97 وعرض الحق ليثوب الناس إليه، وإذا كان كشف الشبهات ودحض الشكوك هو مهمة العلماء، فإن إيقاع القضاء بالعقوبة هو وظيفةالمحاكم بعد ثبوت التهمة أمامها1. 7ـ المكلف بعقاب المرتد إن النظام القانوني الإسلامي ـ في شأن الردة ـ لا تثبت التهمة فيه إلا بعد أن تقرر العلماء أن المرتد قد استتيب وكشفت شبهاته، ولم يضئ إلى الحق، فكأن الاستتابة وكشف الشبهة شرط لرفع الدعوى الجنائية لا تقبل دونها، ويقوم بها المختصون من العلماء في العصر الذي تتم الردة فيه، ولا يرفع القضاء إلا من أبى الرجوع إلى الحق بعد ما تبين له2. إن المبدأ المتفق عليه في نظام كل دولة، في الشريعة والقوانين الوضعية: أن الدولة ممثلة بالقضاء الحر النزيه العادل: هي المكلَّفة بتطبيق العقوبات على الجرائم الواقعة في إقليم الدولة، وليس للَفراد أن يقوموا بهذا الواجب، فإن سلطة العقاب للدولة وإذا قام أحد الأفراد بمعاقبة جان، من غير استئذان السلطة العامة، فقد أساء وافتأت على السلطة، أي تجاوز حدود اختصاصه واستحق العقاب. وهذا المبدأ الواضح والصريح أعلنه فقهاء الإسلام قديماً، والتزمه الحكام منهجاً عاماً في نظام الدولة الإسلامية، منعاً من الغوص والوقوع في الفتنة، وحفاظاً على مبدأ العدالة، والتثبت من وقوع الجريمة، دون تسرع في الاتهام أو تجاوز لأصول الإثبات للواقعة بالبينة أو الشهادة أو الإقرار أو القرينة القاطعة ونحوها3. لكن القوانين الوضعية القائمة على مبدأ العلمانية لا تعاقب على تغيير الدين، عملاً بمبدأ حرية التديِّن على إطلاقه، لكنها تعاقب كالشريعة على من يرتكب جرماً فيه مساس بالمذهب الشيوعي، والمناداة بالديمقراطية، والدول الديمقراطية تجعل الدعوة إلى الشيوعية جريمة، وهذا يدل على أن الخروج على المذهب الذي يقوم عليه النظام الاجتماعي المقرر في الدستور والمحمي بالقانون جريمة، كالخروج على الدين الإسلامي الذي يقوم عليه نظام الجماعة في الشريعة الإسلامية، والخلاف بين 1 في أصول النظام الجنائي الإسلامي صـ225. 2 المصدر نفسه صـ225. 3 حق الحرية في العالم د.وهبة الزحيلي.
عدد الصفحات ٩٧98 الشريعة والقانون في هذه المسألة خلاف في تطبيق المبدأ، وليس خفاً على المبدأ ذاته، لكن المنظار يختلف، فالشريعة تجعل الإسلام أساس النظام الاجتماعي، فتعاقب على الردة، لتحمي النظام الاجتماعي والقانون الوضعي لا يجعل الدين أساسه للنظام الاجتماعي وإنما يجعل أساسه أحد المذاهب الاجتماعية1. إن سبب قتل المرتد في الشريعة: هو تغيير الدين المصحوب بالحرابة، كما نص الحديث، والحرابة جريمة كبرى في تقدير الإسلام من جرائم أمن الدولة، والإخلال بالنظام العام، فكان من حق ولي الأمر المسلم، بل من واجبه حماية النظام الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية، فإذا ارتد الإنسان دون حرابة ولا إعلان، ولا تحدِّ لمشاعر الجماعة الإسلامية، ولا مساس بالإسلام مجاهرة في فكره وعقيدته ومنهجه وسياسته، فلا يقتل، وهذا إقرار لمبدأ الحرية الدينية ويترك أمر عقابه الله تعالى في الآخرة ولكن إذا انضم المرتد للمحاربين الأعداء، بأن لحق بدار الحرب، أصبح حكمه حكم الحربيين، وجاز للدولة والأفراد قتله، وأخذ ماله، لأنه صار عدواً خطراً على المسلمين عادة مستتبعة فتح ثغرات أخرى2. أ ـ وهل طبَّق النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة الردة؟ الواقع أن حالات الارتداد في العهد النبوي كانت قليلة، ومع ذلك نجد أن تلاعب اليهود بالدخول في الإسلام أول النهار، ثم الخروج آخر النهار، لم ينفذ فيهم القتل، ولكن نزلت الآية:"وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " ( ال عمران، آية: 72.) ولم تذكر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قتلهم؛ لأنه بالقرائن أو بإخبار الوحي، علم بظاهرة التلاعب هذه، فلم يستقر الإسلام في قلوبهم، حتى إذا رجعوا إلى دينهم، فلم يقتلوا3. ب ـ الخلاصة 1 المصدر نفسه صـ156. 2 المصدر السابق صـ156. 3 المصدر السابق صـ159.
