المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحريات من القرآن الكريم حرية التفكير، والتعبير، والاعتقاد والحريات الشخصية

علي محمد الصلابي

صفحة ٦ من ١٠

81 قال تعالى وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَ ا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَان " (المائدة، آية : 5.) وهذا الحكم في أهل الكتاب عامة إذا كانوا غير مقيمين في دار الإسلام، أما المقيمون في دار الإسلام فهم مواطنون، ولهم اسم آخر، وهو "أهل الذمة" ولهم معاملة خاصة أيضاً. وأهل الذمة اصطلاح شرعي مأخوذ من العهد، والأمان وسموا به أخذاً من الأحاديث والمعاهدات، وأن لهم عهد الله، وعهد رسوله، وأنهم في ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذمة المؤمنين، ليعيشوا في حماية الإسلام، وفي ظل الدولة الإسلامية آمنين، وينعمون بأمان المسلمين، وضمانهم بموجب عقد الذمة، وهو عقد دائم يتضمن الحقوق والواجبات للمسلمين وأهل الكتاب ويتم إقرارهم على دينهم، وتمتعهم بحماية الدولة الإسلامية، مقابل دفع مبلغ رمزي زهيد من المال على الغني القادرالقوي مع خضوعهم ـ كالمسلمين ـ للَحكام الشرعية في المعاملات، دون العقيدة والعبادة، وهذه الجزية تقابل واجب الزكاة والجهاد على المسلمين فإن شارك الذمي بالجهاد سقطت عنه الجزية عند فريق من الفقهاء. وكل هذه المعاملة متفرغة عن التسامح الديني أولاً، وحرية الاعتقاد والتدين ثانياً، والنظرة الإنسانية لهم ثالثاً، وإن الإسلام يكرم الإنسان ويتعامل معه بمجرد كونه إنساناً، وإن خالف في العقيدة والدين 1. 7ـ الحرية عند الفقهاء نرى من عناية الإسلام بالحرية وقدرها أن الفقهاء يقولون: إذا وجد صبي غير معروف نسبه مع مسلم وكافر فقال الكافر: هو ابني، وقال المسلم هو عبدي، يحكم بحريته وبنوته للكافر، وذلك لأن بهذا الحكم ينال الحرية حالاً، وسوف ينال الإسلام فيما بعد حين يكبر ويفهم الدلائل على وجود الله، وعلى بعثة نبيه محمد بخير الأديان وأكملها، تلك هي أحكام الفقه الإسلامي التي ورثناها نحن عن القرون الوسطى، فماذا يفعل رواد المدينة الحديثة؟ وما هي الأساليب المتبعة في سرقة عقائد المرضى والمعوزين واللقطاء والسذج؟ لقد عرفت البشرية التسامح الإسلامي في التاريخ بصورة مشرقة لم تعرف البشرية له مثيلاً، ولا نظيراً في القديم والحديث وشهادات المستشرقين والمؤرخين طافحة بذلك، ويحسن مقارنتها بما فعل الرومان قبل الإسلام، مع المخالفين لهم بالعقيدة، وما فعله الأسبان في الأندلس، وما ارتكبه الصليبيون في القدس وبلاد الشام، ومن 1 حقوق الإنسان للزجيلي صـ180.

عدد الصفحات ٨١

82 يفعله كثير من غير المسلمين اليوم في أوروبا، وروسيا وآسيا، والشيشان وبورما وكشمير، مما لا مجال للتوسع فيه1. إن الإسلام يتمسك بحرية المعتقد في عالم مشحون بأنواع الفتن والاضطهاد وقد أصيب أتباعه بضر شديد من حدة هذا التعصب ومع ذلك فإن مبدأ المعاملة بالمثل لم يدخل في سياسته العامة، ولم ينتقص أطراف الحرية الواسعة التي رسمها للدخول فيه. وقد حاول السلطان العثماني "سليم الأول" أن يوحد الدين في مصر، وأن يكره الآخرين على الدخول في الإسلام، ولعل ذلك كان رداً سياسياً على توحيد الدين في أسبانيا واستئصال شأفة الإسلام من أرضها لكن شيخ الإسلام رفض هذا العمل، وأبى إلا أن تكون حرية الاعتقاد على منهجها الإسلامي السمح مهما صنع الآخرون2. 8ـ من مقاصد الجهاد حماية حرية المعتقدات ذهب العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور إلى أن من أصول الشريعة حرية الاعتقاد، فمنعت كل وسائل الإكراه وفي الوقت نفسه لم تدخر وسعاً في التأكيد على ضرورة إظهار الحق وإقامة العقيدة وتحميل الأفراد والجماعة مسؤولية صيانتها والدفاع عنها، ومنع الفتنة عن معتنقيها، ولو باستعمال القوة، والاجتهاد في إحباط مخططات خصومها، فكان من أعظم مقاصد الجهاد حماية حرية المعتقدات والتعدد الديني ومنع الإكراه، قال تعالى:" الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهَُّ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهَِّ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهَِّ كَثِيرًا " (الحج، آية : 40.) وفي قوله "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " (البقرة، آية : 256)، تمثل قاعدة كبرى من قواعد الإسلام، وركناً عظيماً من أركان سماحته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه ولا يسمح لأحد أن يكره أهله على الخروج منه، ومن أجل ضمان عدم الإكراه أوجب الإسلام على المسلمين التمكن من القوة للقيام في وجه من يحاول فتنتهم عن دينهم وأمر المسلمين أن يعتمدوا في دعوة خصومهم أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة لتبيين الرشد من الغي3، فالحرية مقصد الجهاد أداة لحمايتها، إذ لا تصان ـ غالباً ـ حرية ضعيف، وذلك م ا أكده صاحب المنار في تفسيره :" وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ " (البقرة، آية : 193). أي حتى يكون الإيمان في قلب المؤمن آمناً من 1 حقوق الإنسان للزجيلي صـ177. 2 سماحة الإسلام د. عمر عبد العزيز صـ138،139. 3 الحريات العامة راشد الغنوشي1 /72.)

