المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الأزمات في العهد النبوي في ضوء سورة التوبة دراسة موضوعية

زينب عبد الرزاق الرعود

صفحة ١٣ من ٢١

182 بالتعرض‌ليـ، ‌﴿اسٍتىجىارىؾى‌ ﴾‌استأمنؾ‌كطمب‌منؾ‌جكارؾ،‌﴿فىأىجًرٍ‌ هي﴾‌فأمنو،‌﴿حتى‌ يىسٍمىعى‌كىلبىـى‌ا﵀﴾‌كيتدبره‌كيطمع‌عمى‌حقيقة‌الأمر‌﴿ ثيـَّ‌أىبٍمًغٍوي‌مىأٍمى‌نىوي﴾‌مكضع‌أمنو‌إف‌لـ‌ يسمـ،‌﴿ذىلًؾى﴾‌الأمف‌أك‌الأمر‌﴿ بًأىنَّييـٍ‌قىكٍـه‌لاَّ‌يىعٍمى‌ ميكفى﴾ ‌ما‌الإيماف‌كما‌حقيقة‌ما‌ تدعكىـ‌إليو‌فلب‌بد‌ مف‌أمانيـ‌ريثما‌يسمعكف‌كيتدبرك‌ ف)(1)‌كفي‌قرارم‌السياحة‌كالإجارة مع‌العدك‌يؤخذ‌مبدأ‌اليدنة‌كالصمح‌في‌الإسلبـ‌طمبيا‌العدك،‌أـ‌تقدٌـ‌بيا‌ المسممكف...،(2)‌كا جمالان‌فإف‌القسـ‌الأكؿ‌مف‌أقساـ‌سكرة‌براءة ك‌الذم‌تكمـ‌عف‌العلبقة‌ مع‌المشركيف‌كأىؿ‌الكتاب ؛‌بيٌف‌كبشكؿ‌كاضح‌الأخلبؽ‌التي‌لابد‌منيا‌لإقامة‌الجياد‌ الإسلبمي(3)(كفي‌الكلبـ‌تنكيو‌بمعالي‌أخلبؽالمسمميف‌كغض‌مف‌أخلبؽ‌أىؿ‌الشرؾ ،‌ كأفٌ‌سبب‌ذلؾ‌الغضٌ‌الإشراؾ‌الذم‌يفسد‌الأخلبؽ (4).)‌ كىكذا‌نرل‌أنو‌كفي‌كؿ‌زماف‌كمكاف ‌(لابدٌ‌أف‌يمعب‌الإع لبـ‌دكران‌ ‌ميمان‌‌في‌ نيصرة‌الديف،‌كا دارة‌المعارؾ ،‌كالدفاع‌عف‌جميع‌قضايا‌ال مسمميف‌الدينية ‌كالكطنية‌ كالسياسية‌كالاجتماعية ،‌كبالتالي‌يجب‌استخداـ‌كافة‌الكسائؿ‌الإعلبمية‌كأفضميا ‌لنشر‌ ديف‌ا﵀‌تعالى‌في‌الأرض )(5)،كذلؾ‌لأف‌للئعلبـ‌أىمية‌خطيرة‌ ككاممة‌ذات‌أبعاد‌ كمضاميف‌متعددة،‌كتأثيرات‌متباينة،‌كىك‌في‌ الكقت‌نفسو‌أحد‌العكامؿ‌الرئيسية ،‌كأد اة‌ مف‌أدكات‌تجييزات‌إدارة‌الأزمات ،‌فالإعلبـ‌أحد‌أسمحة‌العصر‌الحديث ،‌بؿ‌أشدىا‌ خطكرة‌كفع الية‌كحسمان‌في‌الصراعات‌الدكلية ،‌كأداة‌لصنع‌الأحداث‌كالتأثير‌عمى‌ مجرياتيا‌كعم ى‌اتجاىاتيا‌ككسيمة‌لنقؿ‌أخبارىا ،‌كذلؾ‌لما‌يتكفر‌للئعلبـ‌مف‌قدرات‌ ىائمة‌تساعد‌عمى‌انتقالو‌بسرع ة‌كبيرة ،‌كاجتيازه‌لمحدكد ،‌كتخطي‌العكائؽ ،‌كاختراؽ‌ أمنع‌ لمتحصينات‌عبر‌العديد‌مف‌الكسائؿ‌المسمكعة‌كالمرئية‌كالمقركءة،‌كلما‌لو‌مف‌قدرة‌ عمى‌التأثير‌النفسي‌عمى‌الأفراد ‌كالسيطرة‌الفكرية‌عمى‌المجتمعات ،‌كالتحكـ‌في‌ (1)‌‌‌البيضاكم،‌أنكار‌التنزيؿ‌كأسرار‌التأ كيؿ،‌ج‌3‌،‌ص72‌.‌ (2)‌‌‌‌انظر:‌رضكاف،‌عمي‌حسف ،‌تفسير‌سكرة‌التكبة‌،‌ص‌ 28‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌حك ا،‌سعيد،‌الأساس‌في‌التفسير ،‌دار‌السلب ـ،‌القاىرة‌،‌ط 1،1985ـ،‌ج 4، ص2279‌. (4)‌‌‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير ،‌ج‌10،‌ص‌120‌.‌ (5)‌‌‌‌الخطيب،‌حسف‌عبد‌ا﵀‌طو،‌أىداؼ‌كمقاصد‌سكرة‌التكبة ،‌ص‌96‌.‌

عدد الصفحات ١٩٤

183 سمككياتيـ‌كفي‌تكجيييـ ،‌كمف‌ثـ‌يمكف‌استخداـ‌الإعلبـ‌بذكاء‌في‌إدارة‌الأزمات‌ (1)، كما‌كيجب‌أف‌يككف‌للئعلبـ‌دكره‌ايجابيه‌في‌حؿ‌ المشاكؿ‌التربكية‌ك‌ مشكمة‌الأخلبؽ‌ كأزمات‌السمكؾ‌ عف‌طريؽ‌الحملبت‌المكثفة‌الإع لبمية‌لذلؾ ؛‌خاصة‌ن‌ ك‌أف‌أزمة‌ المسمميف‌اليكـ‌كيصفت‌بأنيا‌أزمة‌أخلبؽ.‌(2)‌ كيمكف‌تقرير ‌حقيقة‌غاية‌في‌الأىمية‌ىي‌أف‌التمفزيكف -كالقنكات ‌الفضائية‌أحد‌ أشكاؿ‌الإعلبـ‌اليكـ-‌قد‌أثار‌مف‌المناقشات‌كالجدؿ ‌العممي‌أضعاؼ‌ما‌أثارتو ‌كسائؿ‌ الإعلبـ‌الأخرل، ‌كمف‌خلبؿ‌تمؾ‌المناقشات‌يتحدد‌مكقع‌التمفزيكف ‌في‌عممية‌التأثير‌ كتبادؿ‌المعاني‌في‌المجتمع،‌ك‌أف‌ظاىرة ‌الإعلبـ‌الفضائي‌المعاصر‌أحدثت‌أضراران‌بما‌ أحدثتو‌في‌الحياة‌البشرية ‌عمكمان‌،‌كالحياة ‌الإسلبمية‌خصكصان‌،‌فكثير‌مف‌الناس‌يرل ‌ أف‌البث‌المباشر‌في‌بعض‌القنكات‌الفضائية‌لو ‌سمبيات‌كثيرة ‌تمثمت‌في‌المآخذ‌ العقدية‌كالثقافية، ‌كالأخلبقية، ‌كالسياسية ‌الملبحظة‌عمى‌مضاميف‌كثير‌مف‌قنكاتو ‌التي‌ تسعى‌لجذب‌المشاىديف‌بتقديـ‌الممنكع ‌في‌ممتيـ‌كبمدانيـ‌مف‌المضاميف‌التي‌تبثيا،‌ كمف‌ثـ‌اعتبر‌مثؿ‌ىذا‌البث‌ضربان‌‌مف‌الاختراؽ ‌لممقاييس‌الأخلبقية‌كالثقافية ‌ لممجتمعات،‌ثـ‌أف‌اقتحاـ‌أجيزة ‌المشاىديف‌في‌منازليـ ‌مف‌غير‌استئذاف‌كلا‌رقيب ‌كاف‌ لو‌أخطر‌الآثار‌العقدية‌كالثقافية ‌كالعممية، ‌كالسياسية، ‌كالأخلبقية ‌كالأمنية، ‌كالاجتماعية ‌ إلى‌غير‌ذلؾ‌مف‌الآثار‌التي‌أشارت ‌إلييا‌دراسة ‌أجريت ‌عمى‌الأطفاؿ‌العرب ،‌كاف‌ أىميا‌تمرد ‌الأطفاؿ‌عمى‌أسرىـ ‌كاتساع ‌الفجكة ‌الفكرية ‌بيف‌الفئات‌كالطكائؼ ‌المختمفة،‌ كارتفاع ‌نسبة‌التقميد‌الأعمى‌لما‌يشاىدكف،‌كشيكع ‌السمكؾ‌العدكاني، ‌كضعؼ‌التحصيؿ‌ الدراسي، ‌كالإصابة ‌بالكسؿ،‌كالإحساس ‌بالنقص‌مع‌التأخر‌العقمي‌كالعممي .(3) كلف ننسى‌أف‌نقكؿ‌أف‌لمقنكات‌الفضائية‌إيجابيات‌عدة‌كلكف‌يجب‌أف‌يتبنى ‌المسممكف‌ (1)‌‌‌الخضيرم‌،‌إدارة‌الأزمات‌،‌ص 122‌.‌ (2)‌‌‌net‌http//www.alminbar.،‌مكسكعة‌خطب‌المنبر، 15/6/2007ـ،‌الشيخ‌الألباني،‌ ص‌4299‌.‌ (3)‌‌‌الشنقيطي،‌سيد‌محمد‌ساداتي،‌القنكات‌الفضائية،‌الناشر:‌كزارة‌الشئكف‌الإسلب مية‌كالأكقاؼ‌ كالدعكة‌كالإرشاد ،‌المممكة‌العربية‌السعكدية‌ 1420ىػ-‌1999ـ،‌ص‌26‌–‌29‌.‌

