- 202 - المطلبُ الرَّابعُ: شجاعة د او ود -عليه السلام- أولاا : نسب دَاوُود -عليه السلام-وصِفَتُه ومَكانَتُه : 1- نسب دَاوُود –عليه السلام-: ذكر ابن الاثير وغيره أن دَاوُود هو ابْن إ يش ى بْن ع و يد بْن ب اع ز بْن س لْم و ن بْن ن حْش ون بْن ع م ي ن وْذ ب بْن ر ام بْن ح صْر ون بْن ف ار ض بْن ي ه وذ ا بْن ي عْق وب بْن إ سْح اق بن إبراهيم (494) . 2- صِفَة دَاوُود –عليه السلام-: قال م ح م د بْن إ سْح اق ع نْ ب عْض أ هْل الْع لْم ع نْ و هْب بْن م ن ب هٍ: «كَانَ دَ اوُدُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَصِيراا أَزْرَقَ الْعَيْنَيْنِ قَلِيلَ الشَّعْرِ طَاهِرَ القلب ونقيه» (495). 3- مكانةدَاوُود –عليه السلام-: من الله عليه بتوفيقه لقتل جالوت (496)، وأتاه الله علماً وحكماً وعلمه صناعة الدروع (490)، علمه الله ف صْل الْخ ط اب (498)، وفضله الله على كثير من عباده المؤمنين، وجعل الله الجبال )494( وذكره ابن ا ثير في كتابه الكامل في التاريخ ( 1 /194). وذكره الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري ( 1 /406). وذكره ابن حبيب في كتابه المحبر (ص 380). باختلاف يسير حتى يهوذا. ولم يثبت هذا النسب في أي أثر صحيح أو ضعيف، وو هْب بْن م ن ب هٍ معروف عنه الأخذ عن أهل الكتاب. )495( البداية والنهاية ط الفكر2 /10). وذكر هذه الصفات ابن عساكر عن الحسن. في كتابه تاريخ دمشق لابن عساكر (10 /81). وذكرها ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ 1 /194). وهذه الصفات من الإسرائيليات وليس لها أصل صحيح في الأثر. )496( { و ل وْلا د فْع الل ه الن اس ب عْض ه مْ ب ب عْضٍ ل ف س د ت الأْ رْض و ل ك ن الل ه ذ و ف ضْلٍ ع ل ى الْع ال م ين بقرة: 251.] )490( { و ك ن ا ف اع ل ين09) و ع ل مْن اه ص نْع ة ل ب وسٍ ل ك مْ ل ت حْص ن ك مْ م نْ ب أْس ك مْ ف ه لْ أ نْت مْ ش اك ر ون09،80.] )498( {20.]
عدد الصفحات ٢٠٩- 203 - والطير ت و ب معه، وألاْن الله له الحديد، (499)، وصفه الله بالعبد الشكور (500)، وأنزل الله عليه كتاب الز ب ور (501). ووصفه الله أيضاً ب ذي الأيد وأنه أو اب (502)، قال الإمامأبو جعفر الطبري : "ويعني بقوله (ذ ا الأيْد ) ذا القوّة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته " (503). ثانياا: شجاعة دَاوُود -عليه السلام-في القتال: لقد برزت شجاعة دَاوُود مقطوعة النظير، ومنعدمة الشبيه، ولقد تجلت أولى تلك البطولات في قتل رأس الكفر، وزعيم الباطل جالوت. ولقد كان جالوت ضخم الجثة، عظيم ال خ لْق ة، متمرس اً على القتال، شرساً حين النزال، ولقد قال الله سبحانه تعالى {ف ه ز م وه مْ ب إ ذْ ن الل ه و ق ت ل د او ود ج ال وت و آت اه الل ه الْم لْك و الْح كْم ة و ع ل م ه م م ا ي ش اء و ل وْلا د فْع الل ه الن اس ب عْض ه مْ ب ب عْضٍ ل ف س د ت الأْ رْض و ل ك ن الل ه ذ و ف ضْلٍ ع ل ى الْع ال م ين [ }البقرة : 251] وكان في قتل جالوت سبباً لهزيمة جيشه وفراره، وانتصار القلة المؤمنة، على جمع الكفر الباغية. وكان دَاوُود -عليه السلام-وكذلك الأنبياء كلهم لا يفرون من المعارك، ولا يتر اجعون في الحروب، وقد قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حق دَاوُود عليه السلام كما هو ثابت في صحيح البخاري وغيره «كَانَ دَاوُدَ لاَ يَفِر إِذَا لاَقَى» (504). )499) {الْم ؤْم ن ين[15 .] و10) أ ن اعْم لْ س اب غ اتٍ و ق د رْ ف ي الس رْد و اعْم ل وا ص ال حًا إ ن ي ب م ا ت عْم ل ون ب ص يرٌ 10،11.] )500( {ل وا آل د او ود ش كْرًا و ق ل يلٌ م نْ ع ب اد ي الش ك ور 13.] )501( {55.] )502( {10.] )503( تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر 21 /166.) )504( صحيح البخاري 3 /40) حديث1900 .)قال الإمام البخاري ح د ث ن ا ع مْر و بْن ع ل يٍّ، أ خْب ر ن ا أ ب و ع اص مٍ، ع ن ابْن ج ر يْجٍ، س م عْت ع ط اءً، أ ن أ ب ا الع ب اس الش اع ر ، أ خْب ر ه أ ن ه ، س م ع ع بْد الل ه بْ ن ع مْرٍو ر ض ي الل ه ع نْه م ا عن الن ب ي ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ، ق ال : الحديث.