عدد الصفحات ٨٢

83 زلزلة المعاند، فالدين لا يكون خالصاً لله إذا كفت الفتن عنه وقوي سلطانه حتى يجرؤ على أهله أحد1. وفي تفسير الآية لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " عند صاحب الظلال: وليس يعقل في شيء أن دعوة الإسلام التي كافحت لفرض حرية الاعتقاد، ولاقى أهلها الأهوال، وهم قلة مستضعفة في مكة، من طرف قوى الضلال والشرك التي عابت على المسلمين مخالفتهم دين الآباء والأجداد، ولم تدخر وسعاً في اضطها د المسلمين ومنعهم من حظهم في الاختيار، ليس جائزاً في منطق العقل والأخلاق أن ينتصب هؤلاء في الغد وقد مكن لهم في الأرض جلادين سفاحين يسومون أصحاب العقائد الأخرى العسف والهوان لحملهم على خلاف ما يعتقدون، فكيف يعقل أن يحصل ذلك؟ بل شواهد التاريخ بعد أدلة العقل والنقل، متضافرة على أن أهم غايات الجهاد الإسلامي كسر شوكة الطواغيث وابطال سحرهم وبطشهم وترك الناس بعد ذلك وما يدينون ... سالمونا وتركوا فتنتنا عن ديننا والتظاهر علينا بعدونا، ولا غرو بعد ذلك أن كانت أرض الإسلام أرض الحرية الدينية التي فاء إلى ظلها أبناء كل الطوائف المضطهدة من طرف أهل دينها، فما استقر لها مقام ولا ازدهر لها كيان، إلا في ظل حماية الإسلام شأن كثير من الفرق المسيحية واليهودية التي التجأت إلى أرض الإسلام، وكثير منها لا أثر لها اليوم في غير بلاد الإسلام، فقد استأصلتها الكنائس الكبرى2. ثالثاً إعتراف الباحثين الغربيين بحقيقة سماحة الإسلام: 1ـفقد جاء عن العالم والمستشرق البريطاني السير توماس أرنولد بهذا الصدد ما ترجمته حرفياً: إننا إذا نظرنا إلى التسامح الذي امتد إلى رعايا المسلمين من المسيحيين في صدر الحكم الإسلامي، ظهر أن الفكرة التي قد شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق. وقد أورد العالم المذكور العديد من الشواهد الدالة على أن الحكم الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين كان يكفل حرية العقيدة الدينية كفالة تامة، وبصورة خاصة للمسيحيين حيث قال: ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن، عسكر أبو عبيدة في محل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: يا معشر المسلمين أنتم أحب الينا من الروم وإن كانوا على ديننا أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا وقال في موضع آخر بأن الفتح الإسلامي قد جلب إلى القبط في مصر حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل لك بقرن من الزمان، وقد تركهم عمرو بن العاص أحراراً على أن يدفعوا 1 تفسير المنار3 /439.) 2 في ظلال القرآن نقلاً عن الحريات العامة للغنوشي 1 /74.)

عدد الصفحات ٨٣

84 الجزية، وكفل الحرية في إقامة شعائرهم الدينية وخلصهم بذلك من هذا التدخل المستمر الذي أنَّ وا من عبئه الثقيل في ظل الحكم الروماني1. 2ـوقد اعترف غيره من الباحثين الغربيين بأن الفتح الإسلامي في صدر الإسلام خاصة لم يكن كغيره من الفتوحات سلباً ونهباً أو تحكماً في الرقاب وإنما كان ناشراً للدعوة والعدالة والتسامح الديني فيما يفتحه من البلاد2، فالدكتور "جوستافلوبون" يقول في كتاب حضارة العرب: كان يمكن أن تعمي فتوحات العرب الأولى أبصارهم فيقترفون من المظالم ما يقترفه الفاتحون عادة ويسيئون معاملة المغلوبين ويكرهونهم على اعتناق دينهم الذي كانوا يرغبون بنشره في أنحاء العالم ولو فعلوا ذلك لتألبت عليهم جميع الأمم التي كانت بعد غير خاضعة لهم ولأصابهم مثل ما أصاب الصليبيين عندما دخلوا بلاد سوريا مؤخراً، ولكن الخلفاء السابقين الذين كان عندهم من العبقرية ما ندر وجوده في دعاة الديانات الجديدة، أدركوا أن النظم والأديان ليست مما يفرض قسراً فعاملوا أهل سوريا ومصر وإسبانيا وكل قطر استولوا عليه بلطف عظيم تاركين لهم نظمهم وقوانينهم ومعتقداتهم غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة في مقابل حمايتهم لهم، وحفظ الأمن بينهم، والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب3. 3 ـويقول روبرتسون في كتابه تاريخ شارلكان: أن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الجهاد والتسامح نحو اتباع الأديان الأخرى الذين قلبوهم وتركوهم أحراراً في إقامة شعائرهم الدينية4. 4 ـوقال ميشود في كتابه تاريخ الحروب الصليبية: إن الاسلام الذي أمر بالجهاد متامسح نحو الأديان الأخرى وهو قد أعفى البطارقة والرهبان ـ على الخصوص ـ لعكوفهم على العبادات، ولم يمس عمر بن الخطاب رضي الله عنه النصارى بسوء حين فتح القدس، وقد ذبح الصليبيون المسلمين وحرقوا اليهود عندما دخلوها5. 5 ـ ويقول الكونت هنري دي كاستري في كتابه الإسلام خواطر وسوانح: بعد أن برز المسلمون في ثوب جديد أمام أهل الأرض قاطبة هو المسالمة وحرية الأفكار في المعاملات، وتتابعت آيات القرآن تأمر بالمحاسنة، بعد تلك الآيات كانت تنذر القبائل المارقة.. هكذا كانت تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم بعد إسلام العرب، وقد اقتفى أثره فيها الخلفاء من بعده6. 1 الدعوة للإسلام السير أرنولد نقلاً عن نظام الحكم في العهد الراشدي صـ 182. 2 روح الدين الإسلامي، عفيف طبارة صـ 410،413. 3 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين صـ182. 4 المصدر نفسه صـ182. 5 المصدر نفسه صـ182. 6 المصدر نفسه صـ183.