عدد الصفحات ١٩٥

184 المنيج‌الأقكـ‌في‌التعامؿ‌مع‌ىذه‌المستجدات ‌في‌حقؿ‌الإعلبـ‌خصكصان‌،‌ك‌ مع‌كؿ‌ المستجدات‌المعاصرة‌عمكمان‌.‌ 1.1.1 الطعن في أخلاقالمسممين، قادةً ورعيّة: ىذه‌طائفة‌مف‌الناس‌مكجكدة‌في‌كؿ‌زماف‌كمكاف ؛‌ىدفيا‌الكقكؼ‌ضد‌الحؽ،‌ كمعاندة‌أكلي‌الأمر‌كالخركج‌عمييـ ،‌كمنيـ‌ في‌ىذه‌السكرة ؛‌المنافقيف‌ك ما‌رأينا‌في‌ المبحث‌السابؽ ؛‌كسأقؼ‌ ىنا‌ عند‌بعض‌المحطات‌التربكية‌ لأىميتيا،‌يقكؿ‌تعالى :‌ ﴿كىمًنٍييـٍ‌مىفٍ‌يىمٍمًزيؾى‌فًي‌الصَّدىقىاتً‌فىإًفٍ‌أيعٍطيكا‌مًنٍيىا‌رىضيكا‌كىا ًفٍ‌لىـٍ‌ييعٍطىكٍا‌ مًنٍيىا‌إًذىا‌ىيـٍ‌ يىسٍخىطيكفى﴾ 58]‌ بالرسكؿ -صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-،‌فيـ‌يرتقبك‌ ف‌الفرص‌لإثارة‌الشيبو‌التي‌يظنكف‌أنيا‌ تكقع‌الريب‌في‌قمكب‌ضعفاء‌الإيم اف‌مف‌الجانب‌الذم‌يكافؽ‌أىكائيـ ،‌كقد‌كاف‌منيا‌ قسمة‌الصدقات‌كالغنائـ (1)،‌ك(ىذه‌الآية‌تدؿ‌عمى‌ركاكة‌أخ ؽ‌أكلئؾ‌المنافقك‌ف‌كدناءة‌ طباعيـ،‌كذلؾ‌لأنو‌لشدة‌شرىيـ‌إلى‌أخذ‌الصدقات‌عابكا‌ال رسكؿ‌فنس بكه‌إلى‌الجكر‌ في‌القسمة،‌مع‌أنو‌كاف‌أبعد‌خمؽ‌ا﵀‌تعالى‌عف‌الميؿ‌إلى‌الدنيا).(2)‌‌ ثـ‌يبيف‌ا﵀‌تعالىأف‌الأصؿ‌في‌طمب‌الدنيا‌أف‌يككف‌راضيان‌بقضاء‌ا﵀‌،‌قاؿ‌ تعالى:‌‌﴿كىلىكٍ‌أىنَّييـٍ‌رىضيكٍاٍ‌مىا‌ءاتاىـ‌ا﵀‌كىرىسيكليوي‌كىقىاليكاٍ‌حىسٍبينىا‌ا﵀‌سىييؤٍتًينى‌ ا‌ا﵀‌مًف‌فىضٍمًوً‌ كىرىسيك‌ليوي‌إًنَّا‌إًلىى‌ا﵀‌راغبكف﴾ 59]؛‌فذكر‌فيو‌مراتب‌أربعة :‌المرت بة‌الأكلى :‌ الرضا‌بما‌آتاىـ‌ا﵀‌كرسكلو‌لعممو‌بأنو‌تعالى‌حكيـ‌منزه‌عف ‌العبث‌كالخطأ،‌كالمرتبة‌ الثانية:‌أف‌يظير‌آثار‌ذلؾ‌الرضا‌عمى‌لسانيـ،‌كىك‌قكلو:‌﴿كىقىاليكاٍ‌ ‌حىسٍبينىا‌ا﵀﴾ ‌يعني‌ أف‌غيرنا‌أخذكا‌الماؿ‌كنحف‌لما‌رضينا‌بحكـ‌ا﵀‌كقضائو‌فقد‌فزنا‌بيذه‌المر‌ تبة‌العظيمة‌ في‌العبكدية،‌فحسبنا‌ا﵀،‌كالمرتبة‌الثالثة :‌كىي‌أف‌الإنساف‌إذا‌لـ‌يبمغ‌إلى‌تمؾ ‌الدرجة‌ العالية‌التي‌عندىا‌يقكؿ:‌﴿حىسٍبينىا‌ا﵀﴾ ‌نزؿ‌ منيا‌إلى‌مرتبة‌أخرل ‌كىي‌أف‌يقكؿ:‌ ﴿سىييؤٍتًينى‌ ا‌ا﵀‌مًف‌فىضٍمًوً‌كىرىسيكليوي﴾ ‌إما‌في‌الدنيا‌إف‌اقتضاه‌ا لتقدير،‌كا ما‌في‌الآخرة‌ كىي‌أكلى‌كأفضؿ،‌كالمرتبة‌الرابعة:‌أف‌يقكؿ:‌﴿إًنَّا‌إًلىى‌ا﵀‌راغبكف﴾‌فنحف‌لا‌نطمب‌ (1)‌‌‌‌انظر:‌رضا،‌محمد‌رشيد ،‌المنار،‌ج‌10‌،‌ص486‌.‌ (2)‌‌‌الرازم ،‌مفاتيح‌الغيب،‌ج15‌،‌ص101‌.‌

عدد الصفحات ١٩٦

185 مف‌الإيماف‌كالطاعة‌أخذ‌ا مكاؿ‌كالفكز‌بالمناصب‌في‌الدنيا ،‌كا نما‌ المراد‌إما‌اكتساب‌ سعادات‌الآخرة،‌كا ما‌الاستغراؽ‌في‌العبكدية (1)،(فيذا‌ىك‌أدب‌النفس‌كأدب‌المساف،‌ كأدب‌الإيماف:‌الرضا‌بقسمة‌ا﵀‌كرسكلو ،‌رضا‌التسميـ‌كالاقتناع‌لا‌رضا‌القير‌كالغمب،‌ ك‌الاكتفاء‌با﵀،‌كا﵀‌كاؼ‌عبده.‌كالرجاء‌في‌فضؿ‌ا﵀‌كرسكلو ،‌كالرغ بة‌في‌ا﵀‌خالصة‌ مف‌كؿ‌كسب‌مادم،‌كمف‌كؿ‌طمع‌دنيكم؛‌‌ذلؾ‌أدب‌الإيماف‌الصحيح‌الذم‌ ينضح‌ بو‌قمب‌المؤمف).(2)‌ ثـ‌أنو‌(لما‌لمز‌المنافقكف‌رسكؿ‌ا﵀ -صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ -‌في‌قسمة‌ الصدقات‌بيٌف‌ا﵀‌ليـ‌مصرفيا‌دفعان‌لطعن يـ،‌كقطعان‌لشغبيـ؛‌فقاؿ‌تعالى:‌﴿ إًنَّمىا‌ الصَّدىقىاتي‌لًمٍفيقى‌ رىاءً‌كىالٍمىسىاكًيفً‌كىالٍعىامًمًيفى‌عىمىيٍيىا‌كىالٍميؤىلَّفىةً‌قيميكبيييـٍ‌كىفًي‌الرّْقىابً‌كىالٍغىارًمًيفى‌كىفًي‌ سىبًيؿً‌المَّوً‌كىاًبٍفً‌السَّبًيؿً‌فىرًيضىةن‌مًفى‌المَّ‌ وً‌كىالمَّوي‌عىمًيـه‌حىكًيـه﴾ 60](3)،ثـ‌ييظير‌ القرآف‌الكريـ‌طعنان‌كاتيامان‌ آخر‌مكجو‌لقائدىـ ‌كنبييـ‌ ‌بقكلو‌تعالى :‌﴿كىمًنٍييـي‌الَّذًيفى‌ ييؤٍذيكفى‌النَّبًيَّ‌كىيىقيكليكفى‌ىيكى‌أيذيفه‌قيؿٍ‌أيذيفي‌خىيٍرو‌لىكيـٍ‌ييؤٍمًفي‌بًالمَّوً‌كىييؤٍمًفي‌لًمٍميؤٍمًنًيفى‌كىرىحٍمى‌ ةه‌ لًمَّذًيفى‌آمىنيكا‌مًنٍكيـٍ‌كىالَّذًيفى‌ييؤٍذيكفى‌رىسيكؿى‌ المَّوً‌لى‌ييـٍ‌عىذىابه‌أىلًيـه﴾ [‌:61].‌ فيـ‌كانكا‌يعيبكنو ،‌كيبسطكف‌ألسنتيـ‌بالكقيعة‌في‌أذيتو‌عميو‌-الصلبة‌كالسلبـ -‌ بأنو‌أي‌ ذي‌ف‌يسمع‌جميع‌ما‌يقاؿ‌لو؛‌فجعمكا‌ذلؾ‌عيبان‌فيو،‌كقيؿ‌أنيـ‌قصدكا‌أنو ،‌أيذف‌إذا‌ أجبناه‌كحمفنا‌لو‌صدقنا،‌فنسبكه‌بذلؾ‌إلى‌قبكؿ‌العذر‌في‌الحؽ‌ك‌ الباطؿ(4)،‌(كغرضيـ منو‌أنو‌ليس‌لو‌ذكاء‌كلا‌بعد‌غكر ،‌بؿ‌ىك‌سميـ‌القمب‌سريع‌الاغترار‌بكؿ‌ما‌ي سمع،‌ فميذا‌السبب‌سمكه‌بأنو‌أذف،‌كما‌أف‌الجاسكس‌يسمى‌بالعيف )(5)،‌(كالتعبير‌بالنبي‌ إظيار‌في‌مقاـ‌الإضمار‌لأفٌ‌قبمو‌﴿ كىمًنٍييـٍ‌مى‌ فٍ‌يىمٍمًزيؾى‌فًي‌الصَّدىقىاتً﴾ :‌58‌] فكاف‌مقتضى‌الظاىر‌أف‌يقاؿ«‌:كمنيـ‌الذيف‌يؤذكنؾ»فعيدؿ‌عف‌الإضمار‌إلى‌إظيار (1)‌‌‌انظر:‌الرازم،‌مفاتيح‌الغيب ،‌ج‌15،‌ص101‌–‌102‌. (2)‌‌‌قطب،‌سيد‌،‌في‌ظلبؿ‌القرآف،‌ج 3،‌ص1668‌. (3)‌‌الشككاني،‌فتح‌القدير،‌ج1‌،‌ص579‌. (4)‌انظر‌القرطبي،‌الجامع‌لأحكاـ‌القرآف،‌ج 7،‌ص192،‌الماكردم،‌النكت‌كالعيكف ،‌ج2، ص377‌.‌ (5)‌‌الرازم‌،‌مفاتيح‌الغيب،‌ج 15،‌ص119‌.

