المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم

علي محمد الصلابي

صفحة ١ من ٨

1 دار المعرفة بيروت – لبنان www.marefah.com

عدد الصفحات ١

2 بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[102 ]. {ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا1. ] { لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما[70،71. ] يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. أما بعد... قمت في هذا الكتاب بدراسة موضوعية علمية عن الخوارج ، فبينت نشأة الخوارج وعر فت بهم، وذكرت الأحا ديث النبوية التي تضمنت ذمهم، وانحيازهم إلى حروراء، ومناظرة ابن عباس لهم، وسياسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، في التعامل معهم، وأسباب

عدد الصفحات ٢

3 مقاتلته لهم. وأشرت إلى أهم صفات الخوارج في عهد أمير المؤمنين عليٍّ، كالغلو في الدين، والجهل به، وشق ع صا الطاعة، والتكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، وسوء الظن، وتكفير المسلمين وطعنهم لبعض الصحابة وتكفيرهم لعثمان وعلي رضي الله عنهما. إن المنهج الأصيل في الدعوة إلى الله تعالى هو بيان الحق وكشف الباطل، وفهم الإسلام الصحيح من خلال العلماء والفقها ء والدعاة إلى الله تعالى، كما أنه ينبغي التنويه، وتشجيع الأصوات الإصلاحية الصادقة واحترامها وتقديرها والوقوف معها في نصيحة أقوامها، وعلينا أن نقف مع كل محب صادق للحق والعدل والقيم الإنسانية الرفيعة. وعلينا أن نعمل لهذا الدين، وسعادتنا ليست باقتطاف الثمر العاجل، وإنما في الشعور بتوفيق الله والأمل في رضاه وشمولية فهم الإسلام، فلعل الله سبحانه أن يبارك في هذا الجهد وينتفع به أولئك الدعاة الذين لا نعرف أسماءهم، ولكن سيرى التاريخ آثارهم وسيقيلون العالم الإسلامي من عثرته وينهضون به من كبوته، أولئك الربانيون الم تجردون الذين عرفوا الحق واستشعروا السعادة في نصرته، وعملوا له، ودافعوا عنه، ووقفوا بجانبه على رقة الحال وقلة النصير. فأخذ الله بأيديهم لصدقهم وإخلاصهم ومتابعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وأولئك العلماء، وطلاب العلم الذين توزن مداد أقلامهم بدماء الشهداء، وأولئك التجار الذين يقفون خلف موكب الدعوة بأموالهم وثرواتهم

عدد الصفحات ٣

4 وأنفسهم ولسان حالهم يقول ربنا يوما عبوسا قمطريرا[9،10] وأولئك الجنود المجهولون في هذه الدنيا ولكنهم غداً أعلام شامخة في رُبى الخلد. إن العواصف العاتية تهب بعنف تريد اجتياح إسلامنا وديننا وعقيدتنا من جذورها، وجهود خصوم الإسلام من الصليبية واليهودية والعلمانية والباطنية والمبتدعة تستبيح قادتنا وكبراءنا في ميدان العلم والأدب والسياسة وتريد تشويه تاريخنا، فعندما نكون أمة بدون تاريخ، فلن نكون أمة صالحة. فما قيمة أمة ليس لها رجال؟ وما قيمة دين لم يصنع رجالاً على تراخي العصور؟ فهل يمكننا أن نستلهم من الدروس والعبر من تاريخنا، ما يخزي أعداء الله ويرد كيدهم في نحورهم، وما يساعدنا على استئناف رسالتنا ودعم حضارتنا؟. إن الإنسانية تترنح في هذه الآونة الكالحة من التاريخ لبعدها عن منهج الله تعالى، والدواء عند المسلمين وحدهم، فهل ينصفون أنفسهم، وينقذون الآخرين؟. فهل من عودة إلى الإسلام، تزكي السرائر، وتبني الأخلاق، وتصلنا بالقرآن الكريم، وتشعرنا بشرف الانتماء إلى محمد ودينه، وضرورة العمل بدعوته وسنة خلفائه الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين، ونكون حلقة موصولة في دعم رسالة الحبيب صلى الله عليه وسلم التي استوعبت الزمن كله.

