المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحريات من القرآن الكريم حرية التفكير، والتعبير، والاعتقاد والحريات الشخصية

علي محمد الصلابي

صفحة ٨ من ١٠

113 1ـفي تفسير القرآن الكريم، فقد قامت الآراء المختلفة في تفسير كثير من آياته وكلماته. 2ـ في الحديث الشريف، فقد نشأت بعد جمعه علوم كثيرة فيها آراء متعددة. 3ـفي تشريع الأحكام، فقد تعددت المذاهب الاجتهادية تعدداً جعل من الفقه الإسلامي ثروة تشريعية لا مثيل لها في أمة من الأمم في القديم والحديث. 4ـفي علم العقائد، فقد نشأت المذاهب المتعددة في أصول العقائد. 5ـفي التاريخ، فقد اتبع كل مؤرخ ما صح عنده من الأخبار وما صح لديه من تفسيرها. 6ـفي الآداب من نحو وصرف، وشعر ونثر، ولغة وقوافي، فقد تعددت الآراء في كثير من أبحاثها، وحسبنا مدرسة البصرة، ومدرسة الكوفة في النحو والآراء في نقد الشعراء والكتاب وتفضيل بعضهم على بعض. 7ـفي الفلسفة ما بين حفيّ بها مدافع عنها، وما بين مهاجم لها، معرض عنها، والمعنيون بها ما بين منحاز إلى رأي فيلسوف يدافع عنه، وما بين منحاز إلى فيلسوف آخر يتعصب له، وما بين مستقل يبدى رأيه بحرية. 8ـفي الطب والعلوم الطبيعية، إذ كانت التجربة هي الأساس الذي قام عليه علم الكيمياء عند المسلمين. 9ـفي الفلك والأجرام السماوية، إذ قامت المراصد في عواصم الإسلام الكبرى لتتبع حركات النجوم وأحوالها. 10ـفي الأخلاق وعلم النفس، إذ قامت الدراسات التي تدور حول طبائع النفس الإنسانية وخصائصها. 11ـفي التصوف، حيث نشأت المذاهب المتعددة في السلوك والعبادة ولكل شيخ فيها مريدون يأخذو ن بطريقته وهذه النهضة العلمية في مختلف الميادين وتعدد مدارسها الفكرية، دليل على الحرية العلمية التي عاشت في ظل الإسلام وخاصة في عصور حضارته الزاهرة1. ولم يقع اضطهاد لبعض العلماء لآرائهم التي تخالف الجمهور إلا في حالات نادرة وفي العصور المتأخرة، كما وقع لابن حزم في الأندلس، وابن تيمية في دمشق، ولم يكن ذلك ليقع لولا أن العقل الإسلامي كان قد بدأ يبتعد عن الحرية العلمية التي أرسى أساسها الإسلام2. إن الدين الإسلامي متقدم إلى حد بعيد في إعطاء العلم مكانة لا تكاد تساويها مكانه أخرى، وهو الأمر الذي استدعى أن يبذل الإنسان المسلم كل جهد ممكن للتقدم في مجال العلم وكانت الحريات المرتبطة بالعلم في الإسلام حرية تقترن بإختيار نوع 1 التكافل الاجتماعي في الإسلامي صـ91. 2 المصدر نفسه صـ92.

عدد الصفحات ١١٣

114 العلم من جهة، وباختيار طريقة التعليم من جهة ثانية، وباختيار كل الوسائل التجريبية والعمل التجريبي من جهة ثالثة، فالإسلام لم يقيد ولم يحدد، ما دام العلم في الطريق إلى البناء والأعمار ونرى أن حرية العلم والتعلم في الإسلام، ما كانت تعني جانباً دون جانب أو طرفاً دون طرف، فالحرية في هذا المجال أوسع من أن تحد، وأشمل من أن تحضر، وللمسلم أن يتعلم كما يريد، وكما يرغب ما دام يعمل على بناء مجتمعه الإسلامي وإفادة الإنسانية، ويجب أن تتوافر له كل الإمكانيات التي تساعده على نيل ما يريد من علم، وأن ينال التي تساعده على نيل ما يريد من علم، وأن ينال التشجيع والرعاية بشكل متواصل1. إن من خصائص الإسلام الأولى: احترام العقل والعلم، بل الحث على العلم والدعوة إليه2. وإن الناظر إلى آيات القرآن الكريم بإمعان سيجد في ثنايا آياته دعوة صريحة إلى إعمال الفكر، والاستفادة من النظر، وشحذ العقول بما يدور حولها في الكون والوصول من خلال ذلك كله إلى خالق الكون، قال تعالى في كتابه الكريم:" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهََّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَات مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَْنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهََّ مِنْ عِبَ ادِهِ الْعُلَمَاء " (فطر، آية: 27 ـ28.) فهاتان الآيتان ذكرتا عديداً من العلوم التي دعا إليها العلم الحديث مثل علوم طبقات الجو، والنبات، والجيولوجيا، والحيوان، وهذه هي العلوم التجريبية التي يبحث فيها العلم الحديث، وإن الناظر إلى صدر الآية الأولى سيجد في أولها دعوة إلى التأمل والبحث، ولا يتم التأمل والبحث والتحري والدقة إلا إذا وصل الإنسان إلى دقائق الأشياء، وعرف خصائصها، وسبر أغوارها من جميع الاتجاهات وتلك دعوة القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا من الزمان، فحق العلم الحديث أن يسلم تسليماً تاماً بأن كل ما جاء في كتاب الله حق وصدق وأنه لا فضل ولا فرق بين العلم والدين، وصدق الله إذ يقول في كتابه الكريم:" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآْفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ " (فصلت، آية: 53)3. رابعاً: حق الأمن والسلامة الشخصية إن السلامة الشخصية للإنسان يتسع مفهومها لتشمل كل مستلزمات حق الحياة وملحقاتها، ذلك أن الإنسان كائن أراد الله تعالى له الحياة الكاملة الآمنة المطمئنة وهي لا تتحقق إلا بتمتع هذا الإنسان بجملة من الحقوق ترجع إلى سلامته الجسدية 1 الإسلام ومفهوم الحرية صـ195. 2 حركة تحرير المرأة في ميزان الإسلام صـ148. 3 المصدر نفسه صـ148.

