المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم

علي محمد الصلابي

صفحة ٢ من ٨

17 أو ثلاثاً، ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد ا وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم1. ومن صفاتهم القبيحة التي كانت ذماً لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم حرموا من معرفة الحق والاهتداء إليه 2، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أسير بن عمرو عن سهيل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يتيه قوم قبل المشرق محلقة رؤوسهم»3، قال النووي قوله صلى الله عليه وسلم : يتيه قوم قبل المشرق، أي: يذهبون عن الصواب، وعن طريق الحق، يقال: تاه إذا ذهب ولم يهتد لطريق الحق والله أعلم4. ومن الصفات المذمومة التي تلبسوا بها وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها واقعة فيهم أنهم يتدينون بقتل أهل الإسلام، وترك عبدة الأوثان والصلبان5، فقد روى الشيخان في صحيحهما من حديث أبي سعيد الخدري قال: بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة 1مسلم2/749.) 2عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام3/1184.) 3مسلم2/750.) 4شرح النووي7/175.) 5عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام3/1184.)

عدد الصفحات ١٧

18 نفر... فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين 1، ناتئ الجبين 2، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني»، قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله يرون أنه خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن من ضئضئ هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلَّم ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلَّم كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»3. وفي هذا معجزة باهرة للرسول صلى الله عليه وسلم حيث وقع منهم ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يسلون سيوفهم على أهل الإسلام بالقتل، وكانوا يغمدونها عن الكفار من اليهود والنصارى4، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى. ومن الصفات القبيحة التي كانت ذماً وعاراً مشيناً للخوارج أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرض على قتلهم إن هم ظهروا، وأخبر عليه الصلاة 1مشرف الوجنتين: أي غليظهما، والوجنة: ما ارتفع من لحم خده. 2ناتئ الجبين: أي بارز الجبين من النتوء وهو الارتفاع 3البخاري2/232)، ومسلم2/741،742.) 4عقيدة أهل السنة والصحابة الكرام3/1185.)

عدد الصفحات ١٨

19 والسلام أنه لو أدركهم لأبادهم بالقتل إبادة عاد وثمود، وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن من قتلهم له أجر عند الله تعالى يوم القيامة، وقد شرف الله رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمقاتلتهم وقتلهم إذ إن ظهورهم كان في زمنه رضي الله عنه، على وفق ما وصفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلامات الموجودة فيهم، فقد خرج رضي الله عنه إلى الخوارج بالجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بالنهروان، ولم ينج منهم إلا دون العشرة، ك ما سيأتي بيانه، ولم يقاتلهم رضي الله عنه حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، ولما أظهروه من الشر من أعمالهم وأقوالهم، وحسبنا هنا من الأحاديث الواردة في ذم الخوارج ما تقدم ذكره، إذ الأحاديث الواردة في ذمهم كثيرة قلما يخلو منها كتاب من كتب السنة المطهرة 1، وسيأتي الحديث في الصفحات القادمة بإذن الله تعالى عن بداية انحيازهم إلى حروراء، ومناظرة ابن عباس لهم، وحرص أمير المؤمنين عليّ على تبصيرهم وهدايتهم، وعن أسباب معركة النهروان والنتائج التي ترتبت عليها وعن أحوال الخوارج ومناقشة تلك الأصول، وهل الفكر الخارجي لا زالت أفكاره موجودة بين الناس؟ وما أسباب ذلك؟ وكيفية معالجتها؟ 1عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام3/118.)

عدد الصفحات ١٩

20 ثالثاً: انحياز الخوارج إلى حروراء ومناظرة ابن عباس لهم انفصل الخوارج في جماعة كبيرة من جيش علي رضي الله عنه أثناء عودته من صفين إلى الكوفة، قدرعددها في ر واية ببضعة عشر ألفاً، وحدد في رواية باثني عشر ألفاً 1، وفي رواية بثمانية آلاف2، وفي رواية بأنهم أربعة عشر ألفاً 3، كما ذكر أنهم عشرون ألفاً 4، وهذه الرواية التي تذكر أنهم عشرون ألفاً، قد جاءت بدون إسناد 5، وقد انفصل هؤلاء عن الجيش قبل أن يصلوا إلى الكوفة بمراح ل، وقد أقلق هذا التفرق أصحاب علي وهالهم، وسار علي بمن بقي من جيشه على طاعته حتى دخل الكوفة، وانشغل أمير المؤمنين بأمر الخوارج خصوصاً بعدما بلغه تنظيم بجماعتهم من تعيين أمير للصلاة وآخر للقتال، وأن البيعة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يعني انفصالهم فعلياً عن جماعة المسلمين، وكان أمير المؤمنين علي حريصاً على إرجاعهم بجماعة المسلمين، فأرسل ابن عباس إليهم لمناظرتهم، وهذا ابن عباس يروي لنا الحادثة، فيقول: ... فخرجت إليهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، وترجلت، ودخلت عليهم في دار 1تاريخ بغداد(1/160.) 2البداية والنهاية7/280،281)، إسناده صحيح، مجمع الزوائد6/235.) 3مصنف عبد الرزاق10/157،160) بسند حسن 4تاريخ خليفة، ص192.) 5خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص303.)

