129 4ـ المحافظة على الأخلاق والآدابإن الاسلام يأبى ان تشيع الفاحشة في الذين آمنو، فإذا ترتب على حرية التنقل لبعض الأفراد الإضرار بأخلاق وآداب المسلمين يمنعون من ذلك للمصلحة العامة. ـ الأحكام التي تؤكد على حرية التنقل إذا كان الإسلام قد أطلق للَفراد حرية التنقل ولم يقيدها إلا في حالات استوجبها الصالح العام لجلب منفعة او دفع مفسدة، فانه كذلك قد ضمن لهم التمتع بها، حين أحاطها بسياج من الأحكام والتدابير الكفيلة بضمانها وحمايتها ومن هذه الأحكام. 1ـ تأمين طرق السفربوضع عقوبة رادعة لمن يقطع الطريق على المسافرين، ذلك أن الإسلام قد كفل للإنسان أن يكون حراً في وطنه ينتقل فيه حيث يشاء دون أن يتعرض له أحد، أو يعتدى عليه بسلب أو نهب أو ترويع، حيث اعتبر هذا الاعتداء من أبشع الجرائم، ورتب عليه عقوبة هي من أشد العقوبات الحدِّ به، والتي تعرف في الفقه الإسلامي بعقوبة الحرابة، أو عقوبة قاطع الطريق، فمن روع الناس وخوفهم في أسفارهم براً أو بحراً أو جواً، بأن قطع عليهم الط ريق، ولم يتعرض لأموالهم ولا لأنفسهم فجزاؤه النفي من الأرض بالسجن أو الإبعاد إلى أماكن نائية بعيدة عن العمران، ومن قطع عليهم الطريق وتعرض لأموالهم بالسلب فجزاؤه أن تقطع يده ورجله من خلاف، وإذا اعتدى عليهم بالقتل، فإنه يقتل أما إذا اعتدى عليهم بالقتل والنهب فجزاؤه أن يقتل ويصلب1، قال تعالى إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَّ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاف أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " (المائدة، آية: 33.) 2ـ التأكيد على حسناستعمال الطريق فيما جعلت له من السفر وسهولة الانتقال عليها وذلك من خلال: أ ـ الأمر باعطاء الطريق حقه بعدم الجلوس فيه من دون حاجة وبغض البصر ورد السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا يا رسول الله: هي مجالسنا مالنا منها بد، قال فإن كان ذلك، فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حقها؟ قال: غض البصر، وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر2. 1 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ147. 2 البخاري رقم2465.
عدد الصفحات ١٢٩130 ب ـالأمر بإزالة العوائق المادية من الطريق، فقد جاء في الحديث: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله الا الله وأدناها إمطاة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان1. ج ـتخفيف بعض العبادات على المسافرين، وذلك تيسيراً عليهم في سفرهم ودف عاً للحرج والمشقة عنهم، فمن سافر سفراً شرعياً مستكملاً لشروطه جاز له الإفطار في نهار رمضان، وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت إحداهما وكذلك بالنسبة إلى صلاتي المغرب والعشاء2. سابعاً: حق اللجوء يتفرع عن حرية الإنسان بالتنقل حقُّ اللجوء إلى بلد آخر، وهو المعروف اليوم "باللجوء السياسي" أي: حق الانتقال إلى بلد لا يحمل جنسيته؛ وذلك لأهداف سياسية ينادي بها، ويضطهد من أجلها، أو يلاقي العنت والمشقة والمضايقة بسببها وحق اللجوء هو المعروف شرعاً بالهجرة، و التي كانت سنة الأنبياء مع أقوامهم وأممهم، فما منهم إلا وقد أوذي وأخرج من وطنه وكانت هجرة المسلمين إلى الحبشة في المرة الأولى والثانية أوّل أقرار شرعي لحق اللجوء، ثم برزت بشكل كامل في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه من مكة إلى المدينة لشدّة ما لا قوة م ن إيذاء المشركين بمكة، وأملاً في إقامة الدولة الإسلامية، والمجتمع الإسلامي في المدينة3. 1ـ وجوب الهجرة وكان حق الانتقال واجباً على المسلمين، لما يلاقونه من اضطهاد وضغوط وايذاء إقامتهم بين طهراني المشركين على الدين، والعرض والجسم والمال، فأذن الله بالهجرة، وقرر المسلمون الفرار بدينهم إلى بلد يمكنهم إظهاره، وإقامة الشعائر فيه، وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين فقال تعالى:" لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهَِّ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهََّ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ " (الحشر، آية: 8.) ثم أثنى الله تعالى على الأنصار الذين استقبلوا المهاجرين وأحسنوا وفادتهم وإقامتهم، قال تعالى:" وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِْيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَا جَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " (الحشر، آية: 9.) 1 مسلم رقم58. 2 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية صـ148. 3 حقوق الإنسان د.محمد الزحيلي صـ333.
