33 للاستبداد، وأصبحت تتنظم شيئاً فشيئاً يحدوها ويواكبها المفكرون والفلاسفة التنويريون في أوروبا بصفة عامة وفي فرنسا بصفة خاصة، حتى أنتهى الأمر إلى ثورات عارمة في القارة الأوروبية كان على رأسها الثورة الفرنسية وهي الثورات التي أسقطت الحكم الاستبدادي وأسست للديمقراطية التي تعني حكم الشعب لنفسه بإرادته الحرة عن طريق التمثيل البرلماني، وأصبح الحكم جمهورياً أو ملكياً دستورياً يملك فيه القرار الشعب لا الفرد المتسلط. وبمرور الزمن استقر النظام الديمقراطي، وتوسعت دوائره، وازدات مساحات الحرية فيه، حتى أصبح مصطلح الديمقراطية يتضمن كل الحريات العامة أو أغلبها من حرية التعبير إلى حرية المشاركة السياسية، إلى حرية الانتخاب، إلى حرية التنظم، إلى حرية الحركة الاقتصادية، إلى غيرها من الحريات العامة، وأصبح هذا المصطلح هو العنوان الذي يعبر به عن الحرية في مفهومها الشامل. وهكذا كما كانت العلمانية وليدة صراع بين مذهبين دينيين البروتستانتي والكاثوليكي، وبين النزعة الدينية عموماً والمناهضين لها من أنصار الفكر الوضعي وهو الصراع الذي انتهى بالتوافق على إخراج الدين من قيادة الحياة العامة وحصره في الشأن الروحي الشخصي، كانت الديمقراطية وليدة صراع أيضاً بين الطبقة الحاكمة المستبدة وبين الطبقات الشعبية المستبد عليها، وهو صراع انتهى بالتوافق أيضاً بي ن الأطراف المتنازعة على أن تنظم الحياة السياسية والاجتماعية على أساس الخيارات الشعبية، وقد رأت جميع الأطراف التي كان بينها صراع في كل من الوضعين لما توازنت قواها طيلة عهود مديدة أن مصلحة الجميع هو هذا التوافق الذي انتهى إلى العلمانية وإلى الديمقراطية، فلم تكن إذن أيامها وليدة تفكير أيديولوجي أو وحي ديني مسبق فكانت مرجعية كل منهما هذا الصراع الذي انتهى إلى التوافق1. 3ـ ازدواجية الغرب في الحقوق والحريات إن الغرب يهتم بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان غاية الاهتمام، ويقيم الدنيا ويقعدها إذا اعتدى عليها معتد أو اجترأ عليها مجترئ وداس حماها المقدس، إذا كان ذلك في دياره نفسها، أعني: في ديار الغرب، وأوطان الغرب فمن حق كل شعب فيها، وكل فرد فيها أن ينعم بالحرية، وأن يمارس حقه في الديمقراطية، وأن يكون له حقه في اختيار حكامه، ومحاسبتهم، وعزلهم إذا خرجوا على الدستور، ولا يجوز لحاكم ـ مهما بلغ شأنه ـ أن يتجاوز حدوده الدستورية فينتهك حقوق الأفراد، أو يصادر حرياتهم، أو أموالهم، أو يفصلهم من أعمالهم، أو يحاكمهم أمام محاكمة 1 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ181.
عدد الصفحات ٣٣34 غير عادية، ومن فعل ذلك فهو حاكم دكتاتوري ظالم، متعد على دستور الأمة يجب خلعه وعزله، ولا حق له في البقاء فوق كرسيه يوماً واحداً. هذا ما عليه الغرب إزاء الحقوق والحريات في ديار الغرب أما خارج ديار الغرب، فهو يكيل آخر، ويتعامل بمعيار آخر، فليس الحرام في الغرب حراماً في الشرق وليس الواجب المفروض في الغرب واجباً مفروضاً في الشرق إنه يتعامل تبعاً لمصالحه ومنافعه، وكثيراً ما تؤدي به هذه النظرة "البرجماتية" النفعية إلى تحليل ما هو حرام في الغرب، وإسقاط ما هو واجب ولازم الغرب لهذا يسكت الغرب عن حكام العرب والمسلمين الذين يحكمون أوطانهم وشعوبهم حكماً استبدا دياً طاغوت ياً، بل كثيراً ما يقفون من خلف هؤلاء الطغاة، سراً في بعض الأحيان، وعلانية في أحيان أخرى، وكثيراً ما يسندون الديمقراطيات الزائفة التي يحصل الرؤساء فيها على 99% وأحياناً على 99%، ولم نر الغربيين احتجوا يوماً على تجاوزات هؤلاء الحكام المتجبرين، ومظالمهم التي ظهرت في البر والبحر، ومست الصغار والكبار، والرجال والنساء. بل رأيناهم يرحبون بإلغاء الانتخابات في الجزائر عام 1991م التي حصل الإسلاميون فيها على الأغلبية الساحقة، ويشجعون المؤسسة العسكرية التي استولت على السلطة بالقوة الجبرية، ومما لا يخفى على دارس أو مراقب لما يجري في العالم من أحداث وتقلبات أن الغرب يعادي كل نظام ديكتاتوري وكل حركة ديكتاتورية تصل إلى الحكم، إلا في بلاد الإسلام، فهو يؤيد الانقلابات العسكرية، والحكومات الاستبدادية ما دام استبدادها يصب في إتجاه التضييق على الإسلام والإسلاميين1. ــ من ازدواجية المعايير، اقامة الكيان العدواني المغتصب المسمى (إسرائيل) الذي احتل فلسطين، وطرد أهلها منها بالقوة ليحل محلهم، فالغرب هو منشئ هذا الكيان من عدم وهو الذي نفخ فيه الروح بعد إيجاده وهو الذي غذاه ورعاه بعد ولادته، وهو الذي قواه ودافع عنه بعد نشأته وهو الذي ما زال يمده بالوقود والطاقة كلما أوزعه شيء من ذلك. بريطانيا هي التي وعدت اليهود بإنشاء وطن قومي في فلسطين، كما تجلى ذلك (وعد بلفور) وزير خارجية بريطانيا في 2/11/1917م. أي في الوقت الذي كان يحارب بعض العرب مع بريطانيا دولة الخلافة التركية، ودخل القائد الانجليزي (اللنبي) القدس في تلك السنة، وهو يقول شماتة: اليوم انتهت الحروب الصليبية يعني أنه حقق بدخوله القدس ما فشلت فيه الحروب الصليبية قديماً، وقد عينت عصبة الأمم بريطانيا منتدبة لحكم فلسطين، فكان عهد الانتداب البريطاني لفلسطين عهد 1 أمتنا بين قرنين د. يوسف القرضاوي صـ24.
