المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحريات من القرآن الكريم حرية التفكير، والتعبير، والاعتقاد والحريات الشخصية

علي محمد الصلابي

صفحة ٢ من ١٠

17 كالحرص على الحياة، والخوف من الموت، فهمايحميان الرأس ويذلان عنقه، وهذا ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بين السبب الرئيس لضعف أمته وهوانها عند أعدائها مع كثرتهم وهو: خوف الموت، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال: قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن، قال: قلنا وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت"1. أما الإنسان الذي يعلم علم يقين أن الله هو الخالق وأن الآجال بيده، كما في قوله تعالى:" وَمَا كَانَلِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً " (آل عمران، آية : 145.) وكذلك يعلم أن لكل إنسان أجلاً محدوداً لا يزيد ولا ينقص فإذا جاء وقته لا يؤخر، قال تعالى:" وَلَن يُؤَخِّرَ اللهَُّ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللهَُّ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " (المنافقون، آية : 11.) وأنه ليس لمخلوق قدرة على أن ينقص من هذه الحياة يوماً أو يزيدها، وأنه مهما حاول الفرار من الموت فإنه مدركه لا محالة كما هو ظاهر في قوله تعالى:" أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُّشَيَّدَة " (النساء، آية : 78.) كل هذا يجعل المسلم قوياً شجاعاً، يأبى الذل والهوان لأي مخلوق مهما كانت الظروف والأحوال لاسيما عندما يوقن في داخل نفسه أن شجاعته لا يمكن أن تنقضي من عمره لحظة واحدة، وأن الخوف والذل لا يزيد في عمره لحظة ومن هنا يتخلص المسلم من الخضوع للمتجبرين الذي يحاولون إخضاع الناس وملء قلوبهم بالرهبة وهذا ما نراه في سحرة فرعون حين آمنوا بالله الإيمان الحقيقي الذي جعلهم يستهينون بالدنيا ولم يخافوا الموت، قال تعالى:" قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاض إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا " (طه، آية : 72.) فهم لا يحرصون على شيء ولا يخافون من شيء وبذلك تحرروا من الذلة والعبودية لفرعون2. ب ـتحررها من الخوف على الرزق: إذا كان الخوف من الموت هو السبب الأول في ذلة الإنسان واسترقاقه، فإن السبب الثاني هو الخوف على الرزق من الانقطاع وبإلقاء نظرة على بعض الذين لم يحققوا التوحيد تحقيقاً كاملاً على أنفسهم نجدهم يسكتون عن قول كلمة الحق، ويتملقون ويداهنون ويلجأون إلى وسائل لا تليق بكرامتهم، مما يصل بهم الأمر إلى أن يعبدوا 1 مسند أحمد37 /82) رقم22397 تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، اسناده حسن 2 الشخصية ومنهج الإسلام في بنائها ورعايتها د. ناصر بن عبد الله التركي صـ004.

عدد الصفحات ١٧

18 المال ويصيروا له أرقاء وعندما نبحث عن السبب نجده الحرص على رزقهم ولقمة عيشهم ظناً منهم أن عدم مناصرة الحق وأهله وذلتهم لمن هم ساكتون من أجله سيبقى لهم هذا الرزق وهذا العيش ونسوا بأن الرزق بيد الله ولذلك نجد القرآن الكريم ينكر على أولئك الذين ينتظرون الرزق من غير الله تعالى، قال تعالى:" قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُّ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ " (يونس، آية : 31.) أما الإنسان الذي حقق التوحيد فهو يعلم أن الرزق بيد الله وحده، قال تعالى إِنَّ اللهََّ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ " (الذاريات، آية : 58.) فالرزق لا يملكه سواه أياً كانت منزلته ومرتبته وجبروته، قال تعالى:" وَمَ ا مِن دَآبَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِّ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَاب مُّبِين " (هود، آية : 6.) وقال تعالى اللهَُّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهََّ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ " (العنكبوت، آية : 62.) ولو اجتمع الخلق لينقصوا من رزقه شيئاً لم يقدروا وهذا ما بينه صلى الله عليه وسلم بقوله:" إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر برزقه وأجله وشقي أو سعيد 1. وهذا العلم اليقين يغنيه عن غير الله، وينزع من قلبه خوف سواه، فلا يطأطئ رأسه أمام أحد من الخلق، ولا يتضرع إليه ولا يتكفف له ولا يرتعب من كبريائه وعظمته2. فالمسلم لا يستعبده المال، ويسترقه لأن ما يحتاجه من طعام وشراب ومسكن وغيره من الأمور التي يحتاج إليها يطلبها من الله ويرغب إليه فيها، وذلك بفعل الأسباب والسعي في طلب الرزق ومواجهة الآخرين بقلب شجاع وضمير حي، فإذا كان عنده مال استعمله في حاجته كأي شيء مهان لا قيمة له، وليس معنى هذا أن يبذر، وإنما المقصود لا يستعبده هذا المال، فلا يكون هلوعاً عليه، ولا يغلق قلبه فيما لا يحتاج إليه، لأنه إذا علق قلبه بطلب المال الكثير صار عبداً له 3. يقولصلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطى رضي الله وإن لم يعط لم يرض4. ج ـ تحررها من الخوف على المنصب: 1 صحيح البخاري، ك القدر7 /210.) 2 مبدايء الإسلام ـ أبو الأعلى المودودي صـ92. 3 العبودية لابن تيمية صـ65 ـ66. 4 البخاري، ك الرقاق، باب10 (7 /175.)

