1
عدد الصفحات ١2 بسم الله الرحمن الرحيم الإهداء إلى الشعوب التي تسعى للحصول على حرياتها وتريد ممارستها على المنهج الصحيح الذي بينه خالق الإنسان في القرآن الكريم، أهدي هذا الكتاب سائلاً المولى عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يكون خالصاً لوجهه الكريم. قال تعالى: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا". (الكهف ، آية : 110.)
عدد الصفحات ٢3 بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ــ قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَّ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ " (آل عمران ، آية : 102.) ـ قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَّ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ". (النساء ، آية : 1.) ـ قال تعالىيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهََّ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللهََّ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ". (الأحزاب ، آية : 70 ـ71.) أما بعد يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى. هذا الكتاب يتحدث عن الحريات، وقد تم تقسيمه إلى مباحث، والمبحث الأول يتحدث عن معنى الحرية ومفهومها وأهميتها وأسسها ومرجعيتها وعن الحرية في القرآن الكريم. إن الحرية شعار ضحت من أجله وثارت في سبيله الشعوب، وأريقت من أجله الدماء الزكية، فمنذ العصور الحديثة أصبحت الحرية شعاراً للشعوب والطبقات المضطهدة ضد مغتصبي الثروة والسلطة والمسيطرين على رقا ب الناس في المجتمعات البشرية، ولمفهوم الحرية علاقة مباشرة مع جوهر وجود الإنسان، ومن أجل ذلك المفهوم اعتبر الإنسان نفسه مخلوقاً مميزاً عن بقية مخلوقات الأرض، وأعلى مفاهيم الحرية في توحيد الله عز وجل، حيث تتحرر النفس البشرية والعقل الإنساني من القيود الوثنية وعبادة الفرد لغير الله، والحرية في الإسلام هي ضد العبودية، وضد الرق والوثنية والظلم، وهي حرية الفرد والمجتمع على حد سواء، فلا حرية للفرد على حساب المجتمع ولا حرية للمجتمع على حساب الفرد، فهي حرية الفكر المنطلق إلى طريق الحق وإلى الابداع والتجدد والاجتهاد، ويأتي مفهوم الحرية في الفكر
عدد الصفحات ٣4 الإسلامي منطلقاً من أن الإسلام أشار لتحرر الفرد من كل خوف وإعلاء عن كل شرك1. ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنهما والأمة من خلفه أن يرفعوا الأغلال عن عقولهم لأن الآجال والأرزاق والنفع والضر بيد الخالق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"2. كما نهى عن التبعية المقيتة والسلبية القاتلة، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه حذيفة رضي الله عنه: "لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطئوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا"3. ولذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن العاص رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وجعل ربعي بن عامر رضي الله عنه تحرير الناس هو جوهر الإسلام لما سأله رستم عن سبب مجيء المسلمين إلى الفرس؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من نشاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله4. إن الحرية في المفهوم اسلامي قيمة كبرى تحتل من سلم المقاصد الدينية الدرجات العليا وهي قيمة ثابتة تتصف بالديمومة في الزمان والمكان5. والحرية من صميم أصول الدين وليست من فروعه، لعل أول ما يبدو ذلك في عقيدة التوحيد، فجوهر هذه العقيدة هو أن يكون الإنسان مسلماً نفسه فيما يأتي وما يذر لله تعالى وحده، وهو ما يقتضي أن يكون متحرراً من كل ما س واه، فعقيدة الوحدانية تنفي أن يكون المؤمن بها خاضعاً لأي سلطان سوى الأمر الإلهي، سواء تمثل في سلطان داخلي في شهواتها النفوس وأهوائها، أو في سلطان خارجي من عادات وتقاليد الآباء أو سطوة الحكام ورجال الدين، أو أوهام العناصر الطبيعية، فالحرية التي جاء الإسلام يشرعها للناس هي هذه الحرية التي تتضمنها عقيدة التوحيد6. 1 المجتمع الإسلامي د. محمد أبو عجوة صـ176. 2 سنن الترمذي، ك صفة القيامة 3 سنن الترمذي، ك البر والصلة 4 البداية والنهاية لابن كثير7 /39.) 5 مراجعات في الفكر اللإسلامي د. عبد المجيد النجار صـ169. 6 المصدر نفسه صـ170.