عدد الصفحات ١١٤

115 وإلى حفظه في كيانه البشري والإسم كما حمى حق الحياة للإنسان، فإنه أولى رعايته كذلك لسلامته الشخصية ويظهر ذلك من خلال ما يأتي: 1ـ عدم جواز القبض عليه دون مبرر وسجنه تعسفا دون إدانة ومحاكمة عادلة من القواعد العامة المقررة في الشريعة الإسلامية أن الأصل في الإنسان براءة الذمة وأن على من يدعي عكس هذا الأصل أن يثبته بصورة يقينية بطرف الإثبات المقبولة شرعاً، وقد تواردت الأدلة الشرعية على تأكيد هذا الأصل، فمن القرآن الكريم: ــ قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " (الحجرات، آية: 6.) ــوقال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ " (الحجرات، آية: 12.) ــومن السنة النبوية ما جاء في الحديث: البيئة على من ادعى واليمين على من أنكر1. وعلى ذلك فلا يجوز شرعاً لسلطات الدولة القبض على أحد أو أعتقاله تعسفاً، أي بدون مسوغ شرعي، أو لمجرد آرائه، أو لمعارضته السلطة ما دام أنه لا ينبغي من وراء ذلك إلا الاصلاح2. وقد أشار القرآن الكريم في ثنايا عرضه لقصتي سيدنا موسى وسيدنا يوسف عليهما السلام إلى أن القبض والحبس التعسفيين، هما شأن الطغاة والظالمين من الحكام، فهذا سيدنا موسى عليه السلام يرسله الله سبحانه وتعالى إلى فرعون مصر وإلى شعبها، يعرض دعوته، ويسوق الحجج الدالة على صدق رسالته ودعوته قال تعالى:" قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَْوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ *قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ " (الشعراء، آية: 23 ـ28.) وإزاء هذا الوضوح من سيدنا موسى عليه السلام في طرح الحجج والبراهين تثور ثائرة فرعون، وإذا به يغلق باب الحوار مع موسى فجأة ويظهر على حقيقته حيث هدد موسى عليه السلام بالسجن، وذلك بقوله: كما قال تعالى حكاية عنه:" لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأََجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ " (الشعراء، آية: 29.) وهدد من آمن بموسى بقوله لأَُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَف وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ " (الشعراء، آية: 49.) 1 سنن الترمذي3 /626) رقم1341. 2 أركان حقوق الإنسان صـ109 صبحي المحمصاني حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ121.

