المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحريات من القرآن الكريم حرية التفكير، والتعبير، والاعتقاد والحريات الشخصية

علي محمد الصلابي

صفحة ٤ من ١٠

49 ـ " فكر" ومشتقاته ـ تتفكروا ـ يتفكرون ـ ..إلخ ذكرت 19 مرة ـ "وعي" ومشتقاته ـ تعيها ـ أوعى ـ وأعية ـ إلخ ذكرت4 مرات1 والإسلام يقرر للإنسان أن يفكر فيها شاء وكما يشاء، وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير أما إذا فكر الإنسان في أعمال محرمة ولم يأت بها فلا شيء عليه، لأن العلة في ذلك أن الشريعة لا تعاقب الإنسان على أحاديث نفسه، ولا تؤاخذه على ما يفكر فيه من قول وفعل محرم ، وإنما يؤاخذه على ما آتاه من قول أو فعل محرم، فذلك معنى قول الرسول صلى عليه وسلم: " إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم2 وخلاصة ذلك أن الإسلام جعل للفرد حرية الفكر والتدبر والنظر، وحرية الفكر في الإسلام حرية شاملة تشمل المسلم وغير المسلم. والمجتمع الإسلامي كفل هذه الحرية ليميز الفرد في مجتمعه بين الحق والباطل، وبين الغث والسمين، حتى يصل إلى الحقيقة، ولتكون المصلحة لمجتمعه، ولتزدهر الحياة الثقافية التي تضمحل دائماً في حكم الإستبداد كيفما كان لونه. فحرية الفكر في الإسلام مصونة، وعلى الدولة أن تتكفل بحمايتها في كل إعتداء عليها إلا أن هذه الحرية مرهونة بشرطين أساسيين هما: ــ عدم التفكير في ذات الله، لأن حرية الفكر والتفكير قاصرة على ما أظهره الله لخلقه من آيات، ولأن العقل محدود في العلم من هذه الناحية، ومن ثم يجب أن يقف الفكر عند حدود علمه وقدرته. ــ ومنع الفكر المؤدي إلى هدم المجتمع والدولة العادلة أو أصل من أصول الدين3 ومنالأساليب التي أستخدمها القرآن الكريم من أجل حث الإنسان على التفكير واستعمال العقل بصورة جلية: 1ـ حث القرآن الكريم الناس على أن يستعملوا عقولهم، ويفكروا في الإيمان ورسوله، قال تعالى: " قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة أَن تَقُومُوا للهَِِّ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا " (سبأ ، آية : 46.) وفي تفسير طبيعة الرسالة وشخصية الرسول يقول تعالىقُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِّ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ " (الأنعام ، آية : 50.) وفي لفت النظر إلى أسرار التشريعات المختلفة عبادية أو إجتماعية، قال تعالى "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن 1 المجتمع اإسلامي صـ225 2 فتح الباري5 /190) رقم2528 3 المجتمع الإسلامي صـ226.

عدد الصفحات ٤٩

50 نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللهُّ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ " (البقرة ، آية : 219.) وفي إشعار الإنسان بأن هذا الكون كله خلق لارتفاقه ويسر بره وبحره وعلوه وسفله له1. قال تعالى وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَات لَّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ " (الجاثية ، آية : 13.) 2 ـ وحث القرآن الكريم البشر على أن يستعملوا عقولهم فيما تراه عيونهم ببساطة من ظواهر يومية، ويفكروا فيها، وفي سبب وكيفية وجودها وذلك حتى يعرفوا أن هنالك سبباً، وهناك علاقة بين كل ما يتضمنه هذا الكون الذي ترتيبه بإحكام ودقة، وفي النظر في السماوات وما حوته، وفي الأرض وما عليها، يقول تعالى:" قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " (يونس، آية : 101.) وقال تعالى أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهَُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُّسَمًّى " (الروم، آية : 8.) ـ وقال تعالى أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِْبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَْرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ " (الغاشية، آية : 17 ـ20.) ـ وفي النظر في أصل نشأة الإنسان وخلقه يقول تعالى فَلْيَنظُرِ الإِْنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِق * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ " (الطارق، آية : 5 ـ7.) ـ وقال تعالى أَوَلَمْ يَرَ الإِْنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ " (يس، آية : 77.) 3ـ وحفز القرآن الكريم العقل الإنساني على التفكير وهاجم الذين يلغون عقولهم وتفكيرهم، ونعي عليهم هذه الطريقة في الحياة التي تجعلهم كالدواب، ذلك أن العقل الإنساني وملكة التفكير هي التي تميز الإنسان من الحيوان، قال تعالى:" وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ " (الأعراف، آية : 179.) 4ـ ونبه القرآن الكريم إلى العوائق الواقعية التي تعطل التفكير، وطلب إزالتها حتى لا تقف بوجه العقل الإنساني والتفكير الصحيح، فرفض التبعية الفكرية والإيحاء الفكري المتوازن عائلياً واجتماعياً فأكد بذلك شخصية كل فرد واستقلاليته الفكرية. 1 حقوق الإنسان محمد الغزالي صـ80