عدد الصفحات ٣٤35 تمكين وتوطين للصهاينة وفتح الباب لهجراتهم الجماعية إلى فلسطين، ولم يكن لهم وجود يذكر بها، وإتاحة الفرص لهم لبناء المستعمرات تلو المستعمرات في حين يضيق على أهل فلسطين كل التضييق وينكل بهم بأدنى سبب وبلا سبب، وقامت ثورات غاضبة في فلسطين ضد التسلل الصهيوني المنظم، وضد الانتداب البريطاني الممائي والمتواطئ، ولكنها لم تستطع مقاومة مكر بريطانيا العظمى ووراءها الغرب كله، الذي يساند المشروع الصهيوني، حتى أصبح الحلم حقيقة، وقامت (دولة إسرائيل) على أرض ليست لها في 15 مايو (إيار1948م، واعترفت أمريكا بها في لحظة ولادتها، وتتابعت دول أوربا بعدها تعترف بها وتأيدها، من المعسكر الرأسمالي إلى المعسكر الشيوعي، وأعلن الجميع بصراحة مرة: أن إسرائيل خلقت لتبقى. وما زالت إسرائيل تصول وتجول، وتعربد إلى اليوم، وتفرض سلاماً على هواها، في فترة برز فيها الاستسلام الفلسطيني، والعجز العربي، والوهن الإسلامي، أمام الاستكبار الإسرائيلي، والتفرد الأمريكي، مع التخاذل الأوروبي، والغياب العالمي، والسلام في هذه الآونة بين الرضا بالدون، والحياة الهون، والقبول لأرباع الحلول، بل لاعشار الحلول، ورحم الله الطيب حين قال: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام1 4 ـ الحرية الشخصية في الغرب معناها التسيب نحن المسلمين ـ لنا ـ تحفظاً على الحرية التي ينادي بها الغرب، وذلك في مجال (الحرية الشخصية) التي يرى الغربيون إن مجالها مفتوح، ولا تقف إلا عندما تصطدم بحرية الآخرين، ومعنى هذا إن الإنسان حر في أن يفعل ما يشتهي لا ما ينبغي، وإن خالف القيم العليا، أو أضر بنفسه أو آذى من لا يستطيع أن يشكو، مثل الحيوان أو البيئة أو العلاقات الكونية من حوله، ومعنى هذا، إما النزول بالإنسان إلى (درك الحيوان) الذي يتحرك بمقتضى غرائزه وحدها، وليس عنده عقل يمنعه أو ضمير يردعه، أو الصعود إلى (منزلة الإله) الذي لا يسأل عما يفعل. وكل الأمرين خطأ، وشرود عن الصواب، فحرية الإنسان ليست مطلقة بحيث لا يقيدها قيد، كما استقر في الضمير الغربي، الذي حول (الحرية) إلى (إباحية) يجعل الإنسان يركض وراء شهواته كالحيوان وربما كان أضل منه سبيلا. وبهذا بات من حق الإنسان (العري) ولو في الطريق العام، بل ارتكاب الفضائح الجنسية في الحدائق العامة والمنتزهات والطرقات، وأصبح الزنا والشذوذ الجنسي من حق كل من الرجل والمرأة، وصار زواج الجنس للجنس مشروعاً، وغدا من حق المرأة أن تجهض جنينها، باعتباره جزءاً من جسدها، وهي حرة في هذا الجسد، 1 أمتنا بين قرنين صـ26.
عدد الصفحات ٣٥36 ولم ينظروا إلى هذا الكائن الحي أو المخلوق البشري الذي يسكن في أعشائها، وأن له حق الحياة التي وهبها له الخالق الأعلى، وأن ليس لأمه ولا لأبيه ولا لأحد من الناس حق العدوان على حياته. لقد أغفل الغربيون أن الحرية المطلقة غير موجودة في العالم، فالسيارات في الطرق السريعة الرئيسية، تسير في حدود معينة، حددتها قوانين السير أو المرور، من خالفها يعاقب على قدر مخالفته، والسفن والبواخر في المحيطات الكبرى تسير في خطوط ملاحية مرسومة لها، إذا تعدتها تتعرض لكوارث مدمرة، والطائرات في جو السماء ليست حرة، تذهب كما تشاء يمنة ويسرة، بل لها خطوط حددتها لها نظم الملاحة الجوية، لا يجوز لها أن تتعداها، بل نقول: إن الشمس والقمر والنجوم في السماء، كل منها يجري في مدار محدود ومسار معلوم، قال تعالى: " لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ " (يس ، آية : 40.) ثم إن الفكر الغربي فصل الحياة الشخصية عن الحياة العامة، وقالوا: إن الحياة الشخصية ملك للفرد يتصرف فيها كيف يشاء، يسكر ويعربد ويحيي زانياً أو شاذاً أو قواداً ديوثاً، أو ما شاء أن يفعل، فليس لأحد أن يحاسبه على ذلك أو يدخل ذلك في شؤون الحياة الاجتماعية، أو الحياة العامة، وهذا ليس بصحيح، فحياة الإنسان متداخلة ومتلازمة يتصل بعضها ببعض ويؤثر بعضها في بعض، ولا يتصور أن يكون الإنسان فاسداً في حي اته الخاصة، صالحاً في حياته العامة، ولا أن يكون الإنسان الشاذ أو القواد أهلاً لأن يؤتمن على مسئولية ذات شأن. ومن هنا نجد أجهزة الاستخبارات في الدول الكبرى تصطاد جواسيسها من بين (أصحاب الشهوات) عن طريق الخمر والمخدرات والنساء، فهذه من (المصايد) السحرية التي توقع في شباكها هؤلاء الذين في قلوبهم مرض، ممن أضاعوا الصلوات، واتبعوا الشهوات. أما الإسلام فلا يفصل بين الحياتين الخاصة والعامة، ولا بين العلاقتين: العلاقة بالله والعلاقة بالناس، ويرى أن من خان الله لم يبعد أن يخون قومه، ومن ضيع حق الله فهو لحقوقه أشد تضييعاً، ومن فسدت سريرته، فهيهات أن تصلح علانيته، وكل إناء ينضح بما فيه1. 5 ـ احترام المرأة في الظاهر لا في الحقيقة إن الغرب أظهر احترامه للمرأة وحررها من ظلم الرجال من الآباء والأزواج وأمثالهم وخلصها من الاعتقادات التي كانت تؤمن بأنها لا روح لها، وأنها أحبولة الشيطان، إلخ، ولكن المرأة في الغرب تحترم ظاهراً وتمتهن باطناً لقد عوملت المرأة 1 أمتنا بين قرنين صـ27.