عدد الصفحات ٨٤

85 6 ـوقد أكد الدكتور دي كاستري بأن فتوحات المسلمين التي تمت في صدر الإسلام لم تكره أحداً على الدخول في الإسلام، حيث قال: فلم يكن لأحد عليه بالسيف ولا باللسان، بل دخل القلوب على شوق واختيار نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالألباب. 7 ـويقول روبرتسون بذات المعنى: إن شيعة محمد هم وحدهم الذين جمعوا بين المحاسنة ومحبة انتشار دينهم، وهذه المحبة التي دفعت العرب في طريق الفتح وهي سبب لا حرج فيه، فنشر القرآن جناحيه خلف جيوشه المظفرة، إذ أغاروا على الشام وساروا سير الصواعق إلى أفريقيا الشمالية من البحر الأحمر إ لى المحيط الأطلنطي، ولم يتركوا أثراً للعسف في طريقهم، إلآ ما كان لا بد منه في كل حرب وقتال، فلم يقتلوا أمة أبت الإسلام1. 8 ـوجاء أيضاً في كتاب العالم الإسلامي الجديد شرحاً مطولاً عن حقيقة الحروب التي لجأ إليها المسلمون حيث خلص للقول: ولم يبتق العرب من فتوحاتهم إحراز المغانم ودرس المعالم، بل كانوا ضد ذلك، أبناء أمة كريمة تحب العلم والتعلم وتجل ميراث الحضارات السابقة، وقد تشابكت بين الغالبين والمغولبين أرحام المصاهرة وعقدت قلوبهما على الاخوة الدينية فلم يلبث الفريقان أن انتزج بعضهما ببعض ليخرجا للناس حضارة جديدة هي حضارة الإسلام التي أحيت آثار اليونان والفرس والروم وطبعتها بطابع العزيمة العربية والعبقرية الإسلامية2. إن الإسلام لا يجيز الحق والقتال إلا بصورة استثنائية، ومن أجل أهداف سامية ونبيلة يسعى إلى تحقيقها، والإسلام يدعو في الأصل إلى السلام والحرية والعدل والمساواة والعفو والتسامح والتعاون على أعمال البر والتقوى والرحمة وإلى المحبة الشاملة ..الخ. إذا كان بالرغم من دعوته هذه يرى بأن الحرب أو الجهاد ضرورة اجتماعية لابد منها في بعض الأحيان، فما ذلك إلا دفعاً للشر والبغي والظلم والعدوان، واتقاء للفتنة والفساد وإحقاقاً للحق وإعلاء لكلمة الله، وصيانة للحرية، وتعزيزاً لأواصر السلام والرحمة والود الحقيقة بين الناس جميعاً 3، وحسبنا أن نذكر من الآيات العديدة الدالة على جنوح الإسلام نحو السلام الآيات التالية: ـ قال تعالى:" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ " (البقرة، آية : 208.) ـ وقال تعالى فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُّ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً " (النساء، آية : 90.) 1 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين صـ184. 2 المصدر نفسه صـ185. 3 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين صـ 183.