عدد الصفحات ٢١٠- 204 - إََّ النبي القائد دَاوُود عليه السلام قد جم ع بين ميزتي القيادة، أ لَ وهما الشج اعة والحكمة، وعلى كل قادة المسلمين، و أئمة المتقين، أَ يتصفوا بخُلُق الشجاعة المنضبطة بالحكمة، التي قلما توجد في إنساَ، وإذا وجدت في رجل فهو أهل القيادة، وخَلِيقُ الإمارة، وسيد المعارك والَنتصارات، وفي هذا قال الشاعر: وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثلَ الشجاعة في الحكيمِ (505). )505) الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 35.)
عدد الصفحات ٢١١- 205 - المبحثُ الثَّاني: شجاعةُ النبي مُحمد ﷺ في الأقوالِ وفيه ثلاثة مطالب: المطلبُ الأولُ : شجاعة النبي ﷺ في الصدع بالحق. المطلبُ الثَّاني: بطولة النبي ﷺ في الثبات على الحق. المطلبُ الثَّالِثُ : أمر النبي ﷺ بالصدع بالحق.
عدد الصفحات ٢١٢- 206 - المبحثُ الثَّاني: شجاعةُ النبي مُحمدﷺ في الأقوالِ أرسل الله رسوله محمد اً ﷺ مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى ربه، وسراجاً منيراً، فكانت كل لحظة من حياة النبي ﷺ هي صدعاً بالحق، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، فمنذ أن أمره الله -عز وجل-أن يجهر بالدعوة، دعا الناس علانية، وفي كل مكان، وتحت كل ظرف وزمان ، لا يخشى أحداً إلا الله. المطلبُ الأولُ : شجاعة النبي ﷺ في الصدع الحق لقد جاء الأمر من الله -جل وعلا-لرسولنا –صلى الله عليه وسلم-بإعلان الدعوة، ووجوب الجهر بالحق، وا ظهار الإسلام، فقال تعالى ب م ا ت ؤْم ر و أ عْر ضْ ع ن الْم شْر ك ين } [الحجر: 94] وهذا الذي ي وجب الصراع مع الباطل وجهاً لوجه. ق ال ابْنُ الأَْعْرَابِي (506 )في معنى "اصْد عْ ب م ا ت ؤْم ر " : أ يْ ف ر قْ ج مْع ه مْ و ك ل م ت ه مْ ب أ نْ ت دْع و ه مْ إ ل ى الت وْح يد ف إ ن ه مْ ي ت ف ر ق ون ب أ نْ ي ج يب الْب عْض ، ف ي رْج ع الص دْع ع ل ى ه ذ ا إ ل ى صدع جماعة الكفار" (500). وقالالإمام النسفي: {فاصدع ب م ا ت ؤْم ر }فاجهر به وأظهره، يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً، من الصديع وهو الفجر. أو فاصدع فافرق بين الحق والباطل، من الصدع في الزجاجة وهو الإبانة بما تؤمر والمعنى بما تؤمر به من الشرائع " (508). وقال سي د قطب: " إن الصدع بحقيقة هذه العقيدة والجهر بكل مقوّماتها وكل مقتضياتها. ضرورة في الحركة بهذه الدعوة فالصدع القوي النافذ هو الذي يهز الفطرة الغافية و يوقظ المشاعر المتبلدة ويقيم الحجة على الناس. أما التدسس الناعم بهذه العقيدة وجعلها عضين يعرض الداعية )506) ابْنُ الأَْعْرَابِي : هو أبو عبد الله محمد بن زياد، الكوفي صاحب اللغة؛ وهو من موال ي بني هاشم، و لد سنة خمسين ومائة. وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين. ي نظر وفيات الأعيان (4 /306) ترجمة 633.) )500) تفسير القرطبي 10 /61.) )508) تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل 2 /200.)
عدد الصفحات ٢١٣- 200 - منها جانباً ويكتم جانباً ، لأن هذا الجانب يثير الطواغيت أو يصد الجماهير! فهذا ليس من طبيعة الحركة الصحيحة بهذه العقيدة القوية. إنما هو البيان الكامل لكل حقائق هذه العقيدة في وضوح جلي، وفي حكمة كذلك في الخطاب ولطف ومودة ولين وتيسير " (509) . إن الصدع بالحق والتوحيد، والكفر بالشرك والتنديد، ي ت ط ل ب رجالاً فرساناً، ودعاة أبطالاً، ولهذا أثنى الله على كل ر س ول ه –عليهم السلام-فقال {ال ذ ين ي ب ل غ ون ر س الا ت الل ه و ي خْش وْن ه و لا ي خْش وْن أ ح دًا إ لا الل ه و ك ف ى ب الل ه ح س يبًا[ }الأحزاب : 39] ورسل ا –عليهم السلام-هم أشجع الناس، وكيف لا يكونوا أشجع الناس؟ وهم من صدع بالتوحيد أمام الكفار، وهم يعلمون أن الحرب ستقوم عليهم من كل الفجار، فلم يكتموا الحق، أو يلزموا الصمت. قال الإمام ابن كثير: " ي مْد ح ت ع ال ى{ :ال ذ ين ي ب ل غ ون ر س الات الل ه } أ يْ: إ ل ى خ لْق ه و ي ؤ دُّون ه ا ب أ م ان ت ه ا {و ي خْش وْن ه}أ يْ: ي خ اف ون ه و لا ي خ اف ون أ ح دًا س و اه ف لا ت مْن ع ه مْ س طْو ة أ ح دٍ ع نْ إ بْلا غ ر س الا ت الل ه . و س ي د الن اس ف ي ه ذ ا الْم ق ام -ب لْ و ف ي ك ل م ق امٍ -م ح م دٍ ر س ول الل ه ص ل ى الل ه ع ل يْه و س ل م ؛ ف إ ن ه ق ام ب أ د اء الر س ال ة و ا بْلا غ ه ا إ ل ى أ هْل الْم ش ار ق و الْم غ ار ب ، إ ل ى ج م يع أ نْو اع ب ن ي آد م ، و أ ظْه ر الل ه ك ل م ت ه و د ين ه و ش رْع ه ع ل ى ج م يع الأْ دْي ان و الش ر ائ ع " (510) . أولاا: بسالة النبي ﷺ في الصدع بالحق: ق ال ابْنِ عَبَّاس : "ل م ا ن ز ل تْ { :و أ نْذ رْ ع ش ير ت ك الأ قْر ب ين [ }الشعراء : 214]، ص ع د الن ب يُّ ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ع ل ى الص ف ا، ف ج ع ل ي ن اد ي: «يَا بَنِي فِ هْر ، يَا بَنِي عَدِيٍّ » - ل ب ط ون ق ر يْشٍ - ح ت ى اجْت م ع وا ف ج ع ل الر ج ل إ ذ ا ل مْ ي سْت ط عْ أ نْ ي خْر ج أ رْس ل ر س ولاً ل ي نْظ ر م ا ه و ، ف ج اء أ ب و ل ه بٍ و ق ر يْشٌ، ف ق ال : «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَد قِيَّ؟» ق ال وا: ن ع مْ، م ا ج ر بْن ا ع ل يْك إ لا ص دْقًا، ق ال « :فَإِن ي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد » ف ق ال أ ب و )509( في ظلال القرآن، لسيد قطب 4 /2155). بتصرف يسير )510( تفسير ابن كثير ت سلامة6 /420.)