عدد الصفحات ٥٠

51 ـ قال تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُّ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ " (البقرة، آية : 170.) فاتباع الآباء تقليداً لمجرد كونهم آباء جاء في هذه الآية في سياق التخطئة والإنكار والتوبيخ، كما تشير إليه الهمزة المستعملة هنا في معنى الإنكار والتوبيخ، وكما يشير إليه ورود الآية عقب الزجر عن إتباع خطوات الشيطان تنبيهاً على جامع المنع بينهما، وتوجيها إلى وجوب أن يتحرر العقل في تفكيره من حكم التقليد للآباء، ويسلك مسلك النظر الاستدلالي الحر1. ـ وقال تعالى بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِّن نَّذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ " (الزخرف، آية : 22 ـ23.) فالمترفون عادة لا يريدون التفكير في الأسس الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية، لأنهم طبقة مستفيدة من الوضع القائم، فهي لا تريد حتى التفكير في وضع جديد2. كما نبه القرآن الكريم إلى عائق آخر ذو تأثير عملي، فقال وهو الطاعة العمياء ب فكر لأصحاب الجاه والسلطان، قال تعالى:" وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ " (الأحزاب، آية : 67.) 5ـ واستعمل القرآن الكريم أسلوب المقارنة الفكرية بين الشيء وضده لينشط العملية الفكرية، وليخلق ملكة المقارنة ويطور المقدرة على التفكير بشكل واضح3 ــقال تعالى: " هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ " (الرعد ، آية : 16.) ــ وقال تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُّ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُّ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَار " (إبراهيم ، آية 24 ـ26.) 6 ـوإفراد القرآن الكريم مكانة خاصة للذين يفكرون، ويتعمقون في التفكير ويصبح تفكيرهم علماً نافعاً للإنسان في هذه الحياة وميزهم عن غيرهم وما ذلك إلا مرحلة أخرى متقدمة من كيفية طلب التفكير وضرورته واحترام العقل الإنساني ودفعه نحو أرقى مراحل العلم، قال تعالى: " يَرْفَعِ اللهَُّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات " (المجادلة ، آية : 11.) 1 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ196. 2 الإيمان بالقرآن الكريم د. علي الصلابي صـ105. 3 المصدر نفسه صـ105.

عدد الصفحات ٥١

52 7 ـوالقرآن الكريم شرَّع من التشريعات المحرّرة للتفكير من العوائق الداخلية القائمة بنفس الدور في الإعاقة عن التفكير الحرّ النهي عن الخضوع للهوى بشعبه المختلفة سواء تمثل في الميل إلى شهوات النفس أو في متابعة عواطف الحب والكره فيما تسوق إليه من جور أو التعصب الأعمى لفكرة أو لنحلة أو لعرق، فكل ذلك ممّا من شأنه أن يكبل حركة الفكر في بحثه عن الحقيقة ويهدر منهجه المنطقي في ذلك البحث، ويوجّهه في وجهة ما رسمه الهوى من مشرب، ليصدر منه عن معتقدات تناسبه هو وإن كانت ضالة في ذاتها ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: " فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهَِّ " (ص ، آية : 26.) ــ وقوله تعالى: فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ " (النساء، آية : 135.) ففي الآيتين وأضرابهما تشريع بوجوب تحرير الفكر من سيطرة الهوى ليتعامل مع القضايا المبحوث فيها بموضعية توصيل إلى الحق، وتعصم من الضلال1. فالتوجيه القرآني أمر بتحرير العقل من سلطان الأهواء والشهوات التي من شأنها أن تقيد حركته الحرة في التفكير فيتجه نحو اعتقاد ما تقتضيه هي ما لا يقتضيه العقل بمبادئه المنطقية فتصادر إذن حرية التفكير والاعتقاد وإن يكن بهذا السلطان الداخلي من ذات الإنسان، ومن ذلك ما جاء في القرآن الكريم من الإنكار الشديد على من اتخذ من الهوى إلهاً يتبع أوامره ونواهيه في حركته العقلية بما يلغي حريته في ذلك بصفة كاملة وهو مقتضى قوله تعالى:" أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً " (الفرقان، آية : 43.) ومن ذلك أيضاً ما جاء من نهي مشدد عن أن يكون لأهواء النفوس استبداد على العقل يفضي به إلى الخطأ في معتقده وبالتالي إلى الجور في أحكامه وهو ما يفيده قوله تعالى:" وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى " (المائدة، آية : 8.) ومن ذلك التوجيه المنهجي أيضاً ما جاء في القرآن الكريم من إنكار شديد على أولئك الذين سلطوا على أنفسهم سلطاناً خارجياً يتبعون ما يُريهم من المعتقدات فيفقدون بذلك حريتهم في التفكير، ويفقدون بالتالي حريتهم في الاعتقاد جراء هذا السلطان الخارجي الذي حكموه في عقولهم، وقد يكون ذلك السلطان متمثلاً في الآباء والاجداد، كما يكون متمثلاً في الكهنة ورجال الدين أو كل من يمكن من النفوس فيسطوا عليها، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى:" إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِ هِم مُّقْتَدُونَ " (الزخرف، آية : 23.) وما جاء في قوله تعالى اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِّ " (التوبة، آية : 31). 1 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ196.