عدد الصفحات ٤5 ومما جاء في سياق ذلك قوله فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ". (النساء ، آية : 65.) فهذه الآية تشرع للتحرر من كل ما سوى الله وحده في حكمه وتجعل الإيمان رهيناً في تحققه لهذا التحرر الذي أصبح وجهاً من وجوه توحيد الله تعالى. ـ ومن ذلك أيضاً ما جاء في قوله تعالى: " أَرَ أَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ". (الفرقان ، آية : 43.) فاتخاذ الهوى إلهاً من دون الله وهو ضرب من العبودية التي جاء الدين يحرّر الإنسان منها، فإذا لم يتحرر كان ذلك ناقصاً للإيمان بالله فيستحق التشنيع كالتشنيع على هؤلاء الذين وردت فيهم الآية، ومما جاء في ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم : "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة، والخميصة1. فهذا الدعاء على من لم يتحرر من عبودية المال، إنما هو لما يفضي إليه ذلك من قدح في توحيد الله تعالى. إن الإيمان قد نيط في الدين بإرادة حرة يتحمّل بها الإنسان مسئولية الاختيار، فأصبح الإيمان بتلك الحرية جزءاً من المعتقد، إذ لا يتم الإيمان الأوفق إلا بها على قاعدة أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب2. وعلى أساس هذه المنزلة العقدية للحرية في المنظومة الإسلامية جاءت الأحكام تشرع للاجراءات العملية التي تحقق بها في الواقع وهي أحكام في معظمها تتصف بصفة الوجوب الملزم، على معنى أن المسلم ملزم دينياً بأن ينفذ تلك الأحكام المتعلقة بالحرية في ذات نفسه، إن كانت من باب الحريات الشخصية، وفي السياق الإجتماعي إن كانت من باب الحريات العامة، وممارسة الحرية وفق المنظور القرآني مقصد شرعي وتطبيق لأحكام الإسلام. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى ثلاث وسائل للإنسان يستطيع من خلالها وبها تحقيق حريته، وهي العقل والإرادة والاستطاعة، وأما عناصر الحرية فالمسئولية الفردية، ومعرفة الذات، ومعرفة الكون وتكريم الإنسان. في المبحث الثاني من هذا الكتاب، كان الحديث عن حرية التفكير والتعبير، ولم يترك القرآن الكريم أسلوباً نفسياً أو واقعياً إلا واتبعه من أجل حث الإنسان على التفكير واستعمال عقله بصورة واضحة جلية ليصل إلى الحقائق والنتائج المؤدية إلى الاقتناع الكامل بهذا الدين، فالمتدبر لآيات القرآن الكريم يتضح له أن القرآن جاء دعوة للناس ليتدبروا ويعقلوا ويفقهوا ويتبصروا ويفكروا، فهو دعوة لأعمال العقل والفكر بكامل الحرية دون حجر أو جمود. ـ ومن ذلك يقول تعالى: " قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآْيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ". (الحديد ، آية : 17.) 1 البخاري، ك الجهاد، باب الحراسة في الغزو 2 مراجعات في الفكر الإسلامي صـ171.