عدد الصفحات ٣٦37 كالرجل، وطولبت بما يطالب به الرجلوسيقت إلى المعامل والمصانع كالرجال، ناسين أن تكوينها ليس كتكوين الرجل، وأن وظيفتها ليست كوظيفة الرجل، وهذا ما قاله العلماء الكبار المتخصصون وأنكروه على الغرب مثل "ألسيس كاربل" في كتابه "الإنسان ذلك المجهول". إن المرأة خلقت لتكون أما لتنشيء الأجيال في حضنها، ولذا تحمل وترضع وتربي، وتتوالى عليها الدورات الشهرية وتعاني ما تعاني في الحمل والولادة كما قال القرآن:" حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا " (الأحقاف، آية : 15.) فكيف تطالب بما يطالب به الرجال؟ أليس هذا ظلماً للمرأة وتحميلاً لها أكثر مما تطيق، ومحاباة للرجل على حسابها؟ لا غرو أن نشأ في الغرب ما سمى "الجنس الثالث" الذي أخرجه العمل اليومي المنهك من نعومة الجنس اللطيف، ولم يدخله في الجنس الخشن "الرجال" فبقى جنساً ضائعاً لا هو من النساء ولا هو من الرجال لقد أمست المرأة في الغرب أداة للمتعة، والإثارة الجنسية، ولهذا قامت فلسفة الأزياء النسائية في الغرب على إبراز المحاسن، وتجسيد المفاتن، وإظهار المثيرات وليس على الستر والحشمة، كما هو عندنا، كما أن المرأة باتت أهم عنصر في الإعلانات، حتى فيما يتعلق بالرجال، وما يحتاج إليه الرجال، تعلن عنه امرأة. والويل كل الويل للمرأة التي يذيل شبابها، وتذهب بهجتها ونضرتها، هنا تكسد سوقها، وتلقي في سلة المهملات، ولا يكاد يزورها أحد، أو يهتم بها أحد وهذا ما حدث لأشهر الممثلات في أمريكا وفرنسا وغيرهما، ونظراً لانحلال الأسرة وانهيار القيم الأسرية فقد أصبح كثير من الفتيات لا يتزوجن، ولا يعشن في أسر تظلهن، وتجمعهن بأزواجهن السكينة والمودة والرحمة، التي ذكرها القرآن أركاناً ل لحياة الزوجية المنشودة، ب ل يعاشرن الرجال معاشرة المخادن، والمرافقة دون ارتباط بمسئولية الزواج وتبعاته المالية والأخلاقية والاجتماعية والدينية، ويا مصيبة من تحمل من هذه المعاشرة، فماذا تفعل بهذا الجنين الذي لا يعرف له أب، ولو عرف له أب فهو ليس أباً شرعياً مسئولاً عن ولده وفلذة كبده 1. ومن هنا راج في الغرب هذا البلاء المبين، وهو الدعوة إلى "إباحة الأجهاض بصورة مطلقة، بلا ضوابط ولا قيود، باعتبار أن المرأة حرة في جسدها بلا مراعاة للدين والفضيلة والأخلاق، وأي حرية هذه التي تبيح قتل مخلوق حي في أحشاء المرأة لا ذنب له ولا جريرة، إلا شهوة الأبوين البهيمية؟ ومن المؤسف أن تبنى هذه الدعوة أحزاب كبرى في الولايات المتحدة وفي غيرها، وأن توضع على رأس قوائم الانتخاب ات، وأن تحاول الأمم المتحدة فرضها في وثائقها، كما حدث في مؤتمر السكان بالقاهرة، وقد وقف رجال الدين في الإسلام 1 أمتنا بين قرنين صـ29.