عدد الصفحات ٥٢

53 فكل من أولئك وهؤلاء أنكر عليهم تسليمهم عقولهم لسطان خارجي يملي عليها ما ينبغي من معتقدات بحسب ما يراه بديلاً من أن تكون هي بذاتها محصَّلة لمعتقداتها جرّاء حرية التفكير التي تنتهي بحرية المعتقد 1. وليس للإنسان عذر حينما يتخلى عن حريته في التفكير والمعتقد بأن ذلك كان بسبب تعرضه للتسلط والإغواء ذلك لأنه مُكّن من الحرية تمكيناً فطرياً وتمكيناً شرعياً فأباها وعرّض نفسه باختياره للتسلط، فعليه أن يتحمل مسئولية تفريطه في حرية التفكير وما تفضي إليه من حرية المعتقد، وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى واصفاً مجادلة المفرّطين في حريتهم مع ما مكّنوهم من التسلطة على أنفسهم: " وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَّ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُ م مِّن سُلْطَان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم " (إبراهيم ، آية : 22.) فهؤلاء الذين يمكنوا الشيطان ومن في حكمه من عقولهم مصادرة لحريتهم ليس لهم عذر في ذلك من تسلطهم عليهم، وذلك لأنهم ليس لهم عليهم سلطان قاهر بل قد كانوا ممكنين من تلك الحرية، وإذن فإنهم يتحملون المسؤلية على ممارسة حرية التفكير وعلى التفريط فيها، وتحميل هذه المسؤلية وما يترتب على ذلك من الجزاء هو أحد أقوى الضمانات للممارسات الفعلية للحرية وذلك ما أشار إليه ابن عاشورفي شرحه لآلية الآنفة إذ يقول: وأخبر الله بها الناس استقضاء في الإبلاغ ليحيط الناس علماً بكل ما سيحل بهم، وإيقاظاً لهم ليتأملوا الحقائق الخفية فتصبح بين ة واضحة2. وبهذا يكون المنهج القرآني وضع حرية التفكير في الإتجاه السليم والمنطق الصحيح، فليس فيها أوهام وخرافات وليس منها جمود ولا تقليد وإنما هي دعوة لتكريم العقل الإنساني وتحريره من ربقة البلادة والخمول وتنبيهه إلى أداء مهمته في البحث والتفكير3 . ولقد ظهرت حرية العلم والتعليم والتأليف والتفكير في أجمل مظهر في القرون الثلاث الأولى من تاريخ الإسلام إذ نشر العلماء فتاواهم ومذاهبهم وعلمهم واحتج كل فريق لرأيه، ولم ذلك موجباً للمناوءة ولا لحزازات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نضّر الله امرئ سمع مقالتي فوعاها فأدها كما سمعها، فرب حامل حمل فقه إلى ما هو أفقه، وربَّ حامل فقه إلى ما ليس بفقي ه4 . وهذا هو المقام الذي تحقق فيه مالك بن أنس حين قال أبو جعفر الخليفة: إني عزمت ان أكتب كتبك ( يعني الموطأ) نسخاً ثم أبعث إلى كل مصر من الأمصار نسخة، 1 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ199. 2 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ201 3 حقوق الإنسان وحرياته د. هاني الطعيمات صـ156 4 مقاصد الشريعة محمد الطاهر بن عاشور صـ397

عدد الصفحات ٥٣

54 وامرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوها إلى غيرها، فقال الإمام: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث واخذ كل قوم بما سبق إليهم من إختلاف أصحاب رسول الله وغيرهم وإن ردهم عن ذلك شديد، فدع الناس وماهم عليه1. لقد فتح الإسلام الباب واسعاً لممارسة التفكير في الأمور وذلك من أ جل البحث عن حلول شرعية لكل ما يستجد من مسائل الحياة وهذا ما يطلق عليه علماء الإسلام "الإجتهاد" بمعنى الإعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية، وقد كان لمبدأ الإجتهاد والذي يُجسَّد حرية التفكير في الإسلام ـ أثره العظيم في إ ثراء الدراسات الفقهيه لدى المسلمين، وإيجاد الحلول السريعة للمسائل التي التي لم يكن لها نظير في العهد الأوّل للإسلام، وقد نشأت عنه مذاهب الفقه الإسلامي المشهورة، التي لا يزال العالم الإسلامي يسير على تعاليمها حتى اليوم، وهكذا كان اعتماد المسلم على عقله وتفكيره ـ فيما يشكل عليه من أمور الدين والدنيا ممّا لم يرد في ش أنه نصوص شرعية ـ هو الدعامة الأولى في الموقف العقلي الراسخ للإسلام وكان هذا الموقف بمنزلة الأساس الذي بني عليه المسلمون حضارتهم الزاهرة على امتداد تاريخ الإسلام2. ثانياً: حرية التعبير عن الرأي إن أول تعليم علمه الله تعالى لآدم عليه السلام هو الكلام والتعبير، قال تعالى: " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا " (البقرة ، آية : 31)، علمه الأسماء كلها ليقول كل ما يريد، ويعبر عن كل ما يريد، ويسمى الأشياء كلها بأسمائها، بينما نرى اليوم أن تسمية الأشياء بأسمائها، قد تكون لها تبعات وتجر إلى مشكلات. والعلاقة متينة بين خلق الله للإنسان وتعليمه البيان، قال تعالى: " الرَّحْ مَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِْنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ " (الرحمن ، آية : 1 ـ4)، فلم يكن أول شيء علمه الله لآدم، هو أداء صلاته، أو كسب قوته، أو ستر عورته، بل أول شيء علمه إياه بعد خلقه أو مع خلقه، هو البيان، والأسماء المحتاج إليها لأجل البيان، وقال تعالى عن بداية خلق الإنسان: " أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ " (البلد ، آية : 8 ـ9.) ومعلوم أن أكبر وظيفة للسان والشفتين، هي وظيفة التعبير والبيان وعلى العكس من هذا نجد نبي الله إبراهيم عليه السلام يعرّض بالأ صنام وعجزها، وتفاهتها، بكونها لا تقدر على النطق قال تعالى: " قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ " (الأنبياء ، آية : 62 ـ63.) 1 المصدر نفسة صـ397 2 ماذا قدم المسلمون للعالم راغب السرجاني1 /98.)