عدد الصفحات ٢٠

21 نصف النهار،وكان ابن عباس رجلاً جميلاً جهيراً، فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس، ما هذه الحلة؟ قال: ما تعيبون علي؟ لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق 32]اء بك؟ قال: قد أتيتكم من عند صحابة النبي من المهاجرين والأنصار، من عند ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون، فانتحى لي نفر منهم، قلت: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، قالوا: ثلاث، قلت: ما هن؟ قالوا: أما إحداهن: فإنه حكم الرجال في أمر الله، إن الحكم إلا لله، ما شأن الرجال والحكم؟ قلت: هذه واحدة، فما الثانية؟ قالوا: وأما الثانية فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كانوا كفاراً لقد حل سبيهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حل سبيهم ولا قتلهم. قلت: هذه اثنتان فما الثالثة؟ قالوا: محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قلت: هل عندكم شيءغير هذا؟، قالوا: حسبنا هذا، قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم من كتاب الله أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا

عدد الصفحات ٢١

22 فيه، أرأيت قول الله تبارك وتعالىين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم95] صلاح ذات البين، وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل هذا أفضل، قلت: وفي المرأة وزوجها من أهله وحكماً من أهلها35] ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة، خرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قلت: وأما قولكم قاتل ولم يسب، ولم يغنم، أفتسبون أمكم عائشة، تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلت: ليست بأمنا فقد كفرتم بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم6] فأتوا منها بمخرج، أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، وأما محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما تضرون، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي: «اكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله»، قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم : «امح يا علي، اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا علي واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله »، والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه

عدد الصفحات ٢٢

23 من النبوة أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم، فقاتلوا على ضلالتهم، قتلهم المهاجرين والأنصار1. نستخرج من مناظرة ابن عباس للخوارج مجموعة من الدروس والعبر والحكم منها: 1 - حسن الاختيار لمن سوف يقوم بالمناظرة مع الخصم: فقد اختار أمير المؤمنين علي ابن عمه عبد الله بن عباس، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، لأن القوم كانوا يعرفون بالقرآن، ويعتمدون في الاستدلال على معتقدهم بالقرآن، لذا كان أولى الناس بمناظرتهم هو أدرى الناس بالقرآن وبتأويله، ويمكن القول بأن ابن عباس رضي الله عنه، هو صاحب الاختصاص في هذه المناظرة، لما يتحلى به من إخلاص النية لله، واجتناب الهوى، والتحلي بالحلم والصبر، والتريث والترفق بالخصم، وحسن الاستماع لكلام الخصوم، وتجنب المماراة، ووضوح الحجة وقوة الدليل. 2 - الابتداء مع الخصم من نقاط الاتفاق: فقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وخصومه من الخوارج متفقين على الأخذ من كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان عبد الله بن عباس رضي الله عنه، حيث قال لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله 1خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي، تحقيق أحمدالبلوشي، ص(200) إسناده حسن.

عدد الصفحات ٢٣

24 عليه وسلم ما يرد قولكم أترضون؟ ومع هذا فإن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يستوثق منهم بداية المناظرة. 3 - معرفة ما عند الخصم من الحجج واستقصاؤهاوالاستعداد لها قبل بداية المناظرة، ونتوقع أن أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه علم بحججهم قبل مناظرتهم، وقرر لأصحابه كيفية الرد عليها. 4 - تفنيد مزاعم الخصم واحدة تلو الأخرى: حتى لا يبقى لهم حجة كما يتضح من كلام ابن عباس رضي الله عنه في مناظرته لهم كلما فرغ من تفنيد حجة قال: أخرجت من هذه؟. 5 - التقديم للمناظرة بما يخدم نتيجتها لصالح الحق: فإن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال في بداية الأمر وقبل مناظرة: أتيتكم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وصهره وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم أحد منهم1. 6 - إظهار احترام رأي الخصم أثناء المناظرة: ليكون أدعى لسماع كل ما عنده، وأن يحمله على احترام رأيه، وهذا ما ظهر من مناظرة ابن عباس للخوارج2. 1خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي، ص197) إسناده حسن 2منهج علي بن أبي طالب في الدعوة إلى الله، ص339.)