عدد الصفحات ٣٧38 والمسيحية ضد هذه الدعوة الفاجرة القاسية، التي لا تليق بالإنسان الذي زعم أنه ارتقى إلى قمة الحضارة1. خامساً: وسائل الحرية أعطى الله سبحانه وتعالى ثلاث وسائل للإنسان يستطيع من خلالها وبها تحقيق حريته وهي العقل والإرادة والاستطاعة "القدرة". ذلك أن التكليف والابتلاء لا يمكن لهما أن يصلا إلى غايتهما إلا مع وجود هذه الوسائل، وحين لا تتوافر هذه الوسائل للإنسان، لا تتوافر بالضرورة شروط الابتلاء والتكليف القائمين على الحرية وعلينا أن نفهم بكل وضوح أهمية ومعنى هذا الترابط الدال على حكمة الله سبحانه وتعالى، لأن الإنسان مسؤول عن عمله، مع توفير ووجود شروط المسئولية الحرة ومقتضياتها، فالإنسان حر، مطلق الحرية، في حدود وإمكانية العقل والإرادة والإستطاعة الموجودة لديه، ولا يمكن أن يطال الإنسان ما ليس مستطاعاً، لأن ذلك خارج عن الإمكان وفي التعرف على هذه الوسائل نلاحظ: 1ـ أن العقل أساس التكليف ومناطه، وبه تتم الأهلية إجماعاً وهو آية من آيات الخلق والإبداع ومعجزة يقف الإنسان أمامها حائراً مذهولاً، مهما اكتشف أو عرف من أمره، فيبقى الكثير الذي لم يعرفه عنه والعقل يزداد نماءً وقوة وإدراكاً بالتعلم والتبصر والتفكر. 2ـ أن ارادة أساس حرية الاختيار، وإنتفاء الجبر فيه فأنت تريد الشيء وترغب فيه، أو لا تريده ولا ترغب فيه لذلك كان طبيعياً أن ترتبط الإرادة بالتفكير والنظر في النتائج والعواقب كما ارتبطت بالعزم والتصحيح. 3ـ أن الاستطاعة أساس الفعل تنفيذاً، لانها التمكن والقدرة عقلياً ونفسياً وجسدياً، وطبيعي أن يكون التكليف في حدودها، إذ لا تكليف من الخالق سبحانه وتعالى يفوق الاستطاعة الإنسانية والقدرة. إن حرية الإنسان متعلقة بما في مستوى إمكانياته وفي مقدور عقله وإرادته واستطاعته، قال تعالى:" لاَ يُكَلِّفُ اللهُّ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا " (البقرة، آية : 286.) وبما يجعلنا نربط ربطاً محكماً بين القول بالحرية الإنسانية المطلقة والحرية الإنسانية المشروطة بالإمكان، وهو أمر لا تستطيع أية فلسفة وضعية أن تتنبه إليه بكل هذه الدقة2، إذ ترى كل هذه الفلسفات أن حرية الإنسان لا تحد ولا تتوقف، مع أنها لا 1 أمتنا بين قرنين 2 الإسلام ومفهوم الحرية، حورية يونس صـ45.
عدد الصفحات ٣٨39 تستطيع مهما حالت أن تخرج بها عن شرط الإمكان والوسع، فماذا يعني هذا الذي ذهبنا إليه ودعوناه بشرط الإمكان. عند التبصر في أمور الكون والإنسان، نجد أن هناك أشياء كثيرة لا يمكن للإنسان تغييرها أو تبديلها أو المشاركة في تكوينها ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الخلق أو الإيجاد من العدم، بينما هناك أشياء أخرى كثيرة له مطلق الحرية والقدرة على التعامل معها أخذاً وتركاً، تأثراً وتأثيراً، وهكذا، مثل القيام بأي فعل قادر على القيام به دون تحديد، فالإنسان لا يملك التدخل بأمور خارجة عن حدود وسائل الحرية التي يملكها، وإذا طالبناه بما يتجاوز هذه الاستطاعة الممنوحة له، نظلمه، إذ من غير الممكن أو المنطقي أن يحمل الإنسان ما يفوق طاقته بآلاف الآلاف إلا ما لا نهاية من المرات وهذا ما كان من الشارع الحكيم بقوله: " لاَ يُكَلِّفُ اللهُّ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا " ليكون التكليف على قدر الاستطاعة، وليكون السؤال عما هو ممكن الحدوث من قبل الإنسان. والإنسان يملك التدخل بكل الأمور التي ترتبط بوسائل الحرية التي يملكها وهنا قمة العدل والحكمة وإعطاء التوازن كل معانيه، فحين نطالب الإنسان بالقيام بأعمال وأفعال يستطيع أصلاً القيام بها، ويستطيع أصلاً وزنها ومحاكمتها نضعه في حالة توازن مثالية: وهذا ما كان ومن الشارع الحكيم أيضاً بقوله: " لاَ يُكَلِّفُ اللهُّ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا "، فالآية الكريمة تعطي الإنسان حالة توفق تام ونهائي مع استطاعته ووسعه، ونرى أنه كان الله سبحانه وتعالى نوعان من التصرف: الأول: التصرف في السنن والنواميس في الكون وموجوداته والإنسان إيجاد وتكويناً، ومن ذلك سنة التكليف والابتلاء قانون السببية، وهي سنن عامة ثابتة لم تتعلق مشيئته تعالى وإرادته بنقضها أو تبديلها، ولو شاء الله نقضاً أو تبديلاً لما أعجزه ذلك لقدرته المطلقة سبحانه كما أشار إلى ذلك في مواضع عدة من القرآن الكريم، بياناً محصناً للقدرة الإلهية المطلقة من مثل قوله تعالى:" وَلَوْ شَاء اللهُّ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ " ـ وقوله سبحانه:" وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْس هُدَاهَا " ـ وقوله عز وجل:" وَلَوْ شَاء اللهَُّ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً " ـ وقوله تعالى:" وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً "
