65 ـ وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيتهم، فأما حبي لأهل بيتي، فإنه لم يحملني على أن أميل معهم إلى جور وظلم الآخرين، بل أحمل الحقوق عليهم وآخذ الحق منهم وأما إعطاؤهم فإني أعطيهم من مالي الخاص، وليس من أموال المسلمين، لأني لا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفني عمري، وجعلت مالي الذي لأهلي، وأقاربي، قال: الملحدون ما قالوا؟ وإني والله ما أخذت من مصر من أمصار المسلمين مالاً، ولا فضلاً، ولقد رددت على تلك الأمصار الأموال ولم يحضروا إلى المدينة إلا الأخماس من الغنائم، ولقد تولى المسلمون تقسيم تلك الأخماس، ووضعها في أهلها، ووالله ما أخذت من تلك الأخماس وغيرها فلساً فما فوق ه وإني لا آكل إلا من مالي، ولا أعطي أهلي إلا من مالي. ـ وقالوا: إني أعطيت الأرض المفتوحة لرجال معينين، وإن هذه الأرضين المفتوحة، قد اشترك في فتحها المهاجرون، والأنصار وغيرهم من المهاجرين، ولما قسمت هذه الأراضي على المجاهدين الفاتحين، منهم من أقام بها، واستقر فيها، ومنهم من رجع إلى أهله في المدينة أو غيرها، وبقيت تلك الأرض ملكاً له، وقد باع بعضهم تلك الأراضي، وكان ثمنها في أيديهم وبذلك أورد عثمان رضي الله عنه أهم الاعتراضات التي أثيرت عليه، وتولى توضيحها، وبيان وجه الحق فيها1، وترى من ذلك الدفاع المحكم ا لذي دافع به عثمان بن عفان رضي الله عنه، وساجل الصحابة فيه، وذاكرهم إياه صورة لما كان يجري من النقد المر العنيف له رضي الله عنه، وما كان يشيعه السبئيون من قالة السوء، وما يعملون على ترويجه من باطل مزيف، فقد أجمل رضي الله عنه ذكر الاعتراضات التي كانوا يعترضون بها عليه، وبين وجه الحق فيما يفعل، وأنه كان على بينة من أمره، وعلى حجة من دينه2. ـ الأسباب التي دعت إلى منع الصحابة من القتال ولما رأى بعض الصحابة إصرار عثمان رضي الله عنه على رفض قتال المحاصرين، وأن المحاصرين مصرون على قتله، لم يجدوا حيلة لحمايته سوى أن يعرضوا عليه مساعدته في الخروج إلى مكة هرباً من المحاصرين، فقد روى: أن عبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وأسامة بن زيد، عرضوا عليه ذلك، وكان عرضهم متفرقاً، فقد عرض كل واحد عليه ذلك على حدة، وعثمان رضي الله عنه 1 العواصم من القواسم صـ61 ـ111، تاريخ الطبري5 /355،356.) 2 عثمان بن عفان للصلابي صـ408.
عدد الصفحات ٦٥66 يرفض كل هذه العروض1، ويظهر للباحثين منخلال روايات الفتنة: أن هناك أسباباً منها: ـ العمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سارّه بها، وبينها عثمان رضي الله عنه يوم الدار، وأنها عهد به إليه وأنه صابر نفسه عليه2. ـ ما جاء في قوله: لن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء، أي أكره أن يكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك دماء المسلمين3، وغير ذلك من الاسباب وقد رأينا حرية التعبير عند ولاة عثمان وكذلك عند المعارضين وقدرة أمير المؤمنين عثمان على الحوار واتباع الحق والعدل. 4ـ في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه أقوال تدافع عن الحريات ومواقف تدعم هذا المبدأ في المجتمع الإسلامي فمن أقواله: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد4، وقوله الموجز هذا يدل على أن الاعتداء على الناس كافة بأي شكل كان غير جائز في الإسلام وذكر المعتدين بعذاب الله يوم القيامة، وعرف عنه قوله: ليس من العدل القضاء على الثقة بالظن5، وقوله هذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس من الجائز أخذ الناس بالشبهات والحكم عليه لمجرد الظنون والشكوك، بل ينبغي أن يكون ذلك بـ "الثقة" أي باليقين المستند إلى أدلة دامغة وأكيدة لا تقبل الجدل حولها، وخير هذه الأدلة ما نصت عليه الشريعة6، وبذلك يكون المبدأ الذي أقرته التشريعات الجزائية الحديثة القائل بأن المتهم يبقى بريئاً حتى إثبات العكس قد عرفه الإسلام منذ أمد بعيد7، وقد تجلى مبدأ الحرية على أروع صورة ومعانيه أيام علي رضي الله عنه، فبالرغم من وجود ظروف استثنائية، فتن ومؤامرات، وحروب تبرر الحاجة إلى تقييد حرية الأفراد في ذهابهم وإيابهم وإقامتهم، وما يسمى في العصر الحديث بقانون الطوارئ إلا أن علياً لم يقيد حرية أحد سواء كان من اتباعه أم من خصومه، ولم يكره أحد على الإقامة والبقاء في ظل سلطانه أو على الخروج منه، ولا حتى على المسير معه لمقاتلة أهل الشام عندما رفضوا ذلك، بل سمح لهم بالذهاب لبعض الثغور نزولاً على رغبتهم 8، وعندما ثار عليه الخوارج بعد معركة صفين بسبب قبول التحكيم، فإنه لم يكره أحداً منهم على البقاء في ظل سلطانه أو 1 فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه1 /166) للغبان 2 عثمان بن عفان للصلابي صـ427. 3 مسند الإمام أحمد1 /396.) 4 علي بن أبي طالب للصلابي صـ229. 5 المصدر نفسه صـ229. 6 المصدر نفسه صـ229. 7 المصدر نفسه صـ230. 8 المصدر نفسه صـ230.