عدد الصفحات ٩٨99 عقوبة المرتد مقصورة على المسلمين، ولا تتناول غير المسلمين فتبقى لهم الحرية الدينية كاملة لا تمسّ، وأما المسلمون فقد التزموا بنظام الأمة أو المجتمع الإسلامي، فإذا ارتد الواحد منهم معناه أنه أضمر العداوة للنظام الإسلامي وحاول التشكيك بالإسلام نفسه، أو الاستهزاء بنظامه أو التلاعب بقضاياه الأساسية ومصادمة نظام الحق والعدل والفضيلة فيه، والإساة لمفهوم الحرية، وإعلان الفساد في الأرض، فيكون عقابه في حال المجاهرة والتحدي والمحاربة حسما لظاهرة الفساد واستئصالا لمادة الفتنة والشر، وهذا المعنى يتفق مع الأنظمة الدستوري ة الاشتراكية والديمقراطية والقانونية في العالم حيث يكون المساس بنظام الدولة خيانة عظمى تستوجب العقاب، ولم يجرؤ أحد أن يقول: يعدّ هذا مساساً بالحرية الدينية، فإن حرية الاعتقاد مكفولة في الإسلام عملا بآية:" لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " (البقرة، آية: 56.) ثم إن في تطبيق هذا العقاب مصلحة مؤكدة للإنسان نفسه حتى لا تفترسه الأهواء والشهوات، أو تعصف به التيارات الإلحادية، أو لصد محاولات الأعداء الرامية إلى النفوذ إلى قلب المجتمع وإثارة الفتن فيه أو النيل من وحدة الأمة، أو المساس بهيبة الدولة المسلمة1. ودعوة المرتدللاستتابة واجب، فقد ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد روى الإمام الشافعي عن محمد بن عبد الله بن عبد القاري قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قِبَل أبي موسى، فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال: هل من مغرّبة خبر 2؟ قال: نعم، كفر رجل بعد إسلامه قال: فما فعلتم به؟ قال: قرَّيناه فضر بنا عنقه، فقال عمر: هلا أطعمتموه ثلاثاً وأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه، لعله يتوب ويراجع أمر الله اللهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني3. 1 حق الحرية في العالم صـ160. 2 أي من حاملة لخبر من موضع بعيد 3 شرح الرزقاني على موطأ مالك4 /15 ـ16.)
عدد الصفحات ٩٩100 المبحث الرابع: الحريات الشخصية إن الله عز وجل كرّم الإنسان وميزه بالعقل، وكفل له الحري ة الشخصية بمفهومها الواسع بحيث يكون آمنا على نفسه وماله وأهله وتنقله الخ على أن لا يستغل هذه الحرية في الاعتداء على الآخرين، وقد أهتم الإسلام باستقلالية الفرد والحرية الفردية وأن الفرد حر حرية حقيقية لأن محاسبته يوم القيامة على أعماله إن خيراً فخير وإن شراً فشر والآيات التي تدل على هذا كثيرة. ــ " لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر ". ــ " وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّار ". ــ " وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيل ". ــ " إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ". ــ " فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ". ــ " فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ " (الرعد، آية: 40.) ومجال الحرية الشخصية واسع ما لم يصطدم بالنظام العام أو بثوابت المجتمع إن الشريعة الإسلامية تؤمن بحرية الإنسان الشخصية وحريته الفردية وحقه في الإستقلال وحقه في عدم تدخل الآخرين في شئونه الخاصة واستقلاله إزاء السلطة وحقه في التمتع بأنواع الحريات وليس هناك سلطان على الفرد في ممارسته لهذه الحريات سوى سلطان القانون المستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. والحرية التي منحها الله للإنسان لا يصح لأي سلطة أو فرد أن يسلبها منه، فهي منحه إلهية للإنسان وفطرة فطره عليها والحرية لما لها من أهمية فقد نصت عليها العشرات من الآيات القرآنية1. ومن أنواع الحريات الشخصية أولا: حق الحياة: حق الحياة من المقاصد الأساسية في الشريعة الإسلامية ومن المعتقدات التي أصبحت راسخة في أذهان البشرية أن الله سبحانه وتعالى هو واهب نعمة الحياة للإنسان، فالإنسان لا يكون إلا إذا خلقه الله تعالى وأعطاه الروح والحياة، قال تعالى:" فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ " (الحجر، آية: 29.) وبعد الخلق والايجاد يأتي دور الإنسان في أن يعيش حياته كاملة غير منقوصة المدة وعلى ذلك فإن حق الفرد في الحياة ما هو في حقيقة الأمر إلا امتثالاً لأمر الله تعالى من ناحيتين: 1 النظام السياسي الإسلامي والفكر الليبرالي الدكتور محمد الجوهري صـ98.
