المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم

علي محمد الصلابي

صفحة ٣ من ٨

33 فلما قرأ كتابهم أيس منهم، فرأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشام حتى يلقاهم فيناجزهم1. إن قضية إعلان الخوارج ك فر علي وطلبهم منه التوبة، لا تثبت بهذه الروايات ولكنها تتفق مع رأي الخوارج في تكفير علي وعثمان وامتحان الناس بذلك2. خامساً: معركة النهروان 38 هـ 1 - سبب المعـركة: كانت الشروط التي أخذها أمير المؤمنين عليّ على الخوارج ألا يسفكوا دماً ولا يروعوا آمناً، ولا يقطعوا سبيلاً، وإذا ارتكبوا هذه المخالفات فقد نبذ إليهم الحرب، ونظراً لأن الخوارج يكفرون من خالفهم ويستبيحون دمه وماله، فقد بدءوا بسفك الدماء المحرمة في الإسلام، وقد تعددت الروايات في ارتكابهم المحظورات، ومما صح من هذه الروايات ما حدث به شاهد عيان كان من الخوارج ثم تركهم حيث قال: صحبت أصحاب النهر، ثم كرهت أمرهم، فكتمته خشية أن يقتلوني فبينما أنا مع طائفة منهم، إذ أتينا على قرية وبيننا وبين القرية نهر، إذ خرج رجل من القرية مذعوراً يجر رداءه، فقالوا 1خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص319.) 2المصدر نفسه، ص318.)

عدد الصفحات ٣٣

34 له: كأننا روعناك؟ قال: أجل، قالوا: لا روع لك، فقلت: والله يعرفونه ولم أعرفه، فقالوا: أنت ابن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قالوا: عندك حديث تحدثناه عن أبيك عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعته يقول: إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فتنة فقال: «القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فإن أدركتك فكن عبد الله المقتول»، فأخذوه وسرية له معهم، فمر بعضهم على ثمرة ساقطة من نخلة، فأخذها فألقاها في فيه، فقال بعضهم: ث مرة معاهد فبم استحللتها؟ فألقاها من فيه ثم مروا على خنزير فنفحه بعضهم بسيفه فقال بعضهم: خنزير معاهد فبم استحللته؟ فقال عبد الله بن خباب: ألا أدلكم على ما هو أعظم عليكم حرمة من هذا؟ قالوا: نعم، قال: أنا، ولكنهم قدموه إلى النهر فضربوا عنقه، يقول الراوي: فرأيت دمه يسيل على الماء، كأنه شراك ماء اندفر بالماء حتى توارى عنهم 1، ثم دعوا بالسرية وهي حبلى، فبقروا عما في بطنها، يقول الراوي: لم أصاحب قوماً هم أبغض إلى صحبة منهم، حتى وجدت خلوة فانفلق 2، أثار هذا العمل الرعب بين الناس، وأظهر مدى إرهابهم ببقر بطن هذه المرأة وذبحهم عبد 1أي لم يختلط بالماء، تاريخ بغداد1/205،206.) 2مصنف ابن أبي شيبة15/310،311) بسند صحيح

عدد الصفحات ٣٤

35 الله كما تذبح الشاة ولم يكتفوا بهذا، بل صاروا يهددون الناس قتلاً، حتى إن بعضهم استنكر عليهم هذا العمل قائلين: ويلكم ما على هذا فارقنا علياً 1. بالرغم من فظاعة ما ارتكبه الخوارج من منكرات بشعة، لم يبادر أمير المؤمنين علي إلى قتالهم، بل أرسل إليهم أن يسلموا القتلة لإقامة الحد عليهم، فأجابوه بعناد واستكبار: كلنا قتلة2، فسار إليهم بجيشه الذي قد أعده لقتال أهل الشام في شهر محرم من عام 38 هـ3، وعسكر على الضفة الغربية لنهر النهروان، والخوارج على الضفة الشرقية بحذاء مدينة النهروان4. 2 - تحريض أمير المؤمنين علي جيشه على القتال: كان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يدرك أن هؤلاء القوم هم الخوارج الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمروق من الدين، لذلك أخذ يحث أصحابه أثناء مسيرهم إليهم ويحرضهم على قتالهم، وكان لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخ وارج أثرها لدى الصحابة وأتباع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فقد كان رضي الله عنه يحث جيشه على البدء بهؤلاء الخوارج، فقال: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله 1مجموع الزوائد6/137،138 )إسناده صحيح 2مصنف ابن أبي شيبة15/308،309) بسند صحيح 3أنساب الأشراف2/63 بسند فيه مجهول، خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص322.) 4تاريخ بغداد1/205،206.)

