض ،‌كشأنيا‌أف‌تدخؿ‌عمى‌ما‌ىك‌عكض‌يب ذلو‌مالكو‌ (1)‌عبد‌ا﵀،‌عايد‌محمد،‌دلالة‌فعمي‌البيع‌كالشراء‌في‌القرآف‌الك ريـ،‌العدد‌ 10،2008، جامعة‌القادسية،‌مركز‌دراسات‌الك كفة،‌ص13،‌كانظر:‌عبد‌الباقي،‌محمد‌فؤاد،‌المعجـ‌ المفيرس‌لألفاظ‌القرف‌الكريـ ،‌ص‌141‌ك‌ص381‌. (2)‌‌‌انظر:‌أبك‌حياف،‌‌البحر‌المحيط،‌ج5،‌ص16‌. (3)‌‌‌الشعراكم‌،‌تفسير‌الشعراكم ،‌ج‌8‌،‌ص4906‌.‌

عدد الصفحات ٢٢٤

213 لأخذ‌معكٌض‌يممكو‌غيره،‌فجعمت‌آيات‌ا﵀‌كالشيء‌المممكؾ‌ليـ‌لأنيا‌تقررت‌دلالتيا‌ عندىـ‌ثـ‌أعرضك‌ ا‌عنيا‌كاستبدلكىا‌باتٌباع‌ىكاىـ )(1)،‌كما‌أف الإنساف‌يشترم‌سمعة‌ فينتفع‌بيا‌مباشرة ،‌أما‌حينما‌يشترم‌ثمنان‌فيك‌مغبكف،‌لأف‌الث مف‌لا‌ييباع ‌كلا‌ييشترل ‌ لأف‌الإنساف‌في‌سابؽ‌العصكر‌كاف‌ييقايض‌سمعة‌بسمعة،‌منافع‌بمنافع،‌أما‌الشراء‌ فيشترم‌السمعة‌بالماؿ،‌فالماؿ‌كسيط ،‌الماؿ‌ثمف،‌كليس‌سمعة،‌ففي‌أصؿ‌التشريع‌ الإسلبمي‌الثمف‌لا‌ييمكف‌المتاجرة‌بو،‌لا‌يمكف‌أف‌يعامؿ‌كالمنافع‌يتاجر‌بيا،‌عندئذ‌ يمد‌الماؿ‌الماؿ ،‌كح ينما‌يمد‌الماؿ‌الماؿ‌تيمؾ‌الأمة ؛‌لأف‌ الأمكاؿ‌تجتمع‌في‌الأيدم‌ القميمة،‌كسكؼ‌تيحرـ‌منيا‌الكثرة‌الكثير‌ة‌،‌كىذا‌ييخالؼ‌منيج‌ا﵀‌تعالى.(2)‌ كقكلو‌تعالى :‌﴿اشٍتىرىكٍا‌بً‌ آيى‌اتً‌المَّوً‌ثىمىننا‌قىمًيلب﴾ ‌فالمراد‌بالاشتراء‌ىنا‌الاستبداؿ‌ كالاستيعاض،‌كالمراد‌بآيات‌ا﵀ :‌كؿ‌ما‌جاء‌بو‌ النبي‌-صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ -‌مف‌ آيات‌قرآنية ،‌كمف‌تعاليـ‌سامية‌تيدل‌إلى‌الخير‌كالفلبح ،‌كالمعنى؛‌إف‌السبب‌الأصيؿ‌ الذل‌حمؿ‌ىؤلاء‌المشركيف‌عمى‌الغدر،‌كعمى‌ الفجكر‌كالطغياف‌عند‌القكة‌كعمى‌ المداىنة‌كالمخادعة‌عند‌ا لضعؼ؛‌ىك‌أنيـ‌استبدلكا‌بآ يات‌ا﵀‌المتضمنة‌لكؿ‌خير‌ كفلبح؛‌ثمنان‌قميلبن‌،‌أم:‌عرضا‌حقيران‌‌مف‌أعراض‌الدنيا‌كزخارفيا ،‌كليس‌كصؼ‌الثمف‌ بالقمة‌ىنا‌مف‌الأكصاؼ‌المخصصة‌لمنكرات ؛‌بؿ‌ىك‌مف‌الأكصاؼ‌اللبزمة‌لمثمف‌ المحصؿ‌بالآيات؛‌لأف‌كؿ‌ثمف‌يؤخذ‌ في‌مقابؿ‌آيات‌ا﵀‌فيك‌قميؿ‌كا ف‌بمغ ‌ما‌بمغ‌مف‌ اعراض‌الدنيا‌كزينتيا ،‌كقكل و:‌﴿فىصىدُّكاٍ‌عىف‌سىبًيمًوً﴾ ‌بياف‌لما‌ترتب‌عمى‌استبداليـ‌ بآيات‌ا﵀‌ثمنا‌قميلبن‌(3)،كمنيا‌أنيـ‌(منعكا‌الناس‌مف‌الدخكؿ‌في‌الإسلبـ،‌ك‌ حاكلكا‌ردَّ‌ المسمميف‌عف‌دينيـ‌﴿إًنَّييـٍ‌سىاءى‌مىا‌كىانيكا‌يىعٍمى‌ميكفى﴾ ،‌يقكؿ‌جؿ‌ثناؤه:‌إف‌ىؤلاء‌المشركيف‌ الذيف‌كصفت‌صفاتيـ،‌ساء‌عمميـ‌الذم‌كانكا‌يعممكف،‌مف‌اشترائيـ‌الكفرى‌بالإيماف،‌ كالضلبلة‌باليدل،‌كصدىـ‌عف‌سبيؿ‌ا﵀‌مف‌آمف‌ب ا﵀‌كرسكلو،‌أك‌مف‌أراد‌أف‌ يؤمف).(4)‌ (1)‌ابف‌عاشكر،التحرير‌كالتنكير ،‌ج10‌،‌ص125‌.‌ (2)‌‌www.nabulsi.com/blue/a،‌محمد‌راتب‌النابمسي ،‌تاريخ‌ 27/4/2001ـ‌ (3)‌‌‌طنطاكم ،‌التفسير‌الكسيط‌لمقرآف‌الكريـ ،‌ج6‌،‌ص217‌.‌ (4)‌‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف ،‌ج‌14،‌ص151.‌

عدد الصفحات ٢٢٥