عدد الصفحات ٣٩40 وهذه الصورة الشرطية أو الافتراضية، لم تتحول إلى حقيقة واقعة، فكانت بياناً محضاً للقدرة الإلهية المطلقة كما قلنا، ولو تحول ت إلى أمر واقع لتغيرت سنة التكليف والابتلاء هذا وتصرف الله تعالى في هذه السنن وضعاً وتكويناً، لا يتعلق به رضاه أو سخطه، بل تتعلق به إرادته ومشيئته التكوينية سبحانه، فحسب والرضا غير المشيئة، فقد شاء الله تعالى أن يقع الإشراك والكفر، والمعاصي إمضاء لسنة الابتلاء التي وضعها الله تعالى وفطر الناس فطرة خاصة من أجلها، ولكنه سبحانه لا يرضى بالكفر والمعاصي وقوعاً لقوله تعالى:" إِنَّ اللهَّ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ " ـ ولقوله تعالى:" وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ " فالمشيئة أو الإرادة غير الرضا كما ترى، إذ المشيئة تصرف في السنن وضعاً وتكويناً، وهذا قضاء مبرم، لا يتعلق به سخط ولا رضا وإنما يتعلقان بالنوع الآخر من تصرفه سبحانه وهو "التكليف والتشريع" أمراً ونهياً وتوجيهاً 1. وطبيعي أنه لا علاقة للإرادة الإنسانية بهذا التصرف الإلهي التكويني الثاني: وهو تصرف الله تعالى في "التكليف" أمراً ونهياً وتشريعاً وتوجيهاً، والإنسان هو "محور التكليف" بما فطر عليه من العقل، والاستطاعة والإرادة ولا يتوجه إلى الإنسان تكليف إلا بتوافرها جميعاً، بمعنى أنه تعالى خلقها فيه، ثم كلفه كيلا يكون للإنسان على الله حجة بادعاء فقدان وسائل التكليف ومقوماته2. إن حرية الإنسان يمكن أن تطال كل ما يقع ضمن حدود قدرته واستطاعته وهذا ما يجعل هذه الحرية مطلقة بهذا المعنى لأنها حرية في حدود الإمكان، أما تحميل الحرية بمعان تذهب بها إلى حدود اللا ممكن، فهو مبالغة وشطط وتلاعب في الألفاظ لا أكثر ولا أقل، ولنا أن نقف أمام أية فلسفة وضعية، لنرى إلى أي مدى يمكن أن تذهب بالحرية، إذا تعرفنا على هذه الوسائل التي خلقها الله للإنسان لتحقيق حريته، فهل تستطيع أية فلسفة وضعية مهما بالغت ولعبت بالألفاظ، أن تقول أن باستطاعة الإنسان أن يقوم بافعال أو أعمال تفوق هذه الإستطاعة ألا نقول أن باستطاعة الإنسان أن يقوم بأفعال أو أعمال تفوق هذه الاستطاعة؟ ألا تقول عندها بأن هذه الجملة تفتقد أساس الاستقامة التركيبية والمعنوية، حين تربط بين الاستطاعة وما فوق الاستطاعة، أو بين الممكن واللا ممكن؟ إن الحرية لا يمكن أن تعرف إلا بأنها حرية الاستطاعة في تحقيق وسعها لا أكثر ولا أقل وأرى من خلال هذا التعريف الخاص، أن الإنسان الذي ميزه الله سبحانه وتعالى بملكات عليا منها العقل والإرادة والاستطاعة، مطالب من قبل الخالق والعدل الحكيم أن يكون مستحقاً لهذه الملكات والنعم بتوظيفها التوظيف ا لذي يرتض يه سبحانه، وبالعمل على تنميتها وتطوير وتربيتها، فالله عز وجل أعطى الإنسان 1 خصائص التشريع الإسلامي د. فتحي الدرويني صـ145. 2 المصدر السابق صـ148.
عدد الصفحات ٤٠41 وسائل الحرية ولم يطلب منه تجميدها أو التوقف بها عند هذا الحد أو ذاك، ولأن العقل أساس التكليف ومناطه، وبه تتم الأهلية إجماعاً، وله تعود الإرادة والاستطاعة في الاختيار والتنفيذ، فقد طولب الإنسان باستعماله خير إستعمال، والاستفادة منه على أفضل وجه1. سادساً: العقل وسيلة الحرية الأولى إن الله ميز الإنسان بالعقل وأودع فيه من قوة الإدراك والتمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال والخير والشر، من وظيفة العقل أن يدرك ويميز ليكون الاختيار حراً فقد اقتضى ذلك بالضرورة تبصراً دائماً يفيد في الاعتبار وينمي ملكة التفكير، قال تعالى:" أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ " (الروم، آية : 8.) حيث التفكر تطلع وتأمل وانفتاح للذات الإنسانية على النظر في إبداع الخالق عز وجل وفي دقة التكوين والتصوير والترتيب، لذلك كانت دعوة العقل إلى الإعتبار والعظة والتذكر وتوسيع المدارك، قال تعالى:" وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَات لِّقَوْم يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْم يَذَّكَّرُونَ " (النحل، آية : 12 ـ13.) ولأن العقل وسيلة الحرية الأولى دون منازع، فقد ارتبط باستطاعته على توجيه الإرادة والقدرة نحو الاختيار والتنفيذ، ولا يمكن الفصل عملياً بين ال عقل والإرادة أو العقل والاستطاعة "القدرة" لأنه لا يمكن للإرادة أن تكون بما تحمل من اختيار دون تدخل العقل، ولا يمكن للاستطاعة "القدرة" أن تكون بما تحمل من تحقق دون تدخل العقل لذلك رأينا أن للعقل قدرة على الحرية، وأن الحرية مرتبطة بالضرورة بوجود العقل، ونعرف في هذا المجال إلتغاء معنى الحرية بمعناها ومبناها، بإلتغاء وجود العقل ولأن العقل وسيلة الحرية الأولى، فقد طولب الإنسان بضرورة تنميته تعليماً وتذكيراً دون توقف عند حد معين، قال تعالى:" يَرْفَعِ اللهَُّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَاللهَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " (المجادلة، آية : 11.) ـ وقال تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ " (الزمر، آية : 9.) ـ وقال تعالى وَتِلْكَ الأَْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ " (العنكبوت، آية : 43.) حيث كان العلم دافعاً ومحركاً على الزيادة في الإيمان، فكلما ازدادت مدارك العقل توسعاً، كلما استطاع الإنسان أن يرى إلى عظمة الخالق سبحانه وتعالى في كل حركة وسكون، يبصر فيتبصر فيتعظ ويسمع فيدرك ويخشع، فالحرية في الإسلام مرتبطة بالحركة والنشاط والعمل والعقل2، ومن وسائلها المهمة 1 الإسلام ومفهوم الحرية، حورية يونس صـ48. 2 الإسلام ومفهوم الحرية صـ50.