عدد الصفحات ١٨

19 إن السبب الثالث لاستعباد الناس وذلتهم إنما هو الحرص الشديد على المنصب أو المكانة الاجتماعية، فنجد بعض الناس يصب كل اهتمامه على الاحتفاظ بوظيفته مهما كانت الوسيلة مما يجعله يتزلف ويرائي من يظن أن بيده إقالته، فيعيش منحني الرأس ذليلاً مهاناً 1، وإعجابه بمنصبه يؤدي به إلى تقديس هذا المنصب والخوف من زواله، فتصير نفسه ذليلة لمن بيدهم سلطة عليه ويستطيعون إبقاؤه أو اسقاطه، وبذلك تستعبده نفسه، وما درى في الحقيقة أن هؤلاء الذين بيدهم السلطة هم مثله2. يقول ابن تيمية: وكذلك طالب الرياسة والعلو في الأرض قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم فيبذل لهم الأموال والولايات ويعفو عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه، وهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم3. إن المسلم الموحد يعلم أن ما يصيبه من نفع أو ضر لا لمخلوق فيه، قال تعالى وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُّ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْر فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " (يونس ، آية : 107.) إذن في نظره لا يستحق الخشية إلا الله وحده دون سواه وهو رافع رأسه دائماً حتى في أحلك الظروف لأنه يعلم أن البشر لا يملكون شيئاً في الحقيقة ولا قدرة لهم في الحياة على نفع أو ضرر، فالله سبحانه وتعالى هو الحاكم وحده، وهو القاهر فوق عباده بيده الملك، قال تعالى: " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ " (آل عمران ، آية : 26.) وبذلك تتربى العزة في قلبه فلا يذل مخلوق ولا يعبد إلا ا4. س ـ تحريرها من التبعية المنهج الإسلامي يحمل في طياته دعوة صريحة إلى تحرير الإنسان من التبعية للآخرين الذين قد ضلوا سواء السبيل، ويظهر ذلك جلياً من خلال الآيات القرآنية التي تبين سوء حال من كان إمعة يسير وراء الناس في ضلالاتهم من تلك الآيات، قال تعالى: "يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهََّ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا " (الأحزاب ، آية : 66 ـ68.) 1 منهج الاصلاح الإسلامي في المجتمع عبد الحليم محمود صـ110. 2 الشخصية ومنهج الإسلام في بنائها ورعايتها صـ403. 3 العبودية صـ65. 4 القول السديد في مقاصد التوحيد عبد الرحمن بن سعدي صـ21.

عدد الصفحات ١٩

20 وقد وصف القرآن الكريم أولئك الذين وقعوا أسرى العادة ومؤلوفات الآباء والأجداد بأنهم كالبهائم التي لا عقل لها، حيث يقول تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُّ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ " (البقرة ، آية : 170 ـ171.) فالإنسان هذه حاله لا تعتبر له شخصية مستقلة، حيث أنه لم يمنحها حقها في البحث عن الحق والصواب، وإنما حبسها بين أسوار التقليد الموروث1، لذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر الإنسان من أن يكون كالببغاء يردد ما يسمعه دونما فهم وإدراك، فيقول: لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا2. ويتبين لنا أن الإسلام يريد تحرير الإنسان تحريراً مطلقاً من أية سلطة يدعيها أحد من الوصايا عليه في عقيدته، لأنه قد أعطى الإنسان حقه كاملاً في النظر بأصول العقيدة ليعرف بذلك وجه الحق الذي هو ملتزم به، ويوقن به يقيناً كاملاً 3، فالذي ينظر إلى هذا الكون الفسيح وما يتضمنه من عجائب يلمس قدرة الله عز وجل في كل حركة وسكون ويرى عظمة البارئ حيثما اتجه ببصره، ومن هنا تكون المعرفة حقيقية لله التي تجعله مؤمن بخالقه وحده دون أن يتخذ معه شريكاً، فهو بعقيدته يحدد وجهته التي سيسير عليها، وهي ترك الشرك وأهله، فالمنهج الإسلامي قد دعا الإنسان إلى التحرر من الخرافة في الاعتقاد والتصور، وهذا في واقع الأمر رفع العقبات المعنوية والفكرية التي تحول بين الإنسان وبين استخدام طاقته، كإنسان عاقل يملك قدرة التفكير، قد هيئت له الوسائل التي تساعده على ذلك4. ش ـ تحريرها من شهواتها لم يترك الإسلام الإنسان لأن يكون عبداً لنفسه واتباع شهواتها ورغباتها وملذاتها فتؤتي به إلى المهاوي والطغيان، إنما حرره من هذه الشهوات ودعاه إلى الزهد مع 1 الشخصية ومنهج الإسلام صـ392. 2 سنن الترمذي ك البر واللصلة4 /364.) 3 الدين ضرورة حياة الإنسان عبد الركيم الخطيب صـ85. 4 الشخصية ومنهج الإسلام صـ393.

