49 دماؤهم، فقال لهم ابن عباس رضي اعنهما في مناظرته لهم: أفتسبون أمكم؟ - يعني عائشة - أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فإن قلتم: ليست أمكم كفرتم، وإن قلتم: إنها أمكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم1، ويعقب ابن قدامة قائلاً: ولأن قتال البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم، فلا يستباح منهم إلا ما حصل لضرورة الدفع كالصائل وقاطع الطريق، وبقي حكم المال والذرية على أصل العصمة 2، والظاهر من المأثور عن علي رضي الله عنه جواز الانتفاع بسلاحهم، فقد روى ابن أبي شيبة عن أبي البختري قال: لما انهزم أهل الجمل قال علي: لا تطلبوا من كان خارجاً من العسكر، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم3، وفي رواية أخرى قال: و تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم 4. 11 - من قتل من البغاة غسل وكفن وصلي عليه لأنهم مسلمون، على مذهب الشافعي وأصحاب الرأي5. 12 - إذا لم يكن البغاة من أهل البدع فهم ليسوا فاسقين، وقتال الإمام وأهل العدل لهم إنما من جهة خطئهم في التأويل، وهم كالمجتهدين من الفقهاء في 1السنن الكبرى للبيهقي8/179)، خصائص أمير المؤمنين للنسائي، ص197) إسناده حسن 2تحقيق مواقف الصحابة (2/300.) 3مصنف ابن أبي شيبة15/263.) 4تاريخ الطبري، نقلاً عن تحقيق مواقف الصحابة 2/300.) 5تحقيق مواقف الصحابة2/301.)
عدد الصفحات ٤٩50 الأحكام، ومن شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلاً، وهذا قول الشافعي، وأما الخوارج وأهل البدع إذا بغوا على الإمام فلا تقبل شهادتهم لأنهم فُسّاق 1. 13 - يجوز للعادل قتل ذي رحمه الباغينه قتله بحق، فأشبه إقامة الحد عليه مع كراهية قصد ذلك2. 14 - إذا غلب أهل البغي بلداً فجبوا الخراج والزكاة والجزية وأقاموا الحدود لم يطالبوا بشيء مما جبوه إذا ظهر أهل العدل على ذلك البلد وظفروا بهم، فعندما ظهر علي رضي الله عنه على أهل البصرة بعد موقعة الجمل لم يطالبهم بشيء مما جبوه3. 15 - حكم وراثة الباغي من العادل لا يرث باغ قتل عدلاً، ولا عادل قتل باغياً لقوله صلى الله عليه وسلم : «القاتل لا يرث »4، وقال أبو حنيفة: أورث العادل من الباغي ولا أورث الباغي من العادل، وقال أبو يوسف: أورث كل منهما من صاحبه لأنه متأول في قتله5، وبهذا قال النووي1. 1المغنى8/118)، تحقيق مواقف الصحابة2/301.) 2المصدر السابق 3المغني8/119)، تحقيق مواقف الصحابة2/302.) 4سنن ابن ماجه، كتاب الديات (2/883)، صحيح سنن ابن ماجه، رقم2140.) 5الأحكام السلطانية، ص61.
عدد الصفحات ٥٠51 16 - إذا لم يكن دفع أهل البغي إلا بقتلهم جاز قتلهم، ولا شيء على من قتلهم من إثم ولا ضمان ولا كفارة؛ لأنه فعل ما أمر به وقتل من أجل الله { [9]، فإن المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع بغير القتل، وكذلك ما أتلفه أهل العدل على أهل البغي حال الحرب من المال، فلا ضمان فيه2، وليس على أهل البغي بالمقابل ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال في أصح الأقوال كما ذكر النووي 3، ويدل على ذلك ما روى الزهري عن إجماع الصحابة أن لا يضمن الباغي إذا قتل العادل، قال: هاجت الفتنة الأولى وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، وفيهم البدريون، فأجمعوا أنه لا يقاد أحد ولا يؤخذ مال أحد على تأويل القرآن4، وفي رواية عبد الرزاق: فإن الفتنة الأولى ثارت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدراً كثير، فاجتمع رأيهم على ألا يقيموا على أحد حداً في فرج استحلوه بتأويل القرآن، ولا قصاص في دم استحلوه 1شرح النووي على صحيح مسلم7/170.) 2المغني8/112.) 3شرح النووي على صحيح مسلم7/170.) 4السنن الكبرى للبيهقي8/174) بسند صحيح، تحقيق مواقف الصحابة2/303.)