عدد الصفحات ٤١42 سادساً: عناصر الحرية في الإسلام من أهم عناصر الحرية: 1ـ المسئولية الفردية قال تعالى:" وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " (الأنعام، آية : 164.) ـ وقال تعالى وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ " (يونس، آية : 41.) ـ وقال تعالى وَكُلَّ إِنسَان أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا " (الإسراء، آية : 13.) فلا مجال على الإطلاق، وضمن شروط الحرية التي وفرها الإسلام للإنسان، لأن يسأل هذا عن ذاك، فالإنسان مسؤول عن عمله الذي يضر أو ينفع الآخرين في المجتمع ويهدم أو يبني في هذا المجتمع وواضح أن المسئولية الفردية، والتي يمكن تصور الإنسان حراً مختاراً بدونها، إنما كانت دافعاً كبيراً لإعطاء العمل قيمة بناءة وفاعلة. 2ـ معرفة الذات إن الحرية تقتضي من الإنسان الذي يطلبها ويسعى إلى نيلها وتمثلها أن يعرف ذاته قبل أي شيء آخر. إن انطلاق الحرية من التعرف على الذات ومن قراءة واعية للهوية البشرية الشخصية بكل ما تحمل من دلائل وأبعاد ومضامين تدل على عظمة الخالق جل وعلا إنما يضع الإنسان على الطريق الصحيح في فهم المعاني القريبة والبعيدة للتكليف والاستخلاف والاختيار، فالله سبحانه وتعالى لا يريد لهذا الإنسان الذي ميزه بالعقل والإرادة والاستطاعة فكان حراً أن يكون مقيداً في التعرف على كل ما يتعلق بذاته، لذلك كانت حكمته جل وعلا في إعطاء كل هذا الشرح والتفصيل، وكل هذا العلم والتعليم على الذات الإنسانية وفي تعريف الإنسان على ذاته، تشمل معرفة الكل لا الجزء، وتنطلق من البداية في الخلق والتكوين والإنشاء، لتصل إلى المنتهى، ولا تترك شيئاً من الصفات والطبائع والقدرات الإنسانية، إلا كانت لها شارحة مفصلة موضحة1. ـ قال تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَاب ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ " (الروم، آية : 20.) ـ وقال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء " 1 الإسلام ومفهوم الحرية صـ54.
عدد الصفحات ٤٢43 (النساء، آية1.) ـ وقال تعالى يَا أَيُّهَا الإِْنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَة مَّا شَاء رَكَّبَكَ " (الإنفطار، آية : 6 ـ8.) ـ وقال تعالى وَاللهُّ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْم شَيْئًا إِنَّ اللهَّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ " (النحل، آية : 70.) 3ـ معرفة الكون وكما اقتضت الحرية وتطلبت أن يعرف الإنسان ذاته كذلك اقتضت وتطلبت أن يعرف الكون وقوانينه وكل ما يتعلق به، من علم الفلك والكواكب والملاحة والريح والسحاب، وطبقات الأرض، والجاذبية، والجبال، والليل والنهار، والبحر والنبات والزراعة، والحيوان والصحة، والماء وارتباطه بنشأة الحياة وما إلى ذلك وهو كثير، ليكون الإنسان المسلم أمام مثل هذه المعرفة الواسعة، مطالباً بأعمال الفكر وبالبحث والاستقصاء وبالتجربة، محققاً بذ لك فهمه واستيعابه لمعنى الحرية من ذلك: ـ قوله تعالى:" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ " (البقرة، آية : 29.) ـ وقوله عز وجل وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَد مَّيِّت فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " (الأعراف، آية : 57.) ـ وقوله سبحانه هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُّ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ " (يونس، آية : 5.) ـوقوله تعالى:" إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ " (يونس، آية : 24.) ـ وقال سبحانه إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِّ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِّ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ " (التوبة، آية : 36.) كل هذا الكم من المعلومات ومثيله كثير في القرآن الكريم، وكل هذا الكم من الشرح والتفصيل، لا يأتي في الإسلام ليضع نهايات في المعرفة أمام الإنسان، كما لا يمكن أن يكون كذلك لأن الحرية التي أعطيت للإنسان العاقل المفكر، إنما اقتضت ضرورة الاستفادة من المعلومات الكثيرة والمتعددة لتشكيل حركة علمية دائمة، وبما لا يقبل
عدد الصفحات ٤٣44 التوقف بأي شكل من الأشكال، لذلك كان الحث والحض على العلم والتعلم، وكان التأكيد على ضرورة طلب العلم في كل شأن من الشؤون، وفي كل فرع من الفروع1. ونرى هنا وبشيء من التأكيد أن فتح آفاق الكون أمام الإنسان، وبكل ما رافقه من غزارة في المعلومات المعرفية العلمية، إنما كان لتحقيق حرية الإنسان من جهة، وبما يعني استبعاد أية فكرة عن حرية مقيدة بالجهل أو بانعدام التوازن المعرفي مع المحيط الكوني، ومعروف في هذا المجال انعدام الحرية كمفهوم في حالة فقدان المعرفة الواجب توافرها على أقل تقدير ومن جهة ثانية، فقد كان مثل هذا الفتح لآفاق الكون معرفياً دافعاً ومحرضاً لتحقيق النهضة والحضارة الإسلامية التي لا يمكن أن تنفصل عن العلم والتطور العلمي التجريبي، فالحركة المعرفية الخصبة وهي معرفة علمية بالضرورة، ولدت حركة علمية مستمرة قائمة على الاستفادة والفهم والتعلم وهو الأمر الذي استطاع المسلمون الأوائل أن يستوعبوه بشكل فاعل ومؤثر، وكان أن انفتحت أمامهم كل السبل المؤدية إلى بناء الحضارة الإسلامية الشامخة2. 4ـ تكريم الإنسان عنصر التكريم يتحدد في قوله تعالى:" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً " (الإسراء، آية : 70.)، ليكون هذا التكريم شاملاً عاماً لكل إنسان ودون أي تحديد فالله سبحانه وتعالى كرم البشرية جمعاء وأعطى كل بني آدم هذه المكانة المميزة بين خلقه، ليكون التكريم من أهم العناصر التي ساهمت في بناء الحرية الإنسانية ومن محاور هذا التكريم: أ ـ الخلق: فالله سبحانه وتعالى كرم الإنسان منذ البداية جاء ذلك في قوله عز وجل:" لَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنسَانَ فِي أَحْ سَنِ تَقْوِيم " (التين، آية : 4.) وكرمه عز وجل في نفخ فيه وسجود الملائكة له وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَال مِّنْ حَمَإ مَّسْنُون * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ " (الحجر، آية : 28 ـ29.) وكرمه سبحانه في تعليمه الأسماء كلها وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا " (البقرة، آية : 31.) وفي تعليمه بالقلم وما لم يعلم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِْنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " (العلق، آية : 4 ـ5.) كان ذلك في مجال الشكل والصور، فالله سبحانه وتعالى خلقه في أحسن تقويم، فجاء على أحسن وأكمل صورة ويؤكد علم الجمال في هذا المجال، أن الإنسان أجمل المخلوقات على وجه البسيطة بجميع المقاييس، ودون أي منازع، وطبيعي أن العين 1 الإسلام ومفهوم الحرية صـ55. 2 المصدر نفسه صـ57.