عدد الصفحات ٨٥

86 ـ وقال تعالى وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا " (الأنفال، آية : 61.) وقد أحسن الدكتور معروف الدواليبي حين وصف الإسلام بقوله: فهو سلام في إسمه، وسلام في تحيته وسلام في ليلة نزوله، وسلام في إسم ربه، وسلام في عقيدته ما بين العقل والإيمان، وسلام فيما بينه وبين أصحاب الأديان، وسلام وإحسان في مطالب الحياة الخاصة، وسلام وبر فيما بين الآخذين بمبادئه وبين سائر الناس ما لم يقاتلوهم في الدين أو يخرجوهم من الديار، فإنه عندئذ فقط حرب على الظلم والعدوان وذلك أيضاً في سبيل السلام، وهو سلام أيضاً في النظام العام، فلا طبقية ولا عرقية ولا أجناس، وسلام في الحكم وعدل ما بين العرب وغير العرب، وما بين المسلمين وغير المسلمين، وأخيراً وبكلمة واحدة، فهو سلام في سلام في سلام 1. رابعاً: إبطال عبودية البشر لل بشر: من مقاصد القرآن الكريم إبطال عبودية البشر، وتعميم الحرية لكل الناس، ومن فوائد الفقه قول الفقهاء: الشارع متشوف للحرية، فذلك استقراؤهم من تصرفات الشريعة، التي دلت على أن من أهم مقاصدها إبطال العبودية وتعميم الحرية، ولكن دأب الشريعة في رعي المصالح المشتركة وحفظ النظام العام، وقف بها على إبطال العبودية بوجه عام، وتعويضها بالحرية، وإطلاق العبيد من رق العبودية، وإبطال أسباب تجدد العبودية مع أن ذلك يخدم مقصدها، كان ذلك التوقف من أجل أن نظام المجتمعات في كل قطر قائم على نظام الرق، فكان العبيد عمال في الحقول، وخدم في المنازل والغروس، ورعاة للَنعام، وكانت الإماء حلائل لسادتهن، وخادمات في منازلهم وحاضنات لأبنائهم، فكان الرقيق لذلك من أكبر الجماعات التي أقيم عليها النظام العائلي والاقتصادي والاجتماعي لدى الأمم حين طرقتهم دعوة الإسلام، فلو جاء الإسلام يقلب ذلك النظام رأساً على عقب، لا نفرط عقد نظام المدينة انفراطاً تعسر معه عودة انتظامه، فهذا هو موجب إحجام الشريعة على إبطال الرق الموجود، وأما إحجامها عن إبطال تجدد سبب الاسترقاق الذي هو الأسر في الحروب فلَن الأمم التي سبقت ظهور الإسلام قد تمتعت باسترقاق من وقع في أسرها، وخضع إلى قوتها وكان من أكبر مقاصد سياسة الإسلام إيقاف غلواء تلك الأمم، والانتصاف للضعفاء من الأقوياء وذلك ببسط جناح سلطة الإسلام على العالم، أمنت عواقب الحروب الإسلامية، وأخطر تلك العواقب في نفوس الأمم السائدة الأسر والاستعباد والسبئ، لما ترددت الأمم من العرب وغيرهم في التصميم على رفض إجابة الدعوة الإسلامية اتكالاً على الكثرة والقوة، وأمناً من وصمة الأسر والاستعباد 2، كما قال 1 المصدر نفسه صـ184. 2 مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور صـ393.

عدد الصفحات ٨٦

87 صفوان بن أمية في مثله: لأن تربني قريش خير من أن تربني هوازن، وكما قال النابغة: حذاراً على أن لا تُنال مقادلتي ولا نسوتي حتى يمُتن حرائراً 1 فنظر الإسلام إلى طريق بينمقصدي: نشر الحرية وحفظ نظام العالم، بأن سلط عوامل الحرية على عوامل العبودية مقاومة لها لتقليلها، وعلاجاً للباقي منها وذلك بإبطال أسباب كثيرة من أسباب الاسترقاق، وقصره على سبب الأسر خاصة، فأبطل الاسترقاق الاختياري، وهو بيع المرء نفسه، أو بيع كبير العائلة بعض أبنائها، وقد كان ذلك شائعاً في الشرائع، وأبطل الاسترقاق لأجل الجناية، بأن يحكم للجاني ببقائه عبداً للمجني عليه، وقد حكى القرآن الكريم حالة مصر :" قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ " (يوسف، آية : 75.) وقال كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُو سُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ " (يوسف، آية : 76.) وأبطل الاسترقاق في الدين الذي كان شرعاً للرومان وكان أيضاً من شريعة سولون في اليونان من قبل وأبطل الاسترقاق في الفتن والحروب الداخلية الواقعة بين المسلمين، وأبطل استرقاق السائبة، كما استرقت السيارة يوسف عليه السلام إذ وجدوه ثم إن الإسلام التفت إلى علاج الرق الموجود، والذي سيوجد بروافع ترفع ضرر الرق، وذلك بتقليله عن طريق تكثير أسباب رفعه، وبتخفيف آثار حالته وذلك بتعديل تصرف المالكين في عبيدهم الذي كان مالكه معنتاً 2. ومن منافذ الحرية للَرقاء التي فتحها الإسلام 1ـ جعل الإسلام تحرير الأرقاء قربة إلى ا وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ " (البلد، آية : 12.) 2ـ كفارة يمين الحانث: إطعام عشرة مساكين، أو تحرير رقبة. 3ـ كفارة الظهار لمن أراد أن يرجع زوجته بدايته تحرير رقبة، قال الله تعالى وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " (المجادلة، آية : 3.) 4ـ من أفطر في نهار رمضان: فعليه كفارة، منها تحرير رقبة 5ـ ملك اليمين إذا أنجبت من سيدها، تسمى "أم ولد، فإذا مات سيدها قبلها صارت حرة. 6ـ المكاتبة: أن يتفق العبد مع سيده على مبلغ من المال يدفعه أويقوم بعمل يصير بعده حراً، قال تعالى:" الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللهَُّ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ 1 المصدر نفسه صـ392. 2 مقاصد الشريعة