عدد الصفحات ٥6 ـ وقوله تعالى: " قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْم يَفْقَهُونَ ". (الأنعام ، آية : 98.) ـ وقال تعالى أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا ". (محمد ، آية : 24.) والدعوة إلى التفكر في الآفاق والأنفس للوصول إلى اليقين ومعرفة الحقواضحة في كتاب الله تعالى العزيز، قال تعالى: "وَفِي الأَْرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ". (الذاريات ، آية : 20 ـ21.) ولم تكن حرية الفكر مضمونة ومكفولة في الإسلام إلا لأن العقيدة الإسلامية مبنية براهينها على النظر في الكون ودراسته دراسة واعية حتى يتبع الإنسان الهداية الربانية التي يهتدي بها عن عقل وإقناع، فلا يمكن دراسة هذا الكون دراسة علمية إلا إذا كانت حرية الفكر سليمة، ومن حق الفرد أن يتمتع بهذه الحرية التي حررته من الأوهام والخرافات والوقوع في أثر التقليد الأعمى. والإسلام يقرر للإنسان أن يفكر فيما شاء وكما يشاء وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير، إما إذا فكر الإنسان في أعمال محرمة ولم يأت بها فلا شيء عليه، لأن العلة في ذلك أن الشريعة لا تعاقب الإنسان على أحاديث نفسه، ولا تؤاخذه على ما يفكر فيه من قول وفعل محرم، وإنما تؤاخذه على ما آتاه من قول أو فعل محرم، وذلك معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم"1. وأما حرية التعبير عن الرأي، فإن أول تعليم علمه الله تعالى لآدم عليه السلام هو الكلام والتعبير، قال تعالى : "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ". (البقرة ، آية : 31.) وعلمه الأسماء كلها ليقول كل ما يريد، ويعبر عن كل ما يريد، ويسمي الأشياء كلها بأسمائها، بينما نرى اليوم أن تسمية الأشياء بأسمائها، قد تكون لها تبعات وتجر إلى مشكلات. والعلاقة متينة بين خلق الله للإنسان وتعليمه البيان، قال تعالى: " الرَّحْ مَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِْنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ". (الرحمن ، آية : 1 ـ4.) فلم يكن أول شيء علمه الله لآدم، هو أداء صلاته، أو كسب قوته، أو ستر عورته، بل أول شيء علمه إياه بعد خلقه أو مع خلقه هو البيان، والأسماء المحتاج إليها لأجل البيان، وقد قال تعالى عن بداية خلق الإنسان: " أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ " (البلد ، آية : 8 ـ9.) ومعلوم أن أكبر وظيفة للسان والشفتين هي وظيفة التعبير والبيان2. وفي المبحث الثالث: كان الحديث عن حرية الاعتقاد فالإسلام يقف بين الاديان والمذاهب شامخاً متميزاً في هذا المبدأ الذي قرر فيه حرية التدين، فهو يعلنها 1 فتح الباري رقم2528. 2 الفكر الإسلامي وقضايا السياسة المعاصرة د. أحمد الريسوني صـ71 ـ78.
عدد الصفحات ٦7 صريحة لا مواربة فيها ولا التواء أن لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِّ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُّ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " (البقرة، آية : 256.) فالإسلام من منطلق الثقة بصدق الدعوة، ورجحان الكفة، وتكامل الرسالة ووضوح الحجة، وانتصاف العقل1،واكمال الأدلة ـ لا يكره أحداً على الدخول في عقيدته، أو الإيمان بدعوته2. وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما عمله وحساب نفسه وهذه من أخص خصائص التحرر الإنساني. إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق "الإنسان" التي يثبت بها وصف إنسان فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداءً 3. ومبدأ الإكراه مرفوض من الأصل، ولا يتوقع لأحد يفهم رسالة الإسلام أن يمارسه، لأنه يخالف طبيعة الدعوة ويناقض أهداف الرسالة ولو شاء ربك لخلق هذا الجنس البشري خلقة أخرى، فجعله لا يعرف إلا طريقاً واحداً هو طريق الإيمان كالملائكة مثلاً أو يجعل له استعداداً واحداً ليقود جميع أفراده إلى الإيمان ولو شاء كذلك لأجبر الناس جميعاً وقهرهم عليه 4. ولم يتبع الإسلام في يوم من الأيام وهو دعوة الحق ما تفعله المذاهب والأحزاب من أساليب الإغراء والتضليل والزخرفة، والوعود الكاذبة بل واجه متبعيه بالواقعية والصراحة، حتى قال لهم :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " (البقرة، آية : 155.) وفي المبحث الرابع: كان الحديث عن الحريات الشخصية، كحق الحياة واختيار العمل وحرية العلم والتعليم وحق الأمن والسلامة الشخصية، وحق الخصوصية وتحريم التحسس على مساكن الناس وحق حماية الاتصالات والمراسلات، وحرية 1 اعتداله وصحة حكمه 2 حقوق الإنسان بين التطبيق والضياع د. محمود اسماعيل صـ298. 3 في ظلال القرآن1 /29.) 4 المصدر نفسه3 /1821.)