عدد الصفحات ٢٠

21 القدرة دون العجز، وبالمقابل أباح له الاستمتاع بالملذات الدنيوية المباحة، ولكن بين له أن هذا المتاع قليل بمقابل متاع الآخرة، وهذا لمن اتقى ربه وعقل ذلك، قال تعالى: " وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْء فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللهَِّ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ " (القصص ، آية : 60.) ووازن سبحانه بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة، لتحرير نفس الإنسان لشهواته، وقال تعالى: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُّ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْر مِّن ذَلِكُمْ لِلَّ ذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِّ وَاللهُّ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ " (آل عمران ، آية : 14 ـ15.) فالآيات الكريمة تدل على أن نظرة الإنسان في الغالب آنية وقتية، لا ينظر إلى المستقبل البعيد، ولا يقارن بين الباقي الدائم والمنقطع المؤقت، فالخالد المستمر أفضل من الزائل بسرعة، فجاء الخطاب في هذه الآيات لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم وبما فيها من توبيخ لهم، لأن الأهواء والشهوات صرفتهم عن اتباع دعوة الإسلام، والشهوات التي ذكرت في الآية الكريمة هي التي يحدث فيها الافراط والمغالاة أو تكون سبباً في التفريط في الواجبات الدينية، ف ـإن قصدت ضمن الحـــدود المعتدلة والمعقولة لـم تكـن وبالاً على صاحبها، وق ـــد تكون سبباً للثواب وزيادة الأج ــر، وإن قصد بهــا الخيــر والصون والعفاف وتسخيرها لمرضاة الله، فلا بد من الموازنة بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة حتى تتحرر النفس من الشهوات فلا يطغى جانب على الآخر1. كذلك حرره من الغلو والتكبر، ففرض عليه الصلاة تدريباً على التواضع والخشوع وفرض عليه الزكاة ليحرره من عبودية المادة ولتطهيره نفسه من لوثة طبقات المال وحبه، وفرض الصيام لكسر شهوة الجسد والطعام ولتعويد نفسه على التحمل وقوة العزيمة، وغرساً للخشية والمخافة من الله ومراقبته في السر والعلانية، وفرض عليه ا لحج ليجمع هذا الخير كله، وبين له أن الفلاح حامل تزكية النفوس وتطهيرها 1 المجتمع الإسلامي صـ192.

عدد الصفحات ٢١

22 وتحريرها من كل الماديات والطغيان والفسوق والعصيان، قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا " (الشمس ، آية : 9 ـ10.) فبعد هذه العجالة في دور الإسلام في تحرير الإنسان والنفس البشرية، فلم يكن ذلك إلا لبناءه من الباطن حتى يرتفع ويسمو إلى القمة العالية فلا يركع أمام الطغاة والظلمة، ولا يركع أمام الشهوات والرغبات، ولا يستبعد لمنزلة أو مكانة1. 7 ـ الإسلام وحرية المجتمع من الضروري أن يكون المجتمع الإسلامي حراً، وأن يشعر الفرد بحريته، ليس داخل المجتمع فحسب بل لا بد أن يشعر أيضاً أن مجتمعه الذي يعيش فيه حراً، فحرية الفرد من حرية المجتمع كلاهما متلازمان، فالمجتمع الذي يعيش تحت وصاية دخيل أو تسلط أجنبي لا تكون إرادة أبنائه نابعة من أنفسهم، إن المجتمع الإسلامي في طبيعته لا يقبل العيش تحت ضغط مستبد، أو تحت قبضة سلطان جائر، فإن ذلك يشله ويخرجه عن رسالته وعن الصبغة التي أرادها الله له وميزه بها عن سائر المجتمعات، فالمجتمع الإسلامي يحقق رغبات أبنائه وسعادتهم وأمنهم، فكيف يعيش في خضوع وخنوع وتحت سيطرة وعبودية الآخرين وهو قائم لتحقيق الحرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتأسيس الكرامة الإنسانية، ويسعى لتحقيق شروط الإيمان التي جاءت في قول الله تعالى: "وَعَدَ اللهَُّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " (النور ، آية : 55.) إن الطغـاة والمستبدين الغاشمين ماهم إلا طعنة مسمومة لحرية المجتمع الإسلامي، ولدوافع الجهاد ونبذ الخضوع والإستعباد وعزة الفرد المسلم بالله ورسوله لظل الإستعباد فوق رؤوسهم، ولاستطاع أن يحقق أهدافه ومراميه حتى تنسلخ العقيدة من نفوس أفراد المجتمع وينسلخ المجتمع عن مبادئه2 8ـ الأصل في انسان الحرية وفي الأشياء الإباحة: الإصل في الناس الحرية تواتر ذكر هذا الضابط والنص عليه في أقوال الفقهاء وعللوا لهذا الأصل بأن: الحرية هي الظاهر والرق طارى3. إن الناس جميع الناس أحرار بلا بيان حتى في الشهادة والقصاص والحدود والديات، لالغاء الرق عالمياً، والفقهاء لم يدعوا إلى الرق، وإنما نظموا أحكامه وقت وجود ه، لأن الناس احتاجوا إلى وقت ليفيئوا إلى أصل الحرية4. 1 المصدر نفسه صـ192. 2 المجتمع الإسلامي صــ194 3 الحرية وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي صـ51 4 المصدر نفسه صـ52.