عدد الصفحات ٦٦67 الخروج منه، بل بالعكس فقد كان يأمر عماله بعدم التعرض لهم في طريقهم ماداموا لا يفسدون في الأرض ولا يعتدون على الناس، وقال لهم: ..إن لكم عندنا ثلاثاً، لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا1. فقد سلم لهم أمير المؤمنين بهذه الحقوق ماداموا لم يقاتلوا الخليفة، أو يخرجوا على جماعة المسلمين مع احتفاظهم بتصوراتهم الخاصة في إطار العقيدة الإسلامية فهو لا يخرجهم بداية من الإسلام، وإنما يسلم لهم بحق الاختلاف دون أن يؤدي إلى الفرقة وحمل السلاح2، ولم يزج أمير المؤمنين بالخوارج في السجون أو يسلط عليهم الجواسيس، ولم يحجر على حرياتهم3. قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدم الحرام4. يقول فهمي هويدي: وبرغم الموقف الحاد من المعارضة والإنكار الذي اتخذه الخوارج من الإمام علي، طوال سنوات حكمه، فإنه قال لهم في صراحة وجلاء: لكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم في الفيء، ولا نبدأكم بقتال ما لم تحدثوا فساداً أي أنه ضمن لهم حرية العبادة في مساجد المسلمين وإن خالفوه في الرأي، كما ضمن لهم حقوقهم المدنية الأخرى بما في ذلك أنصبتهم من الغنائم ما لم يبدأوهم بالعدوان وإحداث الفساد5. 5ـ حرية التعبير في عهد معاوية بن أبي سفيان كان معاوية رضي الله عنه يفرق بين المعارضة السلمية والمسلحة، فهو يطلق حرية الكلام والتعبير عن الرآي ما دام ذلك في حدود التعبير عن الرأي، أما إذا انقلب الأمر إلى حمل السلاح وسل السيوف قام بمواجهتهم بالقوة، فقد روي عنه أنه قال: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا6. وقال عامله في العراق زياد بن أبية في خطبته لأهل البصرة: إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعاً ولم أهتك له ستراً، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره7، ويقول عن أحد معارضيه: لو علمت أن مخ ساقه قد سال من بغضي ما هجته حتى يخرج علي8، وإليك بعض المواقف التي تدل على حرية التعبير، وحق المعارضة السلمية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمعاوية وكيف كان يستقبل تلك الانتقادات. 1 المصدر نفسه صـ230. 2 علي بن أبي طالب صـ538 للصلابي 3 المصدر نفسه صـ538. 4 حقوق الإنسان د. محمود اسماعيل صـ314. 5 المصدر نفسه صـ314. 6 معاوية بن أبي سفيان للصلابي صـ203. 7 المصدر نفسه صـ203. 8 المصدر نفسه صـ203.
عدد الصفحات ٦٧68 أ ـ أبو مسلم الخولاني فقد كان رحمه الله من العلماء الربانيين وكان مما لا يجامل ولا يداهن، فقد قام أمام معاوية فوعظه وقال: إياك أن تميل على قبيلة من العرب فيذهب حيفك بعدلك1، وكان يذكر معاوية بمسؤولياته تجاه رعيته ويحثه على أداء حقوقه، فقد دخل ذات يوم على معاوية فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقال الناس: الأمير، فقال معاوية: دعو أبا مسلم فهو أعلم بما يقول، قال أبو مسلم: إنما مثلك مثل رجل إستأجر أجيراً فولاه ماشيته، وجعل له الأجر على أن يحسن الرعية، ويوفر جزازها وألبانها، فإن أحسن رعيتها ووفر جزازها حتى تلحق الصغيرة، وتسمن العجفاء، أعطاه أجره وزاده من قبله زيادة، وإن هو لم يحسن رعيتها وأضاعها حتى تلك العجفاء، وتعجف السمينة ولم يوفر جزازها وألبانها غضب عليه صاحب الأجر. فقال معاوية: ما شاء الله2، فأنظر كيف حث أبو مسلم الخولاني معاوية رضي الله عنه على الاهتمام بأمر الرعية وحذره من التهاون أو التفريط في إصلاح شؤونهم وذلك عن طريق ضرب المثل تقريباً للصورة وتشبيهاً للحال 3، وهناك موقف عملي آخر لأبي مسلم الخولاني مع معاوية أيضاً، وذلك عندما صعد المنبر ـ وكان قد حبس العطاء ـ فقام أبو مسلم وقال له: لم حبست العطاء يا معاوية؟ إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك، ولا من كد أمك حتى تحبس العطاء، فغضب معاوية غضباً شديداً، ونزل عن المنبر، وقال للناس: مكانكم وغاب عن أعينهم ساعة ثم عاد إليهم، فقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الغضب من الشيطان والشيطان خلق من نار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل، وإني دخلت فأغتسلت وصدق أبو مسلم: إنه ليس من كدي وكد أبي، فهلموا إلى أعطياتكم4. ب ـ الفرزدق يهجو معاوية هجا الفرزدق معاوية وأفتخر عليه بنسبه وآبائه وذلك لغرض شخصي، حيث أعطى معاوية عم الفرزدق الحتات بن يزيد المجاشعي، وكان ضمن وفد أتى معاوية ـ جائزة أقل من الآخرين، ولما مات الحتات بن يزيد المجاشعي في الطريق، أخذ معاوية تلك الجائزة وردها إلى إلى بيت المال، فقال الفرزدق يخاطب معاوية: فلو كان هذا الأمر في جاهلية علمت أن المرء قليل جلائبه ولو كان هذا الأمر في غير ملككم لأبديته أو غصّ بالماء شاربه 1 سير أعلام النبلاء4 /13). 2 معاوية بن أبي سفيان صـ204. 3 المصدر نفسه صـ204. 4 أثر العلماء في الحياة السياسية في الدولة الأموية صـ307.