عدد الصفحات ٨٧

88 يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهَِّ الَّذِي آتَاكُمْ " (النور، آية : 33.) 7ـ العبد الذي يملكه اثنان أو جماعة، فإذا حرر واحد منهم نصيبه، امتنع أن يباع العبد. 8ـ تحرير الأرقاء مصرف من مصارف الزكاة، قال تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِّ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِّ وَاللهُّ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " (التوبة، آية : 60.) لقد انقرض الرق أمام أبوب الحرية التي فتحها الإسلام، ولم يكن الإسلام أول من أباح الرق، بل كان أول من حرر الأرقاء بأسلوب منطقي، بأسلوب الترغيب تارة وبأسلوب الترهيب تارة أخرى عن طريق الكفارات كما رأينا. لقد قتل الإسلام مشاعر الإحساس بالعبودية، بأن ترفع عن نداء العبد بكلمة عبدي، وإنما بأسلوب أرقى وهو كلمة: غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي، قال صلى الله عليه وسلم:"لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي، ولا يقل أحدكم: ربي وليقل سيدي1. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشديد في الخدمة، ففي الحديث: لا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه فليغنه، والأمر بكفاية مؤنتهم وكسوتهم ففي حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبيدكم خولكم، إنما هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل أخوة تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس2. ونهى عن ضربهم الضرب الخارج عن الحد اللازم، فإذا مثل الرجل بعبده عتق عليه3. فمن استقراء هذه التصرفات ونحوها حصل لنا بأن الشريعة قاصدة بث الحرية، والقضاء على العبودية للمخلوقات. خامساً: الردة: 1ـ الردة في اللغة الردة في اللغة هي الرجوع عن الشئ إلى غيره، قال في مجمل اللغة: رد: رددت الشئ، رداً وسم ي المرتد: لأنه رد نفسه إلى كفره4. والإرتداد: الرجوع ومنه المرتد، والرَّدة ـ بالكسر ـ اسم منه، أي : الإرتداد 5. 1 حقوق الإنسان في الإسلام د. مبارك الهاجري صـ107. 2 البخاري رقم2552، مسلم رقم2249. 3 مقاصد الشريعة، محمد الطاهر بن عاشور صـ395. 4 مجمل اللغة لابن فارس ( ا372.) 5 مختار الصحاح للرازي صـ239

عدد الصفحات ٨٨

89 2ـ الردة في الإصطلاح: تعني الإنقطاع عن الإسلام إلى الكفر، والمرتد هو من كان مسلماً تقرر إسلامه بالشهادتين مختاراً بعد الوقوف على أسس الإسلام وأركانه من الرجال والنساء، وكان بالغاً عاقلاً، ولو مميزاً طوعاً، ولو هازلاً وكان كفره بصريح القول1،أو الفعل2، أو الكتابة، أو الإشارة3. ومن الأمور التي قرر العلماء دخولها تحت طائلة الكفر والردة مايلي أ ـ سب النبي صلى الله عليه وسلم. ب ـ إنكار المحرمات الثابتة بدليل قطعي لا شبهة فيه، كإنكار تحريم الخنزير أو الخمر. ج ـ إنكار ما علم من الدين بالضرورة، كإنكار الصلوات الخمس أو عدد الركعات. ح ـ إنكار أمر من أمور الاعتقاد الثابت بدليل قطعي لا شبهة فيه، كإنكار أن القرآن من عند الله وإثارة الشك حول هذه العقائد. خ ـ جحود الفرائض التي تثبت بدليل. س ـ قطعي كالصوم والصلاة والحج. ع ـ إستباحة المحرمات الثابتة بدليل لا شبهة فيه كإنكار تحريم الربا4. 3ـ آيات القرآن الكريم في شأن الردة ورد ذكر الكفر بعد الإيمان ـ الردة ـ في القرآن الكريم في بضع عشرة آية، عبر القرآن الكريم في بعضها بلفظ الردة وفي بعضها بتعبير الكفر بعد الإسلام. ـ فأما تعبير الردة فقد ورد في قوله تعالى" وَلايَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " (البقرة، آية : 217.) ـ وفي قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهَُّ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَْمْرِ وَاللهَُّ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ " (محمد، آية : 25 ـ27.) ـ وأماتعبير الكفر بعد الإيمان فقد ورد في قوله تعالى:" مَن كَفَرَ بِاللهِّ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِّ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَّ لاَ يَهْدِي 1 كأن يقول صراحة اشرك بالله: ردة بالقول 2 كأن يلقى المصحف استخفافاً واستهزاً: ردة بالفعل 3 التوبة في ضوء القرآن الكريم د. آمال صالح صـ364 4 راجع العقوبة لأبي زهرة صـ182 ـ183.