عدد الصفحات ٢٢

23 فحق الحرية مقرراً على أوسع نطاق، ومقيداً أيضاً بأنفع ما يمكن من قيود الحق، والمصلحة العامة، والخاصة المشروعة، وهناك آيات عديدة فيها إباحة للمسلمين وحرية لهم بممارسة أمور متنوعة نزلت في مناسبات واستفتاءات وأسئلة، فمن هذه الأمثلة: أ ـ قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ " (البقرة ، آية : 168.) وهذا الأمر بالاباحة والحل لما في الأرض إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن، وهذا يمثل طلاقة العقيدة وتجاوبها مع فطرة الناس، فالله خلق ما في الأرض للإنسان، ومن ثم جعل له حلالاً لا يقيده إلا أمر خاص بالحظر، وألا تتجاوز دائرة الاعتدال والقصد ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة، واستجابة للفطرة بلا حرج ولا تضييق.. كل أولئك بشرط واحد هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق، لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير لأنه عدو للناس بين العداوة1. ففي هذه الآية الكريمة أباح الله للناس جميعاً بأن يأكلوا مما في الأرض، في حال كونه حلالاً من الله طيباً ومستطاباً في نفسه، وغير ضار للَبدان والعقول، ولذ لك يمنع أكل الحيوان القذر، والآية تدل أيضاً على مجاهدة النفس وتحريرها من الهوى واتباع خطوات الشيطان الداعية للشر والسوء والمنكر والعصيان2. ب ـ وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للهِِّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِّ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (البقرة ، آية : 172 ـ 173)،هذا وترتبط هذه الآية بالآية السابقة، لأن الله أباح لنا الطيبات مما رزقنا به، وأن نشكره على هذه النعم لأنه لم يمنع عنا طيباً من الطيبات، ثم بين بعد ذلك المحرمات من المأكل نصاً وتحديداً، والتي هي من ضمن خطوات الشيطان، إلا لضرورة يخشى في عدم الأكل منها على الحياة، فلصاحبها أن يتفادى هذا الحرج بتناول المحظور، في الحدود التي تندفع بها هذه الضرورة3. 1 في ظلال القرآن1 /219.) 2 المجتمع الإسلامي صـ183. 3 المصدر نفسه صـ183.

عدد الصفحات ٢٣

24 ج ـ ويقول تعالى بالنسبة للزواج وتعدده، قال تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا " (النساء ، آية : 3 .) فهذه الحرية في الزواج وتعدد الزوجات، ولكن تكون مقيدة في الخوف من عدم العدل ويستدل من الآية الكريمة أن الزواج مشروع، وفيه حرية لتعدد الزوجات للقادر والعادل، لما في ذلك من مصالح جمة، ومنها تكثير النسل، وإعانة كفالة النساء، ولتضييق الزنا، ولما يجر إليه من الفاسد في الأخلاق، ولما في التعدد من قصد الابتعاد عن الطلاق إلا للضرورة، ومع هذه الحرية إلا أنها قيدت إذا فقد العدل بين الزوجات، ولحق بهم الظلم والضرر، فيقتصر على زوجة واحدة1. س ـ وقال تعالى: " الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ 2 غَيْرَ مُسَافِحِينَ 3 وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَان 4 وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " (المائدة ، آية : 5.) أحل الله لنا جميع الطيبات في الأرض، وكذلك طعام أهل الكتاب من يهود ونصارى، وبالمقابل طعامنا حل لهم، وكذلك العفيفات من نسائهم حل لنا، فهذه حرية في أكل طعام أهل الكتاب، والزواح من نسائهم ولقد قيد هذا بإيتائهم أجورهن، وذلك في قوله تعالى: "ِ ذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ " أي: مهورهن، أو إن قصدتم عدم العفة بهن، أي أن هذا المباح قيد بالزواج من الحرائر والعفيفات عن الزنا بقصد الاحصان والعفاف، لا سفح الماء عن طريق الزنا العلني أو الزنا السري أو اتخاذ الأخدان5. ك ـوقال تعالى في حرية أخذ الزينة وأكل ما أبيح من طعام وشراب، وقيد ذلك بعدم الاسراف والتبذير، وقال تعالى: " يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ 6 إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِّ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِّ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِّ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " (الأعراف ، آية : 31 ـ33.) وهناك من الأمثلة الكثيرة منها قوله تعالىأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُّ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَ ابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا 1 المجتمع الإسلامي صـ184. 2 محصنين: من الاحصان، وهو العفاف. 3 مسافحين : مجاهرين بالزنا 4 أخدان : أحلاء في السر مصاحبيهم للزنا 5 المجتمع الإسلامي صـ185. 6 لا تسرفوا: المسرف من ينفق المال الكثير في غير محله

عدد الصفحات ٢٤

25 عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُّ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِّ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُّ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (البقرة ، آية : 187.) ــ وقوله تعالى: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَات فَاذْكُرُواْ اللهَّ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ " (البقرة ، آية : 198.) ــوقوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُّ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِّ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللهَّ إِنَّ اللهَّ سَرِيعُ الْحِسَابِ " (المائدة ، آية : 4.) وهنالك أحاديث تصح أن تكون ضابطة ومقررة لحرية المسلم، من ذلك ما رواه الترمذي وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه"1، ويقاس على هذا الحديث كل شئ وكل عمل، مما أحله الله في كتابه لأنه طيب ومفيد ونافع وصالح، وما حرمه هو كل خبيث وفحش وإثم وظلم وضرر وبغي وعدوان، والقرآن قد سكت عن أمور كثيرة لا تدخل في نطاق ما حرم ومنها ما يدخل في نطاق ما أحل وأبيح فيكون للمسلم الحرية في هذه الأمور، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً يعتبر ضابطاً للَوامر والنواهي النبوية، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم2. والأحاديث كثيرة فيها أوامر ونواه نبوية في مختلف الشؤون من طعام وشراب وملبس ومعاملات وأعمال وتصرفات لم ترد في القرآن أمرنا بها أن نطيع الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، لأن هذه وسيلة لحب الله3. قال تعالىقُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَّ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُّ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللهَّ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَّ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ " (آل عمران ، آية : 31) فيكون بناءً على ذلك أن كل ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من 1 سنن الترمذي4 /192).، ك اللباس، باب6 رقم1726. 2 فتح الباري، ك الاعتصام بالكتاب والسنة رقم7288. 3 المجتمع الإسلامي صـ187.