عدد الصفحات ٢٤

25 7 - وقد وفق الله عز وجل الآلاف من هؤلاء: إذ بلغ عدد من شهد معركة النهروان منهم أقل من أربعة آلاف - كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى - وذلك عندما عرفوا الحق، وزالت عنهم الشبهة بفضل الله، ثم بفضل ما أوتيه ابن عباس من علم وقوة وحجة وبيان، إذ وضح لهم بطلان ما احتجوا به، بتفسير الآيات التي تأولها التفسير الصحيح، وبالسنة النبوية المشرفة والتي توضح معاني القرآن الكريم1. 8 - قول ابن عباس: وليس فيكم منهم أحد2: هذا نص صريح من ابن عباس في كون الخوارج لا يوجد فيهم أحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يعترض عليه أحد من الخوارج والرواية صحيحة وثابتة، كما أنه لا يوجد أحد من علماء أهل السنة - على حد علمي - قال بأن الخوارج كان فيهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الزعم بأن الخوارج كان فيهم بعض الصحابة فذلك عند المذهب الخارجي وليس لهم دليل علمي موثوق على قولهم. 9 - تحديد المرجعية: في قول ابن عباس: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد قولكم أترجعوه؟ قالوا: نعم. 1خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص307.) 2خصائص علي بن أبي طالب للنسائي، ص200) إسناده حسن، للبلوشي

عدد الصفحات ٢٥

26 ففي كلام ابن عباس هذا درس مهم ألا وهو تحديد المرجعية للمتناظرين حتى يمكن الوصول إلى نتيجة صحيحة من خلال المناظرة. رابعاً: خروج أمير المؤمنين لمناظرة بقية الخوارج وسياسته في التعامل معهم بعد رجوعهم للكوفة ثم خروجهم من جديد: بعد مناظرة ابن عباس للخوارج واستجابة ألفين منهم لهم، خرج أمير المؤمنين علي بنفسه إليهم فكلمهم فرجعوا ودخلوا الكوفة إلا أن هذا الوفاق لم يستمر طويلاً، بسبب أن الخوارج فهموا من علي رضي الله عنه أنه رجع عن التحكيم وتاب من خطيئته - حسب زعمهم - وصاروا يذيعون هذا الزعم بين الناس، فجاء الأشعث بن القيس الكندي إلى أمير المؤمنين، وقال له: إن الناس يتحدثون أنك رجعت لهم عن الكفر، فخطب علي رضي الله عنه يوم الجمعة، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه ذكرهم مباينتهم الناس وأمرهم الذي فارقوه فيه1، وفي رواية: جاء رجل فقال حكم إلا لله، ثم قام آخر فقال: لا حكم إلا لله، ثم قاموا نواحي المسجد يحكمون الله، فأشار عليهم بيده: اجلسوا، نعم لا حكم إلا لله، كلمة حق يبتغى بها باطل، حكم الله أنتظر فيكم2، وأخذ يسكتهم بالإشارة وهو على المنبر، فقام رجل منهم واضعاً إصبعيه في أذنيه 1مصنف ابن أبي شيبة15/312- 313، صححه الألباني في إرواء الغليل8/118،119.) 2مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري، ص452.)

عدد الصفحات ٢٦

27 ويقول{65] فرد أمير المؤمنين علي بقوله تعالى الذين لا يوقنون60.] وأعلن أمير المؤمنين على سياسته الراشدة العادلة تجاه هذه الجماعة المتطرفة، فقال لهم إن لكم عندنا ثلاثاً: 1 - لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد 2 - ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا 3 - ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا1. فقد سلم لهم أمير المؤمنين علي بهذه الحقوق ما داموا لم يقاتلوا الخليفة، أو يخرجوا على جماعة المسلمين، مع احتفاظهم بتصوراتهم الخاصة في إطار العقيدة الإسلامية، فهو لا يخرجهم بداية من الإسلام، وإنما يسلم لهم بحق الاختلاف دون أن يؤدي إلى الفرقة وحمل السلاح2، ولم يزج أمير المؤمنين بالخوارج بالسجون أو يسلط عليهم الجواسيس، ولم يحجر على حرياتهم، ولكنه رضي الله عنه حرص على إيضاح الحجة وإظهار الحق لهم ولغيرهم ممن قد ينخدع بآرائهم ومظهرهم، فقد أمر مؤذنه بأن يدخل عليه القراء ولا 1مصنف ابن أبي شيبة 15/327،328) والشافعي في الأمم 4/136) وتاريخ الطبري (5/688) بسند ضعيف للانقطاع غير أن للسند شواهد وقد توبع، قاله الألباني في إرواء الغليل (8/117،118.) 2الوظيفة العقدية للدولة الإسلامية، حامد عبد الماجد، ص47.)