عدد الصفحات ٢١٤- 208 - ل ه بٍ: ت بًا ل ك س ائ ر الي وْم ، أ ل ه ذ ا ج م عْت ن ا؟ ف ن ز ل تْ : {ت ب تْ ي د ا أ ب ي ل ه بٍ و ت ب (1 )م ا أ غْن ى ع نْه م ال ه و م ا ك س ب }(511)" (512) . لقد جهر النبي ﷺ بالدعوة، بحكمة وشجاعة، وأختار –صلى الله عليه وسلم-أفضل الأمكنة التي يمكن التبليغ فيها، ولم يصده عن دعوته لوم لائم، ولا معتبة عاذل، ومضى الرسول الكريم ﷺ في دعوته المباركة، ليلاً ونهاراً، علانية وا سراراً، وهو يوقن حق اليقين، أن أي داعية للخير لن يسلم من الهمز واللمز مروراً بالإيذاء الجسدي، وقد يصل المطاف إلى القتل، أو حتى التمثيل بجسده بعد الموت. والصدع بالحق، يقتضي الجهر به من دون ملاينة، وا ظهار المبادئ من دون مصانعة، وقال الله عن نبيه ﷺ {و دُّوا ل وْ ت دْه ن ف ي دْه ن ون [ }القلم: 9]. ذكر الإمامالرازي أقوال العلماء في تفسير المداهنة فقال: " ق ال الل يْث : والإْ دْه ان هو الل ين و الْم ص ان ع ة و الْم ق ار ب ة ف ي الْك لا م ، ق ال : الْم ب ر د : د اه ن الر ج ل ف ي د ين ه و د اه ن ف ي أ مْر ه إ ذ ا خ ان ف يه و أ ظْه ر خ لا ف م ا ي ضْم ر ، و الْم عْن ى ت تْر ك ب عْض م ا أ نْت ع ل يْه م م ا لا ي رْض وْن ه م ص ان ع ةً ل ه مْ ف ي فْع ل وا م ثْل ذ ل ك و ي تْر ك وا ب عْض م ا لا ت رْض ى ف ت ل ين ل ه مْ و ي ل ين ون ل ك " (513) . قالسي د قطب: " فهي المساومة إذن، والالتقاء في منتصف الطريق . كما يفعلون في التجارة . وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها لأن الصغير منها كالكبير. بل ليس في العقيدة صغير وكبير. إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء . لا يطيع فيها صاحبها أحداً ، ولا يتخلى عن شيء منها أبداً . ولم يساوم-صلى الله عليه وسلم-في دينه وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة. وهو محاصر بدعوته. وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون. ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه )511 )[1،2.] )512( صحيح البخاري 6 /111) حديث4000 .)قال الإمام البخاري ح د ث ن ا ع م ر بْن ح فْص بْن غ ي اثٍ، ح د ث ن ا أ ب ي، ح د ث ن ا الأ عْم ش ، ق ال : ح د ث ن ي ع مْر و بْن م ر ة ، ع نْ س ع يد بْن ج ب يْرٍ، ع ن ابْن ع ب ا سٍ ر ض ي الل ه ع نْه م ا ق ال : الحديث. )513( تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 30 /603.)