عدد الصفحات ١١٥

116 وهذا الذي صنعه فرعون هو شأن كل الطغاة في كل زمان، فإذا ما أسقط الأمر في أيديهم فإنهم سرعان ما ينكلون بمعارضيهم1. وهذا سيدنا يوسف عليه السلام تسوقه الأقدار وهو في صغره إلى العيش في بيت العزيز، ولما بلغ أشده وقع في نفس سيدة القصر، زوجة العزيز، فتراوده عن نفسه وتهدده بالسجن إذا لم يستجب لأمرها، قال تعالى:" فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ " (يوسف، آية: 32.) ولكن سيدنا يوسف وقد عصمه الله تعالى يستعصم ولم يأبه بتهديدها ووعيدها ويقول قولته التي أثبتها القرآن الكريم:" قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ " (يوسف، آية: 33.) فما كان منها إلا أن نفذت وعيدها، حيث استصدرت القرار بسجنه من أعلى سلطة في الدولة من زوجها عزيز مصر ونفذ هذا القرار الجائر مع قوة الدلائل على براءته عليه السلام فقد قال تعالى:" ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين " (يوسف، آية: 35.) وبعدأن لبث عليه السلام في السجن بضع سنين، جاء الاعتراف الصريح من زوجة العزيز ببراءته قال تعالى:" قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ " (يوسف، آية: 51.) فما كان من عزيز مصر إلا أن أمر بإطلاق سراحه وتقريبه منه وتعينيه على خزائن الأرض بعدما علم براءته، وعلمه وحكمته وقدرته على فائدة الشعب والمملكة قال تعالى:" وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ " (يوسف، آية: 54 ـ55.) 2ـ تحريم الاعتداء على المشاعر بالسب والشتم والازدراء ونحو ذلك: من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن كل فعل يؤدي إلى الحاق الضرر بالآخرين يعد محرماً في الشريعة الإسلامية، فقد قال عليه الصلاة والسلام: لا ضرر ولا ضرار2. فهذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم ويرسي قاعدة هي من أركان الشريعة، وهي أساس لمنع الفعل الضار، ومعناه: لا يجوز شرعا لأحد أن يلحق باخر ضرراً ولا ضرار اً، وقد سبق هذا المعنى بأسلوب لنف ي الجنس ليعم سائر أنواع الضرر وليكون أبلغ في التحريم3. 1 الحرية الشخصية في مصر صـ369 د.عبد الله حسن 2 سنن ابن ماجه2 /784) رقم2341. 3 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ123.

عدد الصفحات ١١٦

117 وإضافة إلى هذا الحديث والذي يعد الأساس في تحريم الضرر بشكل عام توجد نصوص أخرى من القرآن والسنة تدل على تحريم إلحاق الضرر بالغير في شرفه وعرضه كما في السّب والقذف والتحقير والامتهان في المعاملة فمن القرآن الكريم: أ ــ قوله تعالى:" وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " (النور، آية: 4.) ب ــ وقال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " (النور، آية: 23.) فهاتان الآيتان تقرران أن اتهام المرأة المحصنة بالزنا دون بينة شرعية مثبته هو جريمة، تسمى عند الفقهاء: القذف، وهي جريمة تلحق بالمقذوفة ضرراً أدبياً قد يكون أشد وأعظم في الميزان الشرعي من الأضرار المادية، لذلك استحق فاعله العقاب في الدنيا والعذاب في الآخرة1. ج ــقوله تعالى:" وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَة لُّمَزَة * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ " (الهمزة، آية: 1ـ4.) فهذه الآيات من سورة الهمزة ترسم لنا صورة مشهد من مشاهد القيامة، وهي صورة الهماز اللماز الذي يعيب الناس ويغتابهم وينال من أعراضهم، وهي تدل بمضمونها على عقوبة هذا اللون من الضرر، وهي عقوبة أخروية. س ــ ومن السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: كل مسلم على المسلم حرام، ماله وعرضه ودمه2. وقوله صلى الله عليه وسلم: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا3. وقوله صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر4. فهذه الأحاديث تدل على تحريم الاعتداء على كل ما يخص المسلم في دمه وماله وعرضه، وقد ذكر العلماء أن الخروج من الاعتداء على عرض المسلم بالسب والشتم والغيبة، يكون بالاستغفار والتوبة والاستحلال من المغتاب5. 3ـ تحريم الاعتداء علىما دون النفس بالجرح أو الضرب: إن الاعتداء على ما دون النفس بالجرح أو القطع أو إذهاب منافع الأعضاء يعد في شريعة الإسلام جناية تستوجب المعاقبة بالمثل، والأصل في ذلك قوله تعالى:" وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ " (المائدة، آية: 54.) 1 المصدر نفسه صـ123. 2 مسلم4 /1986) رقم2564. 3 البخاري رقم1739. 4 مسلم1 /81) رقم64. 5 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ124.