عدد الصفحات ١٠٠101 1ـ ناحية البدء، ذلك أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطى الإنسان الحياة وجعله فرداً حياً. 2ـ وناحية الاستمرار، حيث طلب الله تعالى من انسان أن يحافظ على هذا الحق حتى يسترده منه بالموت1. والحديث عن حق الإنسان في الحياة وفي التمتع بالحقوق الملحقة بذلك أصبح من المسلمات وبدهيات الأمور، ويكفي في بيان أهمية هذا الحق أن تشير إلى أن الشريعة الإسلامية قد جعلته من حيث الاعتبار قوة الأثر من مقاصدها الأساسية التي تدور أحكامها كلها عليها كليات وجزيئات، بل إن حق الحياة عند التحقيق هو المقصد الأول ترد إليه سائر المقاصد الأساسية في هذه الشريعة، بعد المحافظة على الدين، لتوقفها إيجاد وتنمية وحفظاً على الإنسان نفسه، فكان طلب المحافظة على حياته في أعلى مراتب التكليف سواء بالنسبة إلى المكلف نفسه أم في مواجهة الكافة2. ولا عجب في ذلك فإن إشقاء حيوان وازهاق روحه ظلماً، يعده الله تعالى جريمة يدخل الإنسان بسببها النار، فقد قال عليه الصلاة والسلام: دخلت امرأة النار في هرة، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض3. وروي عنه عليه الصلاة أنه قال: بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر وملَ خفه وسقى الكلب فشكر الله له فغفر له. قالوا يا رسول الله: وإن لنا في البهائم أجراً، قال: في كل كبد رطبة أجر 4. فإذا كانت هذه نظرة الشريعة إلى قيمة الحياة في الحيوانات، كالهرة والكلب، فما تكون عنايتها وجائزتها لمن يدعم حق الحياة بين الناس؟ وما تكون نقمتها وعقوبتها لمن يستهين بهذا الحق5. وإشعاراً بقداسة حق الحياة يقف النبي صلى الله عليه وسلم: في بيت الله الحرام أمام الكعبة المشرفة قائلاً: ما أطيبك، وأطيب ريحك وما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمتك ما لهِ ودمه وأن نظن به إلا خبرا6. ــ الأحكام التي جاءت بها الشريعة لكفالة حق الحياة إن المتتبع للأحكام التي جاءت بها الشريعة لكفالة حق الحياة يجدها من الشمول والإحاطة إلى المدى الذي يتفق مع أهمية هذا الحق باعتبار ماله من أثر في حفظ كيان المجتمع وحيويته وتماسكه من جهة أخرى ومن هذه الأحكام: 1 مفاهيم الحق والحرية د.عدي الكيلاني صـ162. 2 دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصي د.فتحي الدريني صـ93،94. 3 البخاري، شرح الباري6 /408) رقم3318. 4 البخاري فتح الباري رقم2363 (5 /50.) 5 حقوق الإنسان محمد الغزالي صـ51. 6 سنن ابن ماجه2 /1797) رقم3932.
عدد الصفحات ١٠١102 1ـاعتبار إزهاق الروح بغير وجه حق جريمة ضد الإنسانية كلها، فقد قال تعالى:" مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا " (المائدة، آية: 32.) فالاعتداء على نفس واحدة يمثل اعتداء على الناس جميعاً، وفي هذا إيماء بوجوب التكافل الإنساني للعمل على استئصال شأفه جريمة القتل في المجتمع الإسلامي كله، لأنها في حكم شريعة الإسلام تشكل تهديداً خطيراً لوجود الإنسان وتحدياً لمشاعرة وتقويضا لأمنه واستقراره، وهو ما يتنافى مع رسالة الإسلام في الإصلاح العالمي1. 2ـاعتبار حق الحياة حقا مشتركاً يتمتع به جميع الناس دون تمييزاً أو تفرقة قال تعالى:" وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ " (المائدة، آية: 45.) فالمسلم وغير المسلم والرجل والمرأة كلهم سواء في تقرير حرمة الدم واستحقاق الحياة، تحقيقا لعقيدة الاستخلاف في الأرض لذا كان الاعتداء على المسالمين من أهل الكتاب في نكره وفحشه مساوياً للَعتداء على المسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله فلا يُ رَح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا2. كما يشمل هذا الحق الصغير والكبير، حتى اللقيط، حيث أوجبت الشريعة على المسلمين التقاطه وجعلت ذلك من فروض الكفاية، فإذا رأت جماعة اللقيط ملقى في طريق عام أو خاص، وجب عليهم مجتمعين أن يلتقطوه ويؤووه، بحيث إذا كان رآه واحد يكون عليه أن يؤويه ولا يتركه ويكون إيواؤه فرضاً عليه، لأن تركه إهلاك لنفس محرمة مصونة3. وتذهب الشريعة إلى أبعد من ذلك حيث اعتبرت حق الحياة يشمل الحمل كذلك، فاسقاطه بعد نفخ الروح فيه يعد جناية على كائن حي توجب عقوبة مالية تقدر بعشر دية الأم4. 3ـتحريم قتل الغير بغير وجه حق، قال تعالى:" وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُّ " (الأنعام، آية: 151.) وتتمثل ذروة التشدد في حماية حق الحياة في نوع العقوبة التي يجب أن توقع على من يتطاول على هذا الحق، ألا وهي عقوبة القصاص قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى " (البقرة، آية: 178.) 1 دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي للدريني صـ94. 2 سنن الترمذي4 /13) رقم1403 حسن صحيح 3 مفاهيم الحق والحرية صـ165. 4 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية هاني الطعيمات صـ116.