عدد الصفحات ١٩٧

186 كصؼ‌النبي‌للئيذاف‌بشناعة‌قكليـ‌كلزيادة‌تنزيو‌النبي‌بالثناء‌عميو‌بكصؼ‌النبكءة بحيث‌لا‌تحكى‌مقالتيـ‌فيو‌إلاٌ‌بعد‌تقديـ‌ما‌يشير‌إلى‌تنزييو‌كالتعريض‌بجرميـ‌فيما‌ قالكه (1)،ثـ‌يبيف‌ا﵀‌تعالى‌بقكلو‌﴿قيؿٍ‌أيذيفي‌خىيٍرو‌لىكيـٍ﴾ ‌أنو‌ليس‌بأذف‌في‌سماع‌الباطؿ‌ كالكذب‌كالنميمة‌كالجدؿ‌كالمراء ،‌كا ذا‌سمعو‌مف‌غير‌أف‌يستمع‌إليو‌لا‌يقبمو‌كلا‌ يصدؽ‌ما‌لا‌يجكز‌تصديقو‌كما‌ىك‌شأف‌الممكؾ‌كالزعماء‌الذيف‌يتقرب‌إلييـ‌أىؿ‌ الأىكاء‌بالسعاية‌لإبعاد‌الناصحيف‌ال مخمصيف؛‌بؿ‌أذف‌خير‌يصدؽ ‌با﵀‌كبما‌يكحى‌ إليو(2)،‌(ثـ‌كصفو‌تعالى‌بأنو ‌﴿ييؤٍمًفي‌بًالمَّوً﴾ ،‌كمف‌آمف‌با﵀‌كاف‌خائفان‌ منو‌لا‌يقدـ‌ عمى‌الإيذاء‌بالباطؿ ،‌﴿كىييؤٍمًفي‌ ‌لًمٍميؤٍمًنًيفى﴾ ‌أم:‌يسمع‌مف‌المؤمنيف‌كيسمـ‌ليـ‌ ما‌ يقكلكف‌كيصدقيـ‌لككنيـ‌مؤمنيف،‌فيـ‌صادقكف،‌﴿كىرىحٍ‌مىةه‌لًمَّذًيفى‌آمىنيكا‌مًنٍكيـ﴾ ،‌كخص ‌ المؤمنيف‌كا ف‌كاف‌رحمة‌لمعالميف، ‌لأف‌ما‌حصؿ‌ليـ‌بالإ يماف‌بسبب‌الرسكؿ‌لـ‌ يحصؿ‌لغيرىـ ،‌كخصكا‌ىنا‌بالذكر‌كا ف‌كانكا‌قد ‌دخمكا‌في‌العالميف‌لحصكؿ‌مزيتيـ ،‌ كىذه‌الأ كصاؼ‌الثلبثة‌مبينة‌جية‌الخيرية ،‌كمظيرة‌ ككنو‌صمى‌ا﵀‌عميو‌ كسمـ‌أذف‌ خير(3)،‌(كقد‌جاء‌ذكر‌ىذه‌الخصمة‌مع‌الخصمتيف‌الأخريىيف‌عمى‌عادة‌القرآف‌في‌ انتياز‌فرصة‌الإرشاد‌إلى‌الخير ،‌بالترغيب‌كالترىيب ،‌فرغَّبىيـ‌في‌الإيماف‌ليكفّْركا‌عف‌ سيٌئاتيـ‌الفارطة،‌ثـ‌أعقب‌الترغيب‌بالتر‌ ىيب‌مف‌عكاقب‌إيذاء‌الرسكؿ‌بقكلو:‌﴿ كىالَّذًيفى‌ ييؤٍذي‌ كفى‌رىسيكؿى‌ المَّوً‌لىييـٍ‌عىذىابه‌أىلًيـه﴾ ،‌كىك‌ إنذار‌بعذاب‌الآخرة‌كعذاب‌الدنيا )(4)،‌كىذه‌ الآية‌كما‌في‌معناىا‌دليؿ‌عمى‌أف‌إيذاء‌الرسكؿ‌ –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ–‌كفر‌إذا‌كاف‌ فيما‌يتعمؽ‌برسالتو، ‌لأف‌ذلؾ‌يينافي‌الإيماف،‌كأما‌إيذاؤه‌في‌شئكنو‌ البشرية‌كالعادات‌ الدنيكية‌فحراـ ،‌لا‌كفر‌كإيذاء‌الذيف‌كانكا‌يطيمكف‌المكث‌في‌بيكتو‌بعد‌الطعاـ‌ ،‌كا يذاء‌ الذيف‌كانكا‌يرفعكف‌أصكاتيـ‌في ‌ندائو‌كيسمكنو‌باسمو،‌يقكؿ‌تعا لى:‌﴿يىا‌أىيُّيىا‌الَّذًيفى‌ آمىنيكا‌لا‌تىرٍفىعيكا‌أىصٍكىاتىكيـٍ‌فىكٍؽى‌صىكٍتً‌النَّبًيّْ‌كىلا‌تىجٍيىريكا‌لىوي‌بًالٍقى‌ كٍؿً‌كىجىيٍرً‌بىعٍضًكيـٍ‌لًبىعٍضو‌ أىفٍ‌تىحٍبىطى‌أىعٍمىالي‌ كيـٍ‌كىأىنٍتيـٍ‌لا‌تىشٍعيريكفى﴾ 2]،‌كا يذاؤه‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌بعد‌ (1)‌‌‌ابف‌عاشكر،‌التحرير،‌ج 10،‌ص241‌.‌ (2)‌‌‌المراغي،‌تفسير‌المراغي ،‌ج‌10،‌ص148‌.‌ (3)‌‌أبك‌حياف،‌البحر‌المحيط،‌ج‌5،‌ص64‌.‌ (4)‌‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج 10،‌ص244‌.‌

عدد الصفحات ١٩٨

187 انتقالو‌الى‌الرفيؽ‌الأعمى‌كإيذائو‌في‌حاؿ‌حياتو‌كالخكض‌في‌أبكيو‌كآؿ‌بيت و‌بما‌يعمـ‌ أنو‌يؤذيو‌لك‌كاف‌حيا،‌فالإيماف‌بو‌-صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌مانع‌مف‌تصدل‌المؤمف‌ لما‌ييعمـ‌أك‌ييظىف‌أنو‌يؤذيو‌صمكات‌ا﵀‌عميو‌إيذاء‌ما ،‌فيذا‌الذنب‌مف‌أكبر‌الذنكب‌ كمعصية‌مف‌أعظـ‌المعاصي(1)،كىن ا‌نجد‌كيؼ‌أف‌ا﵀‌جؿ‌كعمت‌قدرتو ؛‌يدافع‌عف‌ نبيو‌كينصره‌في‌كؿ‌مكطف‌يحاكؿ‌أعداء‌الديف‌الط عف‌فيو‌عميو‌السلبـ‌أك‌النيؿ‌منو؛‌ كىذا‌مصداقان‌لقكلو‌تعالى:‌﴿ إًلا‌تىنٍصيريكهي‌فىقىدٍ‌نىصىرىهي‌المَّوي‌إًذٍ‌أىخٍرىجىوي‌الَّذًيفى‌كىفىريكا‌ثىانًيى‌ اثٍنىيٍفً‌إًذٍ‌ىيمىا‌فًي‌الٍغىارً‌إًذٍ‌يىقيكؿي‌لًصىاحًبًوً‌لا‌ تىحٍزىفٍ‌إًفَّ‌المَّوى‌مىعىنىا﴾ 40].‌ فيك‌ىنا‌(إعلبـه‌مف‌ا﵀‌أصحابى‌ ‌رسكلو‌ -صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌أنٌو‌المتككٌؿ‌ بنصر‌رسكلو‌عمى‌أعداء‌دينو‌كا ظياره‌ع مييـ‌دكنيـ،‌أعانكه‌أك‌لـ‌يعينكه) .(2)‌ كىـ أيضان‌يسخركف‌كيستيزؤكف‌مف‌رسكؿ‌ا﵀‌ك‌ يطعنكف‌كيعيبكف‌الصالحيف‌مف‌ الناس،‌قاؿ‌تعالى :‌﴿الَّذًيفى‌يىمٍمًزيكفى‌الٍميطَّكّْعًيفى‌مًفى‌الٍميؤٍمًنً‌ يفى‌فًي‌الصَّدىقىاتً‌كىالَّذًيفى‌لا‌ يىجًديكفى‌إًلا‌جييٍدىىيـٍ‌فىيىسٍخىريكفى‌مًنٍييـٍ‌سىخًرى‌المَّوي‌مًنٍ‌ ييـٍ‌كىلىييـٍ‌عىذىابه‌أىلًيـه﴾ :‌79]،‌كىـ الذيف‌يذمكف‌المتطكعيف‌مف‌المؤمنيف‌في‌أكمؿ‌فضائميـ‌كيعيبكنيـ‌في‌أمر‌الصدقات،‌ كيقكلكف‌ما‌فعمكىا‌لكجو‌ا﵀‌ تعالى،‌كا نما‌فعمكىا‌رئاء‌الناس،‌﴿ كىالَّذًيفى‌لا‌يىجًديكفى‌إًلا‌ جييٍ‌دىىيـٍ‌فىيىسٍخىريكفى‌مًنٍييـٍ﴾ ،‌كيعيبكف‌الفقراء‌الذيف‌تصدقكا‌ بقميؿ‌ىك‌مبمغ‌جيدىـ‌كآخر‌ طاقتيـ؛‌فيستيزئكف‌بيـ‌احتقاران‌لما‌جاءكا ‌بو‌كعدٌا‌لو‌مف‌الحماقة‌كالجنكف ،‌كخص‌ ىؤلاء‌بالذك ر‌كا ف‌كانكا‌داخ ميف‌في‌المتطكعيف ،‌لأف‌مجاؿ‌لمزىـ‌عند‌المنافقيف‌أكسع ،‌ كالسخرية‌منيـ‌أشد،‌كىـ‌أىؿ‌الإجلبؿ‌ كالإك بار‌كالأحؽ‌بالثناء‌عند‌المؤمنيف (3)،ثـ‌أف‌ ا﵀‌تعالى‌(قابميـ‌ا﵀‌عمى‌صنيعيـ‌بأف‌﴿ سىخًرى‌المَّوي‌مًنٍ‌ ييـٍ‌كىلىييـٍ‌عىذىابه‌أىلًيـه﴾ ‌فإنيـ‌ جمعكا‌في‌كلبميـ‌ىذا‌بيف‌ع دة‌محاذير :‌منيا:‌تتبعيـ‌لأحكاؿ‌المؤمنيف،‌كحرصيـ‌ عمى‌أف‌يجدكا‌مقا لا‌يقكلكنو‌فييـ،‌كالمٌو‌يقكؿ:‌﴿إًفَّ‌الَّذًيفى‌ييحًبُّكفى‌أىفٍ‌تىشًيعى‌الٍفىاحًشىةي‌فًي‌ الَّذًيفى‌آمىنيكا‌لىييـٍ‌عى‌ ذىابه‌أىلًيـه﴾ 19]،كمنيا:‌طعنيـ‌بالمؤمنيف‌لأجؿ‌إيمانيـ،‌ كمنيا:‌أف‌الممز‌محرـ،‌بؿ‌ىك‌مف‌كبائر‌الذنكب‌في‌أمكر‌الدنيا،‌كأما‌الممز‌في‌أمر‌ (1)‌‌‌انظر:‌المراغي،‌‌تفسير‌المراغي ،‌ج10‌،‌ص148‌.‌ (2)‌‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف ،‌ج‌14‌،‌ص257‌.‌ (3)‌‌‌‌انظر‌:‌المراغي ،‌تفسير‌المراغي،‌ج‌ 10،‌ص171‌.