عدد الصفحات ٦٨69 وكم من أب لي يا معاوية لم يكن أبوك الذي من عبد شمس يقاربه فما زاد معاوية على أن بعث إلى أهل الحتات بجائزته1، وقد ظفر معاوية بتقدير زعماء المسلمين من أبناء الصحابة رغم نقد بعضهم المرير له، وكان كثيراً ما يقول: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكثر من حلمي، أو عورة لا أواريها بستري، أو إساءة أكثر من إحساني2، وكان أحياناً، يتمثل بهذه الابيات: تعفو الملوك عن الجليل من الأمور بفضلها ولقد تعوقب في اليسير وليس ذاك لجهلها إلا ليُعرف فضلها ويخاف شدة نكلها 3. لقد كان معاوية رضي الله عنه، يجرّئ الناس على الصدع بمعتقداتهم وآرائهم ويشجعهم على حرية الرأي والتعبير وحق النقد والمعارضة السلمية4. 6ـ ضوابط حرية التعبير وقيودها من هذه الضوابط والقيود: أ ـ ألا يدعو في رأيه إلى إستخدام العنف وسفك الدماء في المجتمع، وألا يدعو إلى ثورة دموية تسفك دماء الناس وتعتدي على دمائهم وأعراضهم وأموالهم بالباطل، فإذا دعا إلى شيء من هذا فيزجر عن ذلك ويمنع من ذلك ويعاقب على ذلك، قال تعالى:" إِنَّمَا جَزَ اء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَّ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاف أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ " (المائدة، آية : 33.) ب ـ ألا تصل حرية الرأي إلى نشرالكفر البواح والارتداد عن الدين وتعطيل أحكام الشرع بأحكام الجاهلية وأخلاق الجاهلية، قال تعالى:" أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِّ حُكْمًا لِّقَوْم يُوقِنُونَ " (المائدة، آية : 50.) ج ـ ألا يدعو إلى الإباحية والشذوذ واللواطوالسحاق والأمراض الأخلاقية الذميمة، وألا يدعو إلى شرب الخمر والمسكرات والمخدرات وارتكاب المحرمات من ميسر وغيره فإن ذلك يفسد العقل، وينشر العداوة والبغضاء بين الناس5، قال تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِّ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ " (المائدة، آية : 90 ـ91.) 1 معاوية بن أبي سفيان للصلابي صـ205. 2 المصدر نفسه صـ205. 3 تاريخ الطبري6 /253.) 4 معاوية بن أبي سفيان صـ207 للصلابي 5 حرية الرأي د. محمد أبو فارس صـ139.
عدد الصفحات ٦٩70 ح ـ أ يبدي الرأي دون سب أو فتنة، وعدم الجهر بالسوء، وذلك بالخوض في حق الناس بما يتنافى وسمعة المسلم، إلا من أصابه ظلم1، قال تعالى لاَّ يُحِبُّ اللهُّ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ " (النساء، آية : 148)، وعدم الخوض في أعراض الناس وإذاعة أسرارهم لما يؤدي إليه ذلك من استهتار بالقيم الأخلاقية، وتزيين الرذيلة والانحلال الخلقي بين أفراد المجتمع2. س ـ الإعلان عن الرأي في أسلوب لين كريم حتى لا يكون ذلك سبباً في صدور الناس عن سماع الرأي وتركه، قال تعالى مخا طباً موسى أخاه هارون عليهما السلام:" اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى " (طه، آية : 43 ـ44.) وقال سبحانه مادحاً النبي صلى الله عليه وسلم وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ " (آل عمران، آية : 159.) والإعلان عن الرأي عند ما يكون بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن يصل الإنسان إلى هدفه بكل سهولة، قال تعالى:" ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " (النحل، آية : 125.) وقد جاء التوجيه القرآني الكريم بالتزام القول الحسن، وترك ما عداه مما لا فائدة منه، أو مما فيه مضرة بالدين أو في العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع المسلم، وقد حدد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ضوابط الكلام، وآدابه تحديداً دقي قاً وواضحاً نجمل منه شيئاً منه فيما يلي: ـ الضوابط المتعلقة باللفظ في مثل قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا َْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ " (البقرة، آية : 104.) ـ الضوابط المتعلقة بالمضمون في مثل قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِّ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِّ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " (الأعراف، آية : 33.) ـ والضوابط المتعلقة بالهدف والأسلوب في مثل قوله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهََّ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا " (الأحزاب، آية : 70.) ـ الضوابط المتعلقة بالتوقف والتثبت من المصدر في مثل قولهتعالى:" وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِّ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً " (النساء، آية : 83.) 1 المشاركة في الحياة السياسية صـ112 د. مشير عمر المصري 2 المصدر نفسه صـ113.