عدد الصفحات ١٠٢103 وإذا كان القصاص هو العقوبة الدنيوية لمرتكب جريمة القتل عمداً، فهناك أيضاً عقوبة أخروية لمن استباح حرمة الدم، ولم تقم عليه عقوبة الدنيا، قال تعالى:" وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُّ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا " (النساء، آية: 93.) وجريمة القتل لا يجوز أن تقع من مؤمن إلاَّ خطأ، فقد قال تعالى:" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا " (النساء، آية: 92.) وإلى جانب هذه العقوبة هناك عقوبات أخرى تبعية لا مجال هنا للتفصيل فإن لذلك موطنه من كتب الفقه الإسلامي1. 4ـإن الشريعة كما حرمت على المسلم قتل أخيه الإنسان، حرمت عليه كذلك قتله لنفسه، أو اعتداءه على عضو من أعضاء جسمه، ذلك أن من أصول هذه الشريعة، أن حياة الإنسان ليست ملكاً خاصاً له، وإنما هي حق لبأريها، فلا يملك، باتلاف نفسه أو عضو من أعضاء جسمه، دون مقصد شرعي، أو بتسليط غيره على هذا الاتلاف من طبيب ونحوه بخلاف ما إذا كان الاتلاف محققا لمقصد شرعي كجهاد العدو، أو يؤول إلى صيانة حق الحياة نفسها، وذلك بأن يكون أحد أعضاء جسمه مصاباً بآفة مرضية، يتوقع منها السّراية إلى سائر أنحاء جسمه، فتعرضه للخطر المحقق أو الغالب، فإذا أشار طبيب حاذق بضرورة بتر هذا العضو لقطع سبب سرايته، إنقاذاً للجسم، وحياة صاحبه وجب شرعا تسليط الطبيب على هذا الأصل العظيم مستمد من الدلائل الصريحة كتابا وسنة، أما من الكتاب فقوله تعالى:" وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ " (النساء، آية: 29.) وقوله تعالى وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " (البقرة، آية: 195.) وقوله تعالى وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُّ إِلاَّ بِالْحَقِّ " (الأنعام، آية: 151)، ومن أفظع أنواع القتل أن يقتل الإنسان نفسه. ويؤكد ذلك السنة الصحيحة، فقد ثبت فيها تحريم قتل النفس انتحاراً، أيا كانت الوسيلة، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى خالداً مخلداً فيها أبداً ومن احتسى سماً فقتل نفسه فسمه في ي ده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً وم ن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً 2. فهذا الحديث يصف حال المنتحر يوم القيامة وهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، متخذاً عند ترديه عين وسائل الا نتحار التي كان قد اتخذها إبَّان انتحاره 1 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ116. 2 البخاري رقم5778.
عدد الصفحات ١٠٣104 في الدنيا، وصفاً لما يلقى من جزاء وعقاب تقشعر منه الأبدان، للدلالة على فرط قبح هذه الجريمة شرعا1. وعلى ذلك، فالأدلة زاجرة لكل من يتعدى على نفسه بالانتحار وقتل النفس، ومن ثم فلا حرية مكفولة في الاعتداء على النفس، لأنه ملك لخالقه لا يحل له أن ينقضه2. ثانياً: حرية اختيار العمل الأصل في الإسلام أن يختار الإنسان ما يرغب فيه من العمل، كأن يكون نجاراً أو مزارعاً أو خياطاً أو معلماً أو طبيباً أو موظفاً في عمل من أعمال الدولة أو تاجراً أو غير ذلك وهذا المبدأ ـ حرية اختيار العمل ـ أساسه من أن الناس يتفاوتون في القدرات، والمواهب، والخبرات، والهوايات، المختلفة في القيام بالأعمال واختيار الحرف، ولم يقيد الإسلام الانسان إلا بمشروعية العمل، وهذه القاعدة لم يستطع أي نظام أن يخالفها أو ينكرها، بل أن المساواة التامة بين الأفراد في الأعمال وعدم التفاوت لا تكاد توجد في أي مجتمع مهما كان الحال، وكذلك اختيار العمل يكون عاملاً هاماً في دفع الإنسان إلى بذل الطاقة الحقيقية مع اتقان العمل، وإن أسوأ المجتمعات هي التي توكل الأعمال إلى من لا يحسنها وإلى من ليس له ميل اليها ولا موهبة له في اتقانها ويكون كل واحد من الناس موضوعاً في غير موضعه اللائق به وقد ورد في الحديث: إذا اسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. وإن أحسن المجتمعات واقدرها على الانتاج كثرة وإتقانا هي تلك التي يوزع فيها الأفراد كل ما يناسب قدرته ومواهبه وميوله. إن تنوع التخصصات، وكثرة التفاوت من سمات المجتمعات الراقية، وكلما كان المجتمع أرقى كان التفاوت والتخصص أكثر، وذلك يؤدي إلى ما سماه بعض علماء الاجتماع بالتضامن العضوي للمجتمع، فكل فرد يقدم من العمل، والانتاج ما يقدر عليه بحسب ما أوتي من قدرة ومواهب ويحاسب على هذا الأساس وقد أثار القرآن الكريم إلى مثل هذا النوع من التفاوت الذي تعود ثمرته على الإنسانية جمعاء3. ــقال تعالى:" وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ " (الأنعام، آية: 165.) ــوقال تعالى:" وَلَوْ شَاء اللهُّ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم ". لقد كان القرآن صريحاً في التعبير عن هذا القانون الاجتماعي وهو تفاوت الناس في مواهبهم وقدراتهم وبالتالي في أعمالهم التي يحسنونها ويتعرفون إليها. وهذا الاختلاف في المواهب والقدرات هو الذي يجعل كل انسان يحتاج إلى غيره من الناس مهما كانت أعمالهم لأن حاجات الانسان متنوعة ومتعددة، ولا يستطيع 1 دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي صـ95. 2 الحرية وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي صـ119. 3 النظام السياسي والاقتصادي يوسف العالم صـ31.