عدد الصفحات ٢١٥- 209 - الأقوياء المتجبرين، تأليفاً لقلوبهم، أو دفعاً لأذاهم. ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد " (514). قال تعالى {ق لْ ي ا أ يُّه ا الْك اف ر ون (1 ) لا أ عْب د م ا ت عْب د ون (2 )و أ نْت مْ ع اب د ون م ا أ عْب د (3 ) و أ ن ا ع اب دٌ م ا ع ب دْت مْ (4 )و أ نْت مْ ع اب د ون م ا أ عْب د (5 )ل ك مْ د ين ك مْ و ل ي د ين [ }الكافرون: 1 -6]. جاء الأمر الإلهي لنبيه ﷺ بالصدع بالحق، في هذه المرحلة، وبهذه الطريقة، ومع هؤلاء الأشخاص، ليكون درساً لكل الأفراد والجماعات، والدول والهيئات، أن الحق لا يتغير بتغير الزمان، والإسلام لا يتلون بتلون المكان، والعقيدة لا تتقلص أو تتمدد وفقاً للأهواء، والدين لا ينقص أو يزيد بحسب طبيعة الصفقات. ومن الأقوال المنيرة لسي د قطب ما قاله في هذه الآية: " وضع المشركون خطة و سطاً بينهم وبين النبي ﷺ وعرضوا عليه أن يسكت عن عيب آلهتهم وعبادتهم، وهم يسكتون عن إلهه. لعل هذا كان شعوراً منهم هم أن المسافة بينهم وبين محمد ﷺ قريبة، يمكن التفاهم عليها، والالتقاء في منتصف الطريق، مع بعض الترضيات الشخصية! ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور.. نزلت هذه السورة . بهذا الجزم . وبهذا التوكيد. وبهذا التكرار . لتنهي كل قول، وتقطع كل مساومة وتفرق نهائياً بين التوحيد والشرك، وتقيم المعالم واضحة، لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير " (515) . لقد حسم النبيﷺ المسألة، وأنهى القضية، وصر ح أنه لن ي وقف الصدع بالحق، ولن ي سر بالتوحيد، حتى ولو فعلوا المستحيل. وقد روى الإمام أبو يعلى بسنده إلى ع ق يل بْ ن أ ب ي ط ال بٍ ق ال : "ج اء تْ ق ر يْشٌ إ ل ى أ ب ي ط ال بٍ ف ق ال وا: إ ن ابْن أ خ يك ي ؤْذ ين ا ف ي ن اد ين ا، و ف ي م سْج د ن ا، ف انْه ه ع نْ أ ذ ان ا، ف ق ال : ي ا ع ق يل : ائْت ن ي ب م ح م دٍ، ف ذ ه بْت ف أ ت يْت ه ب ه ، ف ق ال : ي ا ابْن أ خ ي، إ ن ب ن ي ع م ك ي زْع م ون أ ن ك ت ؤْذ يه مْ ف ي ن اد يه مْ، و ف ي م سْج د ه مْ، ف انْت ه ع نْ ذ ل ك ق ال : ف ح ل ق ر س ول الل ه ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ب ص ر ه إ ل ى الس م اء ف ق ال : «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ؟ » .ق ال وا: ن ع مْ ق ال : «مَا أَنَ ا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ لَكُمْ )514( في ظلال القرآن، لسيد قطب 6 /3658.) )515) في ظلال القرآن، لسيد قطب 6 /3991). بتصرف يسير
عدد الصفحات ٢١٦- 210 - ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَسْتَشْعِلُوا لِي مِنْهَا شُعْلَةا ». ق ال: ف ق ال أ ب و ط ال بٍ : م ا ك ذ ب ن ا ابْن أ خ ي، ف ارْج ع وا " (516). وقال أبو طالب: )516) مسند أبي يعلى الموصلي12 /106) حديث6804 .)قال الإمام أبو يعلى: ح د ث ن ا م ح م د بْن ع بْد الل ه بْن ن م يْرٍ، ح د ث ن ا ي ون س بْن ب ك يْرٍ، ح د ث ن ا ط لْح ة بْن ي حْي ى، ع نْ م وس ى بْن ط لْح ة ، ح د ث ن ا ع ق يل بْن أ ب ي ط ال بٍ ق ال : الحديث. دراسة الحديث: أولاا: دراسة الإسناد: رجاله ثقات إلا؛ 62- طلحة بن يحيى هو ابن طلحة بن عبيد الله القرشي، التيمي، المدني، نزيل الكوفة. ذكره العجلي في الثقات وقال: ثقة. وذكره العقيلي في الضعفاء. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : سألت أبي عنه؟ فقال: صالح الحديث، حسن الحديث، صحيح الحديث، وقال عبد الرحمن : سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: صالح. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطىء. وقال النووي: هو ثقة. وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء. و قال ابن حجر في التهذيب: روى عن أبيه وأعمامه وابني عميه وغيرهم. وقال في التقريب: صدوق يخطىء. وهو من رجال مسلم. مات سنة ست وأربعين ومائة. الحكم على الراوي: صالح الحديث. مصادر الترجمة: الثقات للعجلي ط الباز (ص: 230) ترجمة 028). والضعفاء الكبير للعقيلي2 /226 ) ترجمة 001). والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4 /400) ترجمة 2095). والثقات لابن حبان6 / 480) ترجمة 8004). ورجال صحيح مسلم 1 /329) ترجمة 018). وتهذيب الأسماء واللغات1 / 254) ترجمة 203). وديوان الضعفاء (ص201) ترجمة 2018). وتهذيب التهذيب5 /20). وتقريب التهذيب (ص: 283) ترجمة 3036.) 63- يُونُسُ بْنُ بُكَيْر هو ابن واصل أبو بكر الشيبانيّ الكوفيّ الحافظ، صاحب المغازي، قال ابن محرز: سألت يحيى عنه؟ فقال: ليس به بأس. وقال الدوري : س م عت يحيى ي ق ول: ي ون س بن بكير ث ق ة. و قال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبى عنه؟ فقال: محله الصدق. وذكره ابن شاهين في الثقات وقال: ق ال عبيد بن يع يش عنه: ك ان ث ق ة. وقال الذهبي عنه في تذكرة الحفاظ: الحافظ العالم المؤرخ. وقد روى له مسلم متابعة استشهد به البخاري. وقال ابن حجر عنه في التقريب: صدوق يخطىء. وهو من رجال صحيح مسلم . توفي سنة تسع وتسعين ومائة. الحكم على الر اوي: حسن الحديث. مصادر الترجمة: تاريخ ابن معين -رواية ابن محرز (1 /81). وتاريخ ابن معين -رواية الدوري ( 3 /204 ) ترجمة 1306). والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 9 /236) ترجمة 995). وتاريخ أسماء الثقات (ص 264) ترجمة 1628). ورجال صحيح مسلم 2 /369) ترجمة 1890). وتذكرة الحفاظ = طبقات الحفاظ