عدد الصفحات ١٩٩

188 الطاعة،‌فأقبح‌كأقبح ،‌كمنيا:‌تثبيط‌المؤمنيف‌في‌أعماؿ‌الخير‌كالطاعة،‌ كمنيا:‌أف‌ حكميـ‌عمى‌مف‌أنفؽ‌مالان‌ ‌كثيران‌‌بأنو‌مراء،‌غمط‌فاحش،‌كحكـ‌عمى‌الغيب،‌كرجـ‌ بالظف،‌كمنيا:‌أف‌قكليـ‌لصاحب‌الصدقة‌القمي مة:‌"المٌو‌غني‌عف‌صدقة‌ىذا"‌كلبـ‌ مقصك‌ ده‌باطؿ،‌فإف‌المٌو‌غني‌عف‌صدقة‌المتصدؽ‌بالقميؿ‌كالكثير،‌كفي‌ىذا‌القكؿ‌مف‌ التثبيط‌كاف‌جزاؤىـ‌أف‌سخر‌المٌو‌منيـ،‌كليـ‌عذاب‌أليـ.(1)‌ 1.1.1 حرمة وآداب الزمان والمكان: (إف‌ا﵀‌اصطفى‌صىفىايا‌مف ‌خمقو،‌اصطفى‌مف‌الملبئكة‌رسيلبن‌ ،‌كمف‌الناس‌ رسلبن‌،‌كاصطفى‌مف‌الكلبـ‌ذكرىه،‌كاصطفى‌مف‌الأرض‌المساجد،‌كاصطفى‌مف‌ الشيكر‌رمضافى‌كالأشير‌الحرـ،‌كاصطفى‌مف‌الأياـ‌يكـ‌الجمعة،‌كاصطفى‌مف‌الميالي‌ ليمةى‌القدر،‌فعظّْمكا‌ما‌عظـ‌ا﵀،‌فإنما‌تعظـ‌الأمكر‌بما‌عظَّميا‌ا﵀‌عند‌أىؿ‌الفيـ‌ كأىؿ‌العقؿ )(2)،‌كما‌أفٌ‌تفضيؿ‌ا لأكقات‌كالبقاع‌يشبو‌تفضيؿ‌الناس ،‌فتفضيؿ‌الناس‌ بما‌يصدر‌عنيـ‌مف‌الأ عماؿ‌الصالحة،‌كالأخلبؽ‌الكريمة ،‌كتفضيؿ‌غيرىـ‌ممٌا‌لا‌ إرادة‌لو‌بما‌يقارنو‌مف‌ الفضائؿ،‌الكاقعة‌فيو،‌أك‌المقارًنة‌لو،‌فتفضيؿ‌الأكقات‌كالبقاع‌ إنٌما‌يككف‌بجعؿ‌ا﵀‌تعالى ‌بخبر‌منو،‌أ ك‌باطلبع‌عمى‌مراده ،‌لأفٌ‌ا﵀‌إذ ا‌فضميا‌ جعميا‌مظافٌ‌لتطمٌب‌رضاه،‌مثؿ‌ككنيا‌مظافٌ‌إجابة‌الدعكات،‌أك‌مضاعفةً‌الحسنات ،‌ كا﵀‌العميـ‌بالحكمة‌التي‌لأجميا ‌فيضٌؿ‌زمفه‌عمى‌زمىف ،‌كفيضٌؿ‌مكافه‌عمى‌مكاف‌ كالأمكر‌المجعكلة‌مف‌ا﵀‌تعالى‌ىي‌شؤك‌ ف‌كأحكاؿ‌أرادىا‌ا﵀،‌فقدَّ‌رىا ،‌فأشبيت‌الأمكر‌ الككنية،‌فلب‌يي‌بطميا‌إلاٌ‌إبطاؿ‌مف‌ا﵀‌تعالى،‌كما‌أبطؿ‌تقديسى‌السبت‌بالجمعة ،‌كليس‌ لمناس‌أف‌يجعمكا‌تفضيلبن‌في‌أكقات‌دينية،‌كلا‌أف‌يغيٌركا‌ما‌جعمو‌ا﵀‌تعالى‌مف‌الفضؿ‌ لأزمنةو‌أك‌أمكنةو‌أك‌ناس.(3)‌ (1)‌‌السعدم،‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في ‌تفسير‌كلبـ‌المناف،‌ج‌1،‌ص‌345.‌ (2)‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف،‌ج 14،‌ص238-‌239،ابف‌كثير،‌تفسير‌القرآف‌العظيـ،‌ج 2، ص‌391‌.‌ (3)‌‌انظر:‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج‌ 10،‌ص184‌.‌

عدد الصفحات ٢٠٠

189 كباعتبار‌ىذه‌الحرمات‌لبعض‌الأمكنة‌كالأزمنة ‌كتخصيصيا‌دكف‌غيرىا‌ دركسه‌‌ كعبره‌‌شاممة؛‌فيي‌مثلبن‌‌تربيةن‌‌لمنفكس‌عمى‌عظيـ‌القيـ‌كأفضؿ‌السمكؾ ،‌كما‌أنيا‌حدكد‌ خيميقية‌في‌الشرع‌‌ليذه‌الأمكنة‌في‌ىذه‌الأزمنة ،‌كتكطيفه‌لي ا‌عمى‌الالتزاـ‌بأكامر‌ا﵀‌ فييا،‌(كالمق صكد‌بالزماف‌ىك‌الأشير‌الحرـ‌كىي :‌ذك‌القعدة‌كذك‌الحجة‌ك‌ محرـ‌كرجب ،‌ كحرمت يا‌لازمة‌لا‌تنفؾ‌عنيا‌قاؿ‌تعالى :‌﴿يىا‌أىيُّيىا‌الَّذًيفى‌آىمىنيكا‌لاى‌تيحًمُّكا‌شىعىائًرى‌المَّوً‌كىلاى‌ الشَّيٍرى‌الٍحىرىاـى‌كىلاى‌الٍيىدٍمى‌كىلاى‌الٍقىلبىئًدى‌كىلاى‌آىمّْيفى‌الٍبىيٍتى‌الٍحىرىاـى‌يىبٍتى‌ غيكفى‌فىضٍلبن‌مًفٍ‌رىبّْيًـٍ﴾ ‌ [‌:2]،‌كأكد‌النبي –صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ-‌حرمة‌الزماف‌كالمكاف‌في‌حجو‌حيث ‌ جاء‌في‌الحديث‌:‌عف‌أىبًي‌بىكٍرة‌رىضًي‌المَّوي‌عىنٍو ‌أنو‌قىاؿى‌:‌ ‌ "خطبنا‌النبي‌صمى‌ا﵀‌عميو‌كسمـ‌يكـ‌النحر،‌قاؿ:‌«أتدركف‌أم‌يكـ‌ىذا؟»، قمنا:‌ا﵀‌كرسكلو‌أعمـ،‌فسكت‌حتى‌ظننا‌أنو‌سيسميو‌بغي ر‌اسمو،‌قاؿ:‌ «أليس‌يكـ النحر؟»قمنا:‌بمى،‌قاؿ«أم‌شير‌ىذا؟»،‌قمنا:‌ا﵀‌كرسكلو‌أعمـ،‌فسكت‌حتى‌ظننا أنو‌سيسميو‌بغير‌اسمو،‌فقاؿ‌ «أليس‌ذك‌الحجة؟»،‌قمنا:‌بمى،‌قاؿ «أم‌بمد‌ىذا؟» قمنا:‌ا﵀‌كرسكلو‌أعمـ،‌فسكت‌حتى‌ظننا‌أنو‌سيسميو‌بغير‌اسمو،‌قاؿ «أليست‌بالبمدة الحراـ؟ »قمنا:‌بمى،‌قاؿ«فإف‌دماءكـ‌كأمكالكـ‌عميكـ‌حراـ،‌كحرمة‌يكمكـ‌ىذا،‌في شيركـ‌ىذا،‌في‌بمدكـ‌ىذا،‌إل ى‌يكـ‌تمقكف‌ربكـ،‌ألا‌ىؿ‌بمغت؟ »،‌قالكا:‌نعـ،‌قاؿ «الميـ‌اشيد،‌فميبمغ‌الشاىد‌الغائب،‌فرب‌مبمغ‌أكعى‌مف‌سامع،‌فلب‌ترجعكا‌بعدم كفاران‌،‌يضرب‌بعضكـ‌رقاب‌بعض »".(1)‌ كا ذا‌تقررت‌حرمة‌الزماف ،‌كجب‌عمى‌المسمـ‌المحافظة‌عمييا‌ب عدة‌أمكر‌منيا:‌ الحرص‌عمى‌الأمف،‌ كالمحافظة‌عميو‌في‌ىذه‌الأشير،‌كبخاصة‌في‌أماكف‌أداء‌ المناسؾ‌في‌الحج‌كالعمرة،‌حرمة‌القتاؿ،‌فلب‌يجكز‌لمسمـ‌أف‌يعتدم‌عمى‌مسمـ‌كيقاتمو‌ في‌أم‌زمف‌كاف‌كتزداد‌الحرمة‌ككزرىا ‌إذا‌كاف‌ىذا‌القتاؿ‌في‌مكة‌المكرمة‌كفي‌ الأشير‌الحرـ،‌كالحرص‌عمى‌اجتناب‌المعاصي‌كالسيئات‌كميا‌صغيرىا‌ككبيرىا‌في‌ الأشير‌الحرـ‌حرمة‌لمزماف،‌كأما‌حرمة‌المكاف‌فيي‌‌مكة‌المكرمة‌"حرـ‌آمف"،‌فإثارة‌ (1)‌‌‌البخارم ،‌صحيح‌البخارم ،‌كتاب‌الحج،‌باب‌الخطبة‌أياـ‌منى،‌حديث‌رقـ‌ 1739،‌ج2، ص‌176،‌كصحيح‌مسمـ ،‌كتاب‌الق سامة‌كالمحاربيف‌كالقصاص‌كالديات ،‌باب‌تغميظ‌ تحريـ‌الدماء‌كالأ عراض‌كالأمكاؿ،‌حديث‌رقـ‌ 1679،‌ج3،‌ص1305.‌