عدد الصفحات ١٣٠131 وقد فرض الله تعالى الهجرة على المسلمين حتى لا يعيشوا أذلاء مستضعفين في الأرض ويمكنهم الانتقال إلى دار الإسلام التي تحميهم وتعزهم، وإلا كانوا ظالمين لأنفسهم كما وصفهم القرآن الكريم1. ــقال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِّ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا " (النساء، آية: 97.) ــثم استثنى القرآن الكريم من وجوب الهجرة المستضعفين كما وصفهم في قوله تعالى:" إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللهُّ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُّ عَفُوًّا غَفُورًا " (النساء، آية: 98 ـ99.) ولما كانت الهجرة من الوطن، وأرض الآباء والأجداد ومنابت الصبا صعبةشاقة على النفوس، وفيها احتمال كبير بفقد الأموال، وتركها في يد الكفار، وكذا فقد الأقارب والأحبة وقطع مورد الرزق لذلك رغب الشارع الحكيم بها فقال تعالى:" وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِّ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً " (النساء، آية: 100.) ويثبت للمهاجر هذا الأجر والسعة والثواب بمجرد خروجه وإن مات في الطريق ولم يصل إلى دار الإسلام، لقوله تعالى:" وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِّ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِّ وَكَانَ اللهُّ غَفُورًا رَّحِيمًا " (النساء، آية: 100.) وهكذا يبشر القرآن الكريم المهاجر لله ورسوله بالسعة في الرزق بدلا عما تركه وفقده، كما يبشره بالأجر العظيم عند الله تعالى، سواء وصل وحقق الهدف أم أدركه الموت أثناء الطريق بعد خروجه من بلده مهاجراً، ولابد في الأمرين من إخلاص النية لله تعالى؛ لتكون الهجرة لله وللرسول، وهو ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه2. 2ـ حق الاستجارة والأمان ومن صور حق اللجوء التي قررها الإسلام: أن يعزم غير المسلم الفرار من بلده إلى دار الإسلام، ليعترف أحكام الإسلام، سواء كان مشركاً أم كتابياً وسواء قدم اختياراً أم اضطراراً، فيجب على المسلمين استقباله واستضافته وإعطاؤه حق 1 حقوق الإنسان للزحيلي صـ334. 2 حقوق الإنسان الزحيلي صـ335.