عدد الصفحات ٧٠71 والآية الأخيرة إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" 1، وعن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن قيل وقال2، الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبيت، ولا تدبير ولا تبيين3. ـ كما حرم الله ورسوله الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور والسب والشتم والقذف في أدلة ظاهرة معلومة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة4. 7 ـحرية الرأي في الدعوة إلى الله: لقد قدم الأنبياء عليهم السلام، نماذج رائعة من الحوار الرفيع مع خصومهم في استمالتهم للإسلام ودحض الحجج المخالفة من أجل إرساء الاعتقاد على أساس متين من البرهان، ولنا أن نستهدي بالمناظرات التي دارت بين إبراهيم عليه السلام وبين طاغية بلاده وبينه وبين أبيه، وكذا سائر الأنبياء، وصولاً إلى النبي الخاتم وكيف عالجوا عليهم السلام حجج خصومهم بالحسنى بعيداً عن المهاترات والمشاحنات التي تردى إليها الجدل الفكري والسياسي اليوم وسارت على هديهم الحياة الفكرية في عهد الصحابة والتابعين، وفي عصور الإسلام الزاهرة حيث كانت تتم المناظرات داخل الفرق الإسلامية أو بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى في بلاطات الملوك أو في المساجد لا سلطان عليها لغير الحجة والبرهان، فكان ذلك تعبيراً واضحاً على تسامح الإسلام وعلى المنزلة العليا التي أولاها للعقل وللعلم وللحرية5. 8 ـ حرية غير المسلمين في التعبير سيكون لغير المسلمين في الدولة الإسلامية من حرية الخطابة والكتابة والرأي والتفكير والاجتماع ما هو للمسلمين سواء بسواء، وسيكون عليهم من القيود والالتزامات في هذا الباب ما على المسلمين أنفسهم، فيجوز لهم أن ينتقدوا الحكومة وعمالها، حتى رئيس الحكومة نفسه ضمن حدود القانون6. فالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية تعترف بتعدد الهويات الثقافية داخل المجتمع، وتسمح لها بالتفاعل بحرية، لتتعاون المكونات المتنوعة في صنع الحضارة الإنسانية النافعة لبني الإنسان. 1 صحيح مسلم رقم7 (1 /31.) 2 صحيح مسلم رقم4458. 3 حرية التعبير محمد الخرعان صـ45. 4 المصدر نفسه صـ46. 5 الحريات العامة راشد الغنوشي (1 /78.) 6 نظرية الإسلام وهديه للمؤدودي صـ316.
عدد الصفحات ٧١72 المبحث الثالث: حرية الاعتقاد يقف الإسلام بين الأديان والمذاهب والفلسفات شامخاً متميزاً في هذا المبدأ الذي قرر فيه حرية التدين، فهو يعلنها صريحة لا مواربة فيها ولا التواء، أن:" لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِّ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُّ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " (البقرة، آية : 256.) فالإسلام من منطلق الثقة بصدق الدعوة، ورجحان الكفة، وتكامل الرسالة ووضوح الحجة، وانتصاف العقل1،وأكتمال الأدلة لا يكره أحداً على الدخول في عقيدته، أو الإيمان بدعوته2. وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه وهذه من أخص خصائص التحرر الإنساني تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب متعسفة ونظم مذلة، لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله ـ باختياره لعقيدته ـ أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية، فإما أن يعتنق مذهب الدولة، وإما أن يتعرض للموت بشتى الوسائل والأسباب. إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق "الإنسان" التي يثبت له بها وصف إنسان، فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء والإسلام ـ هو أرقى تصور للوجود وللحياة ـ وهو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين، ويمنع أصحابه ـ قبل سواهم ـ إكراه الناس على هذا الدين ـ فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المتعسفة، وهي لا تسمح لمن يخالفها بالحياة؟ والتعبير ـ في الآية ـ يرد في صورة النفي المطلق " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " نفي الجنس كما يقول النحويون ـ أي نفس جنس الإكراه ابتداء، فهو يستعبده من عالم الوجود والوقوع، وليس مجرد نهي عن مزاولته، والنهي في صورة النفي ـ والنفي للجنس ـ أعمق إيقاعاً وآكد دلالة 3. 1 اعتداله وصحة حكمه 2 حقوق الإنسان بين التطبيق والضياع د. محمود اسماعيل عمار صـ298. 3 في ظلال القرآن1 /29.)