عدد الصفحات ٢٥

26 أمر أو نهي واجب الاتباع، فهي كأوامر ونواهي القرآن، فما أوامره ونواهيه صلى الله عليه وسلم إلا ضوابط لحرية المسلم، وما سكت عنها أيضاً يكون المسلم حراً فيها بطبيعة الحال1. ثانياً: أه ميتها وأسسها: 1 ـ أهمية الحرية الحرية: منحة إلهية، وحق طبيعي للإنسان لممارسة أعماله والقيام بوظائفه، قال تعالى: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ " (الإسراء ، آية : 7.) ولذا كان من الطبيعي أن يجعل الإسلام هذه الحقيقة أساساً مرجعياً في تشريعاته 2. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوثق علاقة الإنسان بالله فهو مولاه وسيده ويفك قيود عبوديته للبشر، قال تعالى: " وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ " (الأعراف ، آية : 157.) لا سيما وقد جعل الله عز وجل الإيمان به سبيلاً للتحرر والانفكاك عن الظلم والتسلط والاستبداد، والتأله، ومن ثم فليس مستغرباً أن تنحصر مهمة الأنبياء في العمل على تثبيت هذه الحقيقة وتجليتها وتمثلها في الواقع، فكانت قولتهم جميعاً: " يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَّ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـه غَيْرُهُ " (الأعراف ، آية : 65.) ومن هنا استقرت "لا إله إلا الله" شعاراً للإيمان وميثاقاً للتحرر والتحرير، ومحوراً للتدين، وحداً فاصلاً بين الإيمان والكفر 3. ولعلنا ندرك ـ في ضوء ما سبق ـ مغزى قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن سورة الإخلاص:" والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن"4. فهي عنوان للخص والحرية والانعتاق، لأن الإيمان بالله يحمي النفس، ويحصن الفكر ويعتق الروح ويحفظ القلب عن سلطان الطواغيث، ومن هنا قال الكواكبي: وكفى بالإسلامية رقياً في التشريع، رقيها بالبشر إلى منزلة حصرها اسارة الإنسان في جهة شريفة واحدة وهي "الله" وعتقها عقل البشر عن توهم وجود قوة ما، في غير الله من شأنها أن 1 المصدر نفسه صـ187. 2 الحرية وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي صـ33. 3 الحرية وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي صـ33. 4 البخاري، ك فضائل القرآن

عدد الصفحات ٢٦

27 تأتي للإنسان بخير ما أو تدفع عنه شراً ما 1، ومع ذلك جعل الله عز وجل سبيل الإيمان به هو الإقناع وجعل وظيفة النبي هي البيان وعدم الإجبار، فقال تعالى في حق النبي صلى الله عليه وسلم:" نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّار فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ " (ق، آية : 45.) ذلك أن أمر الاستجابة لهذا الخير من عدمه منوط بحرية الإنسان في الاختيار2. قال تعالى وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ " (الكهف، آية : 29.) 2ـ الأسس التي تقوم عليها الحرية تكاد تجمع الدراسات الإعلامية والاجتماعية على أن إعلام كل أمة إنما هو في الحقيقة انبثاق من عقائدها وإطارها الفكري العام، وتتفاوت نظرة الناس لقيمة الحرية بين النظم الإعلامية المختلفة إلا أن أسس الحرية الإعلامية لا تخرج عن أساسين هما: الأساس الفلسفي: المرتبط بالفلسفة المادية من لدن أفلاطون وأرسطو إلى جون رسكين وجون ستيوارت ميل و"جفرسون" و"وليم كنج" و"جون ملتوت" ومرتكزات "واطسن ويافلوف" "وفرويد"، حيث إن هناك أساس مشتركة بين هؤلاء الفلاسفة جميعهم من حيث النظرة المادية للإنسان والنظرة المادية لقيمة الحرية، ولذا فإن طرح هذا الأساس في مثل هذه الدراسة التأصيلية إنما هو من قبيل بضدها تتميز الأشياء، أما أساس الحرية الإعلامية الحقة فهو الدين الحق ويندرج تحت الأساس الديني أسس فرعية منها3: أ ـالإيمان بالله الواحد الأحد. ب ـ الكتاب والسنة "الوحي بشقيه". ج ـ الفطرة الإنسانية السوية. ثالثاً: مرجعية الحرية في الإسلام: الإسلام هو دين الخاتم جاء يعرض نفسه على أنه هو الدين الخاتم، فهو قائم على وحي ليس بعده من وحي آخر، ولذلك فإن ما فيه من تعاليم في مختلف مجالات الحياة جاءت معروضة على سبيل الثبات والديمومة، فليس لها من ناقض ينقضها إلا من وحي لأن الوحي قد انقطع، ولا من عقل، لأن الوحي أعلى من العقل، وليس للَدنى أن ينقض الأعلى، وأما الاجتهاد العقلي، فإنه يتم من خلال منظومة الوحي وبحسب ما تسمح به وتحدده هذه المنظومة من تفسير لما هو ظني، أو استكشاف 1 طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد صـ 80. 2 الحرية وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي صـ34. 3 الحرية الإعلامية في ضوء الإسلام د. سعيد علي بن ثابت صـ64.