عدد الصفحات ٥٤

55 فالذي لا ينطق ولا يعبر، إنما هو تمثال لإنسان لا إنسان صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ " (البقرة ، آية : 18.) وقديماً حينما أراد الفلاسفة تعريف الإنسان وتميزه عن غيره من الكائنات، قالوا: الإنسان حيوان ناطق والإنسان ليس بحيوان وإنما هو إنسان ومعنى هذا كله أن وظيفة التعبير والبيان، هي من أعظم الخصائص والمواهب الفطرية التي ميز الله بها الجنس البشري وجعلها في مكنته من أول أمره، فهي تشكل جزءاً من هوية الإنسان وماهيته، وهذا يدل على الأهمية البالغة التي تكتسبها وظيفة البيان في حياة الإنسان وفي حياة الجماعة البشرية ولاشك أن البيان الذي يشكل جزءا من فطرة الإنسان وهويته، إنما يتجسد في التعبير الصادق الصريح عما في النفس وما في العقل وما في القلب وأما الذين " يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ " (الفتح، آية:11) والذين يُخْفُونَ فِي ََأنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ " (آل عمران، آية: 154) فإنما هم منافقون أي زائفون مزيَّفون ، ففطرة الإنسان وأصالته تتمثل في تسميته الأشياء بأسمائها الحقيقية أي في تعبيره الصادق والمطابق عما في قلبه وضميره ومما يؤكد فطرية هذا السلوك وإنحراف مخالفته عن هدي الفطرة هو كون الناس جميعاً يحبون الإفصاح والصراحة، ويحبون الإنسان الصريح، ويح بون من يقول الح قيقة ويكرهون من يخفون الحقيقة، ويكرهون أكثر من يزيفون الحقيقة. وليست الصراحة المحبوبة فطرياً، سوى التعبير الصادق السوي عما في القلب، حينما يتطلبه المقام، وضدها أما يكون بعدم التعبير عما في النفس أو التعبير بخلاف ما في النفس1. كما جاء في الآيتين الكريميتين وقد نص عدد من العلماء على أن المعيار الذي تميز به الخصال الفطرية للإنسان عن غيرها من الخصال الطارئة عليه، هو ما يشترك عامة الناس في حبه أو كراهيته، بصورة طبيعية تلقائية2. ومن هذا القبيل نجد أن جميع الناس لديهم محبة وانشراحللصراحة و الصرحاء وكراهية ونفور من ذوي الإنطواء والألتوا في الكلام والبيان. ويؤكد العلامة أبن عاشور أن صفة الحرية كلها وضمنها حرية القول هي صفة فطرية وضرورية لكل تقدم بشري، قال رحمه الله: إن الحرية خاطر غريزي في النفوس البشرية، فيها نماء القوى الإنسانية، من تفكير وقول وعمل، وبها تنطلق المواهب العقلية متسابقة في ميادين الابتكار والتدقيق، فلا يحق أن تسأم بقيد إلا قيداً يُدفع به عن صاحبها ضر ثابت أو يجلب به نفع 3. 1 الفكر الإسلامي وقفايا السياسية المعاصرة الدكتور أحمد الريسوني صـ71 إلى75 2 أصول النظام الإجتماعي في الإسلام صـ162 3 أصول النظام الاجتماعي في الإسلام صـ162.

عدد الصفحات ٥٥

56 وإذا ثبت واتضح أن خاصية البيان والتعبير، هي صفة فطرية خلقية في الإنسان، فمعناه أنها تفوق درجة "الحقوق المكتسبة"، وترتقي إلى درجة "الحقوق الطبيعية"، أو لنقل: إنها ليست فقط حقاً من حقوق الإنسان، بل هي صفة من صفات الإنسان، وفرق كبير بين أن يُجرد الإنسان، أو يُنتقص من بعض حقوقه، وأن يجرد أو ينتقص من بعض صفاته الذاتية، ففي هذه الحالة الثانية يصاب الإنسان في صميم إنسانيته، وليس فقط في حق من حقوقه ولذلك يرى ابن عاشور أن موقف تحديد الحرية موقف صعب وحرج ودقيق على المشرع غير المعصوم، فواجب ولاة الأمور التريث وعدم التعجل، لأن مازاد على ما يقتضيه درء المفاسد وجلب المصالح الحاجية، من تحديد الحرية يعد ظلماً 1، وقال: وأعلم أن الاعتداء على الحرية نوع من أنواع الظلم2. 1ـ حرية التعبير في القرآن الكريم إن الناظر والباحث عن موقع حرية التعبير في القرآن الكريم، والسنة النبوية، ليندهش لهذا الإطلاق والتوسيع لها حتى ليكاد أم يقول إنها حرية بلا حدود لولا أن بعض الحدود على جميع الحريات تعد من البديهيات، لكن في القرآن والسنة لا نكاد نرى إلا حرية مطلقة للقول والتعبير. لقد نقل إلينا القرآن الكريم أقوالاً وتعبيرات من جميع الأصناف، من أقوال إبليس المعروفة، إلى أقوال فرعون من مثل قوله :" يَا أَيُّهَا الْمَلََُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَه غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأََظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ " (القصص، آية : 38). إلى الأقوال المقيتة لبعض سفهاء بني إسرائيل، كقولهم :" إِنَّ اللهَّ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء " (آل عمران، آية : 181.) وقولهم لموسى عليه السلام لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهََّ جَهْرَةً " (البقرة، آية : 55 .) إلى أقوال المعاصرين للرسالة المحمدية من مشركين ومنافقين وغيرهم، وهي كثيرة3. 2ـ حرية التعبير في السنة النبوية أما النبي الكريم عليه الصلاة والتسليم ـ فقد سمح لكل من شاء أن يقول ما شاء، سواء من المؤمنين به أو من المكذبين له، ولم يزجر ولم يعاقب أحداً على رأي عبّ ر عنه، أو على اعتراض تقدم به والسيرة النبوية مليئة بالاعتراضات التي صدرت بالحق أو الباطل، على مواقف وتدابير ارتاها أو أمضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بعضها أحياناً يتسم بالخشونة وقلة الأدب، ولم يكن عليه السلام يواجهها 1 المصدر نفسه صـ177. 2 مقاصد الشريعة الإسلامية صـ287. 3 الفكر الإسلامي د. أحمد الريسوني صـ78.