عدد الصفحات ١١٧

118 ــوقوله تعالى:" وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ " (النحل، آية: 126.) واذا امتنعت المعاقبة بالمثل لانتفاء بعض شرائطها، وجب على الجاني ضمان مالي يدفعه للمجني عليه، يسمى أرشا أو حكومة عدل، وذلك بحسب الجناية. فالأرش: مقدار من المال محدد شرعاً، يدفع للمجني عليه تعويضاً له عمَّا لحق به من ضرر بسبب الجناية التي وقعت عليه. وحكومة العدل هي: ما يقدره الحاكم بمعرفة الخبراء العدول من تعويض مالي عمَّ ا ليس فيه أرث مقدر شرعاً من جرائم العدوان على ما دون النفس من جرح وتعطيل وغيرها1. وأمّا الاعتداء على البدن بالضرب الذي لا يترك أثراً من إبانة طرف أو إذهاب منفعة أو شجة أو جرح فليس فيه عقوبة مقدرة عن الشارع، وحسب القواعد العامة في الشريعة الإسلامية يجب فيه التعزير ولمّا كان الضرب واقعة مادية تولد الشعور بالألم، يكون شأنه في ذلك شأن الجرح والقطع وإذهاب المنافع، فيجوز التعزير عليه بفرض تعويض مالي، على أن يكون هذا للقاضي أن يحكم بما يراه مناسباً، على أن هذا التعويض ليس لمجرد الألم وإنما هو للضرر المادي المولد للَلم كما في الأرث وحكومة العدل2. 4ـ لا حياة بدون أمن على الحياة إن الحياة الإنسانية بحاجة ماسة إلى كل ما من شأنه أن يضمن لها الكرامة والحماية والأمن العام من الاعتداء عليها بأي شكل من الأشكال؛ استجابة لمقاصد الشريعة من حقن الدماء، بمنع جميع أنواع الاعتداء على النفس البشرية بغير حق، سواء بالقتل، أو القطع، أو الضرب أو السجن أو التجويع أو الانتحار أو أي شكل من أشكال التعذيب المادي أو المعنوي، ولو صدر ذلك من الإنسان على نفسه إذ ليس لأحد أن يقتل نفسه ولا أن يفوت عضوا من أعضائه لقوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّ ذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاض مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَّ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا " (النساء، آية: 29.) ولذلك جاء الوعيد الشديد فمن قتل النفس الحرام كما في قوله سبحانه:" وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُّ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " (الأنعام، آية: 151.) ــوقوله تعالى:" وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُّ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا " (النساء، آية: 93.) ولذلك اعتبر الشارع مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا " (المائدة، آية: 32.) 1 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ125. 2 المصدر نفسه صـ125.

عدد الصفحات ١١٨

119 إذ لا حياة بدون أمن على الحياة، وهو ما تكفلت الشريعة بضمانه على أتم الوجوه من أبواب الجنايات وعقوبات القصاص والحدود والديات والكفارات والتعازير وما إلى ذلك مما هو معلوم في فقه القضاء والسياسة الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصفة عامة " وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (البقرة، آية: 179.) وكذلك صيانة الأعراض عن القذف والسب وترويج الشائعات ونشر الأكاذيب ورمي الأبرياء بغير حق، لارتباطها بحرمة النفس الإنسانية وكرامتها وكل هذا في حق الأفراد ومثله يقال عن حماية عرض الأمة وكرامتها عن الإذلال والامتهان، وكذلك تحريم شرب الخمر، لما فيه من تفويت مصلحة العقل برهة باعتباره جزءاً من النفس، فما ضنك بتفويته جملة. وبمجموع هذه التدابير القانونية العملية وغيرها، ترشد الحياة الإنسانية ويستقيم الناس على شرع الله، ويعبدونه في طمأنينة وخشوع، وقد طعموا من جوع وأمنوا على أنفسهم من خوف كما قال جل جلاله:" فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوع وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف " (قريش، آية: 3 ـ4)1. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبح آمناً في سربه معافى في جسده، عنده طعام يومه، فكأنما حيزت له الدنيا2. خامساً: حق الخصوصية يقصد بحق الخصوصية: حق الإنسان في أن تحترم الحياة الخاصة به، وأن تحفظ أسراره التي يجب ألا يطلع عليها الآخرون بغير إذنه ويتمثل ذلك في حماية حرمة المسكن وحرمة الاتصالات والمراسلات الخاصة بالإنسان. 1ـ الحق في حماية حرمة السكن يقصد بالمسكن الذي تثبت له الحرمة: بيت السكن " المنزل وتوابعه" الذي يقيم فيه الإنسان بصورة دائمة أو مؤقته، مالكا كان أو مستأجراً، وهو المكان الطبيعي الذي يأوي إليه الشخص ليقيه من حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة، وهو موضع أسراره ومستقر عائلته3. أ ـ كفالة السكن واجب على الدولة إن حاجة الإنسان إلى مسكن أمر من الأمور الأساسية في حياته وهو من نعم الله عز وجل على الإنسان. 1 مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية صـ259. 2 السنن الكبرى للبيهقي2 /89) رقم105 ك الزهد الكبير 3 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ127.