عدد الصفحات ٧٢73 وصحيح أن الإسلام حارب أعداءه، ورفع السيف في وجه مخالفيه دفاعاً عن النفس، أو تكسيراً للحدود التي تحول دون وصول الدعوة، وتحطيماً للَقفاص الكبيرة التي سجنت فيها الشعوب، فمنعت التواصل الفكري ولكنه يقف عند هذا الحد، ولا يتجاوزه، ولا يتدخل في قلوب الناس وعقولهم إلا بالمنطق والإقناع " وَجَادِلْهُ م بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " (النحل، آية : 125.) ويترك بعد ذلك مطلق الحرية في الاختبار والتسليم وقبول الدعوة، وعدم الإكراه " قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ "؟ فليمس الضمير البشري لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهدى وتهديه إلى الطريق، وتبيين الإيمان التي أعلن أنها أصبحت واضحة1، وأنضجت سمات الدعوة، ورجحان كفتها، وغلبة منطقها، وما تمنحه للإدراك البشري من تصور، وطمأنينة وسلام، وما تثيره في النفس البشرية من اهتمامات رفيعة، ومشاعر نظيفة " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِّ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُّ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " (البقرة، آية : 256). وما قيمة إسلام أو إيمان يفرض على صاحبه، فيتظاهر بالقول، ويدعي الموافقة، وقلبه مليء بالحقد والعداوة والكيد والتدبير، إن حذره أكثر من نفعه وخطره أقوى من خيره، وخوفه أقرب من أمنه، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُ واْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْم آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللهُّ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِّ شَيْئًا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُّ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " (المائدة، آية : 41.) ولما كانت حرية الاعتقاد حقاً من حقوق الإنسان وقراراً شخصياً يتحمل المرء تبعاته كان القرآن الكريم صريحاً صراحة تامة في مواجهة الناس بهذه الحقيقة ليختاروا بمحض إرادتهم، وترك الباب أمامهم مفتوحاً. قال تعالى:" إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ " (التكوير، آية : 27 ـ28.) ـ وقال تعالى ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا " (النبأ، آية : 39.) ـ وقال تعالى وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ " (الكهف، آية : 29.) 1 في ظلال القرآن المصدر نفسه
عدد الصفحات ٧٣74 يقول الشيخ محمد الغزالي: في كتابي: جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج أحصيت أكثر من مائة آية تتضمن حرية التدين وتقيم صروح الإيمان على الإقناع الذاتي، وتقصي الإكراه عن طريق البلاغ المبين، إنه الأمرما يجيء بختام خاص لسورة براءة التي نزلت في السنة التاسعة يقول عن الكافرين " فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُّ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " (التوبة، آية : 129)، وهو ختام لا رائحة للإكراه فيه1. ولا يملك أحد الضغط على الناس، أو إكراههم علىالإيمان حتى ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم ـ صاحب الدعوة ـ كما يفهم من آية براءة، وكما في قوله تعالى:" وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ " (يونس، آية : 99.) ومبدأالإكراه مرفوض من الأصل، ولا يتوقع لأحد يفهم رسالة الإسلام أن يمارسه، لأنه يخالف طبيعة الدعوة، ويناقض أهداف الرسالة ولو شاء ربك لخلق هذا الجنس البشري خلقة أخرى، فجعله لا يعرف إلا طريقاً واحداً هو طريق الإيمان كالملائكة مثلاً، أو لجعل له استعداداً واحداً يقو د جميع أفراده إلى الإيمان، ولو شاء كذلك لأجبر الناس جميعاً وقهرهم عليه 2، ولكن الله أمرهم بالإيمان وخلق لهم اختياراً له وقصداً، وجعل لهم استعداداً للخير والشر، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يكره أحداً لأنه لا مجال للإكراه في قضية شخصية 3. ولم يتبع الإسلام في يوم من الأيام وهو دعوة الحق، ما تفعله المذاهب والاحزاب من أساليب الإغراء والتضليل والزخرفة، والوعود الكاذبة، بل واجه متبعيه بالواقعية والصراحة، حتى قال: ـ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّ مَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " (البقرة، آية : 155.) ـ وقال تعالى لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ " (آل عمران، آية : 186.) هذا محك من محكات حسن الاختيار، والتمييز بين الإيمان عن اقتناع عميق وفكر راسخ وبين الإيمان عن تبعية وتقليد، أو هوى شخصي، أو مطلب دنيوي ومصدر للمراجعة والتثبت، وعدم التسرع في اتخاذ القرار، وهذا كله في الدنيا أما في الآخرة فلا ينجو المرء من نتيجة عمله، ومسؤولية قراره، ولهذا عقب على آية الكهف :" 1 السنة النبوية صـ128 ـ129. 2 في ظلال القرآن3 /1821.) 3 حقوق الإنسان د. محمود اسماعيل صـ302.