عدد الصفحات ٢٠١

191 الفتف‌في‌مكة‌المكرمة‌بالقتاؿ‌أك‌المشاغبا ت‌أك‌المظاىرات‌أك‌أم‌مظير‌م شابو،‌ لمصمحة‌شخصية‌أك‌حزبية‌أك‌لأم‌سبب‌آخر‌ ‌كاف‌ىك‌استحلبؿ‌حرمة‌ا﵀‌تعالى) (1)‌ إف‌أىـ‌أزماتنا‌كمشكلبتنا‌المعاصر ة‌في‌الحج؛‌ىك‌الجيؿ‌كالتعصب‌المذىبي ،‌م ع‌ غياب‌الآداب‌الإسلبمية‌أحيانان‌ ،‌كاختلبؼ‌المستكيات‌كالأق كاـ‌كالأجناس‌كالثقافات‌ كالعادات ،‌كأىـ‌المشكلبت‌كأكض حيا‌ىك‌الازدحاـ‌الشديد ‌الذم‌يؤدم‌إلى‌الإيذاء‌ كالإضرار ،‌كيدعس‌الحجاج‌بعضي ـ‌بعضان،‌كقد‌تيزىؽ‌بعض‌الأركاح ،‌كيؤدم‌إلى‌ المكت‌الحقيقي‌قتلبن،‌كىك‌حراـ‌شرعان‌ ،‌كقد‌ اقتي‌رحت‌حمكؿ‌ شرعية‌ لممبيت‌في‌منى ،‌ كالرمي،‌كغيرىا‌لحؿ‌مشكمة‌الزحاـ‌في‌ا لمناسؾ‌جميعيا‌كالتي‌مف‌أىميا‌‌" منع‌تكرار‌ الحج،‌التشدد‌ما‌أمكف‌عمى‌ا ختيار‌المحرـ‌لمنساء‌ممف‌لـ‌يحج، ‌كما‌ييقترح‌عمى‌ الحككمات‌كالد كؿ‌أف‌تأخذ‌بالكسائؿ‌التقنية ،‌كالمعطيات‌ الحديثة،‌في‌الانتقاؿ،‌ كالمبيت،‌كالسفر،‌كتخفيفو‌كالتحكـ‌فيو،‌حتى‌في‌الجسكر،‌كالأنفاؽ ،‌كالخط ‌الحديدم‌ لمسفر‌الخارجي‌كالداخمي "(2)،‌كقدخصت‌سكر‌القرآف‌الكريـ ،‌كمنيا‌سكرة‌التكبة‌بعض‌ الأزمنة‌كالأمكنة‌بالحرمة‌كتربية‌النفكس‌فييا‌ كعدـ‌الاعتداء‌عمى‌الآخريف ،‌ك‌ا بعادىا‌ عف‌سيء‌الأخلبؽ؛‌كغيرىا‌... ‌كمف‌ىذه‌الآيات‌في‌السكرة‌الكريمة ‌في‌حرمة ‌الزماف‌ كآدابو؛‌قكلو‌تعالى:‌﴿ فىسًيحيكا‌فًي‌الأٍىرٍضً‌أى‌ رٍبىعىةى‌أىشٍييرو‌كىاعٍمىميكا‌أىنَّكيـٍ‌غىيٍري‌ميعٍجًزًم‌المَّوً‌ كىأىفَّ‌المَّوى‌ ميخٍزًم‌الٍكىافًرًيفى﴾ 2]،‌كذلؾ‌في‌اعطاء‌مدة‌لممشرك يف‌في‌السياحة‌ ليتفكركا‌في‌أمرىـ ،‌كما‌فيو‌مف‌التسامح‌كتربية‌المسمميف‌عمى‌أصكؿ‌الدعكة‌إلى‌ا﵀‌ تعالى،‌(كىذه‌ الأشير‌ىي ‌شكاؿ‌كذم‌القعدة‌كذم‌الحجة‌كالمحرـ‌لأنيا‌نزلت‌في‌ شكاؿ،‌كقيؿ‌ىي‌عشركف‌مف‌ذم‌الحجة‌كالمحرـ‌كصفر‌كربيع‌الأكؿ‌كعشر‌مف‌ربيع‌ الآخر؛‌كالمراد‌مف‌ككنيا‌حرمان،‌أف‌ا﵀‌حرـ‌القتؿ‌كالقتاؿ‌فييا (3)‌كما‌أف‌في‌اختيار (1)‌‌انظر:‌مجمة‌البحث‌العممي‌الإسلبمي،‌السنة‌العاشرة،‌العدد‌الثالث ‌كالعشركف،‌ 28/12/2014‌ـ،‌رئيس‌التحرير :‌سعد‌الديف‌بف‌محمد‌الكبي،‌ حرمات‌مشاعر‌الحج‌ كشعائره‌ككقايتيا‌مف‌الف تف،‌محمد‌سميـ‌مصطفى‌"محمد‌عمي"،‌‌ص‌12–‌16‌.‌ (2)‌‌انظر:‌الزحيمي‌،‌محمد،‌مك‌ سكعة‌قضايا‌إسلبمية‌معاصرة‌،‌ج‌ 1،‌ص690‌–‌704‌. (3)‌‌البيضاكم، أنكار‌التنزيؿ‌كأسرار‌التن زيؿ،‌ج 3،‌ص70،‌كانظر‌الألكسي ،‌ركح‌المعاني،‌ مجمد‌4‌،‌ج5،ص‌239‌.‌

عدد الصفحات ٢٠٢

191 يكـ‌الحج‌الأكبر–‌كأيان‌كاف‌المقصكد‌بيكـ‌الحج‌الأكبر،‌يكـ‌عرفة‌أك‌يكـ‌النحر ،‌أك‌ غيره‌...‌بخلبؼو‌في‌المقصكد‌منو –(1)‌مف‌أياـ‌الحج‌فيك‌تفضيؿ‌يكـ‌مف‌أياـ‌الحج "الركف‌العظيـ‌في‌الإسلبـ" ؛‌ب ؿ‌مف‌أياـ‌السنة‌لإعلبف‌البراءة ،‌كفي‌ىذا‌تربيتنا‌ كمسمميف‌عمى‌اختيار‌أكقات‌مناسبة‌لإعلبف‌ما‌يخصنا‌كييمنا‌مف‌أمكر،‌قاؿ‌تعالى:‌ ﴿كىأى‌ذىافه‌مًفى‌المَّوً‌كىرىسيكلًوً‌إًلىى‌النَّاسً‌يىكٍـى‌الٍحىجّْ‌الأكٍبىرً‌أىفَّ‌المَّوى‌بىرًمءه‌مًفى‌الٍميشٍ‌ رًكًيفى‌ كىرىسيكليوي﴾3]،‌كفي اختيار‌زمف‌القتاؿ‌في‌قكلو‌تعالى:‌﴿ فىإًذىا‌انٍسىمىخى‌الأشٍييري‌ الٍحيريـي‌فىاقٍتيميكا‌الٍميشٍ‌رًكًيفى‌ حىيٍثي‌كىجىدٍتي‌ ميكىيـٍ﴾ :‌5] يجكز‌إغفاليا (2)،‌كف ي‌حرمة‌بعض‌الأشير‌يقكؿ‌تعالى :‌﴿ إًفَّ‌عًدَّةى‌الشُّييكرً‌عًنٍدى‌المَّوً‌ اثٍنىا‌عىشىرى‌شىيٍرنا‌فًي‌كًتىابً‌المَّوً‌يىكٍـى‌خىمىؽى‌السَّمىاكىاتً‌كىالأرٍضى‌مًنٍيىا‌أىرٍبىعىةه‌حيريـه‌ذىلًؾى‌ال دّْيفي‌ الٍقىيّْـي‌فىلب‌تىظٍمًميكا‌فًييًفَّ‌أىنٍفيسىكيـٍ‌كىقىاتًميكا‌الٍميشٍرًكًيفى‌كىافَّةن‌كىمىا‌ييقىاتًميكنىكيـٍ‌كىافَّةن‌كىاعٍمىمي‌ كا‌أىفَّ‌المَّوى‌ ‌ مىعى‌الٍميتَّقًيفى﴾ :‌36‌.]‌ كمعنى:‌﴿إًفَّ‌عًدَّةى‌ ‌الشُّييكرً﴾‌أم:‌عدد‌الشيكر،‌﴿ عًنٍدى‌المَّوً‌اثٍنى‌ ا‌عىشى‌رى‌شىيٍرنا‌فًي‌ كًتىابً‌المَّوً﴾ ‌كىي‌المحرـ‌كصفر‌كربيع‌الأكؿ‌كشير‌ربيع‌الثاني‌كجمادل‌الأكلى‌ كجمادل‌الآخرة‌كرجب‌كشعباف‌كشير‌رمضاف‌كشكاؿ ‌كذك‌القعدة‌كذك‌الحجة.‌كقكلو:‌ ﴿فًي‌كًتىابً‌المَّوً﴾ ‌أم:‌في‌حك ـ‌ا﵀.‌كقيؿ:‌في‌المكح‌المحفكظ،‌﴿ يىكٍـى‌ ‌خىمىؽى‌السَّمىكى‌ اتً‌ كىالأرٍض﴾ ‌كالمراد‌منو:‌الشيكر‌اليلبلية،‌كىي‌الشيكر‌التي‌يعتد‌بيا‌المسممكف‌في‌ صياميـ‌كحجيـ‌كأعيادىـ‌كسائر‌أمكرىـ،‌كبالشيكر‌الشمسية‌تككف‌السنة‌ثلبث‌مائة‌ كخمسة‌كستيف‌يكما‌كربع‌يكـ،‌كاليلبلية‌تنقص‌عف‌ثلبث‌مائة‌كستيف‌يكما‌بنقصاف‌ الأىمة.‌كالغالب‌أنيا‌تكك‌ ف‌ثلب ثمائة‌كأربعة‌كخمسيف‌يكما،‌﴿ مً‌نٍيىا‌أىرٍبىعىةه‌حيريـه﴾ ‌مف‌ الشيكر‌أربعة‌حرـ‌كىي:‌رجب‌كذك‌القعدة‌كذك‌الحجة‌كالمحرـ،‌كاحد‌فرد‌كثلبثة‌ سرد،‌ ﴿ذىلًؾى‌الدّْيفي‌الٍقى‌ يّْـي﴾‌أم:‌الحساب‌المستقيـ،‌﴿فىلب‌تى‌ظٍمًميكا‌فًييًفَّ‌أىنٍفيسىكيـٍ﴾ ‌بفعؿ‌المعاصي‌ كترؾ‌الطاعة ،‌كقيؿ:‌"‌العمؿ‌الصالح‌أعظـ‌أجرا‌في‌الأشير‌الحرـ،‌كالظمـ‌فييف‌ أعظـ‌مف‌الظمـ‌فيما‌سكاىف (3)،‌كالظ مـ‌ىنا‌ظمماف‌ظمـ‌النفس‌بالمعاصي،‌كظمـ‌الغير‌ (1)‌‌انظر:‌الطبرم،‌جامع‌البياف ،‌ج‌14‌،‌ص113-‌125‌.‌ (2)‌‌‌تحدثت‌عف‌المعاني‌في‌ىذه‌الآيات‌خلبؿ‌التحدث‌عف‌الأزمات‌السياسية‌كالعسكرية ‌ (3)‌‌‌البغكم،‌معالـ‌التنزيؿ،‌ج 4،‌ص44‌.‌