عدد الصفحات ١٣١132 الاستجارة الوارد في قوله تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِّ " (التوبة، آية: 6.) فإن سمع الإسلام وأسلم فيها ونعمت، وهو فضل من الله تعالى، وإن طلب البقاء الدائم في دار الإسلام فيُعقد معه عهد الذمة، ويصبح من رعايا الدولة الإسلامية، وإن أراد أن يبقى فترة مؤقتة مؤقتة فيُعطى "حق الأمان" ويسمى "مستأمنا" كما جاء في الآية الكريمة، وأكَّده رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقراره الأمان الذي أعطته أم هانئ لأحد المشركين وقال عليه الصلاة والسلام: قد أجرنا من أجرتِ أم هاني وفي رواية: وأمنا من أمنت1. ومن حقه على الدولة الإسلامية عامة، وعلى كل مسلم خاصة: التمتع بالأمن، والأمان والطمأنينة ثم يبلغه إلى بلده ومأمنه، كما جاء في القرآن الكريم:" ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ " (التوبة، آية: 6)2. ثامناً: حق التجمع وتكوين الاتحادات والنقابات ومن الحريات الشخصية، حق الأفراد في التجمع وتوابعه كتكوين الجمعيات وحق التظاهر، ضمن مقتضيات المصلحة العامة والأمن العام، فلا مانع من الاجتماعات وعقد الجمعيات بعد الترخيص لها، والمظاهرات إذا كانت سلمية وكان غرضها مشروعاً. ومعنى حرية الاجتماع: تنظيم الاجتماعات السلمية الخاصة والعامة، ومنها تنظيم الحفلات والمحاضرات ونظائرها، وقد اعترفت بها القوانين العالمية وأقرت الدساتير المحلية حرية الاجتماع، واشتراط القانون للاجتماع العام ثلاثة شروط: وهي إبلاغ الحكومة وعدم حمل السلاح والغاية مباحة. ولا مانع في الإسلام من إقرار هذه الحرية بأوصافها وقيودها القانونية. وأما حرية النشر فتشمل الصحافة والطباعة والتوزيع وغيرها من الوسائل ولا يمنع الإسلام هذه الحرية، بل يستحسنها ما دامت موجهة نحو الخير والنقد البنّاء الهادف وعلاج ظواهر الشذوذ، والترغيب في بعض الأمور الحسنة والتنفير من القبائح، لكن بشرط مراعاة: 1ـالحفاظ على أسرار الدولة حتى لا تتسرب إلى الأعداء وتكون سبباً في الإضرار والإساءة، فهذا من أوليات المحافظة على المصلحة العامة التي يرعاها الإسلام ويحرص على حمايتها وصونها. 2ـالكف عن ترويج الإشاعات الضارة، وقد ندد القرآن الكريم بمروِّجي الإشاعات السيئة، لأنها تضعف بنية الأمة أو المجتمع، وتسيء للَفكار والأعمال والسلوكيات، قال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ 1 صحيح مسلم5 /231.) 2 حقوق الإنسان للزحيلي صـ337.
عدد الصفحات ١٣٢133 يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " (النور، آية: 19.) تاسعاً: حق التملك ومن الحريات الشخصية، حق التملك، فقد قرر الإسلام حق الملكية كونها ضرورة من الضرورات الاجتماعية ووسيلة لإشباع حاجات الناس، يقول تعالى:" لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ " (النساء، آية: 32.) وقد نظم التشريع الإسلامي نظام الملكية الشخصية وحددشروطها وطرق اكتسابها، وتوسع في ذلك لضمان العدالة وإقرار الحقوق والملكية استخلاف من الله لعباده، لذلك فالمالك مستخلف على ملكه، وسيحاسب عليه وعلى تصرفه فيه قال تعالى:" وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ " (الحديد، آية: 7.) هذا وقد أقر الإسلام بالملكية الفردية والملكية الجماعية، ونظم كلا منها ووضع لها قواعد وأسس ثابتة، تتضمن التوجيهات والأحكام الخاصة بكل منها، ومن خلال هذه التوجيهات والأحكام يتبين كيفية التعرف فيها. وإقرار الإسلام لحرية التملك وعدم تحديده مقدار الملكية لا يعني بالضرورة خلو الأمر من قيود تفرض على الملكية وعلى المالك الفردي في تصرفه في ماله وذلك منعا للاستغلال والاحتكار والتحكم على مصلحة المجتمع بكامله، فكان وجوب أداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله وتحريم الربا والغش والاحتكار والكف عن الإسراف والتقتير1. 1 حقوق الإنسان وحرياته، على الدباس، على ابو زيد صـ45 حقوق الإنسان للشيشاني صـ400.