عدد الصفحات ٢٧

28 يدخل أحد إلا قد حفظ القرآن فامتلأ الدار من قراء الناس، فدعا بمصحف إمام عظيم، فطفق يصكه بيديه ويقول: أيها المصحف حدث الناس، فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تسأله عنه، إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما ورينا منه فماذا تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما[ }35] ونقموا علي أن كاتبت معاوية، كتبت علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية حين صالح قومه قريشاً، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرح يم، فقال سهيل: لا أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: كيف تكتب؟ قال: أكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب، فكتب، فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك، فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً، يقول الله تعالى في كتابه يرجو الله واليوم الآخر1 [21]. 1مسند أحمد2/656) قال أحمد شاكر: صحيح الإسناد

عدد الصفحات ٢٨

29 ولما أيقن الخوارج أن أمير المؤمنين عازم على إنفاذ أبي موسى الأشعري حكماً، طلبوا منه الامتناع عن ذلك، فأبى علي عليهم ذلك وب ي ن لهم أن هذا يعد غدراً ونقضاً للأيمان والعهود، وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهوداً، وقد قال الله تعالى جعلتم الله عليكم كفي91. ] فقرر الخوارج الانفصال عن أمير المؤمنين علي وتعيين أمير عليهم، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى جانب هذا السواد، إلى بعض كور الجبال أو بعض هذه المدائن منكرين لهذه الأحكام الجائرة، ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم مع الذين اتقوا والذين هم محسنون128] الأسدي: يا قوم إن الرأي ما رأيتم وإن الحق ما ذكرتم، فولّ وا أمركم رجلاً منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسنان، ومن راية تحنون بها، وترجعون إليها، فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي وكان من رؤوسهم فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعرضوها على

عدد الصفحات ٢٩

30 حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شريح بن أبي أوفى العبسي فأبى، وعرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها، وقال: أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا، ولا أدعها فرقاً من الموت 1، واجتمعوا أيضاً في بيت زيد بن حصن الطائي السنسبي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب [26]، وقوله تعالى والآية التي بعدها[ 44 - 47]، ثم قال: فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا، أنهم قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين، فبكى رجل منهم يقال له: عبد الله بن شجرة السلمي، ثم حرض أولئك على الخروج على الناس وقال في كلامه: اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم أطيع الله كما أردتم وأثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وإن فشلتم فأي شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته2. 1البداية والنهاية7/312)، تاريخ الطبري5/689.) 2البداية والنهاية7/312.)

عدد الصفحات ٣٠

31 قال ابن كثير بعد أن ذكر ما أملاه الشيطان لهم مما تقدم ذكره: وهذا ضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد وسبق في قدره العظيم، وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج : إنهم المذكورون في قوله تعالى سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بايات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً } (الكهف103-105) والمقصود أن هؤلاء الضلال، وا شقياء في الأقوال والأفعال اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطأوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها، ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم ممن هم على رأيهم ومذهبهم من أهل البصرة وغيرهم فيوافوهم إليها، ويكون اجتماعهم عليها، فقال لهم زيد بن حصن الطائي: إن المدائن لا تقدر عليها، فإن بها جيشاً لا تطيقونه وسيمنعونها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكن اخرجوا وحداناً لئلا يفطن بكم، فكتبوا كتاباً عاماً إلا من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغي رها، وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يداً واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحداناً لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج، فخرجوا من بين الآباء والأمهات، والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا

عدد الصفحات ٣١

32 الأمر يرضي ر ب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات والعظام والخطيئات، وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الذي نصب العداوة لأبينا آدم، ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم، فردوهم وأنبوهم ووبخوهم، فمنهم من استمر على الاستقامة ومنهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا يكتبون إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة1. ولما تفرق الحكمان على غير رضا، كتب أمير المؤمنين إلى الخوارج وهم مجتمعون بالنهروان أن الحكمين تفرقا على غير رضا، فارجعوا إلى ما كنتم عليه وسيروا بنا إلى قتال أهل الشام، فأبوا ذلك، وقالوا: حتى تشهد على نفسك بالكفر وتتوب، فأبى2، وفي رواية كتبوا إليه: أما بعد: فإنك لمتغضب لربك، إنما غضبت لنفسك فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين، 1البداية والنهاية7/231،313.) 2أنساب الأشراف2/63)، بسند فيه ضعف وله شواهد

عدد الصفحات ٣٢