عدد الصفحات ٤٤45 تستطيع أن تقارن وتستقرئ وترى إلى تميز ا نسان في الصورة عن سواء المخلوقات على الأرض والنتيجة النهائية تقول دائماً أن الإنسان في أحسن تقويم كما أراد الله عز وجل. وكان ذلك في النقلة الأولى الهائلة التي حدثت للإنسان بتكريم من الخالق المبدع جاءت هذه النقلة في نفخ الروح، وهي النقلة التي احتاجت إلى أن يُهيأ الإنسان ل ها بعد أن كان من صلصال من حماء مسنون بمعزل عن هذه النقلة جاء الخلق أولاً من طين، ثم التسوية والإتمام والتهيء، وبعدها نفخ الروح " فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي "، وكان أمر الله للملائكة بالسجود للإنسان سجود تحية لا سجود عبادة بعد نفخ الروح مباشرة، لأن الإنسان في هذه النقلة الهائلة حمل سراً من أسرار الله سبحانه وتعالى وهو ما استدعى السجود ـ وهو سجود تكريم لا سجود عبادة " فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ "، ثم كان التكريم في النقلة الثانية حين علّم سبحانه وتعالى آدم أسماء المسميات كلها صغيرها وكبيرها، وهي النقلة التي أعطت الإنسان تميزه بالعلم وقبلها لم يكن مثل هذا التميز الذي يعني الكثير في توسيع المدارك الإنسانية، والقدرة على المعرفة واستتبع ذلك أن علمه سبحانه وتعالى بالقلم وما لم يعلم، فتكاملت للإنسان كل مؤهلات القدرة على التفكير والتمييز والتعلم فالخالق عز وجل فتح آفاقاً واسعة أمام الإنسان ليبدأ في السير على طريق البحث والعطاء واستعمال العقل بصورة صحيحة. الإنسان في كل ذلك كان مهيأ للسيادة على العالم، فالله سبحانه وتعالى كرمه تكريماً كبيراً في خلقه على أحسن صورة وأكملها وفي نفخ الر وح فيه، وفي تعليمه الأسماء كلها، فكان الإنسان مفكراً حراً قادراً على التمييز والاختيار وقادراً على العمل والبناء وقادراً على التعامل مع موجودات الأرض عند استخلافه فيها. هذا التكريم للإنسان كان تهيئة للتكليف القائم على حرية الاختيار، الله سبحانه وتعالى في تكريم الإنسان جعله صاحب إرادة واستطاعة وعقل والله سبحانه وتعالى في تكريمه للإنسان بين له كل شيء وعلمه، ثم زاد في تكريمه فأعطاه الحرية المطلقة ليكون الجزاء فيما بعد قائماً على أساس عمله الذي اختار دون أي ضغط أو إكراه . ب ـ السيادة على العالم: وفرّ الله سبحان ه للإنسان كما رأينا كل مستلزمات السيادة في الأرض وأعطاه عز وجل كل الوسائل ليمارس هذه السيادة وبحرية لا مثيل لها، ولكي تكتمل للإنسان كل عناصر هذه السيادة، فقد جعله عز وجل خليفة في الأرض. ـ قال تعالى:" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً " (البقرة، آية : 30.) ـ وسخر له كل ما في السموات والأرض وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَات لَّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ " (الجاثية، آية : 13.)