عدد الصفحات ٢٠٣

192 بالاعتداءعمييـ‌بقكؿ‌أك‌فعؿ ،‌كآية‌تعظيـ‌الأش ير‌فيو‌نص‌صريح‌عمى‌اجتناب‌ الظمـ((1،‌(كلأف‌ا﵀‌سبحانو‌إذا‌عظـ‌شيئا‌مف‌جية‌كاحدة‌ صارت‌لو‌حرمة‌كاحدة‌كا ذا‌ عظمو‌مف‌جيتيف‌أك‌جيات‌صارت‌حرمتو‌متعددة‌فيضاعؼ‌فيو‌العقاب‌بالعمؿ‌ السيء‌كما‌يضاعؼ‌الثكاب‌بالعمؿ‌الصالح‌) (2).‌ كالمعنى‌أف ذلؾ‌ثبت‌يكـ‌خمؽ‌ا﵀‌السمكات ‌كالأرض‌المذيف‌نشأ‌عنيما‌الزماف ،‌ ك‌الحكـ‌بذلؾ‌كاف‌قبؿ‌أف‌يخمؽ‌الزماف ،‌كىذه‌الشيكر‌الأر‌ بعة‌الحرـ‌ىي‌بأعيانيا‌لا‌ بمجرد‌العدد‌كىذا‌الأمر‌العظيـ‌كالحكـ‌العالي‌الرتبة‌في‌الإتقاف‌خاصة‌ىك‌الديف‌القيـ‌ الذم‌لا‌عكج‌فيو‌كلا‌مدخؿ‌لمعباد،‌كا نما‌ىك‌بتقدير‌ا﵀‌تعالى‌لمقمر (3)،‌كقد‌خص‌ا﵀ تعالى‌الاربعة‌الاشير‌الحرـ‌بالذكر،‌كنيى‌عف‌الظمـ‌فييا‌تشريفا‌ليا‌كا ‌ف‌كاف‌منييا‌ عنو‌في‌كؿ‌الزماف،‌ ك‌ربٌى‌النفكس‌في‌مكسـ‌الحج‌كبيٌف‌عظمة‌الزماف‌كالمكاف-‌عمى‌ النيي‌عف‌سيء‌الأخلبؽ‌–‌قاؿ‌تعالى:‌﴿الٍحىجُّ‌أىشٍييره‌مىعٍميكمىاته‌فىمىفٍ‌فىرىضى‌فًييًفَّ‌الٍحىجَّ‌ فىلبى‌رىفىثى‌كىلاى‌فيسيكؽى‌كىلاى‌جًدىاؿى‌فًي‌الٍحىجّْ‌كىمىا‌تىفٍعىميكا ‌مًفٍ‌خىيٍرو‌يىعٍمىمٍوي‌المَّوي‌كىتىزىكَّديكا‌فىإًفَّ‌خىيٍرى‌ الزَّادً‌التَّقٍكىل‌كىاتَّ‌قيكفً‌يىا‌أيكلًي‌الأٍىلٍبىابً﴾ [لبقرة 197‌].(4) (كقد‌خص‌بعض‌الأزمنة‌كبعض‌الأمكنة‌بأحكاـ‌مف‌العبادات‌تقتضي‌ترؾ المحرمات‌فييا‌تنشيطان‌لمنفكس‌عمى‌زيادة‌العناية‌بما‌يزكييا‌كيطيرىا،‌فقد‌جرت‌عادة‌ الإنساف‌أف‌يسأـ‌الاستمرار‌عمى‌حاؿ‌كاحدة‌تشؽ‌عميو ،‌كمف‌ثـ‌جعؿ‌العبادات‌الدائمة‌ خفيفة‌لا ‌مشقة‌في‌أدائيا‌كالصمكات‌الخمس ،‌كخص‌يكـ‌الجمعة‌بكجكب‌الاجتماع‌ العاـ‌لصلبة‌ركعتيف‌كسماع‌خطبتيف‌تذكيران‌كمكعظةن‌حسنة‌تقكٌم‌ في‌المؤمف‌حب‌ الخير‌كالتعاك‌ ف‌عمى‌البر‌كالتقكل ،‌كخص‌رمضاف‌بكجكب‌صيامو‌في‌كؿ‌سنة،‌كخص‌ أيامان‌معدكدات‌مف‌ذم‌الحجة‌بأداء‌مناسؾ‌الحج،‌كجعؿ‌ما‌قبميا‌كما‌بعدىا‌مف‌الأياـ‌ الحرـ‌استعدادان‌لأداء‌النسؾ،‌كحرٌـ‌مكة‌كما‌حكليا‌في‌جميع‌السنة‌لتأميف‌الحج‌كالعمرة‌ (1)‌‌‌انظر:‌الطبرم،‌جامع‌البياف،‌ج 14،‌ص237–238،‌كانظر:‌‌ thttp//www.alukah.ne،‌الشيخ‌ابراىيـ‌بف‌محمد‌الحقيؿ ‌ (2)‌‌‌القرطبي،‌الجامع‌لأحكاـ‌القرآف ،‌ج‌7‌،‌ص134‌.‌ (3)‌‌‌انظر‌:‌البقاعي،‌نظـ‌الدرر،‌ج8،‌ص450‌.‌ (4)‌‌‌انظر:‌القرطبي،‌الجامع‌لأحكاـ‌القرآف،‌ج 7،‌ص135‌.‌

عدد الصفحات ٢٠٤

193 التي‌تؤدل‌في‌كؿ‌كقت،‌كحرـ‌رجب‌في‌كسط السنة‌لتقميؿ‌شركر‌القتاؿ‌كتخفيؼ‌ أكزاره ‌كلتسييؿ‌السفر‌لأداء‌العمرة‌فيو )(1)‌،‌كما‌يجب‌عمى‌المسمـ‌لمنجاح‌في‌الخركج‌ مف‌أزماتو‌ استغلبؿ‌‌كمراعاة‌حرمة‌الكقت‌كتنظيمو ،‌كاحتراـ ‌الزمف ،‌كا دراؾ‌أىميتو‌ كذلؾ‌لأف‌(عنصر‌الكقت‌أحد‌أىـ‌المتغيرات‌الحاكمة‌في‌إ دارة‌الأزمات ،‌فالكقت‌ىك‌ العنصر‌الكحيد‌الذم‌تشكؿ‌قدرت و‌خطران‌بالغان‌عمى‌إدراؾ‌الأزمة،‌كعمى‌عممية‌التعامؿ‌ إذ‌أف‌السرعة‌مطمكب‌لاستيعاب‌الأزمة‌كالتفكير‌في‌البدائؿ‌ كاتخاذ ‌القر‌ ارات‌المناسبة ،‌ كالسرعة‌في‌تحريؾ‌فريؽ‌إدارة‌الأزمات‌كالقياـ‌بالعمميات‌الكاجبة‌لاحتكاء‌الأضرار‌أك‌ الحد‌منيا‌كاستعادة‌نشاط‌المنظمة) (2)‌كفي‌حرمة‌بعض‌الأمكنة‌عمى‌غيرىا‌كتفضيؿ بعضيا،‌(فقد‌أعمى‌ا﵀‌تعالى‌مكانة‌البيت‌الحرا ـ‌عمى‌غيره ،‌فجاءت‌التربية‌الربانية‌ لمناس‌عمى‌حرمة‌ىذا‌الم كاف،‌كاحترامو‌كتمييزه‌عمى‌غيره،‌يقكؿ‌تعالى:‌﴿ كىيٍؼى‌يىكيكفي‌ لًمٍميشٍرًكًيفى‌عىيٍده‌عًنٍ‌ دى‌المَّوً‌كىعًنٍدى‌رىسيكلًوً‌إًلا‌الَّذًيفى‌عىاىىدٍتيـٍ‌عًنٍدى‌الٍمىسٍجًدً‌الٍحىرىاـً‌فىمىا‌اسٍتىقىاميكا‌ لىكيـٍ‌فىاسٍتىقًيميكا‌لىييـٍ‌إًفَّ‌ المَّوى‌ييحًبُّ‌الٍميتَّقًيفى﴾ 7] المشركيف‌﴿عًنٍدى‌الٍمىسٍجًدً‌الٍحىرىا ـً﴾ ‌فإف‌ليـ‌في‌العيد‌كخصكصا‌في‌ىذا‌المكاف‌الفاضؿ‌ حرمة،‌أكجب‌أف‌يراعكا‌فييا. (3)‌‌ كقد‌كاف‌الكفار‌بجيميـ‌عف‌أحكاـ‌الديف‌كتكبرىـ‌عف‌متابعة‌المرسميف يتصرفكف‌في‌شيكر‌السنة‌بتقميب‌أحكاميا‌كتحكيميا‌عف‌مكانيا‌بتحريـ‌حلبليا‌كتحميؿ‌ حراميا‌فأعممنا‌سبحانو‌أف‌تصرفو‌مسكؽ ‌بما‌سطرت‌في‌الألكاح‌ك‌ الأقلبـ‌قبؿ‌خمؽ‌ الميالي‌كالأياـ ...(4‌)فيجب‌عمى‌العبد‌المسمـ‌أف‌يككف‌بفضميا‌عارفان‌كعمى‌تعظيميا عاكفان‌كلمضا عفة‌ثكاب‌ا﵀‌فييا‌راجيان‌ (5)،‌كفي‌سكرة‌الحج‌أيضان‌ما‌يبيف‌حر مة‌ىذه‌ الأماكف،‌يقكؿ‌تعالى:‌﴿إًفَّ‌الَّذًيفى‌كىفىريكا‌كىيىصيدُّكفى‌ عىفٍ‌سىبًيؿً‌المَّوً‌كىالٍمىسٍجًدً‌الٍحىرىاـً‌الَّذًم‌ (1)‌‌‌المراغي،‌تفسير‌المراغي،‌ج 10،‌ص115‌.‌ (2)‌‌‌عبكم،‌إدارة‌الأزمات، ‌ص‌59.‌ (3)‌‌‌السعدم،‌تيسير‌الكريـ‌الرحمف‌في‌تفسير‌كلبـ‌المناف ،‌ج‌1،‌ص329.‌ (4‌)‌‌تحدثت‌عف‌عدة‌الأشير‌مف‌خلبؿ‌أزمة‌"النسيء"،‌ص‌ 153–156.‌ (5)‌‌ابف‌الجكزم ،‌عبد‌الرحمف‌بف‌عمي‌بف‌محمد‌القرشي،‌التذكرة‌في‌الكعظ ،‌تحقيؽ‌أحمد‌عبد‌ الكىاب‌فتيح،‌دار‌المعرفة،‌بيركت،‌ط 1،1986،‌ص173.