عدد الصفحات ١٠٤105 أشباعها، بمفرده، فمنها ما هو مادي، ومنها ما هو نفسي أو عقلي ولذلك كل انسان مسخر لقضاء حاجات الآخرين حتى ولو لم يشعر هو بذلك وقد اشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة1. قال تعالى وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْ ضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ " (الزخرف، آية: 32.) أي أن الله خلق الناس متفاوتين في القدرات يقدم كل واحد منهم من الأعمال ما يحتاج إليه الآخر وكذلك الآخر بالمقابل بمعنى أن كل واحد بالنسبة إلى غيره مسخر على وجه التبادل، والتعاون فأهل الحرف مثلا، كالخباز والنجار، والحداد يسخرون المعلم لتعليم أولادهم والمعلم يسخرهم لما يحتاج اليه من خبز أو حدادة أو نجارة وكذلك الطبيب والمهندس والمزارع والبناء والموظف، وسائر أصحاب الأعمال يسخر بعضهم بعضا فيما يتقنونه ويحسنونه ويقدمونه من أعمال وخدمات بالمقابل والتبادل وبهذا المعنى فسر الآية كبار المفسرين كالزمخشري والرازي وابن كثير وغيرهم فقال الزمخشري:"ليرتفق الناس بعضهم بعضاً". وقال ابن كثير: قيل معناه ليسخر بعضهم بعضاً في الأعمال لاحتياج هذا المعنى. وقال الرازي: جعل تعالى ذكره بعضاً لبعض سببا في المعاش في الدنيا 2. إن الاختلاف والتباين بين البشر سبب لتعاونهم، وذلك ليكمل بعضهم ب عضا، وليتوزعوا الأعمال المختلفة المتنوعة التي يحتاج اليها المجتمع، وليتبادلوها فيما بينهم فيحصل النفع لهم جميعا3. من هذا المفهوم للتفاوت في القدرات والمواهب نشأت فكرة اتفق عليها علماء المسلمين وأوضحوها، وتناقلوها، وهي أن الصناعات وجميع الأعمال التي يحتاج إليها المجتمع فهي فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وإذا لم يقم بها أحد اثموا جميعاً، قال الغزالى في احياء علوم الدين: أما فرض الكفاية فكل علم لا يستغني عنه قوام أمور الدنيا كالطلب والحساب وأصول الصناعات والسياسة وقال ابن تيمية: قال غير واحد من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم.. أن هذه الصناعات كالفلاحة، والنساجة والبناية فرض على الكفاية فانه لا تتم مصلحة الناس إلا بها4. إن التفكير الاسلامي الأصيل المستند إلى مصادره الأساسية الكتاب والسنة ينظر إلى الفرد في اطار المجتمع، ولم ينظر اليه منعزلا في هذا المجال الاقتصادي، كما في غيره من المجالات، فالإسلام لا يعرف فرداً بدون جماعة ولا يعرف مجتمعاً 1 المصدر نفسه صـ31. 2 النظام السياسي والاقتصادي يوسف العالم صـ32. 3 المصدر نفسه صـ32. 4 الحسبة لابن تيمية، النظام السياسي والاقتصادي صـ32.
عدد الصفحات ١٠٥106 بدون أفراد كما أنه لا يعرف مجتمعاً للرجال بدون النساء، ولا مجتمعاً للنساء بدون رجال ولا يعتبر مصلحة الدنيا بدون اعتبار مصلحة الدين لأن الدنيا مزرعة الآخرة1. إن التصور الاسلامي يعتبر أصحاب الأعمال على اختلاف أنواعها متساوين في القيمة الانسانية والكرامة البشرية، ويتفاضلون بما يقدمون للمجتمع من منافع إذ الخلق كلهم ـ كما يقول الحديث ـ عيال الله أحبهم اليه انفعهم لعياله2. إن مسؤولية العمل تتقاسمها ثلاثة أطراف وهي 1ـ العمال: فأما العمال فقد أنزلتهم الشريعة منزلة رفيعة، وأولتهم عناية خاصة وتعاملت معهم على أساس ما يلي من القواعد: ــ تكريم اليد العاملة والثناء على أهلها، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام، كان يأكل من يده3. ــتقدير الجهود العمالية واعتبارها من محاسن الأفعال التي يحبها الله كما في الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صافح سعد بن معاذ رضي الله عنه، فإذا يداه قد أكنبتا4، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اضرب بالمُ ر5، والمسحاة لأنفق على عيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفان يحبهما الله6. ــتفضيل العمل كيفما كان على مذلة السؤال، ولو كان جمع حزمة حطب وبيعها؛ أو اشتغالا بأبسط الحرف، أو امتهان أي مهنة مهما قلت عائداتها، فهي أفضل من أن يبقى الإنسان عالة على غيره ينتظر أن يجود عليه بشيء كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه7. ــاعتبار إتقان العمل من موجبات المحبة الإلهية، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتق نه8. ــاعتباراً اتعاب العمل من أسباب المغفرة الإلهية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من باتِ كالاً من عمله بات مغفوراً له 9. 1 النظام السياسي والاقتصادي يوسف العالم صـ33. 2 المصدر نفسه صـ34. 3 البخاري رقم الحديث1966 (2 /730.) 4 أكنبت اليد: إذ غلظ جلدها من العمل 5 المر: المحراث 6 المبسوط للسرخسي30 /33.) 7 البخاري، الجامع الصحيح رقم1968. 8 سلسلة الأحاديث الصحيحة للَلباني رقم1113. 9 صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته للَلباني رقم11798.