عدد الصفحات ٣٥

36 عليه وسلم يقول«يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلَّتكم إلى صلَّتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن ويحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلَّتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلَّم كما يمرق السهم من الرمية»لو يعلم الجيش الذي يصيبونه ما قضى لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لما اتكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلًَّ له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدى عليه شعيرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله»1. وقال رضي الله عنه في يوم النهروان: أُ مِرت بقتال المارقين، وهؤلاء المارقون2. وعسكر الجيش في مقابلة الخوارج يفصل بينهما نهر النهروان، وأمر جيشه ألا يبدؤوا بالقتال حتى يجتاز الخوارج النهر غرباً، وأرسل علي رضي الله عنه رسله يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا، وأرسل إليهم البراء بن عازب - 1مسلم2/748،749.) 2السنة لابن أبي عاصم، تحقيق الألباني، وقال المحقق: حديث صحيح، إسناده ضعيف، وللحديث شواهد. خلافة علي، ص(323.)

عدد الصفحات ٣٦

37 رضي الله عنه- يدعوهم ثلاثة أيام فأبوا1، ولم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسله، واجتازوا النهر2، وعندما بلغ الخوارج هذا الحد وقطعوا الأمل في كل محاولات الصلح وحفظ الدماء، ورفضوا عناداً واستكباراً العودة إلى الحق وأصروا على القتال، قام أمير المؤمنين بترتيب الجيش، وتهيئته للقتال3، فجعل على ميمنته حجر بن علي، وعلى الميسرة شبث بن ربعي، ومعقل بن قيسي الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة وكانوا في سبعمائة قيس بن سعد بن عبادة، وأمر علي أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج ويقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن، إنه لا حجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا، فانصرف منهم طوائف كثيرون، وكانوا أربعة آلاف، فلم يبق منهم إلا ألف أو أقل مع عبد الله بن وهب الراسبي، فرجعوا على عليِّ وكان على ميمنتهم زيد بن حصن الطائي السنبيسي وعلى الميسرة شريح بن أوفى، وعلى خيالتهم حمزة بن سنان، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي، فوقفوا مقاتلين لعلي وأصحابه4. 1السنن الكبرى للبيهقي8/197)، خلافة علي، عبد الحميد، ص324.) 2مصنف ابن أبي شيبة15/325-327.) 3خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص324.) 4تاريخ الخلافة الراشدة، محمد كنعان، ص425) مختصر من البداية والنهاية.

عدد الصفحات ٣٧

38 3 - نشوب القتال وزحف الخوارج إلى علي، وقدم علي بين يديه الخيل، وقدم منهم الرماة وصف الرجالة وراء الخيالة، وقال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدؤو كم، وأقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيالة الذين قدمهم علي، ففرقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة فاستقبلتهم الرماة بالنبل، فرموا وجوههم، وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فأناموا الخوارج فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، وقتل أمراؤهم: عبد الله بن وهب، وحرقوص ابن زهير، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سخيرة السلمي 1، وقال أبو أيوب: وطعنت رجلاً من الخوارج بالرمح، فأنقذته من ظهره وقلت له: أبشر يا عدو الله بالنار، فقال: ستعلم أينا أولى بها صليّا 2، وقد اعتزل كثير من الخوارج القتال لكلمة سمعوها من عبد الله بن وهب الراسبي، كانت تدل عندهم على ضعف الاستبصار والوهن في اليقين، وهذه الكلمة قالها عندما ضرب علي رضي الله عنه رجلاً من الخوارج بسيفه، فقال الخارجي: حبذا ال روحة إلى الجنة فقال عبد الله بن وهب: ما أدري إلى الجنة أم إلى النار، فقال رجل من بني سعد وهو فروة 1المصدر نفسه، ص425.) 2تاريخ الخلافة الراشدة، ص425.)