عدد الصفحات ٢٠٥

194 جىعىمٍنىاهي‌لًمنَّاسً‌سىكىاءن‌الٍعىاكًؼي‌فًيوً‌كىالٍبىادًم‌كىمىفٍ‌ييرًدٍ‌فًيوً‌بًإًلٍحىادو‌بًظيمٍـو‌ني ذًقٍوي‌مًفٍ‌عىذىابو‌أىلًيـو﴾ ‌ [الحج:‌25]،‌كممة‌ييستفاد‌منيا‌أنو‌مي حرٌـ‌أف‌تفعؿ‌ف يو‌خطأ،‌أك ‌ تيينو،‌أك‌تعتدم‌فيو،‌ك﴿الٍحىرىاـً﴾‌كصؼ‌بيا‌بعض‌المكاف‌كبعض‌الزماف ،‌كىي‌ خمسة‌أشياء ،‌البيت‌الحراـ‌كىك‌الكعبة ،‌كالمسجد‌الحراـ ،‌ك‌ البمد‌الحراـ،‌ثـ‌المشعر‌ الحراـ ،‌كىذه‌عبارة‌عف‌دكائر‌مركز‌الكعبة،‌ىذه‌أماكف ،‌ثـ‌الخامس‌كىك‌زمف:‌الشير‌ الحراـ ؛‌كحرمة‌الزما ف‌كالمكاف ‌ىنا‌لحكمة‌أرادىا‌الخالؽ‌سبحانو ،‌لأنو‌ربه‌رحيـ‌بخمقو‌ يريد‌أف‌يجعؿ‌ليـ‌فرصة‌ لستر‌كبريائيـ،‌كالحد‌مف‌غركرىـ ،‌ككانت‌تنتشر‌بيف‌القكـ‌ الحركب‌كالصراعات‌التي‌كانت‌تيذكي‌نارىا‌عادات‌قبمية‌كسعار‌الحرب ،‌حتى‌أف‌كلب‌ الفريقيف‌يريد‌أف‌ييفني‌الآخر،‌كربما‌ استمركا ‌في‌الحرب‌كىـ‌كارىكف‌ليا ،‌لكف‌يمنعيـ‌ كبرياؤىـ‌مف‌التراجع‌كالانس حاب...لذلؾ‌جعؿ‌ا﵀‌سبحانو‌ليذه‌الأماكف‌كالأزمنة‌حيرمة‌ لتككف‌ستاران‌ليذا‌الكبرياء‌الزائؼ،‌كليذه‌العزة‌البغيضة...‌فحرٌـ‌ا﵀‌القتاؿ‌في‌الأشير‌ الحرـ ،‌حتى‌إذا‌م ا‌استعرت‌بينيـ‌حرب‌جاء‌شير‌حراـ ،‌فأن قذ‌الضعيؼ‌مف ‌قبضة‌ القكم‌دكف‌أف‌يجرح‌كبرياءه ...‌فيي‌ستار‌يحمييـ‌مف‌شركر‌أنفسيـ‌كنزكاتيا (1)،‌ثـ يبيف‌ا﵀‌تعالى‌في‌السكرة‌أىمية‌تعظيـ‌حرمات‌الز‌ ماف‌كالمكاف‌كاجتناب‌سيء‌ الأخلبؽ،‌كمربيان‌ليـ‌عمى‌معالي‌الأخلبؽ‌بقكلو‌:‌﴿ذىلًؾى‌كىمىفٍ‌ييعىظّْـٍ‌حيريمىاتً‌المَّوً‌فى‌ ييكى‌ خىيٍره‌لىوي‌عًنٍدى‌رىبّْوً‌كىأيحًمَّتٍ‌لىكيـي‌الأنٍعىاـي‌إًلا‌مىا‌ييتٍمىى‌عىمىيٍكيـٍ‌فىاجٍتىنًبيكا‌الرّْجٍسى‌مًفى‌الأكٍثىافً‌ كىاجٍتىنًبيكا‌قىكٍؿى‌الزُّكرً﴾ [الحج‌:‌30‌]‌ كالحيرٍمة:‌ ىي‌مكة‌كالحجٌ‌كالعيمرة،‌كما‌نيى‌ا﵀‌عنو‌مف‌معاصيو‌كميا ،‌كقيؿ‌ الحرمات‌ ىي:‌المىشٍعىر‌الحراـ،‌كالبيت‌الحراـ،‌كالمسجد‌الحراـ،‌كالبمد‌الحراـ‌.(2)‌‌ كمف‌الحكـ‌التربكية ‌التي‌خص‌بيا‌ا﵀‌تعالى‌‌بعض‌الأكقات‌ك‌ بعض‌الأماكف‌ بمزيد‌التعظيـ‌كالاحتراـ ؛‌كذلؾ‌(أف‌بعض‌الطباع‌مجبكلة‌عمى‌الظمـ‌كالفساد‌كامتناعيـ‌ مف‌ىذه‌القبائح‌عمى‌الإطلبؽ‌شاؽ‌عمييـ‌حتى‌أف‌الإنساف‌ربما‌امتنع‌في‌تمؾ‌الأزمنة‌ كفي‌تمؾ ‌الأمكنة‌مف‌القبائح‌كالمنكرات ،‌كذلؾ‌يكجب‌أنكا عان‌مف‌الفضائؿ‌كالفكائد :‌ أحدىا:‌أف‌ترؾ‌تمؾ‌القبائح‌في‌تمؾ‌الأكق ات‌أمر‌مطمكب،‌لأنو‌يقؿ‌القبائح،‌كثانييا:‌ (1)‌‌‌الشعراكم،‌تفسير‌الشعراكم،‌ج 16،‌ص9767‌. (2)‌‌‌الطبرم،‌جامع‌البياف،‌ج 18،‌ص617.‌

عدد الصفحات ٢٠٦

195 أنو‌لما‌تركيا‌في‌تمؾ‌الأكقات‌فربما‌صار‌تركو‌ليا‌في‌تمؾ‌ا كقات‌سببان‌لميؿ‌طبعو‌ إلى‌الإعراض‌عنيا‌مطمقان‌ ،‌كثالثيا :‌أف‌الإنساف‌إذا‌أتى‌بالطاعات‌في‌تم ؾ‌الأكقات‌ كأعرض‌عف‌المعاصي‌فييا ،‌فبعد‌انقضاء‌تمؾ‌الأكقات‌لك‌شرع‌في‌القبائح‌كالمعاصي‌ صار‌شركعو‌فييا‌سببان‌لبطلبف‌ما‌تحممو‌مف‌العناء‌كالمشقة‌في‌أداء‌تمؾ‌الطاعات‌في‌ تمؾ‌الأكقات،‌كالظاىر‌مف‌حاؿ‌العاقؿ‌أف‌لا‌يرضى‌بذلؾ‌فيصير‌ذلؾ‌سب بان‌لاجتنابو‌ عف‌المعاصي‌بالكمية ،‌فيذا‌ىك‌الحكمة‌في‌تخصيص‌بعض‌الأكقات‌كبعض ‌البقاع‌ بمزيد‌التعظيـ‌كالاحتراـ ).(1)‌كلكننا‌في‌الختاـ‌نقكؿ:‌لمبارئ‌تعالى‌أف‌يفعؿ‌ما‌يشاء،‌ كيخص‌بالفضيمة‌ما‌يشاء،‌ليس‌لعممو‌عمة‌كلا‌عميو‌حجر،‌بؿ‌يفعؿ‌ما‌يريد‌بحكمتو،‌ كقد‌تظير‌فيو‌الحكمة‌كقد‌تخفى.(2)‌ 1.1.1 عدم احترام العيود والمواثيق والأنظمة، وقطع ر وابط القرابة والجوار والصحبة: مف‌المشكؿ‌ف ي‌التعامؿ‌مع‌أىؿ‌مجتمعؾ‌كأقاربؾ ؛‌أف‌لا‌يراعكا‌كيحترمكا‌ الحقكؽ‌كالأنظمة‌كالعيكد ،‌كلا‌حتى‌ الر‌ كابط‌المألكفة‌بيف‌الناس‌ك القرابة‌التي‌تيعد‌كاحدة‌ مف‌أقكل‌الركابط‌ بينيـ،‌كقد‌نكٌه‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالى‌في‌سكرة‌التكبة‌عمى‌سمكؾ‌أعداء‌ ا﵀‌في‌ذلؾ‌‌حيث‌يقكؿ:‌‌‌‌ قاؿ‌تعالى:‌﴿ كىيٍؼى‌كىا ًفٍ‌يىظٍيىريكا‌عىمىيٍكيـٍ‌لا‌يىرٍقيبيكا‌فًيكيـٍ‌إًلا‌كىلا‌ذًمَّةن‌ييرٍضيكنىكيـٍ‌ ‌ بًأىفٍكىاىًيًـٍ‌كىتىأٍبىى‌قيميكبي‌ ييـٍ‌كىأىكٍثىريىيـٍ‌فىاسًقيكفى‌ *‌اشٍتىرىكٍا‌بًآيىاتً‌المَّوً‌ثىمىننا‌قىمًيلب‌فىصىدُّكا‌عىفٍ‌سىبًيمًوً‌ إًنَّييـٍ‌‌سىاءى‌مىا‌كىانيكا‌يىعٍمىميكفى* لا‌يىرٍقيبيكفى‌فًي‌ميؤٍمًفو‌إًلا‌كىلا‌ذًمَّةن‌كىأي‌ كلىئًؾى‌ىيـي‌ الٍميعٍتىديكفى﴾ لتكبة:‌8/9/10].‌كمعنى‌﴿يىظٍيىريكا﴾ :‌يقدركا‌كيظفركا،‌ك﴿لا‌يىرٍقيبيكا﴾ :‌أم‌ لا‌يحفظكا ،‌أك‌لا‌يخافكا،‌كقيؿ :‌لا‌يراعكا (3)،‌أم‌إف‌﴿يىظٍيىريكا﴾ ‌أم‌يتمكنكا‌منكـ ،‌كىـ‌ إف‌تمكنكا‌مف‌المؤم نيف‌لا‌يرقبكف‌فييـ‌إلا‌ٌكلا‌ذمة ؛‌كىذا‌إخبار‌مف‌ا﵀‌سبحانو‌كتعالى‌ عمٌا‌في‌نفكس‌ى ؤلاء‌الكفار‌مف‌حقد‌ع مى‌المؤمنيف،‌كيرقبكف:‌غير‌ينظركف،‌كغير‌ (1)‌‌‌الرازم،‌مفاتيح‌الغيب ،‌ج15‌،‌ص54‌.‌ (2)‌‌‌انظر:‌القرطبي،‌الجامع‌لأحكاـ‌القرآف،‌ج 7،‌ص136‌.‌ (3)‌‌‌ابف‌الجكزم ،‌‌زاد‌المسير ،‌ج‌3،273‌.‌