عدد الصفحات ٧٤75 وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ "، والتي قررت حرية الاختيار بقوله تعالى:" إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً " (الكهف، آية : 29 ـ30.) ومن يدخل في الإسلام كمن يدخل في حديقة غناء، كلما أوغل فيها وجال في أرجائها عرف مزاياها، وأدرك حقيقتها وتعلق بها وبما استرجع بخياله قسوة الصحراء التي فيها من قبل، ولكنه لا يفكر أبداً في العودة إليها، إلا إذا اختلت مقاييسه، وأصيب بعقله كذلك1. أولاً: حرية العقيد في عهد النبوة كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكره أحداً من أهل الكتاب على الدخول في الإسلام، وكانت تتردد في جميع الكتب التي وجهها إلى القبائل التي أسلمت أو عاهدت عبارة واحدة هي: ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها، وعليه الجزية. وكان لا يقاتل أهل الكتاب إلا بعد إنذارهم بذلك وبعد رفضهم الإسلام أو الجزية2، وأنهم متى قبلوا أداء الجزية فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعطيهم ذمته وأمانه بحيث يتمتعون بذات الحقوق التي يتمتع بها المسلمون ويحق لهم ممارسة شعائرهم الدينية3. وقدأوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بمعاملة المعاهدين من أهل الكتاب معاملة حسنة وبعدم الاعتداء عليهم بأي شكل كان، فقال: إلا من ظلم معاهداً أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا أخصمه يوم القيامة 4. وجاء في الصلح الذي أجراه الرسول صلى ا عليه وسلم مع نصارى نجران ما يؤكد بأن الإسلام يكفل حرية العقيدة الدينية كفالة تامة، ولنجران وحاشيتها حوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله، على أموالهم وأنفسهم وملتهم، وبيعهم وغائبهم وشاهدهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، وكاهن من كهانته، ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش5. ولم يسمع عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قتل أحداً من أهل الكتاب لأنه لم يسلم، ولم يعرف عنه أنه عذب أحداً أو منعه من التعبد عن طريقته، بل سمعنا بأنه 1 المصدر نفسه صـ303، حقوق الإنسان محمود اسماعيل 2 روح الدين الإسلامي عفيف طبارة صـ398. 3 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين، حمد محمد صـ175. 4 المصدر نفسه، صـ75. 5 المصدر نفسه صـ75.
عدد الصفحات ٧٥76 أظهر تسامحاً كبيراً نحو أهل ا لذمة لدرجة أنه سمح لنصارى نجران بالصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم1، وقد اضطر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إجلاء بعض قبائل اليهود "كبني قينقاع، وبني النضير" عن المدينة وضواحيها، كما إضطر إلى محاربة اليهود في "خيبر" لأنهم واجهوا الدين الجديد بالعداء وقاوموا الدولة الإسلامية منذ ولادتها مقاومة عنيفة وعملوا كل ما في وسعهم من أجل القضاء عليها، فأثاروا العصيان ودبروا الفتن والمؤامرات، وحاولوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم ودسوا له السم في الطعام2. ثانياً: حرية الاعتقاد في عهد الخلفاء الراشدين كانت حرية العقيدة الدينية في عهدهم مكفولة ومصانة تماماً للمعاهدين وأهل الذمة كما يظهر بوضوح من خلال العهود والمواثيق التي كان يعطيها الخلفاء لهم بعد قبولهم بدفع الجزية ورضوخهم لحكم المسلمين أو من خلال الأقوال والأوامر والتوصيات التي كانت تصدر عن الخلفاء بشأنهم بين الحين والآخر، أو من خلال أفعال وممارسات الخلفاء وسائر القادة والحكام وحتى عامة المسلمين ويظهر ذلك أيضاً من خلال اعتراف الباحثين الغربيين المنصفين بحقيقة التسامح الذي أظهره المسلمون لرعاياهم إبان الفتوحات في صدر الإسلام3. 1ـ بالنسبة للعهود والمواثيق فإنها تكاد تكون واحدة، وهي تكفل جميعها للمعاهدين وأهل الذمة الأمن والطمأنينة وكافة الحريات بما في ذلك حرية العقيدة الدينية والحق بإقامة الشعائر الدينية بحرية تامة في ديارهم دونما حسيب أو رقيب ودونما معارضة أو مراقبة وقد جاء على سبيل المثال في عهد عمر رضي الله عنه، إلى أهل اللد ما حرفيته:" بسم الله الرحمن الرحيم" هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا مللها، ولا من صلبهم ولا من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، وعلى أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل مدائن الشام وعليهم أن خرجوا مثل ذلك الشرط4. وجاء أيضاً في العهد الذي كتبه عمر في أوج ظفره وانتصاره إلى أهل إيلياء: إعطاء الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم.. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا 1 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين صـ176. 2 المصدر نفسه صـ176. 3 المصدر نفسه صـ176. 4 أخبار عمر للطنطاوي صـ299.