عدد الصفحات ١١٩

120 ــقال تعالى:" وَاللهُّ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ " (النحل، آية: 80.) أي أن الله سبحانه قد جعل البيوت أيا كان نوعها سكناً يف يء إليها الناس، يشعرون فيها بالراحة ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم، فتسكن نفوسهم وتطمئن لذا فقد قررت الشريعة الإسلامية حق المسكن لكل أفراد الدولة، فمنحتهم حرية بناء المساكن وتملكها والأيواء فيها والاحتماء بها، بل ألزمت الدولة مسؤولية ضمان سكن لكل المحتاجين من أفرادها1، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلكم راغ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته2، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من أمير عشيرة إلاَّ يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدل3. ومن العدل تأمين حاجات كل ضعيف في المجتمع ومنها الحاجة إلى السكن وإذا عجزت الدولة بمواردها المختلفة عن كفالة هذا الحق للمحتاجين من رعاياها فإن المسؤولية تقع على عاتق الأغنياء في المجتمع، فعليهم أن يقوموا بايفاء حاجات الفقراء والمحتاجين من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة4، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له. وقال أبو سعيد: فذكر من أضاف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لاحق لأحد منا من فضل5. ب ـ للمساكن حرمات منها  ـ عدم دخول المنزل إلا بإذن صاحبه يجب الاستئذان من صاحب المنزل قبل دخوله ـ ومن حق كل إنسان ـ في غير خالة الضرورة، كاذا عرض له أمر في داره من حريق أو هجوم سارق ـ ألا يدخل أحد في مسكنه إلا بإذنه ورضائه، لأن مسكن الشخص موضع أسراره ومستقر عائلته، فأي دخول بغير إذن يكون إعتداء على الشخص ذاته وهذا لا يجوز، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ " (النور، آية: 27 ـ28.) 1 المصدر نفسه صـ128. 2 المصدر نفسه صـ128. 3 مسند أحمد2 /431.) 4 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ128. 5 سنن أبي داود2 /129) رقم1663.

عدد الصفحات ١٢٠

121 لقد جعل الله البيوت سكناً يفيء إليها الناس فتسكن أرواحهم وتطمئن نفوسهم ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم ويلقون أعباء الحذر والحرص المرهقة للَعصاب والبيوت لا تكون كذلك إلا حين تكون حرماً آمناً لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم وفي الوقت الذي يريدون وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا عليها الناس، ذلك إلى أن استباحة حرمة البيت من الداخلين دون استئذان بجعل أعينهم تقع على عورات وتلتقى بمفاتن تثير الشهوات وتهيء الفرصة للغواية الناشئة من اللقاءات العابرة والنظرات الطائرة التي قد تتكرر فتتحول إلى نظرات قاصدة، تحركها الميول التي أيقظتها القاءات الأولى على غير قصد ولا انتظار وتحولها إلى علاقات آتمة بعد بضع خطوات أو إلى شهوات محرمة تنشأ عن العقد النفسية والانحرافات1. وقد أوجب الله بهذه الآية طلب الإذن قبل الدخول وعبر عنه بأنه الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش، لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش فإذا أذن له استأنس ولما كان الاستئناس لازما للإذن، أطلق اللازم وأريد ملزومة الذي هو الإذن2. وقد أوضح سبحانه أنه عليم بأفعال عباده وَاللهُّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ " بمعنى أنه إذا غفل القانون لنقص في البيئة أو الأثبات أو غفلت السلطة القائمة عن هذا الموضوع، فإن عبودية الفرد لله وإحساسه بمعرفة الله لكل أفعاله صغيرة وكبيرة تجعله يتقي الله ويتذكر أن هناك قوة تراقبه أكبر من البينة القانونية والسلطة العامة، فلا يغفل بالتالي عن أوامر ربه ويتحرك تلقائياً لا حترام حرمة مساكن الناس3.  ـ تحريم التجسس على مساكن الناس من حق كل إنسان ألا يتجسس عليه أحد في عقر داره ولا ينظر إليه وهو داخل بيته خلسة، ومن هنا فقد حرم الإسلام التجسس على البيوت لما فيها من انتهاك العورات وكشف السوءات، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً 4. ولقد بلغ من حرص الإسلام على حرمة المسكن أن أعطى صاحب المسكن حق الدفاع عن حرماته دفاعاً شرعياً، ولو أدى ذلك إلى فقأ عين المتلصص، فعن ابي 1 في ظلال القرآن سيد قطب صـ2507. 2 أضواء البيان، محمد الأمين الشنقيطي6 /113.) 3 مفاهيم الحق والحرية صـ216،217. 4 البخاري رقم6066.

عدد الصفحات ١٢١

122 هريرة أنه سمع رسول الله يقول: لو أن امرءاً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح1. وعن أنس بن مالك أن رجلاً اطلع من بعض حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه رسول الله بمشقص أو مشقاص، وجعل يختله ليطعنه2. هذا والتجسس على الناس والنظر إلى عوراتهم والاستماع إلى أسرارهم يحرم سواء أكان ذلك من أحد الناس تطفلاً، أو من المسؤولين، أم من جماعة من جماعات الناس خدمة لجهة من الجهات3. 1 البخاري رقم6902. 2 البخاري رقم6900. 3 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ130.