عدد الصفحات ٢١٧- 211 - وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ... حَتَّى أُوَسَّدَ فِي الت رَابِ دَفِينَا فَامْضِي لأَِمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ... أَبْشِرْ وَقَرَّ بِذَاكَ مِنْكَ عُيُونَا وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ نَاصِحِي ... فَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ قِدْمُ أَمِينَا وَعَرَضْتَ دِيناا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا لَوْلاَ الْمَلاَمَةُ أَوْ حَذَارِيَ سُبَّةا ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحاا بِذَاكَ مُبِينَا (517) ثانياا: صدع النبيﷺ بالتوحيد لجبابرة الأرض: في وقت لم يتجاوز فيه عدد المسلمين بضعة آلاف، صدع الرسول ﷺ بدعوته، و تكلم برسائله لي سمع أكبر الدول، وأعلن الحق ل ت ذعن له الدنيا، فبعث –صلى الله عليه و سلم- بالرسل إلى ك ل ح د بٍ و ص وْبٍ ، فراسل ملوك الأرض والقياصرة، وأباطرة الدنيا والأكاسرة، ودعاهم إلى الإيمان، وحذرهم من الشرك والن كران، وصدع بالحق، ولم يداهن في دين الله، وروى مسلم في للذهبي (1 /238) ترجمة 310). وتقريب التهذيب (ص 613) ترجمة 0900). وشذرات الذهب في أخبار من ذهب (2 /402.) ثانياا: تخريج الحديثوأخرجه البزار في البحر الزخار ( 6 /115) حديث2100) بنحوه. وأخرجه الطبراني في الكبير (10 /191) حديث511) بنحوه. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة محققاً2 /186) بمثله. ثلاثتهم من طريق يونس بن بكير. وأخرجه الطبراني أيضاً في المعجم الأوسط (8 /253) بنحوه وأخرجه الحاكم في المستدرك ( 3 /668) حديث6460) بمثله كلاهما من طريق طلحة بن يحيى به. ثالثاا: الحكم على الإسناد: إسناده حسن. قال الألباني: إسناد حسن رجاله كلهم رجال مسلم وفي يونس به بكير وطلحة بن يحيى كلام لا يضر. ي نظر سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1 /194 ) حديث92 .)وقالحسين سليم أسد: إسناده قوي. ي نظر مسند أبي يعلى الموصلي (12 /106) حديث (6804.) )510( الأبيات من سيرة ابن اسحاق = السير والمغازي (ص 155). ولم يذكرها أبو يعلى
عدد الصفحات ٢١٨- 212 - صحيحه(518) ع نْ أ ن سٍ : «أَن نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْ رَى، وَا ِلَى قَيْصَرَ، وَا ِلَى النَّجَاشِي ، وَا ِلَى كُل جَبَّار يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى». وقد روى نص أحد هذه الرسائل الإمام البخاري في صحيحه عن أ بي س فْي ان بْ ن ح رْبٍ قال: "د ع ا [ ب ك ت اب ر س ول الل ه ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ال ذ ي ب ع ث ب ه د حْي ة إ ل ى ع ظ يم ب صْر ى، ف د ف ع ه إ ل ى ه ر قْل ، ف ق ر أ ه ف إ ذ ا ف يه «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّد عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْ لَ عَظِيمِ الر ومِ: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِن ي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَ سْ لَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِي ينَ » (519). لقد صدع النبي ﷺ بالتوحيد، و جهر بدعوته لتُسمع لكل الآذاَ الصم، أعلنها لتبصرها كل الْعين العُمي، وجهر بالكفر بكل ما يعبد من دوَ الله، في وقت كاَ الإسلام فيه مضطهد اا ، والمسلموَ فيه مشردوَ، لَ يجد أحدهم ما يملئ به بطنه، وهذه هي قمة البُطُولَة، ومنتهى الشجاعة في الصدع ب الحق. )518( صحيح مسلم3 /1390) حديث1004 .)قال الإمام مسلم ح د ث ن ي ي وس ف بْن ح م ادٍ الْم عْن يُّ، ح د ث ن ا ع بْد الأْ عْل ى، ع نْ س ع يدٍ، ع نْ ق ت اد ة ، ع نْ أ ن سٍ: الأثر. )519) صحيح البخاري 1 /8) حديث0 .)قال الإمام البخاري ح د ث ن ا أ ب و الي م ان الح ك م بْن ن اف عٍ ق ال : أ خْب ر ن ا ش ع يْ بٌ، ع ن الزُّهْر ي ق ال : أ خْب ر ن ي ع ب يْد الل ه بْن ع بْد الل ه بْن ع تْب ة بْن م سْع ودٍ، أ ن ع بْد الل ه بْن ع ب اسٍ، أ خْب ر ه أ ن أ ب ا س فْي ان بْن ح رْبٍ أ خْب ر ه : الأثر.