عدد الصفحات ٧8 التنقل، وحق اللجؤ السياسي، وحق التجمع وتكوين الاتحا دات والنقابات، وحق التملك. هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب بعد صلاة الجمعة الساعة الواحدة والنصف ظهراً بتاريخ 4/5/2012م الموافق13/6/1433 هـ والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل عملي لوجهه خالصاً ولعباده نافعاً، وبشرح صدور العباد للانتفاع به ويبارك فيه بمنه وكرمه وجوده وأن يثيب إخواني الذين أعانوني من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يصله هذا الكتاب أن لا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه :" رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَ تَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ " (النمل، آية : 19.) ـ وقال تعالى مَا يَفْتَحِ اللهَُّ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَة فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " (فاطر، آية : 2.) ـ وقال تعالى سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهَِِّ رَبِّ الْعَالَمِينَ ". "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وأتوب إليك". علي محمد محمد الصَّلاَّبي
عدد الصفحات ٨9 المبحث الأول: معنى الحرية ومفهومها وأهميتها وأسسها ومرجعيتها أولاً: معنى الحرية ومفهومها: 1ـ الحرية في اللغة ـ كلمة الحرية، من "حَرَرَ" وتأتي على عدة معان 1: أ ـ فتأتي بمعنى نقيض العبودية فتقول ـ حُرُّ بالضم، نقيض العبد ، والجمع أحرار وحِرار ـ والحرَّة نقيض الأمة، والجمع "حرائر" ـ وحرّره "أعتقه" ـ وتحرير الولد، أن يفرده لطاعة الله عز وجل وخدمة المسجد، والمحَرَّر النذير، والنذيرة، كان يفعل ذلك بنو إسرائيل، كان أحدهما ربما ولد له ولد، فربما حرره، أي جعله نذيرة في خدمة الكنيسة ما عاش، لا يسعه تركها في دينه2. ـ قال تعالى عن امرأة عمران إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " (آل عمران، آية : 35.) وهذا المعنى يعني التحرر من الاشتغال بغير طاعة الله، وقد يعني: أنه خالص بهذه العبادة، وقد يعني الضد، أي خادماً، فيكون المعنى مقلوباً، كما كانت العرب تقول للديغ: السليم تيمناً، أي حبسه في خدمة الكنيسة وفي طاعة الله عز وجل 3. ب ـ وتأتي بمعنى الشرف والفضل، فتقول ـ الحر من الناس: أي خيارهم وأفضلهم. ـ وحرية العرب: أشرفهم. 1 لسان العرب لابن منظور مادة حرر، والقيروز ابادي: القاموس المحيط مادة الحر، والرازي: مختار الصحاح 2 حرية التعبير د. محمد عبد الله الخرعان صـ 17. 3 المصدر نفسه صـ17.
عدد الصفحات ٩10 ـ وحر الفاكهة خيارها ـ والحر كل شيء فاخر من شعر وغيره. ـ وحر كل أرض: وسطها وأطيبها. ـ وحر الرمل و"حر الدار" وسطها وخيرها. ج ـ وتأتي بمعنى الخالص النقي، فتقول: ـ طين حر: لا رمل فيه، ورملة حرة: لا طين فيها. ـ ومن حرية قومه، أي من خالصهم. ح ـ وتأتي بمعنى الحسن والجمال والكرم، فتقول: ـ ما هذا منك بـ "حر": أي حسن وجميل. ـ "والحر": الفعل الحسن. ـ و"الحرة" "الكريمة"، يقال: ناقة حرة، وسحابة حرة: أي كثيرة المطر. س ـ وتأتي بمعنى الرقة واللين والشيء الرطب، فتقول: ـ أحرار "البقول" ما رق منها ورطب. ـ وحر الوجه: الحد. ـ والحر "فرخ الحمام" وولد الظبي. ـ والحريرة: واحدة الحرير من الثياب. ش ـ وتعني الضبط والتدقيق منه: ـ تحرير الكتابة: أي إقامة حروفها وإصلاح السقط. ـ وتحرير الحساب: إثباته مستوياً لا غلث فيه ولا سقط ولا محو.