عدد الصفحات ٣٨

39 بن نوفل الأشجعي: إنما حضرت اغتراراً بهذا وأراه قد شك؟ فانعزل بجماعة من أصحابه، ومال ألف إلى أبي أيوب الأنصاري، وجعل الناس يتسللون1 ، وقد كانت معركة حاسمة وقصيرة أخذت وقتاً من اليوم التاسع من شهر صفر من عام ثمان وثلاثين للهجرة 9/2/38 هـ2، وأسفرت هذه المعركة الخاطفة عن عدد كبير من القتلى في صفوف الخوارج، وكان الحال على عكس ذلك تماماً في جيش أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فقتلى أصحاب علي فيما رواه مسلم في صحيحه، وعن زيد بن وهب: رجلان فقط3 وفي رواية بسند حسن قال: وقتل من أصحاب علي اثنا عشر أو ثلاثة عشر4 وجاء في رواية صحيحة أن أبا مجلز5 قال: ولم يقتل من المسلمين يقصد جيش علي إلا تسعة رهط، فإن شئت فاذهب إلى أبي برزة6، فاسأله فإنه شهد ذلك7، وأما قتلى الخوارج، فتذكر الروايات أنهم أصيبوا جميعاً 8، 1أخبار الخوارج، ص21)، خلافة علي بن أبي طالب/عبد الحميد، ص325.) 2أنساب الأشراف2/63) بسند فيه مجهول 3مسلم2/748.) 4مصنف ابن أبي شيبة5/311)، تاريخ خليفة، ص197) بسند حسن 5لاحق بن حميد السدوسي البصري ثقة من كتاب الثالثة. 6نضلة بن عبيد الأسلمي صحابي مشهور بكنيته، مات سنة65هـ 7المعرفة والتاريخ3/315)، تاريخ بغداد1/182.) 8أخبار الخوارج من الكامل، ص338.)

عدد الصفحات ٣٩

40 ويذكر المسعودي أن عدداً يسيراً لا يتجاوز العشرة فروا بعد الهزيمة الساحقة1. 4 - ذو الثدية أو المخدج وأثر مقتله على جيش علي رضي الله عنه ظهرت روايات مختلفة في تحديد شخصية ذي الثدية، وهذه الروايات منها ما هو ضعيف الإسناد ومنها ما هو قوي، وقد جاء في الأحاديث النبوية أوصاف ذي الثدية، فمن ذلك أنه أسود البشرة2، وفي رواية: حبشي، وأنه مخدج اليد، أي ناقص اليد، ويده صغيرة مجتمعة، فهي من المنكب إلى العضد فقط، أي بدون ذراع، وفي نهاية عضده مثل حلمة الثدي وعليها شعيرات بيض، وعضده ليست ثابتة، كأنها بلا عظم إذ أنها «تدردر»أي تتحرك تذهب وتجيء، أما مخدج اليد، أو مودون اليد أو مثدون اليد، فكلها بمعنى واحد وهو ناقص اليد3، وأما اسمه فقد أخطأ من قال إن ذا الثدية هو حرقوص بن زهير السعدي 4، فحرقوص رجل مشهور كان له دور في الفتوح الإسلامية، ثم خرج على عثمان رضي الله عنه، وقد فر إثر معركة «الجمل الصغرى »التي قتل فيها الزبير وطلحة رضي ا عنهما، قتله 1خلافة علي بن أبي طالب، ص329)، تاريخ خليفة، ص197.) 2مصنف عبدالرزاق (10/146.) 3النهاية في غريب الحديث21/12،13) فتح الباري12/294،295.) 4الملل والنحل1/115.)