عدد الصفحات ٢١٩- 213 - المطلبُ الثَّاني: بطولة النبي ﷺ في الثبات على الحق إن كثيراً من الناس قد يصدع بالحق، ويجهر بالتوحيد، ولكن لا يثبت عليه عند الفتن والزلازل وتتمايز الصفوف إلا من ثبته الله .ولقد استعمل أعداء الدين من المشركين، كل الأساليب الممكنة والوسائل والمتاحة لكي يثنوا الرسول عن دعوته، ولكن الرسول ﷺ و اصل المسير على طريق ذات الشوكة، لأنها طريق الدعاة بعده. أولاا : صدع النبي ﷺ بالحق رغم الافتراءات: لقد بدأت قريش ح رْباً ش عْو اء على الله في محاولة منها لإنهاء دعوة رسوله في مهدها بكيل الاتهامات، واختلاق الأباطيل، لتشويه الحق وا ظهاره بصورة الباطل. فتارة يتهمون النبي ﷺ بالجنون فق ال وا أ يُّه ا ال ذ ي ن ز ل ع ل يْه الذ كْر إ ن ك ل م جْن ونٌ } [الحجر: 6] وتارة يتهمونه –صلى الله عليه وسلم-بالسحر { الْك اف ر ون ه ذ ا س اح رٌ ك ذ ابٌ } [ص: 4]. فيربط الله على فؤاد النبي ﷺ ويثبته ويخبره أن هذه سنة المكذبين في كل مكان، و دأب المفترين على مر الدهور والأزمان، فقال الله جل وعلا {ك ذ ل ك م ا أ ت ى ال ذ ين م نْ ق بْل ه مْ م نْ ر س ولٍ إ لا ق ال وا س اح رٌ أ وْ م جْن ونٌ [الذاريات : 52]. وما برح كبراء الدجاجلة حتى اتهموه –صلى الله عليه وسلم-باختلاق القرآن، افتراء الأساطير فق ال ك ف ر وا إ نْ ه ذ ا إ لا إ فْكٌ افْ ت ر اه و أ ع ان ه ع ل يْه ق وْمٌ آخ ر ون ف ق دْ ج اء وا ظ لْمًا و ز ورًا (4 )و ق ال وا أ س اط ير الأْ و ل ين اكْت ت ب ه ا ف ه ي ت مْل ى ع ل يْه ب كْر ةً و أ ص يلاً } [الفرقان : 4 -5]. قالسي د قطب: "وهذه الحقيقة الأساسية الكبيرة هي التي يجب أن يصدع بها أصحاب الدعوة الإسلامية، ولا يخفوا منها شيئاً وأن يصروا عليها مهما لاقوا من بطش الطواغيت و تململ الجماهير: {و ل ق دْ ن عْل م أ ن ك ي ض يق ص دْر ك ب م ا ي ق ول ون (90 )ف س ب حْ ب ح مْد ر ب ك و ك نْ م ن الس اج د ين (98 )و اعْب دْ ر ب ك ح ت ى ي أْت ي ك الْي ق ين (99[ })الحجر: 90 -99] " .(520). )520 )في ظلال القرآن، لسيد قطب 4 /2156.)
عدد الصفحات ٢٢٠- 214 - ثانياا: السخرية والاستهزاء لا تزيد النبي إلا ثباتاا : عندما وجد المشركون أن الاتهامات لا تزيد الدعوة إلا توطيداً، والافتراءات لا تجلب للنبي ﷺ إلا تأييداً، قام وا ب ت جْر ب ةٍ وسيلة م جر بة، ألا وهي الت هك م والاستهزاء، وق د جر بها سلفهم من المكذبين، ومن سبقهم من الم هل كين، فقال الله تعالى { أ رْس لْن ا م نْ ق بْل ك ف ي ش ي ع الأْ و ل ين (10 ) و م ا ي أْت يه مْ م نْ ر س ولٍ إ لا ك ان وا ب ه ي سْت هْز ئ ون [ }الحجر: 10، 11]. ولكن يأبي العتاة إلا أن يجربوا الم جر ب، ويقتدوا بأسلافهم، لكي ي ظفروا بنفس الد ر ك ة في الجحيم، بل و ا ن ع ت اة قريش قد نالوا رتبة أ سْح ق في قعر جهنم، واستحقوا هذه المنزلة ب فعل واحد من أفعالهم فقط، وهو ما رواه الإمام مسلم في صحيحه (521 )عن ابْن م سْع ودٍ، ق ال : "ب يْن م ا ر س ول الله ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ي ص ل ي ع نْد الْب يْت ، و أ ب و ج هْلٍ و أ صْ ح ابٌ ل ه ج ل وسٌ، و ق دْ ن ح ر تْ ج ز ورٌ ب الأْ مْس ، ف ق ال أ ب و ج هْلٍ : أ يُّك مْ ي ق وم إ ل ى س لا ج ز ور ب ن ي ف لا نٍ، ف ي أْخ ذ ه ف ي ض ع ه ف ي ك ت ف يْ م ح م دٍ إ ذ ا س ج د ؟ ف انْب ع ث أ شْق ى الْق وْم ف أ خ ذ ه ، ف ل م ا س ج د الن ب يُّ ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م و ض ع ه ب يْن ك ت ف يْه ، ق ال : ف اسْت ضْح ك وا، و ج ع ل ب عْض ه مْ ي م يل ع ل ى ب عْضٍ و أ ن ا ق ائ مٌ أ نْظ ر ، ل وْ ك ان تْ ل ي م ن ع ةٌ ط ر حْت ه ع نْ ظ هْر ر س ول الله ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ، و الن ب يُّ ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م س اج دٌ م ا ي رْف ع ر أْس ه ح ت ى انْط ل ق إ نْس انٌ ف أ خْب ر ف اط م ة ، ف ج اء تْ و ه ي ج و يْر ي ةٌ، ف ط ر ح تْ ه ع نْه ، ث م أ قْب ل تْ ع ل يْه مْ ت شْت م ه مْ، ف ل م ا ق ض ى الن ب يُّ ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ص لا ت ه ، ر ف ع ص وْت ه ، ث م د ع ا ع ل يْه مْ، و ك ان إ ذ ا د ع ا د ع ا ث لا ثًا، و ا ذ ا س أ ل س أ ل ث لا ثًا، ث م ق ال : «اللهُمَّ، عَلَيْكَ بِقُرَيْش » ث لا ث م ر اتٍ، ف ل م ا س م ع وا ص وْت ه ذ ه ب ع نْه م الض حْك ، و خ اف وا د عْو ت ه ، ث م ق ال : «اللهُمَّ، عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْ نِ هِشَام ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَف ، وَعُقْبَ ةَ بْنِ أَبِي مُعَيْط ». )521( صحيح مسلم (3 /1418) حديث1094.) قال الإمام مسلم ح د ث ن ا ع بْد الله بْن ع م ر بْن م ح م د بْن أ ب ان الْج عْف يُّ، ح د ث ن ا ع بْد الر ح يم ي عْن ي ابْن س ل يْم ان ، ع نْ ز ك ر ي ا، ع نْ أ ب ي إ سْح اق ، ع نْ ع مْر و بْن م يْم ونٍ الأْ وْد ي ، ع ن ابْن م سْع ودٍ، ق ال : الحديث.