عدد الصفحات ١٣٣134 تاسعاً: منافذ الحرية للأرقاء من مقاصد القرآن الكريم، إبطال عبودية البشر للبشر وتعميم الحرية، لكل الناس ومن قواعد الفقه قول الفقهاء: الشارع متشوف للحرية، فذلك استقراؤه من تصرفات الشريعة التي دلت على أن من أهم مقاصدها إبطال العبودية وتعميم الحرية، ولكن دأب الشريعة في رعي المصالح المشتركة وحفظ النظام العام وقف بها عن إبطال العبودية بوجه عام وتعويضها بالحرية وإطلاق العبيد من رقبة العبودية، وإبطال أسباب تعدد العبودية، مع أن ذلك يخدم مقاصدها، كان ذلك التوقف من أجل أن نظام المجتمعات في كل قطر قائم على نظام الرق، فكان العبيد عمال في الحقول وخدمة في المنازل والغروس، ورعاة في الأنعام، وكانت الأماء حلائل لسادتهن، وخادمات في منازلهم، ودايات لأبنائهم، فكان الرقيق "لذلك" من أكبر الجماعات لدى الأمم حين طرقتهم دعوة الإسلام، فلو جاء الإسلام بقلب ذلك النظام رأسا على عقب لانفرط عقد نظام المدينة انفراطا تعسر معه عودة انتظامه، فهذا موجب إحجام الشريعة على إبطال الرق الموجود، وأما إحجامها عن إبطال تجدد سبب الاسترقاق الذي هو الأسر في الحروب، فلَن الأمم التي سبقت ظهور الإسلام قد تمتعت باسترقاق من وقع في أسرها وخضع إلى قوتها وكان من أكبر مقاصد سياسية الإسلام إيقاف غلواء تلك الأمم والانتصاف للضعفاء من الأقوياء، وذلك ببسط جناح سلطة الإسلام على العالم وبانتشار أتباعه في الأقطار فلولا أن الأمم التي استقرت لها سيادة العالم من قبل أمنت عواقب الحروب الإسلامية وأخطر تلك العواقب في نفوس الأمم السائدة الأسر والاستعباد والسيء ـ لما ترددت الأمم من العرب وغيرهم في التصميم على رفض إجابة الدعوة الإسلامية اتكالاً على الكثرة والقوة، وأمناً من وصمة الأسر والاستعباد1، كما قال صفوان ابن أمية في مثله: لأن تربني قريش خير من أن تربني هوزان وكما قال النابغة: حذاراً على أن لا تنال مقادني ونسوتي حتى يمتن حرائراً 2 فنظر الإسلام إلى طريق بين مقصدي ـ نشر الحرية وحفظ نظام العالم ـ بأن سلط عوامل الحرية على عوامل العبودية مقاومة لها لتقليلها وعلاجاً للباقي منها، وذلك بإبطال أسباب كثيرة من أسباب الاسترقاق الاختياري وهو بيع المرء نفسه، أو بيع كبير العائلة بعض أبنائها وقد كان ذلك شائعاً في الشرائع، وأبطل الاسترقاق لأجل الجناية بأن يحكم على الجاني ببقائه عبداً للمجني عليه، وقد حكى القرآن عن حالة مصر:" قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ " (يوسف، آية: 75.) وقال كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ " (يوسف، آية: 76.) 1 مقاصد الشريعة الإسلامية صـ392 محمد الطاهر 2 المصدر نفسه صـ393.
عدد الصفحات ١٣٤135 وأبطل الاسترقاق في الدين الذي كان شرعاً للرومان وكان أيضاً من شريعة سولون في اليونان من قبل، وأبطل الاسترقاق في الفتن والحروب الداخلية الواقعية بين المسلمين، وأبطل استرقاق السائبة، كما استرقت السيارة يوسف إذ وجدوه، ثم إن الإسلام التفت إلى علاج الرق الموجود والذي يوجد بروافع ترفع ضرر الرق، وذلك بتقليله عن طريق تكثير أسباب رفعه وبتخفيف آثار حالته وذلك بتعديل تصرف المالكين في عبيدهم الذي كان مالكه معنتاً 1. ومن منافذ الحرية للَرقاء التي فتحها الإسلام 1ـجعل الإسلام تحرير الأرقاء إلى الله:" وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ " (البلد، آية: 12.) 2ـكفارة يمين الحانث: إطعام عشرة مساكين أو تحرير رقبة. 3ـكفارة الظهار لمن أراد أن يرجع زوجته بدايته تحرير رقبة قال الله تعالى:" وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " (المجادلة، آية: 3.) 