عدد الصفحات ٥٦

57 إلا بالرفق والصفح وسعة الصدر ومن يقرأ بداية سورة الحجرات يجد ذلك صريحاً 1، ومن الأمثلة على ذلك: أ ـ في الخندق: طلب النبي صلى الله عليه وسلم رأي المسلمين في غزوة الخندق وأشار سلمان الفارسي بحفر الخندق حول المدينة وقال: يا رسول الله كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا حولنا فأخذ به النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بحفره وشارك فيه2. وأبدى سعد بن معاذ زعيم الأوس وسعد بن عبادة زعيم الخزرج رأيهما في إعطاء ثلث ثمار المدينة إلى غطفان على أن ترجع عن القتال، وكان الرأي مخالفاً لرأي النبي صلى الله عليه وسلم. لقد قال سعد بن معاذ: لقد كنا وهؤلاء في الجاهلية لا يملك أحدهم أن يأكل حبة تمر من تمورنا إلا قرى أو بثمن، أما وقد أعزنا الله بالإسلام وبك نعطيهم ثلث ثمارنا، فوالله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من كتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا3. وفي استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة يتبين لنا أسلوبه في القيادة، وحرصه على فرض الشورى في كل أمر عسكري يتصل بالجماعة، فالأمر شورى، ولا ينفرد به فرد حتى ولو كان هذا الفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام الأمر في دائرة الاجتهاد ولم ينزل به وحي4. إن قبول الرسول صلى الله عليه وسلم رأي الصحابة في رفض هذا الصلح يدل على أن القائد الناجح هو الذي يربط بينه وبين جنده رباط الثقة حيث يعرف قدرهم ويدركون قدره، ويحترم رأيهم ويحترمون رأيه5. ب ـ في صلح الحديبية: إحترام المعارضة النزيهة بعد الاتفاق على معاهدة الصلح، وقبل تسجيل بنودها ظهرت بين المسلمين معارضة شديدة، وقوية لهذه الاتفاقية، وخاصة في البندين اللذين يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم بموجبهما بردّ من جاءه من المسلمين لاجئاً، ولا تلتزم قريش برد من جاءها من المسلمين مرتداً، والبند الذي يقضي بأن يعود المسلمون إلى الحديبية إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة ذلك العام، وقد كان أشد الناس معارضة لهذه الاتفاقية وانتقاداً لها عمر بن الخطاب، وأسيد بن حضير سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج وقد ذكر المؤرخون: أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم معلناً 1 المصدر نفسه صـ78. 2 السيرة النبوية لأبي فارس صـ408 ـ409. 3 السيرة النبوية لابن هشام3 /234.) 4 السيرة النبوية للصلابي2 /219.) 5 المصدر نفسه2 /192.)

عدد الصفحات ٥٧

58 معارضته لهذه الاتفاقية وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنيا في ديننا؟ قال: إني رسول الله،، ولست أعصيه1. وفي رواية: أنا عبد الله، ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يُضيِّعني 2، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوّف به . قال عمر: فأتيت أبا بكر، فقلت له: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلى! قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليس بالمشركين؟ قال: بلى، قلت: فعلام نُعطي الدَّنية في ديننا؟ فقال أبو بكر ـ ناصحاً الفاروق بأن يترك الاحتجاج والمعارضة ـ الزم غرزه ـ أي: أمره فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله ولن يضيعه الله3. وحينما كان سهيلبن عمرو يفاوض في الحديبية، جاء ابن سهيل "أبو جندل" يرسف في الإغلال، وقد فرّ من مشركي مكة، ف لما رأى سهيل ابنه قام إليه وأخذه بتلابيبه، وقال: يا محمد، لقد لجَّت القضية بيني وبينك أي: فرغنا من المناقشة قبل أن يأتيك هذا ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت فقال: أبو جندل: يا معشر المسلمين أُ ردُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فلم يغن عنه ذلك شيئاً وردّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لأبي جندل: إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهداً، وإنا لا نغدر بهم، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم إزاء هذه المأساة التي حالت بنود معاهدة الصلح بينه وبين أن يجد مخرجاً منها لأبي جندل المسلم، طمأن أبا جندل وبشره بقرب الفرج له، ولمن على شاكلته من المسلمين، وقال يواسيه: يا ابا جندل: اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك، ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً 4. وبعد حادثة أبي جندل المؤلمة عاد الصحابة إلى تجديد المعارضة للصُّلح، وذهبت مجموعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم عمر بن الخطاب لمراجعته وإعلان معارضتهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بما أعطاه الله من صبر، وحكمة، وحلم، وقوّة حجة استطاع أن يقنع المعارضين بوجاهة الصُّلح، وأنه في صالح المسلمين، وأنه نصر لهم5، وأن الله سيجعل للمستضعفين من أمثال أبي جندل فرجاً، ومخرجاً وقد تحقق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم. وبهذا يتبين: أن الرّسول صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة احترام المعارضة النزيهة، حيث قرّر ذلك لقوله، وفعله وهو ـ والله أعلم ـ إنما أراد بهذا الفعل إرشاد القادة من 1 من معين السيرة للشامي صـ333. 2 تاريخ الطبري2 /634.) 3 السيرة النبوية لابن هشام3 /346.) 4 السيرة النبوية لابن هشام3 /347.) 5 صلح الحديبية، لباشميل صـ270.