عدد الصفحات ٢٢١- 215 - ولم تقتصر الحرب التي شن ها المشركون على الرجال، بل شاركتهم نساؤهم،و كان ل ه ن دور بارز في إيذاء الرسول الكريم ﷺ، وقد ورى شيئاً من ذلك البخاري في صحيحه (522 )عن ج نْد ب بْن س فْي ان ر ض ي الل ه ع نْه ، ق ال : «اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاا»، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ، إِن ي لأََرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَ دْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ -أَوْ ثَلاَثَة -». قالالكَ رْ ماني في شرحه على البخاري أن المرأة: " هي أم جميل بفتح الجيم امرأة أبي لهب" (523). صاحبة الباع الطويل في محاربة الله ورسوله، والتاريخ الحافل في ال صد عن سبيل الله. لقد فعل المشركو ن بالنبي ﷺ كل هذا وغيره الكثير الكثير، ولكن النبي صبر و احتسب في سبيل الله، وكان ثابتاً كالطود الأشم. ثالثاا: الاغراءات لا تجدي نفعاا: بعد استصعاب الوصول للنبي ﷺ بعد إسلام حمزة وعمر –رضي الله عنهما-أوحت الشياطين إلى أوليائها، باستعمال طريقة جديدة قد تجدي نفعاً مع أصحاب القلوب الضعيفة، وذوي الأنفس الم هْز ومة، وممتلكي الهيئات الم هْز ولة، وهي الإغراء بالمال، والترغيب في الدنيا، وقد ر وى الإمام ابن أبي شيبة (524) بسنده ع نْ ج اب ر بْن ع بْد الل ه ، أحد هذه الاغراءات، ق ال : " اجْت م ع تْ ق ر يْشٌ ي وْمًا ف ق ال وا: انْظ ر وا أ عْل م ك مْ ب الس حْر و الْك ه ان ة و الش عْر ، ف لْي أْت ه ذ ا الر ج ل ال ذ ي ف ر ق ج م اع ت ن ا و ش ت تْ أ مْر ن ا و ع اب د ين ن ا ف لْي ك ل مْه و لْي نْظ رْ م اذ ا ي ر دُّ ع ل يْه ، ف ق ال وا: م ا ن عْل م أ ح دًا غ يْر ع تْب ة بْن ر ب يع ة ، ف ق ال وا: أ نْت ي ا أ ب ا الْو ل يد ، ف أ ت اه ع تْب ة ف ق ال : ي ا م ح م د ...إ نْ ك ان إ ن م ا ب ك الْب اء ة ف اخْت رْ أ ي ن س اء ق ر يْشٍ و ن ز و ج ك ع شْرًا، و ا نْ ك ان إ ن م ا ب ك الْح اج ة ج م عْن ا ل ك ح ت ى ت ك ون أ غْن ى ق ر يْشٍ ر ج لاً و اح دًا ، )522( صحيح البخاري 6 /102) حديث4950 .)قال الإمام البخاري ح د ث ن ا أ حْم د بْن ي ون س ، ح د ث ن ا ز ه يْرٌ، ح د ث ن ا الأ سْو د بْن ق يْسٍ، ق ال : س م عْت ج نْد ب بْن س فْي ان ر ض ي الل ه ع نْه ، ق ال : الحديث. )523) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري ( 18 /196.) )524( مصنف ابن أبي شيبة0 /330) حديث36560 .)قال الإمام ابن أبي شيبة ح د ث ن ا ع ل يُّ بْن م سْه رٍ، ع ن الأْ جْل ح ، ع ن الذ ي ال بْن ح رْم ل ة ، ع نْ ج اب ر بْن ع بْد الل ه ، ق ال : الحديث.