عدد الصفحات ١٠٦107 ــحرمان القادرين على العمل من حق التكافل الاجتماعي، متى امتنعوا عن القيام به؛ إذ: لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرّة سوي 1. ــتمكين العمال من مستحقاتهم وإن كان عملهم بنية التطوع في سبيل الله، فعن ابن الساعدي قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت أمر لي بعمالة2، فقلت إنما عملت لله. قال: خذ ما أعطيت، فإني قد عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني3. وهو ما يفيد بأن للدولة الحق في مراقبة موظفيها ومحاسبة كل من يخل بواجباته المهنية بغير عذر، ولا يقبل من أي كان منهم التعلل بأنه مجرد متطوع يعمل في سبيل الله، وبهذا يستقيم تدبير الشأن العام، وتحفظ المصالح العامة من الإهمال والضياع4. ــتجريم سرقة المال العام من طرق العمال والموظفين في مؤسسات الدولة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول5. ــمن ظلم من العمال فله الحق في الدفاع عن نفسه ورفع مظلمته بجميع الطرق المشروعة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لصاحب الحق مقالا6. 2ـ أصحاب العمل: وأما أرباب العمل: فقد تعاملت معهم الشريعة وفق مجموعة من القواعد وطالبتهم بمجموعة من الالتزامات التنظيمية في تعاملهم؛ وأهمها: ــ إخبار العمال بمقادير أجورهم قبل البدء في العمل، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استأجر أجيراً فليعلمه أجره 7. ــتكليف العمال بما يطيقون من الأشغال، لأنه تكليف بما لا يطاق وكل من عجز عن شيء سقط عنه8. ــأداء مستحقات العمل في الوقت المناسب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطوا الأجير أجره قبل يجف عرقه9. ــمحاسبة المستأجرين عن التماطل في أداء مستحقات العمال أو الامتناع عن تسليمها لهم، لقول الله تعالى في الحديث القدسي: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل 1 صحيح ابن حبان رقم3290، المرة: القوة 2 عمالة: ما يقابل العمل من الأجر 3 عملني: أعطني أجر عملي 4 مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية عبد النور بزا صـ263. 5 سنن أبي داود رقم2943. 6 التمهيد لابن عبد البر4 /68) وازرة الأوقاف المغرب 7 الهداية شرح البداية للمرغيناني3 /231.) 8 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي8 /226.) 9 سنن ابن ماجه رقم 2443 (2 /817.)
عدد الصفحات ١٠٧108 أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره1. 3ـ الدولة وأما الدولة، فقد ألزمتها الشريعة برعاية المصالح العامة وطالبتها بما يلي: ــ تهيئ فرص الشغل وتمكين كل القادرين مما يناسب كفاءاتهم من الوظائف، لأن ذلك من الفروض الكفائية العامة الواجبة على الدولة. ــ رعاية العاجزين عن العمل، كمن أقعدته عاهة أو مرض أو ضعف بدني أو شيخوخة عن العمل، والإنفاق عليهم من المال العام، لأن من عجز عن الكسب من المسلمين وغيرهم فعلى المسلمين أو السلطان نفقته من المال العام2. ــتحفيز العمال والموظفين على الاجتهاد في العمل بمختلف المحفزات المساعدة على توفير أجواء الاستقرار النفسي والاجتماعي وفي مقدمتها تزويج غير المتزوجين من الموظفين وتمكينهم من الأعوان والمساعدين وتوفير السكن الوظيفي لكل من ليس له سكن، على حساب بين المال العام، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان لنا عاملاً، فلم يكن له زوجة، فليكتسب له زوجة، فإن لم يكن له خادم، فليكتسب خادماً فإن لم يكن له مسكن؛ فليكتسب مسكناً، من اتخذ غي ر ذلك فهو غال أو سارق3. وكل هذا من آكد المصالح الاجتماعية الكفائية الواجبة على الدولة وليس منة منها ولا إحساناً 4. وهذه القواعد الشرعية والقيم التكريمة تحتاج إلى تفعيل في واقع مجتمعاتنا بين الباحثين عن العمل، وأصحابه والدولة، ومما يساعد على تفعيله القواعد والأصول المذكورة إعادة تشكيل العقلية العامة للشعوب في اتجاه اقناعها بأهمية توزيع الخيرات بشكل عادل بين الناس، وتقسيم فرص العمل دون تمييز بين أفواج المعطلين ومساعدة ذوي الكفاءات على إيجاد مشاريع عمل يكسبون بها قوتهم اليومي، ويساهموا في ارتقاء شعوبهم وتطوير دولهم5. لقد رفع الإسلام من قيمة العمل وحث عليه، قال تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَْرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " (الملك، آية: 15.) 1 البخاري، الجامع الصحيح رقم2150. 2 مغني المحتاج للشربيني1 /404.) 3 صحيح وضعيف الجامع الصحيح للَلباني رقم6486. 4 مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية صـ265. 5 انظر: المصدر نفسه صـ266.