عدد الصفحات ١٢٢

123 ولهذا فإن عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" رفع عقوبة المخالف الذي كشفه بطريق التجسس، فقد روي أن عمر بن الخطاب كان يعس بالمدينة من الليل فسمع صوت رجل يتغنى، فتسور عليه، فقال: يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت في معصيته "حيث وجد عنده زق خمر" فقال: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل علي، وإن كنت عصيت الله واحدة، فقد عصيت الله في ثلاث: ــ قال تعالى:"وَلاَ تَجَسَّسُوا " وقد تجسست. ــ وقال تعالى:" وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا " وقد تسورت عليَّ. ــ وقال الله تعالى:" لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا " وقد دخلت عليَّ بغير إذن، فقال عمر: هل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم والله لا أعود فقال: أذهب فقد عفوت عنك1. إن الإسلام يشترط شرعية الوسيلة، كما يشترط نبل الغاية، وليقول لهم: إن الرجوع إلى الحق فضيلة لا تكاد تعادلها أي فضيلة أخرى2. ــ عدم الاستيلاء على منازل الغير، أو هدمه جبراً، فإذا ملك الإنسان مسكناً، فإن ملكيته له تكون مصونة شرعياً، فلا يجوز لكائن من كان أن يعتدي على هذه الملكية بالاستيلاء، أو التعريض للتلف بالهدم وغيره، إلا إذا كان ذلك من قبل الحاكم واقتضته مصلحة عامة كتوسعة طريق أو بناء مرفق عام كمسجد ونحوه3. جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين أنا مظلوم ولا أستطيع أن أتكلم، فقال له: ويلك عليك الطلاق، فقال: نعم، فقال تكلم ولا طلاق عليك، فقال: هذا، وأشار إلى عامله وكان في القوم، فقال: هذا أخذ مني حائطي أو داري، فقال له: أردد عليه، ثم قال: لولا أن أحدث في الإسلام عقوبة لم تكن لأمرت أن يغور أثر السجود من جبهتك ـ وكان بين عينيه سجدة4. ــ استخدام المسكن بالشكل المناسب لكل انسان حسب امكاناته الحق في اختيار مكان سكنه مراعيا عناصر اقتصادية وشخصية ووظيفة يعود له وحده أن يقدرها وله الحق أيضاً في استعمال مسكنه بالشكل الذي يراه مناسبا على أن يكون ذلك محكوماً بالقواعد والضوابط ال شرعية التي تقتضي أنه لا ضرر ولا ضرار، فإذا كان مستأجراً عليه أن يراعي شروط العقد، وإذا كان مالكاً لطبقه في بناء فعليه أن يتقدم بالقانون الذي ينظم الملكية المشتركة، وعلى الإنسان في كل الأحوال ـ مالكاً كان أو مستأجراً ـ التقيد بالأنظمة المتعلقة بالصحة العامة والراحة العامة بحيث لا يقلق جيرانه. 1 المصدر نفسه صـ131. 2 الحرية الشخصية في مصر صـ390. 3 حقوق الإنسان، عبد الوهاب الشيشاني صـ395. 4 الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز1 /216.)

عدد الصفحات ١٢٣

124 وإذا كان مرتفقاً فعليه ألا يتسبب في إيذاء أصحاب المساكن والأملاك، وإلا فإنه يمنع من ممارسة حق الارتفاق، إذا أدت ممارسته لهاذا الحق إلى الإضرار بحقوق الآخرين في حفظ مساكنهم ودورهم1. 2ـ الحق في حماية الاتصالات والمراسلات من الأمور الخاصة بالانسان؛ المراسلات البريدية وكافة الاتصالات البرقية والهاتفية، فهي ترجمة مادية لأفكاره وممكن أسراره، ومن ثم فلا يجوز تغير مصدرها ومن توجهت إليه الاطلاع عليها، أو مصادتها أو إخفاءها أو سماعها بطريق التنصت بأي وسيلة من الوسائل وسواء كان ذلك بحاسة السمع أم تسجيلا لمحادثات تدور في أماكن خاصة، أم مراقبات لمحادثات هاتفية أو لرسائل برقية، أم تصويراً بجميع الأجهزة التقنية الحديثة، ذلك أن كل هذه الوسائل تشكل مساسا بحق الإنسان في خصوصياته واعتداء على حق ملكية ما تضمنته تلك المراسلات والاتصالات2. هذا ومع أنه لم تكن في صدر الإسلام اتصالات هاتفية ولا برقية ولا أجهزة تصنت ولا تجسس، إلا أن مستعمل هذه المخترعات في هذه الأيام يأخذ حكم الإنسان الذي يسترق السمع ويتجسس على غيره، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهََّ إِنَّ اللهََّ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " (الحجرات، آية: 12.) فهذه اية الكريمة تعد دستوراً سماويا لحفظ الأسرار بما تضمنته من النهي عن الظن والتجسس والغيبة، أمّا النهي عن سوء الظن، فلَن حرمة الحياة الخاصة عدوها اللدود هو سوء الظن الذي يعقبه غالبا التجسس المحرم شرعا، فالتجسس قد يكون فعلاً مبتدءاً الكشف العورات، وقد يكون الد افع إليه هو الظن، وقد نهت الآية عنه بصيغة مطلقة دون اعتداد بالوسيلة أو التفات إلى القصد والغاية، فتشمل النوعين. ثم إن سوء الظن بالناس وأخذهم به هو الذي يفسد حياتهم السياسية والاجتماعية، ولا تزال شجرة سوء الظن الخبيثة تصيب الأبرياء بأشواكها وخبثها حتى تدفع بأصحابها إلى تعقب الأبرياء وانتهاك حرماتهم الخاصة بالتجسس عليهم3. وأما السنة النبوية فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، 1 حقوق انسان وحرياته الأساسية صـ129. 2 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ131. 3 المصدر الرئيسي