عدد الصفحات ٨٩

90 الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُّ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ " (النحل، آية : 106 ـ109.) ـ وفي قوله تعالى أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ " (البقرة، آية : 108.) ـ وفي قولهتعالى:" كَيْفَ يَهْدِي اللهُّ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُّ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِّ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ " (آل عمران، آية : 86 ـ90.) ويرد التعبير بالكفر بعد الإيمان أيضاً في سورة ا لنساء في قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُّ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً " (النساء، آية : 137.) ـ وفي سورة التوبة لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَة مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ( التوبة، آية : 66.) ـ ويرد التعبير بالكفر بعد الإسلام في سورة التوبة أيضاً في قول الله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللهِّ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُ واْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُّ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُّ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير " (التوبة، آية : 74.) ومن بين هذه الآيات الكريمة نلاحظ أن آية واحدة هي مما نزل في مكة من القرآن الكريم وهي "مَن كَفَرَ بِاللهِّ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِّ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " (النحل، آية : 106)، في حين أن الآيات الأخرى هي آيات مدنية نزل بها الوحي على رسول ا صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد الهجرة، وبعد أن أقام الرسول صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية وكان هو حاكمها، والإسلام قانونها، يخضع له رعاياها من المسلمين وغير المسلمين بحكم الاتفاق الذي أبرمه الرسول مع أهل المدينة ومواطنيها عند الهجرة "وثيقة أو صحيفة المدينة" وبحكم السيادة الفعلية والقانونية للإسلام في الدولة وعلى الرغم من ذلك فإن الآيات الكريمة التي قدمنا نصوصها لا تشير من قريب أو من بعيد إلى أن ثمة عقوبة دنيوية ـ يأمر بها القرآن ـ لتوقع على

عدد الصفحات ٩٠

91 المرتد عن الإسلام، وإنما يتواتر في تلك الآيات التهديد المستمر بعذاب شديد في الآخرة1. ويستثنى من ذلك ما أشارت إليه آية سورة التوبة "يَحْلِفُونَ بِاللهِّ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُّ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُّ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير " (التوبة، آية : 74)، التي يتضمن نصها الوعيد بعذاب أليم في الدنيا والآخرة، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الآية لا تفيدنا في تحديد عقوبة للردة لأنها إنما تتحدث عن كفر المنافقين بعد إسلامهم، ومن المعلوم أن المنافقين لا عقوبة دنيوية محددة لهم لأنهم لا يظهرون الكفر، وإنما يخفونه ويظهرون الإسلام والأحكام القضائية في النظام الإسلامي إنما تبنى على الظاهر من الأعمال أو الأقوال، على الباطن الذي انطوت عليه القلوب أو أسرته الضمائر، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر، وأنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق فأفضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو يتركها2. وهكذا فإننا لا نجد في النصوص المتعلقة بالردة في آيات القرآن الكريم تقدير لعقوبة دنيوية للمرتد، وإنما نجد فيها تهديداً متكرراً ووعيداً شديداً بالعذاب الأخروي ولا شك أن مثل هذا الوعيد لا يرد إلا في شأن معصية لا يستهان بها وخطيرة الشأن3. 4ـ الأحاديث النبوية في شأن عقوبة الردة: لا يكاد يخلو كتاب من كتب الفقه الإسلامي من الإشارة إلى بعض آيات الكتاب العزيز التي تتحدث عن الردة، وما توعد الله عز وجل به المرتد في الآخرة غير أن الأساس الذي يستند إليه الفقهاء في شأن عقوبة المرتد وكونها من عقوبات الحدود هو بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأكثر هذه الأحاديث تداولاً على أقلام الفقهاء وفي كتبهم ثلاثة أحاديث وهي4: أ ـ حديث المحاربين من عُكل وعُرينة روى هذا الحديث الإمامان البخاري ومسلم ـ ورواه غيرهما ـ عن أنس رضي الله عنه: أن نفراً من عُكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فاستوخموا الأرض فسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أفلا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من ألبانها وأبوالها، قالوا: بلى. فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا، فقتلوا راعي رسول الله 1 في أصول النظام الجنائي الإسلامي د. محمد سليم العوا صـ208. 2 البخاري ومسلم اللؤلؤ والمرجان2 /192 ـ193.) 3 في أصول النظام الجنائي الإسلامي صـ209. 4 المصدر نفسه صـ211.

عدد الصفحات ٩١

92 صلى ا عليه وسلم وأطردوا النعم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهم، فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا1، وفي بعض الروايات أنه كان للإبل "رعاة" وأن العرنيين قتلوهم ومثلوا بهم2. وقد فهم بعض العلماء من هذا الحديث أن العقوبة التي وقعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي العقوبة المقررة للمرتد، فذكروا الحديث تحت عنوان "حكم المحاربين والمرتيدين"3. أو باب المحاربين من أهل الكفر والردة4، وأما الرأي السائد بين جمهور العلماء فهو أن النفر من عُكل وعُرينة لم يقتلوا لمجرد الردة وإنما قتلوا لكونهم محاربين وفي ذلك يقول ابن تيمية: هؤلاء قتلوا مع الردة وأخذوا الأموال فصاروا قطاع طريق، محاربين لله ورسوله5. ب ـ حديث الأسباب المبيحة لدم المسلم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قتل المسلم لا يباح إلا في حالة من ثلاث حالات أو بسبب من ثلاثة أسباب: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين المفارق للجماعة6. قال العلامة ابن رجب: والقتل بكل واحدة من هذه الخصال متفقعليه بين المسلمين7 ج ـ حديث من بدل دينه فأقتلوه روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه. وقد روى هذا الحديث أيضا أبو داود في سننه والإمام مالك في الموطأ وغيرهم8. وهذا الحديث هو أقوى ما يؤيد المذهب السائد في الفقه الإسلامي من أن المرتد يعاقب بالقتل حداً 9. والواقع أن الفقهاء لم يقولوا بسريان الحكم الوارد في الحديث على كل من بدل دينه، وإنما كما يقول الإمام مالك "ولم يعن بذلك، فيما نرى والله أعلم، من خرج من 1 صحيح مسلم بشرح النووي11 /155.) 2 في أصول النظام الجنائي صـ212. 3 الإمام مسلم، الصحيح11 /153.) 4 الإمام البخاري الصحيح بشرح ابن حجر12 /109.) 5 الصارم المسلوم على شاتم الرسول صـ322. 6 البخاري في الديات رقم6878. 7 جامع العلوم والحكم صـ311، شرح الحديث الرابع عشر 8 موطأ الإمام مالك صـ458 فتح الباري12 /267.) 9 في أصول النظام الجنائي الإسلامي صـ215.