عدد الصفحات ٤

5 هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الخميس الساعة واحدة إلا خمس دقائق ظهراً بتاريخ 11 شوال 1435 هـ الموافق7 أغسطس 2014 م، والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خالصاً ولعباده نافعاً، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين[19.] قال تعالى يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم 2] وعلى آله وصحبه وسلم سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه علي محمد الصَّلََّّبِّي

عدد الصفحات ٥

6 المبحث الأول: الخوارج أولاً: نشأة الخوارج والتعريف بهم: عرّف أهل العلم الخوارج بتعريفات، منها ما بينه أبو الحسن الأشعري أن اسم الخوارج يقع على تلك الطائفة الذين خرجوا على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبين أن خروجهم على عليّ هو العلة في تسميتهم بهذا الاسم، حيث قال رحمه الله تعالى: والسبب الذي سمّ وا له خوارج، خروجهم على عليّ بن أبي طالب لما حكم 1. أما ابن حزم فقد بين أن اسم الخارجي يتعدى إلى كل من أشبه أولئك النفر الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وشاركهم في معتقدهم، فقد قال: ومن وافق الخوارج في إنكار التحكيم وتكفير أصحاب الكبائر والقول بالخروج على أئمة الجور، وأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار، وأن الإمامة جائزة في غير قريش فهو خارجي وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون خالفهم فيما ذكرنا فليس خارجياً 2. 1مقالات الإسلاميين1/207.) 2الفصل في الملل والأهواء والنحل2/113.)

عدد الصفحات ٦

7 وأما الشهرستاني: فقد عرف الخوارج بتعريف عام اعتبر فيه الخروج على الإمام الذي اجتمعت عليه الكلمة على إمامته الشرعية خروجاً في أي زمان كان، حيث قال في تعريفه للخوارج: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً سواءً كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان1. وقال ابن حجر معرفاً لهم: والخوارج الذين أنكروا على عليّ التحكيم وتبرؤوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم، فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة2، وقال في تعريف آخر: أما الخوارج فهم جمع خارجة، أي طائفة، وهم قوم مبتدعون سُ موا بذلك لخروجهم على الدين وخروجهم على خيار المسلمين3. أما أبو الحسن الملطي: فيرى أن أول الخوارج المحكمة، الذين ينادون حكم إلا لله ويقولون: عليٌّ كفر، يجعلون الكفر إلى أبي موسى الأشعري، ولا حكم إلا لله: فرقة الخوارج، سميت خوارج لخروجهم على عليّ رضي الله عنه يوم الحكمين، حين كرهوا التحكيم، وقالوا: لا حكم إلا لله4. 1الملل والنحل 2هدى الساري في مقدمة فتحالباري، ص (459.) 3فتح الباري2/283.) 4التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، ص47.)

عدد الصفحات ٧

8 أما الدكتور ناصر العقل فيقول: هم الذين يكفرون بالمعاصي، ويخرجون على أئمة الجور1. فالخوارج هم أولئكالنفر الذين خرجوا على عليّ رضي الله عنه بعد قبوله التحكيم في موقعة صفين، ولهم ألقاب أخرى عرفوا بها غير لقب الخوارج، ومن تلك الألقاب الحرورية 2، والشراة 3، والمارقة، والمحكمة 4، وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية5. ومن أهل العلم من يرجع بداية نشأة الخوارج إلى زمن الرسول صلى ا عليه وسلم، ويجعل أول الخوارج ذا الخويصرة الذي اعترض على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة ذهب كان قد بعث به علي رضي الله عنه من اليمن في جلد مقروظ، فقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله من اليمن بذهبة في أديم 1الخوارج، ناصر العقل، ص28.) 2سموا بهذا الاسم لنزولها بحروراء في أول أمرهم 3سموا شراة لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي: بعناها بالجنة 4سموا بهذا الاسملإنكارهم الحكمين، وقولهم: لا حكم إلا لله. 5مقالات الإسلاميين1/207.)