عدد الصفحات ٢٧

28 لما هو غير منصوص عليه وفق المبادئ والقواعد الكلية العامة، وليس بحال من الأحوال ناقضاً لتقريرات الوحي كما يزعم بعض الزاعمين، وتبعاً لذلك فإن ما جاء متعلقاً بالحرية من التعاليم يندرج هو أيضاً ضمن هذا السياق من الثبات والديموم ة، فليس لأحد أن يغير فيه شيئاً، لا من حيث ذاته في أحكامه المندرجة ضمن درجات الحكم الشرعي المعلومة، ولا من حيث منزلته القيمية المرتبطة بمنزلة الوحي بصفة عامة، ومنزلة الأصول الكلية المؤسسة فيه بصفة خاصة، ولا من حيث الديمومة الزمنية التي تمتد في كل الأحوال والظروف على امتداد الوجود الإنساني دون أن يتطرق إليها الاستثناء أو التعطيل أو الإلغاء ولا من حيث تعلقها بالإنسان بمقتضى إنسانيته مطلقاً عن عوارض الإنسانية من جنس ولون ودين وغيرها، فالحرية كما جاء بها الإسلام هي من جميع هذه النواحي قيمة كبرى تحتل من سلم المقاصد الدينية الدرجات العليا، وهي قيمة ثابتة تتصف بالديمومة في الزمان والمكان1. وانطلاقاً من خاصية الشمول التي هي من خاصيات الإسلام الأساسية، فإن التشريع للحرية هي تعاليم الوحي جاء مندرجاً ضمن هذه الخاصية ، وذلك معناه أن الأوامر والنواهي المتعلقة بهذه القيمة هي أوامر ونواه وردت على سبيل الإلزام الديني، فالمسلم ليس له من خيار في شأنها إلا أن يمتثل لها بالإذعان، إيماناً بها حقيقة دينية وسعياً لتنفيذها في وا قع السلوك وهو في ذلك يمارس عبادة تعبده الله تعالى بها، فإذا ما قصّر فيها بالإيمان أو السلوك فإنما يكون قد قصّر فيما تعبده الله به، فينتهي به الأمر إذن إلى ارتكاب الأثم الذي هو قادح من قوادح التدين، وذلك ما يشير إلى المنزلة العليا التي تحتلها قيمة الحرية في الإسلام، فممارستها تدين، ومفارقتها عصيان، وهي بذلك تتجاوز أن تكون مجرد قيمة عقلية أو إنسانية أو أخلاقية، لتكون مشتملة على كل ذلك وعلى ما هو أعلى من ذلك متمثلاً فيما تتصف به من صفة دينية تحتل بها في وعي المسلم منزلة أعلى من أي منزلة سواها وإذا كانت أحكام الدين تتوزع إلى ما هو أصول عُرف في الأدب الإسلامي باسم العقيدة وهو الأساس الذي يتأس عليه الدين، وما هو فروع عرف باسم الشريعة، وهو المتمثل في الأحكام ذات الصفة العملية، فإن مبدأ الحرية لئن جاءت فيه أحكام منظمة للسلوك إلا أنه يضرب بجذوره في أصل المعتقد الإسلامي، وهو ما يجعل الإيمان به يدخل في حساب الإيمان بالدين نفسه، وربما أدى الخلل فيه إلى خلل في الإيمان بما قد ينتهي به إلى الانتقاض، فتكون الحرية إذن عنصراً عقدياً من صميم أصول الدين، وهو ما يؤكد مكانتها ضمن المبادئ التي جاء بها الإسلام، إذ تكون من أصوله وليست من فروعه ولعل أول ما يبدو ذلك في عقيدة التوحيد، فجوهر هذه العقيدة هو أن يكون الإنسان مُسلماً نفسه فيما يأتي وما يذ ر لله تعالى وحده، وهو ما يقتضي أن 1 مراجعات في الفكر الإسلامي د. عبد المجيد النجار صـ169.

عدد الصفحات ٢٨

29 يكون متحرراً من كل ما سواه، فعقيدة الوحدانية تنفي أن يكون المؤمن بها خاضعاً لأي سلطان سوى الأمر الإلهي، تمثل في سلطان داخلي من شهوات النفوس وأهوائها، أو في سلطان خارجي من عادات وتقاليد الآباء أو سطوة الحكام ورجال الدين أو أوهام العناصر الطبيعية فالحرية التي جاء الإسلام يشرعها للناس هي هذه الحرية التي تتضمنها عقيدة التوحيد والتي إذا ما انتفضت انتفضت معها تلك العقيدة هباء1. ومما جاء في سياق ذلك قوله تعالى فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا " (النساء، آية : 65.) فهذه الآية تشرع للتحرر من كل ما سوى الله وحده في حكمه، وتجعل الإيمان رهيناً في تحقيقه لهذا التحرر الذي أصبح وجهاً من وجوه توحيد الله تعالى، ومن ذلك أيضاً ما جاء في قوله تعالى:" أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً " (الفرقان، آية : 43)، فاتخاذ الهوى إلهاً من دون الله وهو ضرب من العبودية التي جاء الدين يحرر الإنسان منها، فإذا لم يتحرر كان ذلك ناقصاً للإيمان بالله فيستحق التشنيع كالتشنيع على هؤلاء الذين وردت فيهم الآية، ومما جاء في ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم:" تعس عبد الدينار والدرهم، والقطيفة والخميصة"2. فهذا الدعاء على من لم يتحرر من عبودية المال إنما هو لما يفضي إليه ذلك من قدح في توحيده الله تعالى، إذ هذه العبودية للمال مناقضة لعقيدة التوحيد، وبهذا كله يتبين أن الحرية في الإسلام شرعت بعداً من أبعاد توحيد الله تعالى الذي هو رأس العقائد فهي إذن قيمة عقدية تحتل في منظومة الدين المكان الأرفع من درجاتها3. إن الإيمان قد نيط في الدين بإرادة حرةيتحمل بها الإنسان مسئولية الاختيار، فأصبح الإيمان بتلك الحرية جزءاً من المعتقد، إذ لا يتم الإيمان الأوفق إلا بها على قاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب4. وعلى أساس هذه المنزلة العقدية للحرية في المنظومة الإسلامية جاءت الأحكام تشرع للإجراءات العملية التي تحقق بها في الواقع وهي أحكام في معظمها تتصف بصفة الوجوب الملزم، على معنى أن المسلم ملزم دينياً بأن ينفذ تلك الأحكام المتعلقة بالحرية في ذات نفسه إن كانت من باب الحريات الشخصية وفي السياق الاجتماعي إن كانت من باب الحريات العامة، فإذا ما خالف تلك الأحكام في سلوكه فإنه يكون آثماً بالميزان الديني، وإذا ما أجرى سلوكه عليها يكون قد تحقق بعبادة الله تعالى بممارسة الحرية كما هو الحال في الإيمان التصديقي وفق ما ذكرناه آنفاً من أن 1 مراجعات في الفكر الإسلامي د. عبد المجيد النجار صـ170. 2 البخاري، ك الجهاد، باب الحراسة في الغزو 3 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ171. 4 المصدر نفسه صـ171.