عدد الصفحات ٩٢

93 اليهودية إلى النصرانية، ولا من النصرانية إلى اليهودية ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها الإسلام، فمن خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك، فذلك الذي عُني به والله أعلم1. والحديث على الراجح عند العلماء ليس على عمومه، لأن العموم يشمل من ترك دنيا غير الإسلام إلى دين الإسلام وليس هذا مراداً بالحديث باتفاق الجميع وقد احتج الجمهور لمذهبهم في عدم انطباق نص الحديث على من يغير دينه من غير المسلمين إلى غير الإسلام، بأن الكفر ملة واحدة، فلو تنصر يهودي لم يخرج عن دين الكفر، وكذا لو تهود الوثني فواضح أن المراد من بدّل بدين الإسلام دينا غيره؛ لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام قال تعالى:" إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِّ الإِسْلاَمُ " وما عداه فهو بزعم المدعي2. ويوردالأحناف على الحديث قيداً آخر يخصصون به عموم لفظه، حيث يرون أن المرتدة لا تقتل، وأن الحديث مقصور على المرتد من الرجال دون المرتدة من النساء وقد علل الحنفية ذلك بأن المرأة لا تقاتل، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل االنساء، والنهي عام، فيجري على عمومه ليشمل المرتدة3. فعلة قتل المرتد عند الأحناف أنه قد يقاتل المسلمين مع الكفار أو المشركين فلذلك يقتل، أما المرأة فليست من أهل القتال فلا تُقتل، ونسلم بما اتفق عليه جمهور فقهاء المسلمين من أن الردة عمل مجرّم في الشريعة 4. 1 الموطأ صـ459. 2 فتح الباري12 /272.) 3 المبسوط للسرخسي9 /108 ـ110) في أصول النظام الجنائي الإسلامي صـ216. 4 في أصول النظام الجنائي الإسلامي صـ216 ،217.

عدد الصفحات ٩٣

94 5 ـ هل الردة جريمة سياسيةتمثل في الخروج على نظام الدولة أم جريمة عقدية تدخل ضمن جرائم الحدود؟ إن الخلاف دائر حول مسألتين: هل الردة جريمة سياسية تمثل في الخروج عن نظام الدولة، ومن ثم يترك للإمام معالجتها بما يناسبها من التعازير ـ أي الجرائم غير المنصوص على عقوبة معينة فيها ـ أم هي جريمة عقدية تدخل ضمن جرائم الحدود التي هي حق الله فلا مناص للإمام من إقامة الحد فيها؟ الرأي الأول: وجهة نظر القائلين يقتل المرتد حداً: اتفق الجمهور على قتل المرتد، واعتبار ذلك حداً، واختلفوا هل نترك له فرصة التوبة أم لا؟ فذهب فريق إلى أنه يستتاب واختلفوا في الطريقة مرة أو مرتين أو مرات وهو قول "مالك وأبو حنيفة" أم شهراً، أم هو يستتاب أبد كما يقول النخعي 1. وقد ثبتت الروايات عن سيدنا عمر بن الخطاب وعن الفقيه التابعي الجليل إبراهيم النخعي، وعن الإمام الثوري: أنهم لم يروا القتل لازما في عقوبة الردة واكتفوا بحبس المرتد، ودعوته إلى التوبة والرجوع إلى الجماعة2. الرأي الثاني: الردة جريمة سياسية تعزيرية: يرى فريق كبير من المحدثين بأنها جريمة سياسية تتمثل في الخروج المسلح على حكم شرعي بما يجعلها تعزيرية، أي جريمة غير مقدرة عقوبتها متروكا تقديرها للإمام أو القاضي ويستدلون على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عفا لدى دخوله مكة عن قوم ارتدوا وتوعدهم بالقتل منهم عبد الله بن أبي السرح الذي كان من كتبة الوحي، ثم ارتد فقبل فيه شفاعة عثمان رضي الله عنه بينما امتنع عن العفو عن آخرين مما له دلالة واضحة على أن الردة جريمة تعزيرية لأن الحدود لا تجوز فيها الشفاعة3. ويرى الشيخ راشد الغنوشي: كل عمل منظم داخل المجتمع الإسلامي يستهدف تقويض بناء الإسلام يمثل عدوانا على النظام العام، والعقيدة جوهره، شأن مبادئ 1 الحريات العامة في الدولة الإسلامية1 /81.) 2 فقه الجهاد للقرضاوي1 /184.) 3 الحريات العامة1 /82.)