عدد الصفحات ٧٦77 ينتقص منها ولا من خيرها، ولا من صلبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار على أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وبلغ هذا العهد الذروة في الكمال والعدالة والتسامح في هذه الفقرة من فقراته التي تقول: ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وما له مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم1. وجاء في العهد الذي أعطاه خالد بن الوليد لأهل دمشق: أعطاهم أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دروهم لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة الخلفاء والمؤمنين، لا يعرض لهم إلا بخير إذا ما أعطوا الجزية2، كما جاء في كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة: وايما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام3. 2ـ بالنسبة للأقوال والأوامر والتوصيات أ ـ فأبو بكر رضي الله عنه أوصى أسامة بن زيد وجيشه لما أرسله إلى الشام لقتال الروم بألا يتعرض للذين يمارسون شعائرهم الدينية في أماكن العبادة فقال له: وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له 4، فالمسلمون يحترمون العقائد والأديان السابقة ودعوة الصديق تدل على سماحة الإسلام وعدله واحترامه لعقائد الناس. ب ـ وعمر رضي الله عنه، لخص سياسته حيال النصارى واليهود بقوله :"وإنما أعطيناهم العهد على أن تخلي بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم، وإن لا نحملهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدوهم سوء قاتلنا دونهم، وعلى أن نخلي بينهم وبين أحكامهم، إلا أن يأتوا راضين بأحكامنا فنحكم بينهم وان غيبوا عنا لم نتعرض لهم5. ج ـ وعثمان رضي الله عنه، أوصى عماله في بدء خلافته بأهل الذمة والمعاهدين فجاء في أول كتاب بعث به إليهم: ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم وجاء في كتابه الثاني الذي بعث به إلى عمال الخراج: والوفاء ولا تظلموا اليتيم ولا المعاهد فإن الله خصم لمن ظلمهم6. 1 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين صـ177. 2 المصدر نفسه صـ177. 3 المصدر نفسه صـ177. 4 أبو بكر الصديق للصلابي صـ172. 5 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين صـ177. 6 المصدر نفسه صـ178.
عدد الصفحات ٧٧78 س ـ وعلي رضي الله عنه، فعل ذات الشيء فأوصى عماله بأن يحسنوا معاملة أهل الذمة والمعاهدين حيث جاء في عهده للَشتر: فلا تغدرن بذمتك ولا تخيسن بعهدك ولا تختلي عدوك، فإنه لا يجتري على الله إلا جاهل شقي، وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد 1. 3ـ أما بالنسبة للأفعال والممارسات والتطبيق: فقد أتت تصرفات الخلفاء وسائر القادة والحكام والافراد ذات دلالة أكثر وأعمق مما تضمنته العهود والمواثيق والوصايا بالجهة كفالة حرية العقيدة الدينية لأهل الذمة أو المعاهدين، ومن الأمثلة والشواهد الدالة على ذلك: أ ـ جاء عن عمر أنه كان شديد التسامح مع أهل الذمة، فقد روي عنه أنه أعفى شيخاً يهودياً منها نظراً لكبر سنه وعدم قدرته على آدائها وتصدق عليه من بيت مال المسلمين وأمر برفع الجزية عن كل ذمي لا يقدر على أدائها وأن يفرض له من بيت المال ما يكفيه هو وعياله ما أقام بدار الإسلام2، وأنه مر ذات يوم بأرض من الشام فيها قوم نصارى مجذومون فأمر أن يعطوا من الصدقات وأن يجري عليهم القوت3. ب ـ ومن مظاهر تسامح عمر الديني الذي لم يعرف التاريخ له مثيلاً، إن صلاة الظهر أدركته أثناء قيامه بتفقد كنيسة القيامة، فأشار عليه البطريق "صفرنيوس" أن يصلي بها لأنها من مساجد الله فأعتذر منه قائلاً: لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي ثم خرج وصلى بمفرده خارج الكنيسة على الدرجة التي على بابها وكتب بعد ذلك كتاباً يتضمن أنه لا يصلي أحد من المسلمين على الدرجة إلا واحد ولا يجتمعون بها للصلاة، كما اعتذر ولذات السبب أيضاً عن الصلاة بكنيسة قسطنطين المجاورة لكنيسة القيامة وصلى في مكان قريب أمام الصخرة المقدسة حيث شيد فيه المسجد الأقصى4. ج ـ وروى عن عمر أيضاً أن أمرأة جاءته في حاجة لها، وكانت غير مسلمة فدعاها إلى الإسلام فأبت، فتركها وشأنها ثم أخذ يراجع نفسه فخشى أن يكون في دعوتها إلى الإسلام وهو أمير المؤمنين، إكراه لها على اعتناق هذا الدين، فاتجه إلى ربه ضارعاً قائلاً: اللهم ارشدت ولم أكره 5. وقد بقيت الحرية الدينية حتى نهاية الحكم الراشدي مكفولة لأهل الذمة والمعاهدين ومصانة تماماً حتى من قبل أولئك الخوارج الذ ين إنشقوا عن الصف الإسلامي وأعلنوا غضبتهم على كافة الفرق الإسلامية في أيام علي رضي الله عنه، بحيث 1 المصدر نفسه صـ178. 2 نظام الحكم الراشدي صـ179. 3 المصدر نفسه صـ179. 4 المصدر نفسه صـ179. 5 المصدر نفسه صـ179.