عدد الصفحات ٤٥46 ـ وقوله تعالى اللهُّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ " (إبراهيم، آية : 32 ـ 33.) ـ وأتاح له أن يعمر الأرض " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا " (هود، آية : 61.) ـ ومكنه في الأرض ووفر له ما يعيش به من النبات والحيوان وغير ذلك وَلَقَ دْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ " (الأعراف، آية : 10.) وبذلك تكاملت العناصر التي جعلت الإنسان سيداً على العالم فمن جهة كان خليفة الله سبحانه وتعالى في الأرض، وهي خلافة تتطلب بطبيعة الحال أن ينفذ ما أمر به الله خير تنفيذ، وأن يتجنب ما نهى عنه كل التجنب ومن جهة ثانية فقد وضع العالم كله في خدمته، وكان مسخراً تسخير فائدة له، وهو ما يستدعي بطبيعة الحال زيادة في العلم والمعرفة عند الإنسان ليستفيد من هذا التسخير، وطبيعي أنه كلما ازداد الإنسان علماً ومعرفة وفه ماً لسنن الكون كلما كانت الفائدة أكبر من التسخير، فالتسخير ويجب أن تستوعب هذا جيداً، لا يتطلب إلا زيادة في العمل والعلم الإنسانيين ليكون محققاً الغاية الكبيرة منه. فالكون يخدم الإنسان مجاناً إذا فهم الإنسان كيف يوجه الأوامر إلى الكون وتزداد قدرة الإنسان على التسخير كلما زاد فهم الإنسان لكيفية توجيه الأوامر إلى الكون وتوجيه الأوامر هو معرفة السنن، ودليل هذا أن إنتاج الأرض والحيوان والنبات والحديد كل هذا يزداد إذا فهم الإنسان سننه، أي تزداد طاعة الكون له، ولكن شرط الله على الكون ألا يطيع الإنسان إلا إذا دعاه عن طريق معين فإذا دعاه عن غير هذه الطريق فلا يستجيب الكون ويظل معرضاً صامتاً أمام الإنسان. إن الذي لا يعرف كيف يحرك الكون ويظل صامتاً أمام الإنسا ن هو إنسان جاهل للنداء الذي يستجيب الكون على نغمته وهذا النداء هو كشف السنن واستخدامها، وكما يستعصي القفل أن يفتح بغير مفتاحه كذلك الكون لا يستجيب إلا بعد سماعه كلمة السر1. ومن جهة ثالثة، فقد جعله سبحانه وتعالى مفوضاً في تعمير الأرض التي أسكنه فيها، ووفر له كل ما يساعده على العيش واستمرار الحياة في هذه الأرض، فكان النبات والحيوان وغير ذلك مما يؤمن له الطعام وغير الطعام فالإنسان العامل الحر في هذه الأرض له مطلق الحرية في أن يبني ويعمر بعد أن تمكن وتوافرت له كل الظروف الملائمة والمناسبة لإستمرار حياته وعمله وفعله في مجال التكليف والاختيار، الإنسان إذن وقد توافرت له كل عناصر الحرية، من مسئولية فردية، 1 الإسلام ومفهوم الحرية صـ 61.
عدد الصفحات ٤٦47 ومعرفة للذات، ومعرفة للكون، وتكريم له من قبل الخالق عز وجل إلى جانب توافر وسائل الحرية من عقل وإرادة واستطاعة لا يمكن له أن يدّعي أو يسلم بأنه مجبر ومسير ومحكوم، لأن مثل هذا الادعاء لا يمكن أن يثبت بأية حال أمام كل هذه العناصر والوسائل التي توافرت للإنسان ودلت بما لا يقبل الشك على حريت ه المطلقة، فالإنسان حر، والحرية مسئولية تقتضي العمل والإبداع والبناء دون توقف، ولأن مثل هذه الحرية نهائية ولا مجال إلى دفع معناها ومغزاها وأبعادها، فقد كان الجزاء جزاءً عادلاً على العمل الذي قد يكون صالحاً أو قد يكون طالحاً، ولا معنى لأن يحمل الإنسان أعماله لسواه، كما هو الأمر بالنسبة للادعاء أو القول بالجبرية، لأن كل ذلك تهرب لا يفيد من مسئولية محددة حرة1. 1 المصدر نفسه صـ61.
عدد الصفحات ٤٧48 المبحث الثاني: حرية التفكير والرأي أولاً: حرية التفكير: لم يترك القرآن الكريم أسلوباً نفسياً أو واقعياً إلا واتبعه من أجل حث الإنسان على التفكير واستعمال عقله بصورة واضحة جلية، ليصل إلى الحقائق والنتائج المؤدية إلى الإقتناع الكامل بهذا الدين . فالمتدبر لآيات القرآن الكريم يتضح له أن القرآن جاء دعوة للناس ليتدبروا ويعقلوا ويفقهوا ويتبصروا ويفكروا فهو دعوة لإعمال العقل والفكر بكامل الحرية دون حجر أو جمود وفي ذلك يقول تعالى:" قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآْيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " (الحديد، آية : 17.) ـ وقوله تعالى قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْم يَفْقَهُونَ " (الأنعام، آية : 98.) ـ وقال تعالى أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا " (محمد، آية : 24.) والدعوة إلى التفكر في الآفاق والأنفس للوصول إلى اليقين ومعرفة الحق واضحة في كتاب الله العزيز. ـ قال تعالى:" وَفِي الأَْرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْ صِرُونَ " (الذاريات، آية : 20 ـ21.) وفي قوله تعالى لِّلْمُوقِنِينَ " إشارة إلى أنه لا ينتفع بتلك الآيات الكونية ولا يقع على مواقع الهدى منها إلا أهل اليقين الذين يطلبون العلم والمعرفة بالبحث الجاد والنظر المتفحص، ومن هذه الآيات الأرض والنفس التي بين جنبي الإنسان ويكفي أن تنظروا إلى أنفسكم فهي عالم رحيب وكون فسيح، فهذه مشاهدة للقدرة الإلهية1، كما أن هناك طرق أخرى تجمعها آية واحدة هي قوله تعالى :" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآْفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ " (فصلت، آية : 53.) ولم تكن حرية الفكر مضمونة ومكفولة في الإسلام، إلا لأن العقيدة الإسلامية مبنية براهينها على النظر في الكون ودراسته دراسة واعية، حتى يتبع الإنسان الهداية الربانية التي يهتدي بها عن عقل وإقناع، فلا يمكن دراسة هذا الكون دراسة علمية إلا إذا كانت حرية الفكر سليمة، فمن حق الفرد أن يتمتع بهذه الحرية التي حررته من الأوهام والخرافات والوقوع في أسر التقليد الأعمى والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى الوجوب بالعمل به والرجوع إليه، وفي عشرات من الآيات القرآنية، بل مئات منها تتكرر كلمة "العقل" وما أرتبط بها من ألفاظ "الفقه" و"العلم" و"التفكير" على النحو الآتي: ـ "عقل" ومشتقاته ـ عقلوه ـ تعقلون ـ يعقلون ـ ...إلخ ذكرت 48. ـ "علم" ومشتقاته ـ علم ـ يعلمون ـ ..إلخ ذكرت866 مرة ـ "فقه" ومشتقاته ـ تفقهون ـ يفقهوا ـ يفقهون ـ ..إلخ ذكرت 20 مرة 1 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب26 /508.)
عدد الصفحات ٤٨