عدد الصفحات ٥٨

59 بعده إلى احترام المعارضة النَّزيه ة، التي تصدر من أتباعهم، وذلك بتشجيع الأتباع على إبداء الآراء السليمة، التي تخدم المصلحة العامة1. وهذا الهدي النبوي الكريم يبين: أن حرية الرأي مكفولة في المجتمع الإسلامي، وأن للفرد في المجتمع المسلم الحرية في التعبير عن رأيه، ولو كان هذا الرّأي نقداً لموقف حاكم من الحكّا م، أو خليفة من الخلفاء، فمن حق الفرد المسلم أن يبيّن وجهة نظره في جوٍّ من الأمن، والأمان دون إرهاب، أو تسلط يخنق حرية الكلمة، والفكر، ونفهم من معارضة عمر لرسول الله صلى الل عليه وسلم: أن المعارضة لرئيس الدولة في رأي من الآراء وموقف من المواقف ليست جريمة تستوجب العقاب ويُغ يب صاحبها في غياهب السجون2. ج ـ حرية الرأي عند أمهات المؤمنين وحتى زوجاته في بيته، كان لهن معه آراء واعتراضات ومراجعات، وفي حديث لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم. قال: فبينا أنا في أمر أتأمّره إذ قال ت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا ـ قال ـ فقلت لها مالك ولما هاهنا فيما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجباً لك يا ابن الخطاب ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى يظل يومه غضبان، فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتى دخل على حفصة فقال لها: يا بنية إنك لتراجعين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة والله إنا لنراجعه3. إذا نظرنا إلى هذه المواقف في السنة والسيرة مع ما أصبحنا عليه من منع الناس من الكلام، ومعاقبتهم على مجرد الاعتراض بالرأي، سندرك أي هوة سحيقة بيننا وبين ما جاء به الإسلام، بل لقد دخلنا اليوم أو قبل اليوم ـ في نظرية العصمة ـ التي كانت من قبل خاصة بالشيعة، وباثني عشر إماماً لهم، لقد أضي فت العصمة على كثير من الملوك والرؤساء، بل حتى على بعض الشيوخ والزعما ء السياسيين والدينيين، فلا يمكن أن يعترض عليهم أحد، ولا يمكن أن ينسب لهم خطأ ولا خلل4. س ـ قصة بريرة مع مغيث رضي الله عنهما فلإظهار الرأي المتعلق بالأمور الشخصية في قصة بريرة مع مغيث رضي الله عنهما دليل على ترك الحرية للناس في تكوين الرأي وإبدائه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن زوج بريرة كان عبداً يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: يا عباس: 1 القيادة العسكرية في عهد الرسول صـ495. 2 غزوة الحديبية لأبي فارس صـ134 ،135. 3 متفق عليه 4 الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية المعاصرة صـ79.

عدد الصفحات ٥٩

60 ألا تعجب من حب مغيث ببريرة ومن بغض بريرة مغيثاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه1. فبريرة رضي الله عنها أرادت أن تنفصل عن زوجها مغيث لبغضها إياه، وأظهرت ذلك، وترك لها النبي صلى الله عليه وسلم حرية الرأي والاختيار فيما يخص حياتها الشخصية. 3 ـ حرية التعبير في عهد الخلفاء الراشدين أ ـ في عهد أبي بكر رضي الله عنه: ــ وخطبة أبي بكر عندما تولى الخلافة تعد دستوراً للنقد البناء وتدريباً على ح رية التعبير وحق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته، ومما جاء في الخطبة قول أبي بكر رضي الله عنه: فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني2. فهذا الصديق يقرّ بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحاسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه وإلزامه بما يعتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي3. وقد أقر الصديق في بداية خطابه للَمة، إن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره، لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وأن آخر رسول كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبي ومن صفته كرسول يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة انتهت بوفاته، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصبح الحكم والسلطة مستمدة من عقد البيعة وتفويض الأمة له4. إن الأمة في فقه أبي بكر لها إدارة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة والتقويم. ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها ولذلك كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم ونصحهم وتقويمهم ولقد أخذت الدولة الحديثة تل ك السياسة الرائدة للصديق رضي الله عنه وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية تمد الحاكم بالخطط، وتزوده بالمعلومات، وتشير عليه بما يحسن أن يقرره والشيء المحزن أن كثيراً من الدول الإسلامية تعرض عن هذا النظام الحكيم فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم، والتخلف الذي يعم معظم 1 صحيح البخاري مع فتح الباري رقم5283. 2 البداية والنهاية6 /305.) 3 فقه الشورى والاستشارة للشاوي صـ441. 4 أبو بكر الصديق للصلابي صـ137.