عدد الصفحات ١٠11 والمعاني السابقة بينها قدر كبير من التشابه، فهي إما تعني الخلوص من الرق والعبودية، أو من الدنيء من الصفات أو النقاء من الشوائب، أو تعني الحسن والجمال، وهو بمعنى الخلوص من ضده وهو القبح، أو الرقة وهي ضد الخشونة والقسوة، أو الخلوص من عيوب الكتابة والحساب، فهي تشترك في معنى انتقاء القيد، أو النقص، أو العيب الحسي والمعنوي الذي يحمله المعنى المقابل، فالحرية في ضوء التعريف اللغوي السابق تعني عدم القيد الذي يستلزمه الوصف المقابل، فالحر يقابله العبد، والشرف يقابله الدناءة، والخالص يقابله المشوب، وهكذا1. 2ـ الحرية في الإصطلاح هي قدرة الفرد على عمل كل مالا يضر بالغير2، أو هي أن يكون للفرد الحق أن يقول ويعمل ما يشاء مما لا ينافي العدل والقانون ولا يضر بالغير3. وللحرية في كل فلسفة مفهوم، ولها في الفكر الإسلامي أرقى مفهوم وأعمق مضمون، فالحرية بمعناها الشامل القائم على حماية حريات الآخرين في مفهوم الشريعة الإسلامية هي القدرة على عمل كل شيء دون إضرار بالغير والحرية حريات، حرية ضد الرق، فلا يكون الإنسان مسترقاً أو مملوكاً لغيره، ولا تكون الأمة محتلة أو مستعبدة بل تملك حريتها، وحرية في حق الدفاع عن النفس أمام القضاء، وحرية الرأي هي التفكير والحكم على الأشياء. وما يراه البعض لمعنى الحرية من عدم استغلال الإنسان للإنسان، هو جانب من جوانب مفهوم الحرية في الإسلام، ولكنها ليست الحرية كلها، وما أطلقه البعض من أن الحرية تكون بغير حدود، لا يقبله الفكر الإسلامي لان ذلك دعوة لتحطيم قيم المجتمع التي تحميها الحرية4. والحرية يعرفها فقهاء الفقه الدستوري هي: قدرة الفرد على ممارسة أي عمل يضر بالآخرين5. 1 حرية التعبير د. محمد عبد الله صـ18،19. 2 المجتمع الإسلامي د. محمد ابو عجوة صـ174. 3 من أسس التربية الإسلامية عمر محمد التومي الشيباني صـ281. 4 المجتمع الإسلامي د. محمد أبو عجوة صـ175. 5 حركة تحرير المرأة د. عماد محمد صـ110.