عدد الصفحات ٨

9 مقرظ1، لم تحصل من ترابها2، قال: فقسمها بين أربعة نفر، بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن كلاثة، وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذه من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً »، قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة 3، كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله، فقال: «ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله»، قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله أ أضرب عنقه، فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي»، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس4، ولا أشق بطونهم»، قال ثم نظر إليه وهو مُقف 5، فقال«إنه يخرج من ضِئْضِئ 6 هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً 1أي: في جلد مدبوغ بالقرظ 2أي: لم تميز ولم تصف من تراب معدنها 3أي: مرتفع الجبهة 4أي: أفتش وأكشف، ومعناه: أني أمرت بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر 5مقف: أي مول 6ضئضئ هو بضادين معجمتين مكسورتين وآخره مهموز وهو أصل الشيء.

عدد الصفحات ٩

10 يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية »، قال أظنه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود»1. قال ابن الجوزي عند هذا ال حديث: أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة التميمي، في لفظ: أنه قال له: اعدل، فقال: «ويلك ومن لم يعدل إذا لم أعدل»2، فهذا أول خارجي خرج في الإسلام، وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتباع هذا الرجل هم ا لذين قاتلوا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم 3، وممن أشار بأن أول الخوارج ذو الخويصرة: أبو محمد بن حزم4، وكذا الشهرستاني في كتابه الملل والنحل5، ومن العلماء من يرى بأن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان رضي الله عنه بإحداثهم الفتنة التي أدت إلى قتله رضي الله عنه ظلماً وعدواناً، وسميت تلك الفتنة التي أحدثوها بالفتنة الأولى6، وقال شارح الطحاوية: فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة 1أخرجه البخاري2/232)، ومسلم2/742.) 2أخرجه مسلم2/740.) 3تلبيس إبليس، ص90.) 4الفصل في الملل والأهواء والنحل4/157.) 5الملل والنحل1/116.) 6عقيدة أهل السنة في الصحابة3/1141.)

عدد الصفحات ١٠

11 الأولى1، وقد أطلق ابن كثير على الغوغاء الذين خرجوا على عثمان وقتلوه اسم الخوارج، حيث قال في صدد ذكره لهم بعد قتلهم عثمان رضي الله عنه: وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جداً 2. الرأي الراجح في بداية نشأة الخوارج وبالرغم من الارتباط القوي بين ذي الخويصرة والغوغاء الذين خرجوا على عثمان وبين الخوارج الذين خرجوا على عليّ بسبب التحكيم فإن مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه ال كلمة لا ينطبق إلا على الخارجين بسبب التحكيم، بحكم كونهم جماعة في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة، أحدثت أثراً فكرياً وعقائدياً واضحاً، بعكس ما سبقها من حالات 3. ثانياً: ذكر الأحاديث التي تتضمن ذم الخوارج وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الخوارج المارقة، وصفوا فيها بأوصاف ذميمة شنيعة جعلتهم في أخبث المنازل، فمن 1شرح العقيدة الطحاوية، ص (563.) 2البداية والنهاية7/202.) 3فرق معاصرة للعواجي1/67)، خلافة علي، عبد الحميد، ص297.)

عدد الصفحات ١١

12 الأحاديث التي وردت الإشارة فيها إلى ذمهم، ما رواه الشيخان في صحيحهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل»، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: «دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلَّت ه مع صلَّتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم1، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية 2، ينظر إلى نصله فلَّ يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه3، فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نفسه، وهو قدحه فلَّ يوجد فيه شيء، وقد سبق الفرث والدم4، أبتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة 5 تدردر6 ويخرجون على حين فرقة من الناس»، قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول 1تراقيهم: جمع ترقوة، وهي العظم بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين 2الرمية: الصيد الذي ترميه فتقصده وينفذ فيه سهمك،وقيل: كل دابة مرمية. 3رصافة: يقال: رصف السهم إذا شده بالرصاف، وهو عقب يلوى على مدخل النصل فيه 4يعني: مر مراً سريعاً في الرمية لم يعلق به شيء من الفرث والدم 5البضعة: القطعة من اللحم. النهاية في غريب الحديث1/133.) 6تدردر: أي ترجرج تجيء وتذهب. النهاية في غريب الحديث (2/112.)