عدد الصفحات ٤٠

41 عثمان بالبصرة وقد صار حرقوص من زعماء الخوارج المميزين1، إلا أنه قد ورد في رواية أن اسمه «حرقوس»أما أبوه فلا يعرفه أحد، وجاء في رواية أن اسمه مالك، وذلك أنهم بحثوا عنه فلما وجدوه قال علي: الله أكبر، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه؟ فجعل الناس يقولون: هذا مالك، هذا مالك، فقال علي: ابن من 2؟ فلم يعرف أحد أباه، وقد ورد في رواية صححها الطبري أن اسمه نافع ذو الثدية كما قد جاء عند ابن أبي شيبة وأبي داود، إلا أن طريقهما واحد، فبعدما جاء في المصادر الثلاثة رواية واحدة ذات طريق واحد3، كان علي رضي الله عنه يتحدث عن الخوارج منذ ابتداء بدعتهم، وكثيراً ما كان يتعرض إلى ذكر ذي الثدية، وأنه علامة هؤلاء، ويسرد أوصافه، وبعد نهاية المعركة الحاسمة أمر علي رضي الله عنه أصحابه بالبحث عن جثة المخدج، لأن وجودها من الأدلة على أن علياً رضي الله عنه على حق وصواب، وبعد مدة من البحث مرت على علي وأصحابه وجد أمير المؤمنين علي جماعة مكومة بعضها على بعض عند شفير النهر قال: أخرجوهم فإذا المخدج تحتهم جميعاً مما يلي الأرض فكبر علي ثم قال: 1فتح الباري12/292)، الإصابة1/139.) 2الفتح الرباني على مسند الإمام أحمد 23/155) بإسناد حسن، والبداية والنهاية 7/294، 295.) 3خلافة علي بنأبي طالب/عبد الحميد، ص(334.)

عدد الصفحات ٤١

42 صدق الله، وبل غ رسوله، وسجد سجود الشكر، وكبر الناس حين رأوه واستبشروا1. 5 - معاملة أمير المؤمنين علي للخوارج عامل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الخوارج قبل الحرب وبعده معاملة المسلمين فما أن انتهت المعركة حتى أصدر أمره في جنده بأن لا يتبع مدبراً، أو يذفف على جريح، أو يمثل بقتيل، يقول شقيق بن سلمة المعروف بأبي وائل - أحد فقهاء التابعين وممن شهد مع علي حرورية -: لم يسب علي يوم الجمل ولا يوم النهروان2، وقد حمل رثة أهل النهر إلى الكوفة وقال من عرف شيئاً فليأخذه فجعل الناس يأخذون حتى بقيت قدر فجاء رجل وأخذها، وهذه الرواية لها طرق عدة3، ولم يقسم بين جنده إلا ما حمل عليه الخوارج في الحرب من السلاح والكراع فقط، وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه لم يكفر الخوارج، إذ قبل الحرب حاول إرجاعهم إلى الجماعة وقد رجع كثير منهم، ووعظهم وخوفهم القتال، يقول ابن قدامة: وإنما كان كذلك لأن المقصود كفهم ودفع شرهم لا قتلهم، فإن أمكن لمجرد القول كان أولى من القتال، لما فيه من الضرر بالفريقين، وهذا يدل على أن الخوارج فرقة 1مصنف ابن أبي شيبة15/317،319) بسند صحيح 2السنن الكبرى للبيهقي8/182)، بسند صحيح 3تلخيص الحبير4/47.)

عدد الصفحات ٤٢

43 من المسلمين، كما قال بذلك كثير من العلماء1، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يسميهم الفاسقين، فعن مصعب بن سعد قال: سألت أبي عن هذه الآية الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [103،104]، أهم الحرورية؟ قال: لا، هم أهل الكتاب اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: ل يس فيها طعام ولا شراب، ولكن الحرورية الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون [26،27] وكان سعد يسميهم الفاسقين 2، وفي رواية عن سعد رضي الله عنه أنه قال لما سئل عنهم: هم قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم3. وقد سئل علي رضي الله عنه: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، فقيل منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فما هم؟ قال: بغوا علينا فقاتلناهم، وفي رواية: قوم بغوا علينا فنصرنا عليهم، وفي رواية: قوم 1فتح الباري12/300،301)، نيل الأوطار8/182.) 2صحيح البخاري، فتح الباري8/425.) 3مصنف ابن أبي شيبة(15/324،325)، الاعتصام للشاطبي1/62.)