عدد الصفحات ١١12 والحرية لها حدود بقدر ما يحفظ القيم الدينية، ويحفظ حقوق الآخرين وإلا فهي الفوضى1. والشخص الحر هو: الذي تتجلى فيه المعاني الإنسانية العالية الذي يعلو عن سفاسف الأمور، ويتجه إلى معاليها، ويضبط نفسه فلا تنطلق أهواؤه ولا يكون عبداً لشهوة معينة، بل يكون سيد نفسه، فالحر يبتدي بالسيادة على نفسه، وإذا ساد نفسه وانضبطت أهواؤه وأحاسيسه أصبح لا يذل ولا يهون وبتلك يكون حراً بلا ريب 2. والحر لا يمكن أن يكون معتدياً لأ نه يسيطر على أهوائه ولأنه يعطي لغيره ما يعطيه لنفسه، ولأنه يحس بالمعاني الإنسانية التي يجب أن يلتزمها بالنسبة لغيره3. 3ـ الحرية في القرآن الكريم لم ترد كلمة الحرية في القرآن الكريم بهذا اللفظ، وإنما وردت ألفاظ اشتقت منها مثال ذلك: الحر، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرّ " (البقرة، آية : 178.) وجاء لفظ التحرير في القرآن الكريم في مثل قول الله تعالى وَإِن كَانَ مِن قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُّؤْمِنَةً " (النساء، آية : 92.) ولفظ محرراً مرة واحدة فيما قصه علينا المولى عز وجل من حديث أم مريم حيث قال تعالى:" إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا " (آل عمران، آية : 35). محرراً مأخوذاً من الحرية التي ضد العبودية، ومن هذا تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد4. وهكذا فإن الحرية في القرآن العظيم وردت بلفظ الحر والتحرر وذلك بمعنى الخلوص من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله تعالى، أو بلفظ الحر بمعنى: المعاناة للاستقامة على منهج الله وعلى سنته في خلقه فهي ليست القدرة على الفعل فحسب بل والقدرة على الترك فهي تعني أن يختار الإنسان فيحسن الاختيار وليس ذلك إلا للارادة الإيمانية الحرة كما جاءت بمعنى خلوص القلب من رق لغير 1 المرأة بين التبرج والتحجب محمد السباعي صـ113. 2 تنظيم الإسم للمجتمع محمد أبو زهرة صـ 180. 3 المصدر نفسه صـ180. 4 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي4 /66.)
عدد الصفحات ١٢13 ا1،قال تعالى:" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهَُّ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ " (الأحزاب، آية : 36.) 4ـ مفهومها إن الحرية شعار ضحت من أجله وثارت في سبيله الشعوب وأريقت من أجله الدماء الزكية، فمنذ العصور الحديثة أصبحت الحرية شعاراً للشعوب والطبقات المضطهدة ضد مغتصبي الثروة والسلطة والمسيطرين على رقاب الناس في المجتمعات البشرية، ولمفهوم الحرية علاقة مباشرة مع جوهر وجود الإنسان ومن أجل ذلك المفهوم اعتبر الإنسان نفسه مخلوقاً مميزاً عن بقية مخلوقات الأرض وقد نبع هذا الاعتقاد من قدرة الإنسان على تسخير الطبيعة2. وأعلى مفاهيم الحرية في توحيد الله عز وجل، حيث تتحرر النفس البشرية والعقل الإنساني من القيود الوثنية وعبادة الفرد لغير الله، إذن فالحرية في الإسلام هي ضد العبودية، وضد الرق والوثنية والظلم، وهي حرية الفرد والمجتمع على حد سواء، فلا حرية للفرد على حساب المجتمع، ولا حرية للمجتمع على حساب الفرد، فهي حرية الفكر المنطلق إلى طريق الحق وإلى الإبداع والتجديد والإجتهاد، ويأتي مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي منطلقاً من أن الإسلا م أشار لتحرير الفرد من كل خوف وإعلاء عن كل شرك3، ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي ا عنهما والأمة من خلفه أن يرفعوا الأغلال عن عقولهم، لأن الآجال والأرزاق والنفع والضر بيد الخالق، فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فأستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف4، كما نهى عن التبعية المقيتة والسلبية القاتلة، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه حذيفة رضي الله عنه: لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا5. ـ ولذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن العاص رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً 6. ـ وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً 7. 1 الحرية الإعلامية في الإسلام د. سعيد علي صـ12. 2 العدالة مفهومها ومنطلقاتها أبو بكر علي صـ59. 3 المجتمع الإسلامي، د. محمد أبو عجوة صـ176. 4 سنن الترمذي، ك صفة القيامة 5 سنن الترمذي، ك البر والصلة 6 الحرية وتطبيقاتها د. محمد محمود صـ32. 7 المصدر نفسه صـ32.