عدد الصفحات ٢٢٢- 216 - ف ق ال ر س ول الل ه ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م«أَفَرَغْتَ؟» ق ال : ن ع مْ، ف ق ر أ ر س ول الل ه ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م : {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ح ت ى ب ل غ {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةا مِ ثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ }[13] ق ال : لا ، ف ر ج ع إ ل ى ق ر يْشٍ ف ق ال وا: م ا و ر اء ك ؟ ق ال : م ا ت ر كْت ش يْئًا أ ر ى أ ن ك مْ ت ك ل م ون ه ب ه إ لا و ق دْ ك ل مْت ه ب ه ، ف ق ال وا: ف ه لْ أ ج اب ك ؟ ق ال : ن ع مْ، ق ال : لاَ وَالَّذِي نَصَبَهَا بَي نَةا مَا فَهِمْتُ شَيْئا ا مِمَّا قَالَ غَيْرَ أَنَّهُ أَنْذَرَكُمْ صَاعِقَةا مِثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ، ق ال وا: و يْل ك ي ك ل م ك ر ج لٌ ب الْع ر ب ي ة لا ت دْر ي م ا ق ال ؟، ق ال : لاَ وَاللَّهِ مَا فَهِمْتُ شَيْئاا مِمَّا قَالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصَّاعِقَةِ " (525). هذا هو ثبات النبي صلى الله عليه وسلم قدوة أصحاب المبادئ، وسيد الراسخين في وجه الإغراءات. )525( دراسة الحديث أولاا: دراسة الإسناد: رواته ثقات إلا؛ 64- الأَْجْلَحِ: هو أجلح بن عبد الله الكندي. أبو حجية الكوفي، والد عبد الله بن الأجلح، ويقال: اسمه يحيى، والأجلح لقب. قال الدوري: سمعت يحيى ي ق ول: الأْ جْل ح ث ق ة. وقال: س ئ ل يحيى و أ نا أسمع ع ن الأْ جْل ح؟ ف ق ال : ل يْس ب ه ب أْس. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: يقول أبي: الأجلح لين، ليس بالقوي يكتب حديثه، ولا يحتج ب ه. وذكره ابن حبان في المجروحين وقال: كان لا يدرك ما يقول ويقلب الأسامي. وذكره الذهبي في كتابه: من تكلم فيه وهو موثو ق، وقال: شيعي مشهور صدوق. وقال ابن حجر في التقريب: صدوق شيعي. مات سنة خمس أربعين ومائة . الحكم على الراوي: صدوق. مصادر الترجمة: تاريخ ابن معين -رواية الدوري ( 3 /269) ترجمة 1206) و3 /454) ترجمة 2232.) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 /346) ترجمة 1310.) والمجروحين لابن حبان1 /105) ترجمة (108 .) وتهذيب الكمال في أسماء الرجال 2 /205) ترجمة 282.) ولسان الميزان 0 /101) ترجمة (2219.) ومن تكلم فيه وهو موثق ت الرحيلي (ص 03) ترجمة 13). وتقريب التهذيب (ص 96 ) ترجمة 285.) 65- الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ البكري الأسدي الكوفي. ذكره البخاري في التاريخ الكبير وقال: روى ع نْ ج اب ر بْن ع بْد الل ه وابْن ع مْرو القاسم بْن مخيمرة، روى عنه الأجلح وحصين وفطر، يعد ف ي الكوفيين. وذكره ابن أبي حاتم وقال: روى عن جابر بن عبد الله وابن عمر والقاسم بن مخيمرة روى عنه ال شيباني وحصين والأجلح و حجاج بن أرطأة وفطر سمعت أبى يقول ذلك. وذكره ابن حبان في الثقات وقال يروي عن جابر بن عبد الله روى عنه حصين وفطر بن خليفة والأجلح. الحكم على الراوي: مجهول، لم ي وث قه غير ابن حبان.
عدد الصفحات ٢٢٣- 210 - رابع اا: محاولات القتل لم تثني عزمه: إن الجبابرة المستكبرين، والطغاة المجرمين، ي عدمون الدعوات المخالفة لش بهاتهم، وي سكتون الأصوات الكاشفة لشهواتهم، يجدون دائماً أن الحل الأمثل يكون بالتصفية الجسدية والقتل، وخصوصاً إذا لم تجد نفعاً كل الطرق المتوافقة مع العادات المحلية والشرائع الدولية ، لأنهم يعتبرون أن كل القوانين و المواثيق لم ت خلق إلا لحمايتهم، والدفاع عن مصالحهم، فإذا كانت عائقاً يقف في طريق تحقيق رغباتهم، أو إشباع ن ز واتهم، فستصبح مواثيقاً صورية، وا ن لم يتم انتهاكها علناً، سيتم تجاوز ها ضمنياً، و قال الله جل وعلا في القرآن الكريم عن بعض أساليبهم القذرة للصد عن سبيل ا ي مْك ر ب ك ال ذ ين ك ف ر وا ل ي ثْب ت وك أ وْ ي قْت ل وك أ وْ ي خْ ر ج وك و ي مْك ر ون و ي مْك ر الل ه و الل ه خ يْر الْم اك ر ين [ }الأنفال: 30]. لقد تعرض النبي ﷺ لعشر محاولات اغتيال، اختلفت الأساليب، وتن وع الفاع لون، واتحدت الأهداف، وهي القضاء على الإسلام، وأحد هذه المحاولات ما كان على أطهر بقعة على وجه الأرض، وكان أطهر البشر ﷺ في الصلاة، ولقد روى هذه الحادثة البشعة الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه عن ع مْر و بْن الْع اص ، ق ال : " م ا ر أ يْت ق ر يْشًا أ ر اد وا ق تْل الن ب ي ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م إ لا ي وْمًا ائْت م ر وا ب ه و ه مْ ج ل وسٌ ف ي ظ ل الْك عْب ة و ر س ول الل ه ص ل ى الله ع ل يْه و س ل م ي ص ل ي ع نْد مصادر الترجمة: التاريخ الكبير للبخاري بحواشي المطبوع (3 /261) ترجمة 890). والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (3 /451) ترجمة 2041). والثقات لابن حبان4 /222) ترجمة 2615 .) ثانياا: تخريج الحديثأخرجه أبو يعلى في مسنده (3 /349) حديث1818) وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب ت صبحي السامرائي (ص: 330) حديث1123) كلاهما من طريق المصنف به، بلفظه. وأخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 /208) حديث3002) من طريق الأجلح بن عبد الله به، بمثله. وأخرجه أبو ن ع يْم الأصبهاني في دلائل النبوة (ص: 230) حديث182) من طريق المصنف به، ولكن بزيادة م نْج اب بن الحارث، بين المصنف وعلي بن م سْه ر، بمثله. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة محققاً (2 /202) من طريق الأْ جْل ح به، بنحوه. ثالثاا: الحكم على الإسناد: ضعيف الإسناد. قال الإمام الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الإمام الذهبي: صحيح. ي نظر المستدرك على الصحيحين للحاكم (2 /208) حديث3002.) وذكر الألباني الحديث في كتابه صحيح السيرة النبوية (ص: 159).
عدد الصفحات ٢٢٤