عدد الصفحات ٤٣

44 أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا 1، كما أنه رضي الله عنه وجه نصيحة لجيشه وللأمة الإسلامية من بعده فقال: إن خالفوا إماماً عادلاً فقاتلوهم وإن خالفوا إماماً جائراً فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالاً 2، والملاحظ في قتال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه للخوارج وقتاله في الجمل وصفين، أن علياً رضي الله عنه ندم وحزن على قتاله في واقعة الجمل وصفين، أما في قتاله مع الخوارج فكان يظهر الفرح والسرور لقتلهم، قال ابن تيمية: فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا، فإنه قاتل الخوارج بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرح بذلك، ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة، وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والندم عليه ما ظهر3. سادساً: من الآثار الفقهية من معارك أمير المؤمنين علي تمكن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بغزير علمه وسعة فقهه أن يضع قواعد وأحكاماً، وهي ضوابط شرعية في قتال أهل البغي، ثم سار أه ل السنة من أئمة العلم والفقهاء على سيرته في البغاة، واستنبطوا من هديه الراشد الأحكام والقواعد الفقهية في هذا الشأن، حتى قال جلة أهل العلم: لولا حرب 1مصنف عبد الرزاق10/150)، مصنف ابن أبي شيبة15/332) بسند صحيح 2مصنف ابن أبي شيبة15/320)، فتح الباري12/301) له سند صحيح عند الطبري 3مجموع الفتاوى28/516.)

عدد الصفحات ٤٤

45 علي لمن خالفه لما عرفت السنة في قتال أهل القبلة1، وروى هذا عن علي نفسه في قوله: أرأيتم لو أني غبت عن الناس، من كان يسير فيهم هذه السيرة2؟ وقال الأحنف لعلي: يا علي إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غداً أنك تقتل رجالهم وتسبي نساءهم، فقال: ما مثلي يخاف هذا منه، وهل يحل هذا إلا ممن تولى وكفر؟ وبناءً على ذلك فإن قتال أهل القبلة يخالف قتال الكفار والمرتدين من أوجه متعددة: 1 - أن يقصد بالقتال ردعهم ولا يعتمد به قتلهم، لأن المقصود ردهم إلى الطاعة ودفع شرهم، لا القتال، بينما يجوز أن يعتمد قتل المشركين والمرتدين3. 2 - إذا قاتل مع البغاة عبيد ونساء وصبيان فحكمهم جميعاً حكم الرجل البالغ الحر، يقاتلون مقبلين ويتركون مدبرين، لأن قتالهم لدفع أذاهم بينما يجوز قتل أهل الردة والكفر مقبلين ومدبرين4. 3 - إذا ترك أهل البغي القتال إما بالرجوع إلى الطاعة، وإما بإلقاء السلاح، وإما بالهزيمة، وإما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر، فإنه لا يجوز الإجهاز 1التمهيد للباقلاني ص229)، تحقيق مواقف الصحابة (2/295.) 2مصنف عبد الرزاق10/124.) 3المغنى8/108 - 126.) 4المغني8/110) الأحكام السلطانية، ص60.