عدد الصفحات ٩٤

95 الديمقراطية ومقومات الهوية في الأنظمة الليبرالية أو العقيدة الماركسية في الأنظمة الشيوعية، ومن ثم كان على الحكومة في الدولة الإسلامية أن تقوم على حراسة الدين وصيانته، فتقدر مدى الخطورة على نظام الدولة في كل حركة جماعية منظمة بنيان الإسلام وبالخصوص إذا توسلت بطرائف العنف، لتعالجها بما يناسب من السياسات. وقال نحن: نرجح الرأي الثاني الذي يستشف من موقف الأحناف الذين اشترطوا في المرتد الذكورة باعتبار الأنثى ليست مظنة حمل السلاح وذهب إليه كثير من المحدثين مثل الإمام محمد عبده، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، وعبد الوهاب خلاف، وأبي زهرة، والشيخ عبد العزيز شاويش، ومن رجال القانون الدستوري فتحي عثمان، ود.عبد الحميد متولي، وعبد الحكيم حسن العيلي ود.حسن الترابي ود.محمد سليم العوا. وخلاصته: أن الردة جريمة لا علاقة لها بحرية العقيدة التي أقرها الإسلام وأنها مسألة سياسية قصد بها حياطة المسلمين، وحياطة تنظيمات الدولة الإسلامية من نيل أعدائها، وأن ما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم، في شأن الردة إنما هو باعتبار ولايته السياسية للمسلمين، وبذلك تكون عقوبة المرتد تعزيراً لا حداً وأنها جريمة سياسية تقابل في الأنظمة الأخرى بجريمة الخروج بالقوة على نظام الدولة ومحاولة زعزعته وتعالج بما يناسب حجمها وخطرها من معالجات1. ويرى الشيخ الشعرواي: إن شدة الإسلام على المرتد دليل على حرص الإسلام على حسن الاختيار، ودقة التحري عند الدخول في الدين، فهي دليل على حرية العقيدة لا على لزومها2. 6ـ الردة الفردية والجماعية هناك فرق بين الردة الفردية والردة الجماعية، فالردة الجماعية خروج على الدولة الإسلامية يتخذ صورة الخروج عن الدين. والدولة يجب عليها التصدي لها لمنع الأضرار المترتبة عليه والمرتدون جماعيا محاربون خارجون عن سلطان الدولة 1 المصدر نفسه1 /83.) 2 حقوق الإنسان د.محمود اسماعيل صـ303.

عدد الصفحات ٩٥

96 وعقيدتها ولا يجوز السكوت عليهم وإلا كانت مقصرة عن أداء واجبها في إقامة الدين. والردة الفردية نوعان: ردة تترتب على شبهة أو شبهات قامت بنفس المرتد وشغلت عليه عقله وملكت منه قلبه، وهو يديرها في حواره الذاتي ويتوقف عندها كثيراً أو قليلاً، ثم لا يعاني بها، ولا يدعو الناس إلى ما قام بنفسه منها، فهذا شأنه ونفسه، لا حق للدولة عنده ولا سبيل لها إلى مؤاخذته على رأيه، فضلاً عن محاكمته أو عقابه. وإذا كان هذا هو شأن الدولة، فإنه كذلك ـ من باب أولى ـ شأن الأطراد جميعاً إذ لن يعرف أحد ما ينطوي قلب الآخرين عليه وليس لأحد أن يفتش عما يعتقده الناس ليتبين إيمانهم أو كفرهم. والنوع الثاني: من الردة الفردية، نوع يخرج صاحبه معلنا إياه صارفا الناس عن الدين بالشبهات التي قامت عنده، وقد لا تكون عند غيره، فيشيعها في الناس، ويذيعها ويدعو إلى تبينها ويصورها كما لو كانت حقائق تصادم حقائق الدين أو عقائد تنافس عقيدة الإسلام، ومن هؤلاء من يظهر المعارضة والاعتراض على شرائع الإسلام جملة، أو على بعض منها تفصيلاً والواجب على الدولة أن تتيح للعلماء مناقشة هؤلاء وكشف شبهاتهم والرد على اعتراضاتهم المجملة والمفصلة، وأن تتيح لهم فرصة العودة إلى الجماعة والبقاء في إطار الملة، فإن أبوا تدخل النظام الجنائي لمحاسبتهم عن جريمة فتنة المؤمنين في دينهم ـ بعد كشف شبهاتهم ـ وهذه المحاسبة تتم في حدود نظام "التعزير"1، الذي هو نظام جنائي يوفر للدولة مكنة فرض العقوبات للَفعال الضارة بنظام المجتمع حماية له وتمكينا لقيمه "وكشف الشبهات" هو الذي يسمى "بالاستتابة" وهي لطلب التوبة أو التمكين منها بإيضاح الحقائق وإلقاء الضوء على فساد الآراء الكفرية أو المشككة التي لبِّس بها على هؤلاء أمر دينهم. وليست الاستتابة هي تحقيق التوبة أو قبولها أو التأكيد منها؛ لأن هذا الأمر قلبي محض ونفسي بحث لا يطلع عليه أحد إلا الله سبحانه وتعالى، وليس أحد مكلفاً بالتحقق من دين الناس، ولكن العلماء مكلفون بكشف الضلالات وإزالة الشبهات 1 في أصول النظام الجنائي الإسلامي صـ225.

عدد الصفحات ٩٦