4ـمن أفطر في نهار رمضان: فعليه كفارة منها تحرير رقبة. 5ـملك اليمين إذ أنجبت من سيدها، تسمى "أم ولد" إذا مات سيدها قبلها صارت حرة. 6ـالمكاتبة: أن يتفق العبد مع سيده على مبلغ من المال يدفعه أو يقوم بعمل يصيره بعده حراً، قال تعالى:" الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللهَُّ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهَِّ الَّذِي آتَاكُمْ " (النور، آية: 33.) 7ـالعبد الذي يملكه اثنان أو جماعة، فإذا حرر واحد منهم نصيبه امتنع يباع العبد. 8ـتحرير الأرقاء مصرف من مصارف الزكاة، قال تعالى:" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِّ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِّ وَاللهُّ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " (التوبة، آية: 60.) لقد انقرض الرق امام أبواب الحرية التي فتحها الإسلام ولم يكن الإسلام أول من أباح الرق، بل كان أول من حرر الأرقاء بأسلوب منطقي، بأسلوب الترغيب تارة وبأسلوب الترهيب تارة أخرى عن طريق الكفارات كما رأينا2. لقد قتل الإسلام مشاعر الإحساس بالعبودية، بأن ترفع عن نداء العبد بكلمة عبدي، وإنما بأسلوب أرقى وهو كلمة غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي، قال صلى الله عليه وسلم: لا يقولنّ أح دكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي، ولا يقل أحدكم ربي، وليقل سيدي3. 1 المصدر نفسه صـ393. 2 حقوق الإنسان في الإسلام د.مبارك الهاجري صـ107. 3 البخاري رقم 2552، مسلم رقم2249.
عدد الصفحات ١٣٥136 وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشديد في الخدمة ففي الحديث: لا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه فليعنه. والأمر بكفاية مؤنتهم وكسوتهم، ففي الحديث أبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبيدكم خولكم إنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس1، ونهى عن ضربهم الضرب الخارج عن الحد اللازم، فإذا مثل الرجل بعبده عتق عليه2. فمن استقراء هذه التصرفات ونحوها حصل لنا بأن الشريعة قاصدة بث الحرية والقضاء على العبودية للمخلوق3، وفك الرقاب وتحريرها من العبودية من أعظم الحريات الشخصية. 1 مقاصد الشريعة، محمد الطاهر بن عاشور صـ395. 2 المصدر نفسه صـ394. 3 سلسلة أركان الإيمان للصَّلاَّبي 2 /69.)
عدد الصفحات ١٣٦137 الخاتمة هذا ما يسّره الله لي من الحديث عن الحريات من القرآن الكريم، فما كان فيه من صواب فهو محض فضل الله علي، فله الحمد والمنّة، وما كان فيه من خطأ، فأستغفر الله تعالى وعسى أن لا أحرم من الأجر وأدعو الله أن يدفع بهذا الكتاب بني الإنسان، وأن يذكرني من يقرؤه من إخواني المسلمين في دعائه، فإن دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجابة إن شاء الله تعالى، وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى: " رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " (الحشر ، آية : 10.)
عدد الصفحات ١٣٧138 فهرس الكتاب المبحث الأول: معنى الحرية ومفهومها وأهميتها وأسسها ومرجعيتها: 7 أومعنى الحرية ومفهومها. 7 1 ـ الحرية في اللغة 7 2 ـ الحرية في الإصلاح 9 3 ـ الحرية في القرآن الكريم 10 4 ـ مفهومها 11 5 ـ الوسائل في تدعيم الحريات 12 6 ـ الإسلام وتحرير الإنسان 14 7 ـ الإسلام وحرية المجتمع 20 8 ـ الأصل في الإنسان الحرية وفي الأشياء الإباحة 21 ثانياً أهميتها وأسسها: 24 1 ـ أهمية الحرية 24 2 ـ الأسس التي تقوم عليها الحرية 25 ثالثاً مرجعية الحرية في الإسلام. 26 رابعاً مرجعية الحرية في الفكر الغربي. 28