عدد الصفحات ٤٥

46 على جريحهم وقتل أسيرهم، وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين وقتل أسراهم، فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل: لا تتبعوا مدبرين، ولا تجهزوا على جريح، ومن ألقى سلاحه فهو آمن1، وفي رواية عبد الرزاق، أن علياً أمر مناديه فنادى يوم البصرة: لا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يقتل أسير، ومن أغلق بابه أو ألقى سلاحه فهو آمن، ولم يأخذ من متاعهم شيئاً 2، وقال علي يوم الجمل: لا تتبعوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً، وإياكم والنساء وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم، فلقد رأيتنا في الجاهلية وإن الرجل ليتناول المرأة بالجريدة أو الهراوة فيعير بها، هو وعقبه ومن بعده3، وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: شهدت صفين وكانوا يجهزون على جريح، ولا يقتلون مولياً، ولا يسلبون قتيلاً 4. 4 - يعتبر أحوال من في الأسر من البغاة، فمن أمنت رجعته إلى القتال أطلق سراحه، ومن لم تؤمن منه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق، ولم يجب أن يحبس بعدها، وإن جاز أن يبقى الكافر في الأسرب5. 1مصنف ابن أبي شيبة15/236)، الفتح13/57) إسناده صحيح 2مصنف عبد الرزاق10/123،124)، تحقيق مواقف الصحابة2/296.) 3نصب الراية3/463، تحقيقمواقف الصحابة (2/297.) 4المستدرك2/155) سنده صحيح ووافقه الذهبي 5الأحكام السلطانية، ص60.)

عدد الصفحات ٤٦

47 5 - ألا يستعان لقتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي، وإن جاز أن يستعان بهم على قتال أهل الردة والحرب1. 6 - ألا يهادنهم إلى مدة ولا يوادعهم على مال، فإ ن هادنهم إلى مدة لم يلزمه، فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم، وإن وادعهم على مال بطلت الموادعة ونظر في المال، فإن كان من فيئهم وصدقاتهم لم يرده عليهم، وصرف الصدقات في أهلها والفيء في مستحقه، وإن كان من خالص أموالهم لم يجز أن يملكه، ووجب رده إليهم2، فإن علياً رضي الله عنه لم يستحل مال أهل الجمل. 7 - إذا خرجوا على الإمام بتأويل سائغ راسلهم، فإن ذكروا مظلمة أزالها عنهم، وإن ذكروا شبهة بينها، كما بين علي رضي الله عنه للخوارج شبههم، وعاد كثير منهم إلى صف الجماعة 3، فإن رجعوا وإلا وجب قتالهم عليه وعلى المسلمين4. 1الأحكام السلطانية، ص60)، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة2/298.) 2الأحكام السلطانية، ص60) للماوردي 3السنن الكبرى للبيهقي8/180.) 4مجموع الفتاوى(4/450.)

عدد الصفحات ٤٧

48 8 - إن لم يخرجوا عن المظاهرة بطاعة الإمام ولم يتحيزوا بدار اعتزلوا فيها، وكانوا أفراداً تنالهم القدرة ويسهل ضبطهم تُركوا ولم يحاربوا، وأجريت عليهم أحكام العدل فيما يجب عليهم، ولهم من الحقوق والحدود1. 9 - لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه كالنار والمنجنيق وغير ذلك، ولا تحرق عليهم المساكن ولا يقطع عليهم النخل والأشجار، وإن جاز ذلك مع الكفار والمشركين، لأن دار الإسلام تمنع ما فيها وإن بقي أهلها، إلا إذا دعت إلى ذلك الضرورة في حالة ما إذا تحصنوا ولم ينهزموا، لذلك جاز للإمام رميهم بالمنجنيق أو النار على قول الشافعي وأبي حنيفة2. 10 - لا يجوز غنيمة أموالهم وسبي ذريتهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم « :لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»3، وروي عن علي رضي الله عنه يوم الجمل قوله: من عرف شيئاً من ماله مع أحد فليأخذه 4 وهذا من جملة ما نقم الخوارج عليه، فقالوا: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، فإن حلت له دماؤهم فقد حلت له أموالهم، وإن حرمت عليه أموالهم فقد حرمت عليه 1الأحكام السلطانية، ص58) للماوردي 2المغني لابن قدامة8/10. 3سنن الدارقطني3/26) صححه الألباني في إرواء الغليل رقم1459.) 4المغني8/115.)

عدد الصفحات ٤٨