عدد الصفحات ١٣14 ـ وجعل ربعي بن عامر رضي الله عنه، تحرير الناس هو جوهر رسالته الإسلام لما سأله رستم عن سبب مجيء المسلمين إلى الفرس؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من نشاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله 1. 5ـ الوسائل في تدعيم الحريات: جعل الإسلام لتدعم الحريات سواء كانت حرية في الفكر أو الرأي أو العقيدة، أو غير ذلك من وسائل وسبل، منها الجهاد والصبر على الأذى ورفض الظلم، وبذل الغالي والنفيس وسالت الدماء الذكية، حتى يتحرر الفرد من الضغوط والقيود، فنذكر بعض الوسائل والأمثلة في ذلك لتحقيق الحرية منها: أ ـ كفاح الأنبياء عليهم السلام في جهادهم لأقوامهم وصبرهم على أذاهم في سبيل توطيد الحرية، فهذا نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم لعبادة الله، فآذوه ومن معه، وحرموهم حق الحياة الآمنة، وقالوا ما حكى الله عنهم: قال تعالى: "فَقَالَ الْمَلََُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللهَُّ لأََنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَْوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُ وا بِهِ حَتَّى حِين " (المؤمنون ، آية : 24 ـ25)، فصبر نوح عليه السلام بما اتهموه بالجنون في سبيل دعوة الله وفي سبيل الحرية التي أرادها الله. ـ وقال تعالى : " وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلٌَ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ " (هود ، آية : 38). وماحدث لنوح عليه اللاسم ولاتباعه نسخة تتكرر دائماً في تاريخ المرسلين. ـ قال تعالى: " كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُ عْدًا لِّقَوْم لاَّ يُؤْمِنُونَ " (المؤمنون ، آية : 44). فكلما جاء لأمة من الأمم رسول كذبوه، وسلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من أهلكوا2 ولقد بذل الأنبياء والمرسلين جهوداً عظيمة في سبيل الله والعمل على تحرير الإنسان من عبودية الطاغوت والماديات إلى عبودية رب العباد عز وجل3. ب ـ رفض الظلم ومن الوسائل أيضاً ذكر القرآن الكريم قي سبيل الحرية رفضه للظلم، وجعل من يرضى به شريكاً فيه يستحق العذاب، فمن الواجب على المسلم أن يدفع الظلم عن نفسه بكل قواه، فإن قتل فهو شهيد، وإن عاش يكون حراً كريماً، وإ ن ضاقت به الأرض فليهاجر فأرض الله واسعة. 1 البداية والنهاية لابن كثير7 /39.) 2 المجتمع الإسلامي د. محمد أبو عجوة صـ196. 3 المجتمع الإسلامي د. محمد أبو عجوة صـ196.
عدد الصفحات ١٤15 ـ قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِّ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا " (النساء ، آية : 97.) جـ ـ للأمة الحق في أمنها وتقرير مصيرها وفي سبيل الحرية حتى تأخذ المجتمعات نصيبها الأوفى منها، سن القرآن من التشريعات ما يضمن الحفاظ عليها فجعل للَمة الحق في الأمن من اعتداء الآخرين، وتقرير المصير، قال تعالى: " وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَّ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ " (البقرة ، آية : 190)، وتقرير المصير يثبت حتى في ميدان القتال، يروى أن قتيبة بن مسلم فتح بعض أقاليم سمرقند، من غير أن يخبرهم بين القتال والإسلام أو المعاهدة، فشكى أهل هذا الاقليم إلى الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز أن قتيبة لم يخبرهم بذلك التخيير ليقرروا مصيرهم فأرسل إلى القاضي ليستمع إلى هذه الشكوى ويحققها فتبين له صدقها فأصدر أوامره إلى جند المسلمين بأن يخرجوا من البلد الذي فتحوه ويعودوا إلى ثكناتهم ويخيروا أولئك بين الأمور الثلاثة ويقرروا مصيرهم فاختاروا العهد ومنهم من اختار الإسلام ديناً. وحرم القرآن الكريم السخرية من الناس والتعالي والتكبر عليهم، وحرم الهمز واللمز، كما حرم التجسس وهتك العورات والظن السيء بالغير، ونهى