عدد الصفحات ٢٠٧

196 يبصركف،‌كغير‌يرمقكف ،‌مع‌أنيا‌كميا‌تؤدم‌معنى‌الرؤية‌بالعيف،‌كلكف‌يرقب‌تعني‌ يتأمؿ‌كيتفحص‌باىتماـ‌حتى‌لا‌تفكتو‌حركة .(1)‌ كمعنى﴿إًلأى‌كىلاى‌ذًمَّةن﴾‌كفي‌الإؿٌ‌تأكيلبت ،‌أحدىا:‌أنو‌العيد،‌كالثاني :‌أنو‌اسـ‌ ا﵀‌تعالى ،‌كيككف‌معناه‌لا‌يرقبكف‌ ا﵀‌فيكـ،‌كالثالث:‌أنو‌الحمؼ،‌كالرابع :‌أف‌الإؿ‌ اليميف،‌كالذمة‌العيد،‌كالخامس:‌أنو‌الجكار،‌كالسادس:‌أنو‌القرابة ،‌كالسابع:‌أف‌الإؿ‌ العيد‌كالعقد‌كالميثاؽ‌كاليميف،‌كأف‌الذمة‌في‌ىذا‌ المكضع‌التذمـ‌ممف‌لا‌عيد‌لو،‌﴿كىلاى‌ ذًمَّ‌ةن﴾‌فييا‌أكجو ،‌أحدىا‌:‌الجكار،‌الثاني :‌أنو ‌التذمـ‌ممف‌لا‌عيد‌لو،‌كالثالث:‌أنو‌ العيد،‌كقيؿ‌الأماف(2)‌كيطمؽ‌الإؿٌأيضان‌عمى‌النسب‌كالقرابة ؛‌كقد‌كانت‌بيف‌المشر‌ كيف‌ كبيف‌المسمميف‌أنساب‌كقرابات ،‌فيصحٌ‌أف ‌يراد‌ىنا‌كلب‌معنييو ،‌كالذمٌة‌ما‌يمتٌ‌بو‌مف‌ الأكاصر‌مف‌صحبة ‌كخمة‌كجكار‌ممٌا‌يجب‌في‌المركءة‌أف‌يحفظ‌كيحمى،‌يقاؿ‌:‌في‌ ذمٌتي‌كذا،‌أم‌ألتزـ‌بو‌كأحفظو (3)،كما‌تدؿ‌﴿إًلاِّ‌كىلاى‌ذًمَّةن﴾‌عمى‌أنيـ‌لا‌يراعكف‌حمفان‌ أك‌حقان‌ييعاب‌عمى‌إغفالو‌مع‌ما‌سبؽ‌ليـ‌مف‌تأكيد‌الأىيماف‌كالمكاثيؽً‌(4)؛‌كميما‌كاف‌ معنى‌الإؿ‌كالذمة ،‌فيي‌دالة‌عمى‌فسؽ‌كاعتداء‌أعداء‌ا﵀‌عمى‌حقكؽ‌كأىؿ‌مجتمعيـ ؛‌ بؿ‌كعمى‌سكء‌التربية‌كالسمكؾ‌عندىـ ؛‌كعمى‌حقدىـ‌ككرىيـ‌للئسلبـ‌كأىمو،‌كييدخمكف‌ المسمميف‌أزمات‌في‌مع رفة‌سرائرىـ‌ككيفية‌التعامؿ‌معيـ ،‌فيـ ‌(لا‌يحفظكا‌كلا‌يرعكا‌ عيدان‌أك‌قرابة‌أك‌حمفان‌أك‌سياسة‌أك‌ا﵀‌تعالى،‌أك‌جؤاران‌أم:‌رفع‌صكت‌بالتضرع‌،‌كلا‌ يرقبك‌ ف‌فيكـ‌سياسة‌كلا‌مداراة‌كلا‌ذمة ،‌يرضكنكـ‌بأفكاىيـ‌في‌العدة‌بالإيماف،‌كتأبى‌ قمكبيـ‌إلا‌ الكفر،‌كقيؿ:‌يرضكنكـ‌في‌الطاعة ،‌كتأبى‌قمكبيـ‌إلا‌المعصية،‌كالظاىر‌ بقاء‌الأكثر‌عمى‌حقيقتو‌فقيؿ:‌كأكثرىـ ،‌لأف‌منيـ‌مف‌قضى‌ا﵀‌لو‌بالإ يماف،‌كقيؿ:‌ لأف‌منيـ‌مف‌لو‌حفظ‌لمراعاة‌الحاؿ‌ الحسنة‌مف‌التعفؼ‌عما‌يثمـ‌العرض ،‌كيجر‌ أحدكثة‌السكء،‌كأكثرىـ‌خبثان‌ الأنفس‌خريجكف‌في‌الشر‌لا‌مركءة‌تردعيـ،‌كلا‌طباع‌ (1)‌‌انظرالشعراك‌ م،‌تفسير‌الشعراكم،‌ج 8،‌ص4901‌.‌ (2)‌‌انظر‌الماكردم،‌النكت‌كالعيكف،‌ج‌ 2،‌ص343،‌كانظر:‌ابف‌الجكزم،‌زاد‌المسير، ج3،‌ص273‌–‌274‌.‌ (3)‌‌‌انظر:‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج‌ 10،‌ص124‌.‌ (4)‌‌‌أبك‌السعكد،‌‌إرشاد‌العقؿ السميـ‌إلى‌مزايا‌القرآف‌الكريـ،‌ج‌ 3،‌ص46‌.‌

عدد الصفحات ٢٠٨

197 مرضية‌تزعيـ "‌تكفيـ "،‌لا‌ي حترزكف‌عف‌كذب‌كلا‌مكر‌كلا‌خديعة ،‌كمف‌كاف‌بيذا‌ الكصؼ‌كاف‌مذمكمان‌عند‌الناس‌كفي‌جميع‌الأدياف؛‌ألا‌ترل‌إلى‌أىؿ‌الجاىمية‌كىـ‌ كفار‌كيؼ‌يمدحكف‌أنفسيـ‌بالعفاؼ‌كبالصدؽ‌كبالكفاء‌بالعيد‌كبالأخلبؽ‌الحسنة ((1 كقكلو‌تعالى:‌﴿ ييرٍضيكنىكيـ‌بأفكاىيـ‌كتأبى‌ قيميكبيييـٍ﴾‌( أم‌يقك‌ لكف‌بألسنتيـ‌كلبمان‌حمكان‌ طيبان،‌كالذم‌في‌قمكبيـ‌بخلبؼ‌ذلؾ ،‌فإنيـ‌لا‌ي ضمركف‌ إلا‌الشر‌كالإيذاء‌إف‌قدركا‌ عميو(2)،كجممة ‌﴿كىأىكٍثىريىيـٍ‌فىاسًقيكفى﴾ ‌مقصكد‌ منيا‌ الذـٌ،‌كذلؾ‌بالخركج‌عف‌مييع‌ المركءة‌كالرُّجمة ،‌إذ‌نجد‌أكثرىـ‌خالعيف‌زم اـ‌الحياة ،‌فجمعكا‌ المذمة‌الدينية‌كالمذمٌة‌ العرفية ؛‌فالفسؽ‌ىنا‌الخركج‌عف‌الكماؿ‌العرفي‌بيف‌الناس ،‌كليس‌المراد‌الخركج‌عف‌ مييع‌الديف‌لأفٌ‌ذلؾ‌كصؼ‌لجميعيـ‌لا‌لأكثرىـ ،‌كلأنٌو‌قد‌عرؼ‌مف‌كصفيـ‌بالكفر(3)، كفي‌ىذه‌الآيات‌ما‌فيو‌دلالة‌عمى‌اشتراؾ‌المشركيف‌كالييكد‌بالنفاؽ ‌كسيء‌الأخلبؽ‌ كذلؾ‌في‌إعادة‌قكلو‌تعالى:‌﴿لاى‌يىرٍقيبيكفى‌فًى ‌ميؤٍمًفو‌إًلاِّ‌كىلاى‌ذًمَّةن﴾ كبة:‌10]،(كليس‌ ىذا‌تكريران،‌كلكف‌الأكٌؿ:‌لجميع‌المشركيف،‌كالثاني:‌لمييكد‌خاصة،‌كالدليؿ‌عمى‌ىذا‌ ‌ ﴿اشٍتىرىكٍا‌بًآيىاتً‌المَّوً‌ثىمىننا‌قىمًيلب ﴾[9]،يعني:‌الييكد )(4)‌(لأنو‌لا‌يبعد‌أف‌تككف طائفة‌مف‌الييكد‌أعانكا‌المشركيف‌عمى‌نقض‌تمؾ‌العيكد ،‌فكاف‌المرا د‌مف‌ىذه‌الآية‌ ذـ‌أكلئؾ‌الييكد‌كىذا‌المفظ‌في‌القرآف‌كالأمر‌المختص‌بالييكد‌كيقكل‌ىذا‌ال كجو‌أف‌ا﵀‌ تعالى‌أعاد‌قكلو:‌﴿لاى‌يىرٍقيبيكفى‌فًى‌ ميؤٍمًفو‌إًلاِّ‌كىلاى‌ذًمَّةن﴾ 10] المشركيف‌لكاف‌ىذا‌تكراران‌محضان،‌كلك‌كاف‌المراد‌منو‌الييكد ‌لـ‌يكف‌ىذا‌تكراران‌،‌فكاف‌ ذلؾ‌أكلى)(5)؛كقيؿ‌أنو‌في‌الآية‌الأكلى‌يبيف‌الحؽ‌أنيـ‌إف‌تمكنكا‌مف‌المؤمنيف‌فمف‌ يراعكا‌فييـ‌قرا بة‌كلا‌جكاران‌كلا‌حمفان‌ ،‌أما‌الآية‌الثانية‌في ـ‌يظممكف‌أ نفسيـ‌كيبيعكف‌ إيمانيـ‌بثمف‌قميؿ،‌كىناؾ‌فرؽ‌بيف‌ظمـ‌الغير‌كظمـ‌النفس .(6)‌ (1)‌‌‌انظر:‌أبك‌حياف،التفسير‌المحيط،‌ج‌5،‌ص15‌-16‌.‌ (2)‌‌الرازم‌،‌مفاتيح‌الغيب،‌ج 15،‌ص239‌.‌ (3)‌‌‌ابف‌عاشكر،‌التحرير‌كالتنكير،‌ج‌ 10‌،‌ص124‌.‌ (4)‌‌الشككاني،‌فتح‌القدير،‌ص‌559‌.‌ (5)‌‌‌‌الرازم،‌مفاتيح‌الغيب ،‌ج‌15‌،‌ص240.‌ (6)‌‌‌انظر:‌الشعراكم،‌تفسير‌ال شعراكم ،‌ج‌8‌،‌ص4909.‌

عدد الصفحات ٢٠٩