عدد الصفحات ٢٩

30 الإيمان بالحرية هو جزء من الإيمان بالدين، فالتحقق به يقوي الإيمان بالدين، والجحود فيه قد ينتهي بالإيمان الديني إلى النقض1، والتشريع العملي للحرية يبتدي من التشريع لحرية الإنسان من ريقة العبودية، فقد كان النظام الاجتماعي الإنساني بصفة عامة يقوم على الاسترقاق الذي أصبح بمرور الزمن أمراً مسلماً به غير مطروح للمراجعة من أجل التفكيك، فلما جا ء الإسلام شرّع لإبطاله، وتحرير الإنسان منه بصفة نهائية، وإن يكن ذلك بصفة تدريجية، واستخدم في ذلك آلية تعتمد أولاً التضييق في أسباب وقوعه بإبطالها جميعاً إما بصفة قطعية ناجزة كبذل الإنسان نفسه للرق والاسترقاق في الدين وفي الجناية، أو بصفة تدريجية ظرفية كالاسترقاق بالأسر وتعتمد ثانياً على التوسع في أسباب إنهائية مثل التشريع لكفارة العتق، أو الترغيب فيه ابتغاء المثوبة، أو الإلزام به عقوبة على سوء معاملة المستعبد وهو ما من شأنه أن ينتهي قريباً إلى التحرير الكامل من عبودية الإنسان لأخيه الإنسان، وقد كان هذا التشريع للحرية سبقاً للإسلام من بين سائر المذاهب والأديان 2. رابعاً: مرجعية الحرية في الفكر الغ ربي: من أهم المقولات التي قام عليها الفكر الغربي الحديث، التي شكلت الوعي الحضاري المعاصر مقولة الحرية سواء في بعدها الفردي حريات شخصية، أو في بعدها الجماعي حريات عامة والشعارات الكبرى للمذاهب الفلسفية، وللثورات الإصلاحية وللإنتفاضات الشعبية، وللتنظيمات الدولية، وللبرلمانات السياسية تكاد لا تخلو منذ أكثر من قرنين من الحرية عنصراً أساسياً من عناصرها حتى غدت هذه الكلمة تكاد تكون المقوم الأكبر من مقومات التي يُراد أن تشكل عليها الحياة الفردية والجماعية، وبما أن الفكر الغربي في عمومه قد نشأ وتطور وخارج سياق الدين إن لم يكن نقيضاً له وبما أن الدين المسيحي الذي هو المحضن الجغرافي الذي نشأت فيه الفلسفة الغربية كانت صبغته العامة صبغة روحية تنأى به أن يكون موجهاً للحياة العامة، فإن مقولة الحرية في مبدئها وتطوراتها في ثقافة العرب كانت مقولة وضعية لاصلة لها بالدين، وإنما هي من محض التقرير العقلي ومصدر الإلزام فيها لا علاقة له بالمقدس الديني، وإنما هو مصدر فلسفي اجتماعي وربما كان أخلاقياً أحياناً 3. لقد كانت المجتمعات الأوروبية طيلة العصور الوسطى تعاني من استبداد فظيع مسلط على رقاب الناس من قبل جهتين تتواليان على قهر الشعوب، وسلب حريتها الكنيسة تسلب ح رية الفكر والمعتقد والحكام يسلبون الحريات العامة السياسية والاجتماعية، وكان تزايد الضغط الاستبدادي من قبل هاتين الجهتين على الشعوب 1 الحرية الإعلامية في ضوء الإسلام صـ171. 2 المصدر نفسه صـ172. 3 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ174.