عدد الصفحات ٥١52 بتأويل القرآن، ولا يرد مال استحلوه بتأويل القرآن إلا أن يوجد شيء بعينه فيرد على صاحبه1. سابعاً: من أهم صفات الخوارج إن الباحث في تاريخ فرقة الخوارج يلاحظ عدة صفات اتصف بها أتباع هذه الفرقة منها: 1 - الغلو في الدين مما لا شك فيه أن الخوارج أهل طاعة وعبادة، فقد كانوا حريصين كل الحرص على التمسك بالدين وتطبيق أحكامه، والابتعاد عن جميع ما نهى عنه الإسلام، وكذلك التحرز التام عن الوقوع في أي معصية أو خطيئة تخالف الإسلام، حتى أصبح ذلك سمة بارزة في هذه الطائفة لا يدانيهم في ذلك أحد، ولا أدل على ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء»2، وقال ابن عباس رضي اعنهما، يصفهم حينما دخل عليهم لمناظرتهم: دخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهاداً، جباههم قرحة من السجود وأياديهم كأنها ثفن3 الإبل، وعليهم قمص مرحضة1، مشمرين، 1مصنف عبد الرزاق10/121.) 2مسلم، كتاب الزكاة، شرح النووي،7/171.) 3الثفن: جمع ثفنة: ركبة البعير وغيرها مما يجعل فيه غلظ من أثر البروك
عدد الصفحات ٥٢53 مسهمة وجوههم من السهر 2، وعن جند ب الأزدي قال: لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فانتهينا إلى معسكرهم، فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن3، فقد كانوا أهل صيام وصلاة وتلاوة للقرآن، لكنهم تجاوزوا حد الاعتدال إلى درجة الغلو والتشدد، حيث قادهم هذا التشدد إلى مخالفة قواعد الإسلام بما تمليه عليهم عقولهم، كالقول بتكفير صاحب الكبيرة، وسيأتي مناقشة عقائدهم وأفكارهم بإذن الله تعالى، ومنهم من بالغ في ذلك حتى على كل من ارتكب ذنباً من الذنوب ولو كان صغيراً فإنه كافر مشرك مخلد في النار 4، وكان من نتيجة هذا التشدد الذي خرج بهم في حدود الدين وأهدافه السامية، أن كفروا كل من لم ير رأيهم من المسلمين ورموهم بالكفر أو النفاق، حتى إنهم استباحوا دماء مخالفيهم5، ومنهم من استباح قتل النساء والأطفال من مخالفيه كالأزارقة مثلاً 6، ولا شك أن الخوارج بما اتصفوا به من الجهل والتشدد والجفاء قد شوهوا محاسن الدين الإسلامي تشويهاً غريباً، فإن هذا الإغراق في التأويل 1مرحضة: مغسولة، النهاية في غريب الحديث والأثر2/208.) 2تلبيس إبليس، ص91.) 3المصدر نفسه، ص93.) 4الفصل لابن حزم، (4/191) الخوارج، ناصر السعوي، ص183.) 5الخوارج للسعوي، ص183.) 6تلبيس إبليس، ص95) الخوارج للسعوي، ص184 .)
عدد الصفحات ٥٣54 والاجتهاد أخرجهم عن روح الإسلام وجماله واعتداله، وهم في تعمقهم قد سلكوا طريقاً ما قال به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا دعا إليه القرآن الكريم، وأما التقوى التي كانوا يظهرون بها فهي من قبيل التقوى العمياء، والصلاح الذي كانوا يتزينون به في الظاهر كان ظاهر التأويل بادي الزخرفة، وقد طمعوا في الجنة وأرادوا السعي لها عن طريق التعمق والتشدد والغلو في الدين غلواً أخرجهم عن الحد الصحيح 1، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التعمق والتشدد في الدين لأنه مخالفة للاعتدال وسماحة الإسلام، وأخبر أن المتنطع مستحق للهلاك والخسران، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هلك المتنطعون قالها ثلَّثاً »2، فبهذا يتبي ن لنا شذوذ الخوارج، وكذلك من سار على منهجهم المبني على التعسف والتشدد المخالف لسماحة الإسلام ويسره، فإن الإسلام دين اليسر والسماحة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إ غلبه، فسددوا وقاربوا»3. 1الخوارج للسعوي، ص184.) 2مسلم، كتاب العلم، شرح النووي16/220.) 3البخاري، كتاب الإيمان، شرح الباري931.)