عدد الصفحات ١٢٤

125 ولا تتبعوا عورتهم، فإن من تتبععوراتهم يتبع عورته، ومن يتبع عورته يفضحه في بيته1. 3ـ الاستثناءات الواردة على حق الخصوصية إن الحقوق والحريات العامة في الشريعة الإسلامية ـ وكما عرفنا سابقا ـ ليست مطلقة، هذا فضلاً عن أنها نسبية، يختلف مداها ومفهومها من عصر إلى عصر، ومن هنا فقد وردت على حق الخصوصية بعض الاستثناءات التي تقتضيها صيانة حقوق المجتمع، إعمالا لمبدأ "الضرورات تبيح المحظورات"، ومبدأ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب2، ومن هذه الاستثناءات أ ـ دخول المساكن من غير استئذان بهدف إزالة منكر ظاهر محقق الوقوع، ذلك أن ارتكاب المنكر من أهل البيوت وتظاهرهم به مدعاة لإزالة حرمة بيوتهم إن توفر شرطان. الأول: أن يثبت كون المنكر محقق الوقوع بقول الثقاة العدول، أي بالبينة الشرعية، أو القرينة الجازمة. الثاني: أن ينجم عن المنكر انتهاك حرمة أو مفسدة يفوت استدراكها بحصول الإذن، نحو جريمة سرقة أو زنى ونحو ذلك. فدخول المساكن بدون إذن أمر محضور، لكن الخوف من فوات ما يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات يعد ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات ثم إن تغيير المنكر الظاهر أمر واجب، فإذا كان إنكاره لا يتم إلا بالدخول فيجب لأن ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب. ب ـ دخول المساكن بهدف الحصول على أدلة جريمة وقعت ويفوت تحصيلها بالاستئذان، ذلك أن إقامة الحدود وتطهير المجتمع من جرائمها أمر واجب والحدود لا تقام إلا بثبوت جرائمها، وإذا توقف ذلك الاثبات على دخول المنازل، فيجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ج ـ مصادرة الرسائل التي من شأنها تهديد أمن المجتمع، كما إذا أرسلها جاسوس منافق إلى الكفار للإضرار بالمسلمين3، ومثل ذلك التنصت على المكالمات الهاتفية إن كان هناك خطر يقيني يستوجب ذلك4. وقد ورد من سيرة النبي صلى الله علليه وسلم ما يرشد إلى مثل هذا الاستثناء فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخبره الوحي بما فعله حاطب بن أبي بلتعة الذي أعطى رسالة إلى امرأة مسافرة لتوصلها إلى أهل مكة يخبرهم فيها 1 سنن أبي داود رقم4880. 2 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ133. 3 الحرية الشخصية في مصر صـ402،403.. 4 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ135.

عدد الصفحات ١٢٥

126 ببعض أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، أرسل عليا والزبير والمقداد بن الأسود قائلاً لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها، قال علي: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت ما معي من كتاب، فقلنا لتُخرجنَّ الكتاب أ و لنلقينَّ الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله1، فمن هذا الأثر يظهر أن مراقبة الرسائل لا بد أن يكون لها سبب يقيني، وليس مجرد ظن، آية ذلك أن الأمر باقتفاء أثر المرأة وأخذ الرسالة منها كان سببه الوحي الالهي، وهو أمر يقيني. هذا ومنعاً للتعسف والاستبداد في ممارسة هذه الاستثناءات، فإن الواجب على الدولة أن تقوم بصياغة المواد القانونية سواء الجزائية منها والحقوقية التي تحقق التوازن بين حق الشخص في الخصوصية، وصيانة الأسرار، وحق الدولة في تغيير المنكر وتتبع الجرائم وتحقيق أمن المجتمع وسلامته وذلك على ضوء النصوص والقواعد الشرعية العامة في هذا المجال2. سادساً: حرية التنقل يقصد بحرية التنقل: إمكانية تغيير الفرد لمكانه وفقاً لمشيئته والذهاب والمجيء داخل بلده حيث شاء والخروج منه والعودة إليه دون أن تحده عوائق، وذلك لقضاء ما يحتاجه في حياته الخاصة والعامة، وقد أسماها بعض المعاصرين بحرية الحركة، أو حرية الذهاب والإياب بينما أطلق عليها آخرون اسم "حرية الغدو والرواح"3. وهي من الحريات الأساسية للإنسان ذلك أن الإنسان كائن متحرك بطبيعته ميزه ا بالعقل واستخلفه في الأرض التي ذللها له وأمره أن يمشي في مناكبها، ويأكل من رزقه الذي بسطه له فيها، ومن ثم كانت الحركة أو التنقل قوام الحياة ومن ضروراتها كضرورة الماء والهواء لأن الحركة وسيلة للعمل، والعمل وسيلة للكسب، والكسب وسيلة الحياة، هذا فضلاً على أن في الحركة والتنقل حماية لصحة الإنسا ن الجسدية والنفسية على حد سواء4. والإسلام حث على التنقل لغايات نبيلة كثيرة منها 1ـ السفر للعلم والعبادة كالجهاد والحج ــ قال تعالى:" فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ " (التوبة، آية: 122.) ــوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة 5. 1 البخاري رقم3007. 2 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ135. 3 حقوق الإنسان، للشيشاني صـ379. 4 الحرية الشخصية في مصر عبد الله حسين صـ405. 5 صحيح الألباني سنن ابن ماجه1 /43.)