عدد الصفحات ٦٠

61 ديار المسلمين ما هو إلا نتيجة لتسلط بغيض، "ودكتاتورية" لعينة، أماتت في الأمة روح التناصح والشجاعة، وبذرت فيها، وزرعت بها الجبن والفزع إلا من رحم ربي، وأما الأمة التي تقوم بدورها في مراقبة الحاكم ومناصحته تأخذ بأسباب القوة التمكين في الأرض، فتنطلق إلى آفاق الدنيا تبلغ دعوة الله1. ب ـ في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان عمر رضي الله عنه يترك الناس يبدون آراءهم السديدة ولا يقيدهم ولا يمنعهم من الإفصاح عما تكنه صدورهم ويترك لهم فرصة الاجتهاد في المسائل التي لا نص فيها، فعن عمر أنه لقي رجلاً فقال: ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأي، والرأي مشترك ما قال علي وزيد2، وهكذا ترك الفاروق الحرية للصحابةيبدون آراءهم في المسائل الاجتهادية، ولم يمنعهم من الاجتهاد، ولم يحملهم على رأي معين3. ـ وكان النقد أو النصح للحاكم في عهد الفاروق والخلفاء الراشدين مفتوحاً على مصرعيه، فقد قام الفاروق رضي الله عنه يخطب، قال: أيها الناس، من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه، فق ام له رجل وقال: والله لو رأينا فيك أعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه 4. وقد جاء في خطبة عمر لما تولى الخلافة: أعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحضاري النصيحة5. واعتبر الفاروق ممارسة الحرية السياسية البناءة "النصيحة" تعد واجباً على الرعية، ومن حق الحاكم أن يطالب بها: أيها الرعية، إن لنا عليكم حقاً: النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير6. وكان يرى أن من حق أي فرد في الأمة أن يراقبه ويقوّم اعوجاجه ولو بحد السيف إن هو حاد عن الطريق، فقال: أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه 7. وكان يقول: أحب الناس إليّ من رفع إليّ عيوبي 8، وقال أيضاً: إني أخاف أن أخطي فلا يردني أحد منكم تهيبأ مني، وجاء يوماً رجل فقال له على رؤوس الأشهاد: اتق 1 أبو بكر الصديق للصلابي صـ137. 2 إعلام الموقعين لابن القيم1 /65.) 3 السلطة التنفيذية للدهلوي2 /788.) 4 عمر بن الخطاب للصلابي صـ104. 5 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين صـ197. 6 المصدر نفسه 7 المصدر نفسه صـ197. 8 الشيخان أبو بكر وعمر من رواية البلاذري صـ231.

عدد الصفحات ٦١

62 الله يا عمر، فعقب بعض الحاضرين من قوله: وأرادوا أن يسكتوهعن الكلام، فقال لهم عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها1. ووقف ذات يوم يخطب في الناس فما كاد يقول: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، حتى قاطعه أحدهم قائلاً: لا سمع ولا طاعة يا عمر، فقال عمر بهدوء: لم يا عبد الله؟ قال: لأن كلاً منا أصابه قم يص واحد من القماش لستر عورته، فقال له عمر: مكانك، ثم نادى ولده عبد الله بن عمر، فشرح عبد الله أنه قد أعطى اياه نصيبه من القماش ليكمل به ثوبه، فاقتنع الصحابة، وقال رجل في احترام وخشوع: الآن السمع والطاعة يا أمير المؤمنين2، وخطب ذات يوم، فقال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي القصّة ـ يعني يزيد بن الحصين ـ فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة معترضة على ذلك: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله ـ تعالى ـ قال:" وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً " (النساء، آية : 20.) فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ3، وجاء في رواية أنه قال: اللهم غفراً، كل إنسان أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب وطابت به نفسه فليفعل4. ج ـ في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه بنى سياسته الداخلية على حرية الرأي لجميع الفئات فكتب إلى أمراء الأقاليم أن واجبهم الاستماع لآراء الناس والقيام بمصالحهم وأنهم دعاة إلى الله وهداة وليسوا جباة لجمع الأموال، وكتب إلى المسؤولين عن جمع الزكاة والخراج يذكرهم أن يلتزموا بالأمانة ويسمعوا إلى الناس وأن يعطوا الحق لأهله ويحذرهم من الظلم، وكتب للرعاية بياناً بذلك كله 5. وعندما ظهرت بوادر الفتنة ضده من أشخاص من خارج الجزيرة العربية جمع أمراء الأقاليم واستشارهم، وكانت جلسة مغلقة خطيرة، جرت فيها الابحاث التالية التي تقرر خطة العمل الجديدة في ضوء الأخبار المتناهية إلى المدينة عاصمة دولة الإسلام6. قال عثمان: ويحكم، ما هذه الشكاية؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن يكون مصدوقاً عليكم وما يعصب 7 هذا إلا بي، فقالوا له ألم تبعث؟ ألم يرجع إليك الخبر 1 عمر بن الخطاب للصلابي صـ105. 2 عيون الأخبار1 /55)، عمر بن الخطاب للصلابي صـ105. 3 تفسير ابن كثير2 /213.) 4 مجمع الزوائد لأبي يعلي4 /283.) 5 حرية الرأي الواقع والضوابط د. سالم البهنساوي صـ64. 6 عثمان بن عفان للصلابي صـ401. 7 المصدر نفسه صـ401، يعصب بي: يناط بي