عدد الصفحات ٥٤55 2 - الجهل بالدين إن من كبرى آفات الخوارج صفة الجهل بالكتاب والسنة، وسوء فهمهم وقلة تدبرهم وتعقلهم، وعدم إنزال النصوص منازلها الصحيحة، وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين 1، وكان ابن عمر إذا سئل عن الحرورية؟ قال: يكفرون المسلمين، ويستحلون دماءهم وأموالهم، وينكحون النساء في عددهم، وتأتيهم المرأة فينكحها الرجل منهم ولها زوج، فلا أعلم أحداً أحق بالقتال منهم 2، ومن جهلهم بشرع الله رأوا أن التحكيم معصية تستوجب الكفر، فيلزم من وقع فيه أن يعترف على نفسه بالكفر ثم يستقبل التوبة، وهذا ما طالبوا به علياً رضي الله عنه إذ طلبوا منه أن يقر على نفسه بالكفر ثم يستقبل التوبة 3، فتخطئة الخوارج له ولمن معه من المهاجرين والأنصار واعتقادهم أنهم أعلم منهم وأولى منهم بالرأي، وهو والله عين الجهل والضلال4، ومن جهالتهم الشنيعة أنهم وجدوا عبد الله بن خباب رضي الله عنه، ومعه أم ولد حبلى، فناقشوه في أمور، ثم سألوه رأيه في عثمان وعلي رضي الله عنهما، فأثنى عليهما خيراً، فنقموا عليه، وتوعدوه بأن يقتلوه شر قتلة فقتلوه وبقروا بطن 1ظاهرة الغلوفي الدين، محمد عبد الحكيم، ص (114.) 2الاعتصام2/183،184.) 3مصنف ابن أبي شيبة15/312،313)، الألباني في إرواء الغليل8/118،119)، تلبيس إبليس ص (93.) 4الخوارج للسعوي، ص186.)
عدد الصفحات ٥٥56 المرأة1، ومر بهم خنزير لأهل الذمة فقتله أحدهم، فتحرجوا من ذلك وبحثوا عن صاحب الخنزير وأرضوه في خنزيره، فيا للعجب، أتكون الخنازير أشد حرمة من المسلمين عند أحد يدعي الإسلام 2، لكنها ع بادة الجهال، التي أملاها عليهم الهوى والشيطان3، قال ابن حجر: إن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفي لهم بعهدهم وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم ولم يتمسكوا بحبل وثيق منه، وكفى أن رأسهم رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ونسبه إلى الجور، نسأل الله السلامة 4، وقال عنهم ابن تيمية رحمه الله: فهم جهال فارقوا السنة والجماعة عن جهل5. وبهذا يتبين أن الجهل كان من الصفات البارزة في تلك الطائفة ا لتي هي إحدى الطوائف المنتسبة إلى الإسلام، فالجهل مرض عضال يهلك صاحبه من حيث لا يشعر، بل قد يريد الخير فيقع في ضده6. 1تلبيس إبليس، ص93.) 2فتح الباري12/285.) 3الخوارج للسعوي، ص718.) 4فتح الباري12/301.) 5منهاج السنة3/464.) 6نوادر الأصول، محمد حكيم الترمذي، ص54)، الخوارج للسعوي، ص881.)
عدد الصفحات ٥٦57 3 - شق عصا الطاعة قال ابن تيمية: فهؤلاء ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفراً ثم يرتبون على الكفر أحكاماً ابتدعوها 1، هذا وقد شقوا عصا الطاعة وسعوا في تفريق كلمة المسلمين، ويوضح ذلك موقفهم مع أمير المؤمنين علي، حيث تخلوا عنه وخالفوه في أحرج المواقف وعصوا أمره2، وظلتتلك الصفة من صفاتهم على مدار التاريخ، كل من خالفهم في أمر عادوه ونبذوه حتى إنهم تفرقوا هم أنفسهم إلى عدة فرق يكفر بعضها بعضاً، ولذلك كثر فيهم الغارات والشقاق والثورات3. 4 - التكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم قال ابن تيمية: والفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع، أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب، ودارهم هي دار الإيمان، وكذلك يقول جمهور 1الفتاوى28/497.) 2الخوارج للسعوي، ص191.) 3الخوارج للسعوي، ص192.)