عدد الصفحات ١٢٦

127 ــوأما السفر لأداء فريضة الحج، قال تعالى:" وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق " (الحج، آية: 27.) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى1. ــوأما الجهاد في سبيل الله، قال تعالى:" انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ " (التوبة، آية: 41.) وهذا خطاب للمؤمنين وعقب ذلك أنزل الله تعالى في شأن المنافقين قوله لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِّ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللهُّ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " (التوبة، آية: 42) أي لو كان ما دعوتهم إليه من الخروج في سبيل اسفراً وسطاً ومتاعاً من الدنيا سهل المأخذ لاتبعوك وخرجوا معك طلباً للغنيمة 2. 2ـ السعي في الأرض من أجل الرزقبالطرق الشرعية من تجارة وغيرها، قال تعالى :" هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَْرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " (الملك، آية: 15.) 3ـ النظر في ملكوت اوالبحث في الكون عن كل ما يوصل إلى عظمة الله تعالى ويؤدي إلى زيادة الإيمان والشكر لله قال تعالى قُلْ سِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ " (العنكبوت، آية: 20.) 4ـ السياحة في الأرض والنظر في آثار الأمم الخالية: قال تعالى:" أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً " (الروم، آية: 9.) 5ـ التنقل والسفرفي طلب أي مباح مما أحله الله له وندب إليه كالسفر في طلب الدواء والترويح عن النفس. 6ـ السفر يقصد زيارة الإخوان في ا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه3.  ـ القيود الواردة على حرية التنقل "التنقل المحظور 1 مسلم2 /1014) رقم1397. 2 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ140. 3 مسلم، ك البر والصلة، باب فضل الحب في ا4 /1988) حقوق الإنسان في الإسلام رواية بنت أحمد صـ304.

عدد الصفحات ١٢٧

128 وبالنسبة إلى تقييد حرية التنقل تحقيقاً لمنفعة أو دفعاً لمفسدة، فإن ذلك يكون في عدة حالات منها: 1ـأن يترتب على السفر تفويت مصلحة عامة للجماعة، وهذه المصلحة غالبة على المفسدة المترتبة على وضع القيد على حرية التنقل، كفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في منفعه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار من الخروج والسفر من المدينة إلا لحاجة ماسة وباذن منه، وذلك حرصاً على المصلحة العامة للمسلمين والتي تتحقق بوجود مثل هؤلاء الصحابة في المدينة ومشورتهم لعمر في نظر مصالح المسلمين، وقد كان عمر بن الخطاب في تصرفه هذا بعيد النظر، إذ تسبب في قلة الخلاف في الأحكام، بل والقضاء عليه في كثير من الأحيان، فتيسر حصول الاجماع في عصره1. 2ـالمحافظة على المصلحة العامة، كما لو ترتب على السفر انتقال وباء أو مرض يفتك بحياة الناس، ودليل ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال شأن مرض الطاعون: إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها2. والغالب أن يكون تقييد السفر في هذه الحالة مؤقتاً بزمن ومحدداً بمكان معين، وهو ما عليه العمل في الدول المعاصرة، علماً بأن الدولة الإسلامية قد عملت به من قبل، فهذا عمر بن الخطاب في طاعون عمواس الذي انتشر في بلاد الشام، وقد أودى بحياة خلق كثير يرجع وهو متوجه إلى الشام هو ومن معه من الطريق، ويمنع الزمن إليها زمن الوباء3. 3ـ المحافظة على الأعراضإن المحافظة على الأعراض من الضرورات الخمس التي عمل الإسلام على تحقيقها وله في ذلك وسائل متعددة من بينها: وضع بعض القيود على حرية المرأة في التنقل تكريماً لها وحماية لعرضها 4، فقد روى البخاري ومسلم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم5. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة6. 1 حقوق الإنسان للشيشاني صـ383. 2 البخاري رقم5728. 3 حقوق الإنسان للشيشاني صـ383. 4 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ143. 5 البخاري رقم1088. 6 البخاريرقم 1088.

عدد الصفحات ١٢٨