عدد الصفحات ١٢

13 الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظر إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته1. وروى الشيخان أيضاً من حديث أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهم أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج في هذه الأمة- ولم يقل منها - قوم تحقرون صلَّتكم مع صلَّتهم فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم - أو حناجرهم - يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة 2، هل علقت بها من الدم شيء »3، وروى البخاري من حديث أسير بن عمرو قال: قلت لسهيل بن حنيف: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الخوارج شيئ اً؟ قال: سمعته يقول: وأهوى بيده قبل العراق: «يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلَّم مروق السهم من الرمية»، ففي هذه الثلاثة الأحاديث ذم واضح لفرقة الخوارج، فقد وصفهم صلى الله عليه وسلم بأنهم طائفة مارقة، وأنهم يشددون في الدين في غير موضع التشديد، بل يمرقون منه 1مسلم2/743،744.) 2الفوقة: هي الحجر الذي يجعل فيه الوتر 3مسلم2/743،744.)

عدد الصفحات ١٣

14 بحيث يدخلون فيه ثم يخرجون منه سريعاً لم يتمسكوا منه بشيء، كما اشتمل الحديث الأول في هذه الثلاثة الأحاديث أنهم يقاتلون أهل الحق، وأن أهل الحق يقتلونهم، وأن فيهم رجلاً صفة يده كذا وكذا، وكل هذا وقع وحصل كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : لا يجاوز تراقيهم احتمالات: 1 - يحتمل أنه لكون لا تفقهه قلوبهم، ويحملونه على غير المراد به 2 - يحتمل أن يكون المراد أن تلاوتهم لا ترتفع إلى ا1. ومن صفاتهم الذميمة التي ذمهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم ليس لهم من الإيمان إلا مجرد النطق به، وأنهم أصحاب عقول رديئة وضعيفة، وأنهم عندما يقرؤون القرآن يظنون لشدة ما بلغوا إليه من سوء الفهم أنه لهم وهو عليهم، فقد روى البخاري رحمه الله من حديث علي رضي الله عنه أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فوالله لأن أخخُر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان2 أحداث الأسنان1، سفهاء الأحلَّم2، يقولون من خير 1فتح الباري6/618)، ما قاله القاضي عياض في شرح النووي7/159.) 2قال الحافظ ابن حجر: المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة، فإن في حديث سفينة المخرج في السنن وصحيح ابن حبان وغيره مرفوعاً: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً، وكانت قصة الخوارج وقتلهم في النهروان في أواخر خلافة علي سنة ثمان وثلاثين للهجرة، فتح الباري (12/287.)

عدد الصفحات ١٤

15 قول البرية3 لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»4. وفي هذين الحديثين ذم للخوارج بأنهم ليس لهم من الإيمان إلا مجرى النطق، فقد دل الحديث الأول على أنهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب5، وأما هذا الحديث الذي هو حديث زيد بن وهب الجهني عن علي رضي الله عنه فقد أطلق الإيمان فيه على الصلاة، وكلا الحديثين دلا على أن إيمانهم محصور في نطقهم، وأنه لا يتجاوز حناجرهم، ولا تراقيهم، وهذا من أبشع الذم وأقبحه لمن وصف به6. ومن الصفات القبيحة التي ذمهم بها عليه الصلاة والسلام، أنهم يمرقون من الدين لا يوفقون للعودة إليه، وأنهم شر الخلق والخليقة، فقد روى مسلم رحمه الله من حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن بعدي من أمتي أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلَّقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، 1صغار السن، شرح النووي7/169.) 2ضعفاء العقول، فتح الباري6/619.) 3أي من القرآن كما في حديث أبي سعيد المتقدم: يقرؤون القرآن 4البخاري2/281.) 5فتح الباري2/281.) 6عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام3/1183.)

عدد الصفحات ١٥

16 ثم يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة »1، وروى حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالف قال: «هم شر الخلق أو من شر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» ومن صفاتهم التي ذُم بها الخوارج على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم من أبغض الخلق إلى الله، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قالوا: لا حكم إلا لله، قال عل ي: كلمة حق أريد بها باطل 2، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناساً إني لأعرف صفتهم وهؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله إليهم، منهم أسود إحدى يديه طبي شاه3، أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: انظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال: ارجعوا فوالله ما كذب ولا كذبت مرتين 1مسلم2/750.) 2معناه: أن الكلمة أصلها صدق، قال تعالىبها الإنكار على عليّ في تحكيمه. شرح النووي (7/173،174.) 3المراد ضرع الشاة

عدد الصفحات ١٦