عدد الصفحات ٧٨79 كانوا يستبيحون سفك دماء المسلم إذا كان من اتباع علي أو من أتباع معاوية في حين أنهم كانوا لا يتعرضون لأهل الذمة بأي سوء إذا صادف أن وقع أحد منهم بين أيديهم بل كانوا يبالغون أحياناً في تكريمه وحمايته 1. س ـ وقد روي أن أهل مصر لما تخلصوا من حكم الروم بعد ما تم فتح بلادهم على أيدي المسلمين كانوا يقولون: ما خرج الروم من الأرض وانتصر عليهم المسلمون إلا لما ارتكبه هرقل من الكبائر، وما أنزله بالقبط وملتهم على يد قيرس، لقد كان هذا سبب ضياع أمر الروم، وفتح المسلمين لبلاد مصر، وإن رهبان القبط لما عرفوا أن عمرو بن العاص جعل حرية العقيدة الدينية من أسس سياسته، خرج عدد كبير منهم من الاديرة التي كانوا قد اعتصموا بها خوفاً من اضطهاد الروم وساروا إلى عمر يعلنون له الطاعة، وكان كبير الرهبان البطريق بنيامين قد اعتصم هو أيضاً ولذات السبب في صحراء مصر بأقصى الصعيد، وقد عرف عمرو أن القبط يكنون للبطريق المذكور محبة كبيرة لذا خصه باحترام خاص في عهد الأمان الذي كتبه للقبط جميعاً حيث قال فيه: فليأت البطريق الشيخ آمناً على نفسه وعلى الذي ن بأرض مصر والذين في سواها لا ينالهم أذى ولا تخفر لهم ذمة، ولما عرف بنيامين بذلك خرج من مخبئه بالصحراء، وسار إلى الإسكندرية فدخلها دخول الظافر وسط ابتهاج القبط، وبعد أن تم اجتماعه بعمرو بن العاص وتأكده من حقيقة سياسته السمحاء قال لاتباعه: عدت إلى بلدي الإسكنرية فوجدت بها أمناً من الخوف واطمئناناً بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة وبأسهم2. 4ـ المعاملة الإنسانية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور أهل الكتاب في المدينة، ويكرمهم ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، وسار المسلمون على سنته ونهجه طوال التاريخ وكان هذا السلوك القويم أحسن وسيلة للدعوة للإسلام، والترغيب فيه والتحبيب بأحكامه، بما دفع الملايين إلى إعتناقه وإن منهج الإسلام في المعاملة الإنسانية لا يفرق بين الناس في الدين والعقيدة ولذلك أوجب العدل بين جميع الناس، ومنع الظلم عامة وحمى الدماء، والابدان والأموال والأعراض للمسلمين ولغير المسلمين وأمر بالإنصاف ولو مع اختلاف الدين، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للهِِّ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَّ إِنَّ اللهَّ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " (المائدة، آية : 8.) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة 3. 1 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين صـ180. 2 المصدر نفسه صـ180. 3 سنن أبي داؤد2 /152) ، البيهقي5 /205.)
عدد الصفحات ٧٩80 وكان عمر بن الخطابرضي الله عنه يسأل القادمين من الاقاليم عن حال أهل الذمة، كما يسأل عن المسلمين والولاة، والقضاة وكان علي رضي الله عنه يقول: إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا1. وكانت المعاملة الأدبية الإنسانية مع غير المسلمين سبباً رئيساً في ترغيب الن اس في الإسلام، ودخولهم في العقيدة، ومشاركتهم في الدين وانطوائهم تحت راية الإسلام2. 5ـ أساس العلاقة مع غير المسلمين نص القرآن الكريم على أساس العلاقة مع غير المسلمين، فقال تعالى:" لاَ يَنْهَاكُمُ اللهَُّ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهَُّ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " (الممتحنة، آية : 8 ـ9.) فالاساس في التعامل هو البر والقسط مع الناس جميعاً، ولو كانوا غير مسلمين، إ إذا قاتلوا وحاربوا واضطهدوا، فهنا يشرع القتال، والحرب والجهاد ضدهم وذكر العلامة القرافي المالكي معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم فقال: وأما ما أمر به من برهم، من غير مودة باطنة، فالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم وأكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف بهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال أذاهم في الحوار، مع القدرة على إزالته، لطفاً منا بهم، لا خوفاً وتعظيماً، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على ذفع الظلم عنهم، وإيصالهم بجميع حقوقهم وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله، فإن ذلك من مكارم الأخلاق3. 6ـ معاملة أهل الكتاب ينهي القرآن الكريم عن مجادلة أهل الكتاب في دينهم إلا بالحسنى، حتى لا تقع العداوة والبغضاء، والشحناء والضغينة، والأحقاد والطائفية بين الناس، ولا يكون الجدل والعصبية سبيلاً إلى تغيير النفوس، قال تعالى:" وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " (العنكبوت، آية : 46.) كما أباح الإسلام مؤاكلة أهل الكتاب، والأكل من ذبائحهم، واستعارة الأواني منهم، وأجاز مصاهرتهم، والتزوج من نسائهم، المحصنات العفيفات. 1 حقوق الإنسان في الإسلام محمد الزجيلي صـ176. 2 المصدر نفسه صـ177. 3 حقوق الإنسان، الزجيلي صـ178.
عدد الصفحات ٨٠