عن الغيبة ونقل الأسرار إلى غير ذلك من المبادئ التي ترسم حدود الأدب مع الغير، والمحافظة على حقوقهم ومنع الاعتداء عليهم، وكلها انفرد بها المنهج القرآني في بناء المجتمع المسلم حتى يكون حراً، يقدر للناس حرياتهم ويحافظ عليها بالتشريع الحكيم1. ك ـ في سبيل الحرية مضى القرآن يفرض الجهاد في سبيل الله، لتحرير المجتمع الإنساني من الاستبداد والتضييق على الطغاة، ولقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة والتي تعد الخلاصة على مدار التاريخ الإنساني في قوله تعالى: " وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِّ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَّفَسَدَ تِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللهَّ ذُو فَضْل عَلَى الْعَالَمِينَ " (البقرة ، آية : 251.) إن الآية الكريمة تعطينا العبرة من كل معارك التاريخ الإنساني في سبيل الحرية، ويساند هذه الآية الكريمة ما أعلنه القرآن الكريم في تشريع القتال للجماعة الإسلامية دفاعاً عن حقها في الحرية، والحق في الحياة بعد أن عانت من الطغيان ما عانت 1 المجتمع الإسلامي د. محمد أبو عجوة صـ200.
عدد الصفحات ١٥16 على مدار ثلاثة عشر عاماً في مكة، قال تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهََّ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ 39} الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهَُّ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهَِّ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهَِّ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهَُّ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهََّ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ " (الحج ، آية : 39 ـ40.) إن الشعائر والعبادات لا بد لها من حماية تدفع عنها الذين يصدون عن سبيل الله وتمنعهم من الاعتداء، على حرية العقيدة وحرية العبادة وعلى قداسة المعابد وحرمة المقدسات والشعائر، ومن ثم أذن الله للمسلمين بعد الهجرة في قتال المشركين ليدافعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم من اعتداء المعتدين الذي بلغ أقصاه، حتى يتحقق لأنفسهم ولغيرهم حرية العبادة والعقيدة في ظل دين الله، فالمعركة مستمرة بين الخير والشر، والهدى والضلال والصراع قائم بين قوة الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان1. فالمجتمع الإسلامي منذ نشأته الأولى خاض المعارك من أجل الحرية وذاق المعاناة ما ذاق في سبيل النجاة من غطرسة الطغيان والجبروت، مما جعل الحرية عزيزة عليه، ليس سهلاً أن يفرط فيها بعد أن ذاق صنوف العذاب في سبيلها، ففي سبيلها قاتل المسلمون لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وما كانت انتصاراتهم في المعارك إلا انتصار لدين الله2، الذي من مقاصده الكبرى تحقيق الحرية لبني الإنسان أينما كان. 6 ـ الإسلام وتحرير الإنسان بدأ الإسلام بتحرير الإنسان من داخله، فحرره من العبودية لغير الله، وجعل العبودية لله وحده، ووفق ذلك لا يهون ولا يذل ما دامت عزته بالله، فمن أراد العزة بغير الله فقد أذله الله، فهذه الحرية هي الأساس لعزة المؤمنين المستمدة من عزة الله سبحانه وتعالى، وفي ذلك: ـ يقول الله عز وجل: " وَللهَِِّ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ " (المنافقون ، آية : 8.) ـ وقال تعالىمَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ " (فاطر ، آية : 10.) والإسلام حرر الإنسان من أمور منها: أ ـ تحرير النفس الإنسانية من الخوف على الحياة: إن الإنسان في أي زمان ومكان يخاف الموت، ولا يريده، وهذا قد يؤدي به إلى الاستعباد للَقوياء والذلة أمام الطغاة الجبابرة، لأنه لا يضعف نفس الإنسان شيء 1 في ظلال القرآن سيد قطب4 /2424.) 2 المجتمع الإسلامي صـ202.
عدد الصفحات ١٦