عدد الصفحات ١٠٨109 وأعطى الإسلام الإنسان حرية العمل في كافة المجالات إلا فيما يتعارض مع النصوص الشرعية وأحكام الإسلام أو فيما يتعارض مع حقوق الآخرين وحرياتهم1. إن الإسلام يعتبر كل جهد نافع، ويحقق مصلحة لصاحبه، أو للناس والمجتمع عمل مطلوب شرعاً، وإن وجوه العمل في الإسلام غير محددة، وتشمل كل جهد بناء، وتغطي جميع النشاطات، في المجال التجاري والزراعي والصناعي والمهني وممارسة كل الحرف التي تخدم البشرية والأعمال اليدوية والذهنية والفكرية والأدبية حتى اعتبر الفقهاء رئاسة الدولة والخلافة والولاية عملاً وهو ما صرّح به أبو بكر رضي الله عنه بقوله: إني لأعمل للمسلمين ويطلق على الولاة اسم العمال، وتتكرر عبارة "أرسل عامله" "وأرسل إلى عامله على كذا"2. وقد أعطى الإسلام للَفراد الحق في العمل، أو الامتناع عنه، وفي اختيار هذا العمل أو النوع أو ذلك، وهذه الحرية مقررة شرعاً، لأنها فرع عن حرية الرأي والتفكير وتدخل ضمن الحريات الشخصية، ولكل إنسان أن يعمل ما يشاء، وأن يكسب ـ من الطرق المشروعة ـ ما شاء، وله الحق في اختيار وقت العمل وساعاته، واختيار الوقت، إذا كان يعمل لنفسه، فإن عمل إلى غيره فالعبرة في العقود ـ عامة ـ وعقد العمل خاصة التراضي وما يتم الاتفاق عليه، في تقييد الزمان والمكان، وتحديد ساعات العمل وأجره، ولا يقيد حرية العمل إلا القيود العامة في الحلال والحرام وضمن الأحكام الشرعية، وألا يؤدي العمل إلى الإضرار والضرر بالغير، لقوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار3. والغالب أن يتم اختيار العمل من صاحبه حسب الإمكانيات الخاصة والمو اهب الممنوحة له، والمهارة التي يتقنها، وما فطره الله تعالى له مع ترك حرية الاختيار له حسب هذه الفطرة، ولذلك ورد في الحديث: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له4. كما يتبع حرية العمل حق التنقل والانتقال والسفر في أطراف الأرض لاختيار العمل المناسب، والأجر المناسب، وأن الانتقال والسفر والضرب في الأرض يعتبر عذراً للإنسان في الرُّخص الشرعية، وقدَّم القرآن الكريم عُذْر العمل على عذر المجاهد، فقال تعالى:" فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَْرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهَِّ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهَِّ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ " (المزمل، آية: 20.) 1 حقوق الإنسان، على محمد الدباس، على ابو زيد صـ45. 2 حقوق الإنسان في الإسلام د.محمد الزحيلي صـ284. 3 سنن ابن ماجه2 /784.) 4 رواه الطبراني عن ابن عباس وعمران بن الحصين (الفتح الكبير1 /202.)
عدد الصفحات ١٠٩110 كما يتفرع على حرية العمل حق العامل في الإنضمام إلى تنظيم عمالي يضم أفراد حرفته، أو مهنته، لتنسيق الأعمال، والمطالبة بالحقوق، وتنظيم الأجور والأوقات، بما لا يضرُّ بالمصلحة العامة 1. ثالثاً: حرية العلم والتعلم إن العلم في الإسلام هو أساس رقي الفرد، وسبيل رقي المجتمع، لذا كان العلم بمنزلة السنام في الإسلام، ومن ثم نرى دعوة الإسلام للعلم دعوة مستفيضة مضطردة في شتى مجالات الحياة، ودعوته إلى البحث في شتى الميادين، وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة سنجدها حافلان بالدعوة إلى العلم والحث عليه ورفع مكانة العلماء2. ولا يكتفي الإسلام بأن يقرر حرية التعليم، بل يجعل ــ طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، قال تعالى:" فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ " (التوبة، آية: 122.) ــولقد رفع الإسلام من قدر العلم ما لم يرفع من شيء آخر قال تعالى:" يَرْفَعِ اللهَُّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات " (المجادلة، آية: 11.) ــوفرق الله بين العالم والجاهل بالعلم وحده في قوله:" قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ " (الزمر، آية: 9.) ــوجعل الإسلام العلم وسيلة لمعرفة الله وخشيته، قال تعالى:" إِنَّمَا يَخْشَى اللهََّ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " (فاطر، آية: 28.) ــولمعرفة حقائق الأشياء والأفعال قال تعالى:" وَتِلْكَ الأَْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ " (العنكبوت، آية: 43.) ــبل جعل الإسلام العلم الوسيلة الوحيدة لفهم كتاب الله :" وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَاب فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْم " (الأعراف، آية: 52.) ــوقال تعالى:" بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ " (العنكبوت، آية: 49.) ــوالأمر الوحيد الذي أمر الله فيه نبيه بطلب الزيادة " وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا " (طه، آية: 114)3. كما نجد أن أول آية على رسول الله تدعوا إلى القراءة والعلم قال تعالى في كتابه الكريم:" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِْنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَْكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِْنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " (العلق، الآيات: 1ـ5.) 1 حقوق الإنسان للزحيلي صـ288. 2 حركة تحرير المرأة صـ140 د.عماد محمد عمار 3 الإسلام وأوضاعنا القانونية عبد القادر عودة صـ271 ـ272.