عدد الصفحات ٣٠

31 الأوروبية التي بدأت تتسم طلائع الأنوار القادمة إليها من الحضارة الإسلامية كان ذلك مستفزاً لها كي تنهض مطالبة بحريتها فكان علي ها أن تواجه هذين المصدرين من مصادر الاستبداد بثورات متتالية وصراعات متعاقبة كي تنال حريتها وكان الصراع عنيفاً دامياً في كثير من مراحله، وهو ما لخصته العبارة الشهيرة التي كان الناس يتناقلونها في خضم المواجهة وهي تنادي الناس بأن: أشنقوا آخر حاكم بأمعاء آخر قسيس. وقد دامت هذه الهبة الشعبية من أجل الحرية زمناً ليس بالقصير لعلها بامتدادها منذ ظهور إرهاصاتها إلى حصول نتائجها بلغت بضعة قرون، وقد احتضنتها من مبتدئها إلى منتهاها حركة فكرية تنظر لها، وتوجه مسارها، وتلخص نتائجها تلخيصاً فلسفياً يقودها ويرعاها كبار مفكري التنوير من الفلاسفة والأدباء، حتى انتهت إلى تشكيل الفكر الغربي الحديث الذي تنزلت الحرية فيه من خلال مقولتين أساسيتين: ـ العلمانية: التي تتضمن الحرية الفكرية وما يتبعها من حريات. ـ والديمقراطية: التي تتضمن الحرية السياسية والاجتماعية بفروعها المختلفة، وكل منهما تولدت من خلال صراعات مريرة متتالية انتهت إلى توازنات مذهبية واجتماعية تواطأت فيه مختلف الأطراف المتصارعة على منظومة من الحريات كانت هي الفيصل في إنهاء الصراع واستباب الاستقرار. فالعلمانية تعني التحرر من تسلط الكنيسة أن تكون باسم الدين موجهة للحياة العامة للمجتمع، وقصر توجيهها على الحياة الروحية للَفراد في خاصة نفوسهم، فهي إذن تحرر فكري في تدبير شؤون الحياة من التوجيه الديني الذي يحدد عن طريق الكنيسة مسارات التفكير وتنظيمات الحياة العامة، وإيكال ذلك كله للعقل يفكر تفكيراً حر اً في شؤون الكون من حيث الوجود لينتهي إلى الآراء الفلسفية التي يريد ومن حيث التكوين ليصل إلى النظريات والقوانين التي يقتنع بها ويضع بمحض تقديره المستقل نظام الحياة الفردية والاجتماعية الذي يرتضيه استبعاداً في كل ذلك للدين أن يكون له مدخل فيه، وحصراً له في توجيه الحياة الروحية والأخلاقية لقد كانت الكنيسة تستبد على عقول الناس فتوجهها في التفكير الوجهة التي تريد، وتمنعها من التفكير الحر لاكتشاف حقائق الكون الوجودية والطبيعية ومارست في ذلك قهراً عظيماً وصل إلى الإحراق بالنار لمن يتوصل بفكره الحر إلى اكتشاف حقيقة من حقائق الطبيعة كحقيقة كروية الأرض ودورانها باعتبار أن ذلك يخالف التوجيهات الدينية، كما كانت تمارس ظلماً اجتماعياً بالتسلط القهري على حياة الناس في تدبير شؤونهم الخاصة والعامة وظلماً اقتصادياً بابتزاز الأموال وفرض الضرا ئب والإتاوات على الرقاب1. 1 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ178،179.

عدد الصفحات ٣١

32 1ـالثورة البروتستانتية: إن هذا الوضع الاستبدادي أدى إلى ظهور ثورة تحررية ظهرت أول ما ظهرت في نزعة إصلاحية انبثقت من الكنيسة نفسها، وهي المتمثلة في الثورة البروتستانتية التي حملت إصلاحات من داخل النظام الكنسي نفسه في اتجاه التحرر من القمع الفكري والاجتماعي الذي كانت تمارسه الكنيسة باسم الدين، وقد جوبهت هذه الثورة بمقاومة ضاربة من قبل حراس الكنيسة المحافظين المتمسكين بالاستبداد الفكري والاقتصادي والاجتماعي، وانتهى الأمر إلى صراع دام تمثل في حروب طويلة بين المذهبين الكنيسين اللذين أصبحا دينين مختلفين، وقد امتدت تلك الحروب التي اصبحت تعرف بالحروب الدينية على الرقعة الأوروبية بأكملها تقريباً، كما أمتدت على رقعة زمنية كادت تستغرق القرنين السادس عشر والسابع عشر. لقد كانت لهذه الحروب الدينية آثار مدمرة على المجتمع الأوروبي بما أفضت إليه من انشقاقات اجتماعية عمّت بها الاضطرابات والفوضى، وهو الأمر الذي أفضى إلى نشأة نزوع عند الناس وعلى رأسهم المفكرون والفلاسفة إلى إنهاء هذا الصراع بإخراج كل من الطرفين المتصارعين وهما الحاملات للراية الدينية من ساحة الحياة الاجتماعية التي هي محل الصراع موضوعه، وإيكال التدبير في شؤون الحياة العامة إلى العقل لا إلى الدين بتأويليه المتصارعين وبعد مخاض طويل انتهى الأمر إلى التوافق على هذا الأمر فأخرج الدين من أن يكون موجهاً للعقل، فانطلق في التفكير الحر، ومن أن يكون مدبراً لشؤون الحياة الاجتماعية وأوكل ذلك للتدبير العقلي المستقل عن الدين وكانت تلك هي العلمانية بما تحمله من تحرر فكري واجتماعي ناشئة من محض صراعات دامية على أساس توافقي وليست متولدة من تفكير أيديولوجي أو نزوع أخلاقي على سبيل التأسيس الابتدائي1. 2ـ الأسر الحاكمة في أوروبا والديمقراطية إذا كانت الكنيسة في أوروبا تصادر حرية الفكر باسم الدين ، فإن الأسر الحاكمة كانت تصادر الحريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إذ اتصف حكمها باستبداد مطلق يتصرف فيه الملوك تصرفاً فردياً فيما يتعلق بتدبير الشؤون العامة بما فيها القرارات المصيرية، كالحروب وغيرها وتُكبت فيه الأصوات المعارضة كبتاً غليظاً وتصادر فيه الأموال بتو افق مع الإقطاعيين، وتفرض فيه الإتاوات بغير ضوابط معقولة فكانت الشعوب في غالبها كأنما هي مملوكة مع الأرض التي يعيشون عليها للملك أو الإمبراطور، كما كان الفلاحون كأنهم مملوكين للإقطاعيين. وقد أدى هذا الوضع إلى تململ في الأوساط الشعبية ظل يتنامى شيئاً فشيئاً في كمه وكيفه، ولما نشأت النهضة الصناعية كانت أحسن معين على توسع هذه المعارضة 1 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ 179.

عدد الصفحات ٣٢