عدد الصفحات ١٣٨139 1 ـ الثورة البروتستانستية 30 2 ـ الأسر الحاكمة في أوربا والديمقراطية 31 3 ـ إزدواجية الغرب في الحقوق والحريات. 32 4 ـ الحرية الشخصية في الغرب معناها التسيب 34 5 احترام المرأة في الظاهر لا في الحقيقة 35 خامساً وسائل الحرية. 36 سادساً العقل وسيلة الحرية الأولى. 39 سابعاً عناصر الحرية في الإسلام. 40 1 ـ المسئولية الفردية 40 2 ـ معرفة الذات 41 3 ـ معرفة الكون 42 4 ـ تكريم الإنسان 43 المبحث الثاني: حرية التفكير والرأي 47 أولاً حرية التفكير. 47 ثانياً حرية التعبير عن الرأي. 53
عدد الصفحات ١٣٩140 1 ـ حرية التعبير في القرآن الكريم 55 2 ـ حرية التعبير في السنة النبوية 55 أ ـ في الخندق 56 ب ـ في صلح الحديبة: احترام المعارضة النزيهة 56 ج ـ حرية الرأي عند أمهات المؤمنين 58 3 ـ حرية التعبير في عهدالخلفاء الراشدين. 59 أ ـ في عهد أبي بكر رضي الله عنه 59 ب ـ في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه 60 ج ـ في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه 61 4 ـ في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه 65 5 ـ حرية التعبير في عهدمعاوية بن أبي سفيان. 67 أ ـ أبو مسلم الخولاني 67 ب ـ الفرزدق يهجو معاوية 68 6 ـ ضوابط حرية التعبير وقيودها 69 7 ـ حرية الرأي في الدعوة إلى ا 70 8 ـ حرية غير المسلمين في التعبير 71 المبحث الثالث: حرية الاعتقاد. 72 أولاً حرية العقيدة في عهد النبوة. 75
عدد الصفحات ١٤٠141 ثانياً حرية الاعتقاد في عهد الخلفاء الراشدين. 76 1 ـ بالنسبة للعهود والمواثيق 76 2 ـ بالنسبة للَقوال والأوامر والتوصيات 77 3 ـ بالنسبة للَفعال والممارساتوالتطبيق. 78 4 ـ المعاملة الإنسانية 79 5 ـ أساس العلاقة مع غير المسلمين 80 6 ـ معاملة أهل الكتاب 80 7 ـ الحرية عند الفقهاء 81 8 ـ من مقاصد الجهاد حماية حرية المعتقدات 82 ثالثاً اعتراف الباحثين الغربيين بحقيقة سماحة الإسلام. 83 رابعاً أبطال عبودية البشر للبشر. 86 خامساً الردة. 88 1 ـ الردة في اللغة 89 2 ـ الردة في الإصطلاح 89 3 ـ آيات القرآن الكريم في شأن الردة 89 4 ـ الأحاديث النبوية فيشأن عقوبة الردة. 91 أ ـ حديث المحاربين من عَُُكل وعُرينة 92
عدد الصفحات ١٤١142 ب ـ حديث الأسباب المبيحة لدم المسلم 92 ج ـ حديث من بدل دينه فاقتلوه 92 5 ـ هل الردة جريمة سياسية تمثل في الخروج على نظام الدولة 95 أم جريمة عقدية تدخل ضمن جرائم الحدود؟ 6 ـ الردة الفردية والجماعية 96 7 ـ المكلف بعقاب المرتد 98 المبحث الرابع: الحريات الشخصية 102 أولاً حق الحياة. 102 ثانياً حرية اختيار العمل. 106 ثالثاً حرية العلم والتعلم. 112 رابعاً حق الأمن والسلامة والشخصية. 117
عدد الصفحات ١٤٢143 خامساً حق الخصوصية. 121 1 ـ الحق في حماية حرمة المسكن 122 2 ـ الحق في حماية الاتصالات والمراسلات 126 3 ـ الاستثناءات الواردة على حق الخصوصية 127 سادساً حرية التنقل. 128 1 ـ السفر للعلم والعبادة كالجهاد والحج 128 2 ـ السعي في الأرض من أجل الرزق 129 3 ـ النظر في ملكوت ا 129 4 ـ السياحة في الأرض النظر في آثار الأمم الخالية 129 5 ـ التنقل والسفر 129 6 ـ السفر بقصد زيارة الاخوان في الله. 129
عدد الصفحات ١٤٣144 سابعاً حق اللجوء. 132 1 ـ وجوب الهجرة 132 2 ـ حق الاستجارة والأمان 133 ثامناً حق التجمع وتكوين الاتحادات والنقابات. 134 تاسعاً حق التملك. 135 عاشراً منافذ الحرية للَرقاء. 136 الخلاصة. 139
عدد الصفحات ١٤٤