عدد الصفحات ١١٠111 هذا جانب مما ورد في القرآن الكريم وهو قليل من كثير وليس المقام مقام سرد واستقصاء لما ورد في القرآن الكريم بفضل العلم والعلماء وإذا تطرقنا إلى السنة النبوية سنجد الدعوة إلى العلم وتكريم العلماء مما ورد على لسان نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا حصر له، لذلك اجتزئ بما يلي: ــ عن معاوية رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده 1. بل إن هناك أحاديث وردت توضح أن قبض العلم مرهون بقبض العلماء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يقول ـ إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا2. من خلال سردنا للآيات القرآنية السالفة وهذين الحديثين الشريفين يتضح لنا دعوة الإسلام إلى العلم ومدى الاهتمام به، لأن به سعادة الفرد ورقى المجتمع، وعلى أساسه تقام الحضارات، وتنهض المجتمعات. ومن ثم حق لنا أن نقول إنَ حرية التعليم في الإسلام نالت ما لم تنله أي حرية أخرى من التمجيد والتمييز، لأنها طريق للعقل الذي ميز الله به البشرية عن سائر المخلوقات، وجعل العلم وسيلة المنطق الموصل إلى الغاية الرشيدة، وإذا رجعنا إلى الوراء قليلاً سنجد الدولة الإسلامية كانت منبع إشعاع فكري وثقافي، حرر العالم مما كان فيه من ظلام فكري وركود مادي، فصرف أبصارهم إلى التعامل مع الله أولاً لأنه المنعم المتفضل عليهم بالخير، ثم بالتعامل مع عناصر الطبيعية التي أودع الله فيها ما ينفع البشرية جمعاء3. إن الإسلام فتح آفاق الكون كله، أرضه وسمواته بجميع عوالمه المتعددة، أمام العقل ليفكر فيه ويتدبره، وأن الإسلام جعل أساس الوصول إلى الحقائق العلمية المتصلة بهذه العوالم هي "التجربة" و"التفكر" و"الخبر الصادق" ونتيجة هذا كله أن ينفتح أمام العقل طريق البحث العلمي المجرد من كل قيد يحول دون انطلاقه، وهذا هو الذي وقع في تاريخ الإسلام، وكان أول حرية ينالها العقل في ظل الديانات واستطاع العقل بهذا الجو العلمي الحر أن ينطلق في ميادين الآداب والفلسفة والعلوم، وأن يجتهد ويستنبط من نصوص الشريعة ما تؤهله لذلك وسائل الاجتهاد والاستنباط وأن يتدبر الكون وأحداثه، وأن يناقش الآراء ويفاضل بينها ويختار منها ما يراه أقرب إلى الصواب وأوفق للعقل، مهتدياً في ذلك كله بقوله تعالى:" فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ 1 رواه البخاري ومسلم 2 البخاري، ك العلم، باب: كيف يقبض العلم 3 حركة تحرير المرأة في ميزان الإسلام صـ142.
عدد الصفحات ١١١112 يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهَُّ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَْلْبَابِ " (الزمر، آية: 17 ،18.) وإنا لنجد في هذه الآية شيئاً جديداً في تاريخ العقل وخاصة في تاريخ الديانات، وهو أن الذين يستمعون الآراء ويتبعون أحسنها، هم العقلاء وحدهم دون غيرهم، وهم الذين هداهم الله واستحقوا ثناءه وثوابه، إن هذا لشيء عظيم في تطور العقل الإنساني وفي تاريخ الديانات وفي هذا الجو العلمي الحر، والجو الفكري المنطلق1، ظهر العلماء والباحثون في تاريخ الإسلام وحضارته، فكان منهم الأفذاذ والعباقرة الذين نبغوا في تخصصاتهم العلمية نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: ــ ابن خلدون الذي حمل إلى الإنسانية لواء فلسفة التاريخ وعلم الإجتماع والعمران. ــ وأبو بكر الرازي الذي حمل إلى الإنسانية لواء الطب. ــ والشريف الإدريسي الذي حمل إلى العالم لواء علم الجغرافية. ــ أبو بكر الخوارزمي الذي حمل لواء الرياضيات والفلك. ــ وعلي ابن الهيثم الذي حمل لواء علم الطبيعة والبحريات. ــ وأبو القاسم الزهراوي الذي حمل لواء علم الجراحة. ــ وأبو بكر زكريا العوام الذي حمل علم النبات. ــ وأبو البناء الذي حمل لواء علم الحساب. ــ وأبو الريحان البيروني الذي حمل لواء علم التاريخ، القديم والآثار. ــ والإمام الغزالي الذي حمل لواء النقد ومعالجة آفات النفوس. ــ والآئمة مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل الذين حملوا رآية ألوية الفقه والاجتهاد والقانون2. وغير هؤلاء من الأفذاذ الذين أثروا الحياة العلمية بفكرهم، وسيظل التاريخ والعالم أجمع يعتز بفضلهم، ويعتمد على تأليفاتهم التي خلفوها، وآثارهم الحضارية3، التي تركوها واستفادت منها الحضارة الإنسانية عموماً. ولقد ابتدأت حلقات العلم والمعرفة تنمو في حماية الإسلام في كل نواحي العلوم وفروعها، وأول ما بدأت في المساجد، ثم أنشأت بجانبها المدارس، مما كان له أكبر الأثر في ازدهار العلوم والآداب4. ونحن نذكر فيما يلي أهم الميادين العلمية التي استعمل فيها العقل وتعددت فيها الآراء والمدارس الفكرية: 1 التكافل الإجتماعي د.مصطفى السباعي صـ88 ،89. 2 حركة تحرير المرأة في ميزان الإسلام صـ142. 3 المصدر نفسه صـ142. 4 التكافل الاجتماعي في الإسلام صـ89.
عدد الصفحات ١١٢