عدد الصفحات ٦٢

63 عن القوم، ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء؟ لا والله ما صدقوا، ولا بروا، ولا نعلم لهذا الأمر أصلاً، وما كنت لتأخذ به أحداً فيض منك على شيء، وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها، ولا الانتهاء إليها، قال: فأشيروا علي، فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يُصنع في السر، فيُلقي به غير ذي معرفة، فيخبر به، فيُتحدث به في مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذي يخرج هذا من عندهم. وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، فإنه خير من أن تدعهم. قال معاوية: قد وليتني، فوليت قوماً لا يأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتهما، قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب، قال فما ترى يا عمرو؟ قال أرى أنك قد لنت لهم، وتراضيت عنهم، وزدتهم عمّا كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبك فتشدّ في موضع الشدّة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة تبغى لمن لا يألوا الناس شرًّا، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعاً اللين. وقام عثمان، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: كل ما أشرتم به عليّ قد سمعت، ولكل أمر باب يؤتي منه إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن وإن بابه الذي يغلق عليه، فيكفكف به اللين والمواتاة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحد أن ينادي بعيب أحدهما، فإن سدّه شيء فرفق فذاك والله ليفتحن وليست لأحد عليّ حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيراً ولا نفسي، ووالله إن رحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، وكان واضحاً صريحاً رضي الله عنه فيما لا هوداه فيه، وهي حدود الله، فلا مداهنة فيها، وما غير ذلك فالرفق أولى، والمغفرة أفضل، ولابد من تأدية الحقوق كلها1. إن عثمان رضي الله عنه منع الولاة من التنكيل بمثيري الشغب وحبسهم أو قتلهم، وقرّر أن يعاملهم بالحسنى واللين 2، وطلب من عماله أن يعودوا إلى أعمالهم، وفق ما أعلنه لهم من أسلوب مواجهة الفتنة التي كان كل بصير يرى أنها قادمة3. ـ الحوار معالمتمردين: ثم دعا عثمان القوم السّبئيين إلى عرض ما عندهم من شبهات، وإظهار ما يرونه من أخطاء، وتجاوزات ومخالفات وقع هو فيها، وكانت جلسة مصارحة، ومكاشفة في المسجد على مرأى ومسمع من الصحابة والمسلمين، فتكلم السبئيون، وعرضوا الأخطاء التي ارتكبها عثمان ـ على حد زعمهم ـ وقام عثمان رضي الله عنه بالبيان والإيضاح، وقدم حججه وأدلته فيما فعل، والمسلمون المنصفون يسمعون هذه 1 عمرو بن العاص الأمير المجاهد للغضبان صـ447. 2 خلافة عثمان د. السلمي صـ77. 3 الخلفاء الراشدون للخالدي صـ151.

عدد الصفحات ٦٣

64 المصارحة والمحاسبة والمكاشفة، وأورد عثمان ما أخذه عليه، ثم بين حقيقة الأمر، ودافع عن حسن فعله وأشهد معه الصحابة الجالسين معه في المسجد. ـ قال: قالوا: إنيّ أتممت الصلاة في السفر، وما أتمها قبلي رسول الله، ولا أبو بكر ولا عمر، لقد أتممت الصلاة لما سافرت من المدينة إلى مكة، ومكة بلد فيه أهلي، فأنا مقيم بين أهلي، ولست مسافراً أليس كذلك؟ فقال الصحابة: اللهم نعم. ـ وقالوا: إني حميتُ حمىً وضيقت على المسلمين وجعلت أرضاً واسعة خاصة لرعي إبلي. ولقد كان الحمى قبلي، لإبل الصدقة، والجهاد، حيث جعل الحمى كل من رسول الله وأبو بكر وعمر، وأنا زدت فيه لمّا كثرت إبل الصدقة والجهاد، ثم لم تمنع ماشية فقراء المسلمين من الرعي في ذلك الحمى، وما حميت لماشيتي، ولمّا وليت الخلافة كنت من أكثر المسلمين إبلاً وغنماً وقد أنفقتها كلها، ومالي الآن ثاغية ولا راغية، ولم يبق لي إلا بعيران، خصصتهما لحجي أليس كذلك؟ فقال الصحابة: اللهم نعم. ـ وقالوا: إني أبقيت نسخة واحدة من المصاحف، وحرقت ما سواها وجمعت الناس على مصحف واحد، ألا إن القرآن كلام الله، من عند الله، وهو واحد، ولم أفعل سوى أن جمعت المسلمين على القرآن، ونهيتهم عن الاختلاف فيه، وأنا في فعلي هذا تابع لما فعله أبو بكر، لما جمع القرآن، أليس كذلك؟ فقال الصحابة: اللهم نعم. ـ وقالوا: إني رددت الحكم بن أبي العاص إلى المدينة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاه إلى الطائف: إن الحكم بن العاص مكيّ، وليس مدنياً، وقد سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهو الذي ردّه، وأعاده! أليس كذلك؟ فقال الصحابة: اللهم نعم. ـ وقالوا: إني استعملت الأحداث، ووليت الشباب صغار السن ولم أول إلا رجلاً فاضلاً محتملاً مرضياً، وهؤلاء الناس أهل عملهم ، فسلوهم عنهم، ولقد ولىّ الذين من قبلي من هم أحدث منهم، وأصغر منهم سناً، ولقد ولىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وهو أصغر ممن وليته وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما قالوا لي، أليس كذلك؟ قال الصحابة: اللهم نعم! إن هؤلاء الناس يعيبون للناس ما لا يفسرونه، ولا يوضحونه. ـ وقالوا: إني أعطيت عبد الله بن سعد بن أبي السرح ما أفاء الله به، وإنما أعطيته خمس الخمس ـ وكان مائة ألف ـ لما فتح إفريقية، جزاء جهاده وقد قلت له: إن فتح الله عليك إفريقية، فلك خمس الخمس من الغنيمة نفلاً، وقد فعلها قبلي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومع ذلك قال لي الجنود المجاهدون: إنا نكره أن نعطيه خمس الخمس ـ ولا يحق لهم الاعتراض والرفض ـ فأخذت خمس الخمس من ابن سعد، ورردته على الجنود، وبذلك لم يأخذ ابن سعد شيئاً! أليس كذلك؟ قال ا لصحابة: اللهم نعم.

عدد الصفحات ٦٤