عدد الصفحات ٥٧58 الرافضة.. فهذا أصل البدع التي ثبتت بنص سنة الرسول صلى الله عليه وسلم : وإجماع السلف أنها بدعة، وهو جعل العفو سيئة، وجعل السيئة كفراً 1، وقد تميز الخوارج بآراء خاصة فارقوا بها جماعة المسلمين، ورأوها من الدين الذي لا يقبل الله غيره، ومن خالفهم فيها فقد خرج من الدين في زعمهم فأوجبوا البراءة منه، بل إن منهم من غلا في ذلك، فأوجبوا قتال من خالفهم واستحلوا دماءهم2. فمن ذلك أنهم قتلوا عبد الله بن خباب بغير سبب غير أنه لم يوافقهم على رأيهم3، وقال ابن كثير: فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالاً لم يفعلها غيرهم 4، وقال ابن تيمية: وكانت البدعة الأولى مثل بدعة الخوارج، إنم ا هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن براً تقياً فهو كافر وهو مخلد في النار، ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان: 1الفتاوى19/73.) 2منهاج السنة3/62.) 3الفرق بينالفرق للبغدادي، ص (57)، الخوارج للسعوي، ص191.) 4البداية والنهاية3/294.)
عدد الصفحات ٥٨59 الأولى أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر. والثانية: أن عثمان وعلياً ومن والاهما كانوا كذلك؛ ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المؤمنين بالذنوب والخطايا، فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام فكفر أهلها المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في ذمهم والأمر بقتالهم1. 5 - تجويزهم على النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز في حقه«كالجور» قال ابن تيمية: والخوارج جوزوا على الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف - بزعمهم - ظاهر القرآن، وغالب أهل البدع والخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا، فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه... وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة، إما برد النقل، وإما بتأويل المنقول، فيطعنون تارةً في الإسناد، وتارةً في المتن، وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ولا بحقيقة القرآن2. 1الفتاوى13/30/31.) 2الفتاوى19/73.)
عدد الصفحات ٥٩60 6 - الطعن والتضليل من أبرز صفات الخوارج الطعن في أئمة الهدى وتضليلهم والحكم عليهم بالخروج عن العدل والصواب، وقد تجلت هذه الصفة في موقف ذي الخويصرة مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، حيث قال ذو الخويصرة: يا رسول الله اعدل1، فقد عد ذو الخويصرة نفسه أورع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجور والخروج على العدل في القسمة، وإن هذه الصفة قد لازمتهم عبر التاريخ، وقد كان لها أسوأ الأثر لما ترتب عليها من أحكام وأعمال2. 7 - سوء الظن هذه صفة أخرى للخوارج تجلت في حكم ذي الخويصرة الجهول على رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بعدم الإخلاص، حيث قال: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله3، فذو الخويصرة الجهول لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى السادة الأغنياء، ولم يعط الفقراء، لم يحمل هذا التصرف على المحمل الحسن، وهذا شيء عجيب خصوصاً وأن دواعيه كثيرة، فلو لم يكن إلا أن صاحب هذا التصرف هو رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، لكفى به داعياً إلى حسن الظن، ولكن ذا 1البخاري، كتاب استتابة المرتدين، فتح الباري12/290.) 2ظاهرة الغلو في الدين، ص106.) 3البخاري، كتاب استتابة المرتدين، فتح الباري (12/290.)
عدد الصفحات ٦٠61 الخويصرة أبى ذلك، وأساء الظن لمرضه النفسي، وحاول أن يستر هذه العلة بستار العدل، وبذلك ضحك منه إبليس، واحتال عليه، فأوقعه في مصايده، فينبغي للمرء أن يراقب نفسه، وأن يدقق في دوافع سلوكه ومقاصده، وأن يحذر هواه، وأن يكون منتبهاً لحيل إبليس لأنه كثيراً ما يزين العمل السيئ بغلاف حسن براق، ويبرر السلوك القبيح باسم مبادئ الحق، ومما يعين المرء على وقاية نفسه، والنجاة لها من حيل الشيطان ومصايده: العلم، فذو الخويصرة لو كان عنده أثارة من علم، أو ذرة من فهم لما سقط في هذا المزلق1. 8 - الشدة على المسلمين عرف الخوارج بالغلظة والجفوة، وقد كانوا شديدي القسوة والعنف على المسلمين، وقد بلغت شدتهم حداً فظيعاً، فاستحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فروعوهم وقتلوهم، أما أعداء الإسلام من أهل الأوثان وغيرهم فقد تركوهم ووادعوهم فلم يؤذوهم، ولقد سجل التاريخ صحائف سوداء للخوارج في هذا السبيل2، وما قصة عبد الله بن خباب ومقتله عنا ببعيد، فمعاملة الخوارج للمسلمين مصحوبة بالقسوة والشدة والعنف، وأما للكافرين، 1ظاهرة الغلو في الدين،106،107.) 2ظاهرة الغلو في الدين، ص110.)
عدد الصفحات ٦١62 فلين وموادعة ولطف1، فقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدة على الكفار، وإلى الرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج2، قال تعالى [29]، وقال تعالى يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم[54]، فالخوارج عكسوا الآيات، فأرهبوا المسلمين وروعوهم3، هذه بعض الصفات التي اشتهر بها الخوارج. أهم مظاهر الغلو في العصر الحديث: إن مظاهر الغلو في العصر الحديث كثيرة منها: 1 - التشدد في الدين على النفس والتعسير على الآخرين من مظاهر الغلو في هذا العصر: الخروج عن منهج الاعتدال في الدين، الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إ 1المصدر نفسه، ص111.) 2فتح الباري12/301.) 3ظاهرة الغلو في الدين، ص111.)
عدد الصفحات ٦٢63 غلبه»1 والتشدد في الدين كثيراً ما ينشأ عن قلة الفقه في الدين، وهما من أبرز سمات الخوارج، أعني التشدد في الدين وقلة الفقه، وأغلب الذين ينزعون إلى خصال الخوارج اليوم تجد فيهم هاتين الخصلتين 2، ومن مظاهر الغلو التعسير وترك التيسير، فأصحاب الغلو يطالبون الناس بما لا يطيقون، ويلزمونهم بما لا يلزمهم به الشرع السهل، ولا يراعون قدراتهم وتفاوتها، وطاقاتهم واستطاعتهم، وتباينها، وأفهامهم واختلافها، فيخاطبونهم بما لا يفهمون، ويطالبونهم بما لا يستطيعون، ومن أسباب التعسير: الورع الفاسد، والجهل بمراتب الأحكام، والجهل بمراتب الناس، وأما مجالاته وصوره وأشكاله، إيجاب النظر والاستدلال على الجميع، وتحديث الناس بما لا يعرفون، وترك الرخص والإلزام بما لم يلزم به الشرع3. 2 - التعالم والغرور وما يؤدي إليه من تصدر الأحداث من السمات البارزة في ظاهرة الغلو في الوقت المعاصر، التعالم والغرور، وادعاء العلم في حين أنك تجد أحدهم لا يعرف بدهيات العلم الشرعي، والأحكام وقواعد الدين، أو قد يكون عنده علم قليل بلا أصول ولا ضوابط ولا فقه ورأي سديد، ويظن أنه بعلمه القليل وفهمه السقيم قد ح از علوم 1البخاري، كتاب الإيمان، فتح الباري1/93.) 2الخوارج، ناصر العقل، ص130.) 3ظاهرة الغلو في الدين، ص (241 - 249.)
عدد الصفحات ٦٣64 الأولين والآخرين، فيستقل بغروره عن العلماء، عن مواصلة طلب العلم فيهلك بغروره ويُهلك، وهكذا كان الخوارج الأولون يدعون العلم والاجتهاد ويتطاولون على العلماء وهم من أجهل الناس1، وأدى التعالم والغرور إلى تصدر حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام للدعوة بلا علم ولا فقه، فاتخذ بعض الناس منهم رؤساء جهالاً، فأفتوا بغير علم وحكموا في الأمور بلا فقه، وواجهوا الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رأي، ولا رجوع إلى أهل العلم والفقه والتجربة والرأي، بل كثير منهم يستنقص العلماء والمشايخ، ولا يعرف لهم قدرهم، وإذا أفتى بعض المشايخ على غير هواه ومذهبه، أو بخلاف موقفه أخذ يلمزهم إما بالقصور أو التقصير، أو الجبن والمداهنة، أو بالسذاجة وقلة الوعي والإدراك، ونحو ذلك مما يحصل بإشاعته الفرقة والفساد العظيم وغرس الغل على العلماء والحط من قدرهم، ومن اعتبارهم وغير ذلك مما يعود على المسلمين بالضرر البالغ من دينهم ودنياهم2. 3 - الاستبداد بالرأي وتجهيل الآخرين من أبرز معالم الغلو حديثاً التعصب للرأي، وعدم الاعتراف برأي الآخرين، وإنكار ما عنده من الحق ما دام خالفه في الرأي، ومن الأسباب التي تولد 1الخوارج، ناصر العقل، ص129.) 2المصدر السابق نفسه
عدد الصفحات ٦٤